الباب الثامن: الوسواس القهري

1 - ما هي الوساوس القهرية في العقيدة؟

ج: الوساوس القهرية في العقيدة هي: تصوُّرات كفرية على شكل أفكار قهرية تقفز فجأةً إلى العقل.

فهي أفكار لا تُحتمل... أفكار بشعة تجعل صاحبَها يظن أنَّه قد هلك... يظن أنَّه قد ألحد أو نافق.

ولما جاءت هذه الوساوس إلى بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا رسولَ اللهِ، إنَّا لَنجِدُ في أنفسِنا شيئًا لَأنْ يكونَ أحدُنا حُمَمةً أحَبُّ إليه مِن أنْ يتكلَّمَ به"().

لأنْ يكون أحدُهم حُمَمة أفضل من هذا الشعور بالوسوسة.

وفي الحديث الآخر قالوا: لأن يسقُطَ من عندِ الثريَّا أحبُّ إليه من أن يتكلمَ به().

فالوسواس القهري مزعج فعلًا.

ولا بد أن يعرف الناس طبيعة هذا المرض، حتى يعرفوا الفرق بين الوسواس والشبهة.

فالصور العامة واحدة، والشكل الخارجي للوسواس والشبهة واحدٌ، لكن شتَّان بينهما في طريقة التعامل، فهناك فرق شاسع في التعامل بين كَون السؤال وسواسيًّا أو شبهة.

فصاحب الوسواس لو عاملتَهُ كما تعامل مَن عنده شبهة... لو احترمت سؤاله، وجعلت تردُّ عليه بالأدلة والبراهين والمنطق، فأنت بهذا تزيدُه مرضًا... أنت ودون أن تدري تضاعِف عليه المرض، بل وكأنك تضع البنزين على النار.

والمشكلة الأكبر أنَّ بعض أصحاب الوسواس يظنُّون أنَّ ما عندهم شبهات، فيذهبون ويأتون وهم لا يدرون أنَّه وسواس قهري.

2 - ما هو الفرق بين الوسواس والشبهة؟

ج: الشبهة هي: باطل لبَّسوه دليلًا، سواءً كان دليلًا من القرآن أو السُّنة أو أي دليل.

فهذه تسمى شبهة.

والشبهة يجب تعريتُها، ويجب كشفُها، ويجب فضحُها حتى يتفطَّن السائل، ويطمئن لسخافتها.

وصاحب الشبهة هو: إنسان طبيعي يسأل سؤالًا، لو أُجيب عن شبهته لانتهت.

أما الوسواس فهو أمرٌ آخر تمامًا.

الوسواس هو: فروض عقلية... أفكار مُلحَّة غريبة قهرية لامنطقية ولا تنتهي، قد تأتي على صورة شبهات أو تساؤلات، فشكلها الخارجي يجعلها كالشبهة تمامًا، لكنَّ الفرق أنك لو أجبتها سيقفز لذهن صاحبها فرضٌ عقليٌّ آخر، ولو أجبتَ عن فرضه العقلي الآخر سيقفز فرض عقلي ثالث، وهكذا إلى ما لانهاية.

فصاحب الوسواس إذا أُجيب، فإنَّ عقله يقتنع في أول الأمر، لكن بعد قليل تبدأ الأفكار تُلِحُّ عليه مرةً أخرى، وتظل تدور في رأسه، ثم تأتيه الأفكار بصيغ مختلفة، ربما كذا... ماذا لو؟.... لكن رُبَّما.... أليس من المحتمل أن؟... وهكذا، فروض عقلية لا تنتهي.

ومريض الوسواس القهري قد يعيش لسنواتٍ في هذه الدائرة المغلقة إذا لم يعرف طبيعة مرضه.

فهي دائرة لا تنتهي من الأفكار والتصوُّرات المزعجة المتعاقبة اللامنطقية، والتي تلازم الشخص، ولا يستطيع التخلُّص منها رغم وعيِهِ بغرابتها ولامنطقيتها.

فهذا هو عين الوسواس القهري.

وهناك وسواس يأتي على شكل الشعور برغبة مُلحَّة على تصوُّر كفري معين... تصوُّر كفري للذات الإلهية... تصوُّر كفري للأنبياء.

تصوُّر للذات الإلهية بصورة سيئة... تصوُّر للأنبياء بصورة لا تليق.

وهناك وسواس آخر يأتي لكن ليس على شكل تصوُّر كفري، بل على شكل سلوك كفري، فتسأل سائلة وتقول: أثناء تنظيفي للمنزل وضعت المصحف جانبًا لكن شعرت أني ألقيتُهُ، فهل هذا كفر؟

وتبدأ تدخل في نوبة خوف شديد.

هذه حالة حقيقية ظلت شهورًا تعاني من هذا المرض.

فهذا نوع من أنواع وسواس السلوك الكفري.

وهناك وسواس النطق بكلام كفري: حيث تخرج كلمات كفرية من اللسان أثناء الهجمة الوسواسية، وتخرج ألفاظ سب للذات الإلهية أو الأنبياء أو الدين.

وهناك وسواس عدم الانزعاج من الوسواس: حيث يخشى المريض بالوسواس القهري من عدم انزعاجه من الوسوسة، ويظن أنَّ هذا اطمئنان بالوسواس.

فهناك صور كثيرة من الوسواس، وقد يتعرض المريض بالوسواس لجملة من هذه الصور الوسواسية أو كلها.

إذنْ فالفكرة الوسواسية القهرية قد تكون فكرة أو نطقًا أو فعلًا.

وصاحبها يظن أنَّه قد هلَك أو كَفر أو نافق أو شك أو ألحد.

وبعضهم يغتسل وينطق الشهادتين في اليوم الواحد أكثر من خمس مراتٍ، ولا يدري أنَّ هذا نوعٌ من الأمراض في الطب النفسي يُسمى بـ: الوسواس القهري أو الـ OCD.

3 - لماذا يحدث الوسواس القهري؟

ج: نحن لا نعرف تحديدًا سبب حصول هذا المرض.

وهناك نظريات طبية كثيرة مثل افتراض: مشكلة جينية... مشكلة وراثية... مشكلة في النواقل العصبية.

وهناك افتراض أنَّ هناك ضغطًا نفسيًّا مفاجئًا.

لكن خلاصة الموضوع أنَّ: هناك بعض الأشخاص يكونون مهيَّئين لحصول الهجمة الوسواسية لسببٍ أو لآخر أكثر من غيرهم.

فلو تعرَّض أحدهم لضغطٍ مفاجئٍ كشبهاتٍ مثلًا، أو استمع لطرح إلحادي أو حلقة تشكيكية، فإنَّه هنا تبدأ الهجمة الوسواسية في الظهور.

وقد تظهر الهجمة الوسواسية فجأةً، ودون سابق إنذار.

والشيطان يستغلُّ الاستعداد النفسي للوسواس، فيبدأ في الوسوسة للمريض بأفكارٍ فاسدةٍ، فيضيع عليه شعور اليقين وطمأنينة النفس، ويعطيه شعورًا وهميًّا بعدم اليقين، مع أنَّ اليقين لم يفقده، لكنه شعور وهمي مرتبط بالوسواس.

لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : الحمدُ للهِ الذي ردَّ كيدَه إلى الوسوسةِ().

فهذا منتهى الشيطان من صاحب الوسواس أنَّه يعطيه شعورًا وهميًّا خادعًا بالكفر.

وقد يبدأ الوسواس في العقيدة على شكل وسواس في الطهارة، فيظلُّ المريض بالوسواس يتوضَّأ ساعةً كاملة، ثم ينتقل الوساوس بعد حين إلى العقيدة، وقد تأتي الوساوس أول ما تأتي في العقيدة.

والوسواس القهري ليس له سنٌّ معين يظهر فيه، لكن في الغالب يبدأ قبل سن العشرين، وقد يستمرُّ لأيام وشهور، وقد يطول لسنوات، ويختفي فجأةً في أي وقت.

وبعض الناس من مرضى الوسواس قد تأتيهم الهجمة الوسواسية بمجرد أن يقرأ القرآن، أو يصلي، أو يبدأ في طلب العلم الشرعي.

فما أن يلتزم حتى تأتيه الوساوس، وبعض الناس تزداد معهم الوساوس في شهر رمضان.

والسرُّ في ارتباط الوسواس بالالتزام المفاجئ عند بعض الناس أنَّ: الوسواس في الأساس يكون نتيجةَ شعور التقصير... نتيجة شعور عدم تحقيق المثالية.

وبالتالي فهذا الشعور يزداد كلما ازداد الإنسان طاعةً، وكذلك يزداد كلما استمع الإنسان للشبهات؛ لأنَّه يشعر في هذا الوقت أن إيمانه في خطر.

فالوسواس في الأصل ناتج عن قلق الشعور بالتقصير، وعدم المثالية.

إذنْ فالوسواس يستمدُّ وجودَه من انزعاجك... يستمدُّ وجوده من حرصك على المثالية؛ ولذلك يزداد في الأوقات التي يكون فيها الإنسان أحرص على المثالية.

4 - كيف يتعامل مريض الوسواس القهري في العقيدة مع الوساوس التي تأتيه؟

ج: أول قاعدة لا بد أنْ يعرفها مريض الوسواس القهري في العقيدة؛ سواءً كان وسواسه على شكل أفكار كفرية، أو تصوُّرات كفرية، أو نطق بكلام كفري، أو سلوك كفري... أول قاعدة لا بد أنْ يعرفها أنَّ: كلَّ صور الوسواس معفوٌّ عنها، ولا شيء فيها.

فكل صور الوسواس القهري ليس فيها أيُّ ذنب أو مشكلة، فضلًا عن أن تكون شكًّا أو كفرًا أو إلحادًا.

كلُّها معفوٌّ عنها!

قال النبي صلى الله عليه وسلم لمرضى الوسواس الذين قالوا له: إنَّا لَنجِدُ في أنفسِنا شيئًا لَأنْ يكونَ أحدُنا حُمَمةً أحَبُّ إليه مِن أنْ يتكلَّمَ به.

قال: ذاك محضُ الإيمان().

وفي صحيح مسلم جاءَ ناسٌ مِن أصْحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَسَأَلُوهُ: إنَّا نَجِدُ في أنْفُسِنا ما يَتَعاظَمُ أحَدُنا أنْ يَتَكَلَّمَ به، قالَ: وَقَدْ وجَدْتُمُوهُ؟ قالوا: نَعَمْ، قالَ: ذاكَ صَرِيحُ الإيمانِ.

فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أتقى منَّا جميعًا، وأحرص الناس على دينِك وعقيدتِك، قال عن هذه الوساوس الكفرية: ذاك صريح الإيمان.

وهذا بالمناسبة عندي من عجائب الإعجاز، إذ: كيف عَلِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن طبيعة هذا المرض وهمية محضة، وليست كفرًا ولا حتى مجرد شك؟

هذا أمرٌ لم يعرفه الطب النفسي إلا مؤخرًا جدًّا.

ولم تظهر تحليلات طبيعة الوسواس القهري، وأنها بالفعل أفكار وهمية إلا في القرن الماضي.

فالوسواس القهري أيًّا كانت صورته هو وهْمٌ في وهم، ولا شيء فيه.

وأيضًا رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "إنَّ اللهَ تعالى تجاوزَ لي عن أمتي الخطأَ والنسيانَ وما استُكرهوا عليْهِ"().

وما استُكرهوا عليه: هذا هو عين التوصيف الطبي للوسواس.

فالوسواس هو تصوُّرات وسلوكيات وكلمات قهرية، يُستكره عليها مريض الوسواس، فهذه كلها معفوٌّ عنها عند الله عز وجل ، فقد تجاوز الله عنها بعلمه وحكمته ورحمته.

بل إنَّ هذه الوساوس فيها أجرٌ عظيم من الله لمن صبر.

فهي باب خير كبير من الحسنات والأجور، تُكتب بمجرد الصبر عليها، وعلى ما فيها من ضيق وشعور بالهم والخوف من الكفر والنفاق.

فكل ألم وأذًى نفسي وضيق يسببه الوسواس فيه أجر من الله.

قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: "ما يُصِيبُ المُسْلِمَ مِن نَصَبٍ، ولَا وصَبٍ، ولَا هَمٍّ، ولَا حُزْنٍ، ولَا أذًى، ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ"().

بل ربما لا تترك الوساوس مريض الوسواس إلا وقد غفر الله ذنوبه.

في الحديث المتفق على صحته: "ما مِن مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أذًى، مَرَضٌ فَما سِوَاهُ، إلَّا حَطَّ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ، كما تَحُطُّ الشَّجَرَةُ ورَقَهَا"().

وفي الحديث الصحيح: "ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمُؤْمِنَةِ في نفسِهِ وولدِهِ ومالِهِ، حتَّى يلقَى اللهَ وما علَيهِ خطيئةٌ"().

فالوساوس فيها خير وبركة وحكمة من الله عز وجل ، وليعلم صاحب الوسواس أنَّ هذا الوسواس هو تقدير من الله عز وجل لحكمة ولخير، فالله قيومُ السماواتِ والأرض، ومدبرُ الأمر في السماء والأرض.

لا تجري ذرة ولا أقل منها ولا أكبر إلا بعلم الله ومشيئته وقدرته وحكمته وتدبيره.

فهو سبحانه يُقدِّر الأقدار، ويدبر بحكمته بطُرُقٍ نعرفُها أو لا نعرفها... نريدُها أو نخشاها... يدبر كلَّ شيء، ويدبر كل خير وبلاء، ثم تعود عاقبة كل شيء وكل تقدير إلى ما فيه كمالُ الخير وصلاحُ دينِ الإنسان ودنياه.

فنحن مملوكون مدبَّرون تحت أمر الله وتصريفه سبحانه.

وهو اللطيف المنَّان الودود الكريم، وكل أقدارِهِ خير ورحمة واختبار، لرفع الدرجات وتمحيص العباد.

واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئَك، وما أخطأك لم يكن ليصيبَك.

قال النبي صلى الله عليه وسلم : "ولوْ أنَّ لكَ مِثْلَ أُحُدٍ ذهبًا أَنفَقْتَهُ في سبيلِ اللهِ ما قَبِلَهُ اللهُ مِنكَ حتَّى تُؤْمِنَ بالقَدَرِ، وتَعْلَمَ أنَّ ما أَصابَكَ لم يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وأنَّ ما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وإنَّهُ مَن ماتَ على غيرِ هذا دَخَلَ النَّارَ"().

فهذا البلاء... هذا الوسواس القهري هو تقديرُ اللهِ، وكلُّ أقدارِ الله خير.

وكثير من مرضى الوسواس بعد أنْ ابتُلوا بالوسواس صاروا طلاب علم، ودعاة إلى الله.

فهو رحمة من الله، يُقرِّب الله به الإنسان من الطاعة، ويجعله يهتمُّ بآخرته... يهتمُّ بمصيره الأبدي.

5 - ما هي أسرع طريقة لعلاج الوسواس القهري؟

ج: لا بد أن نعلم وقبل أن نبدأ في معرفة علاج الوسواس القهري، أنَّ الوقاية خيرٌ من العلاج، وأعظم وقاية هي عدم التعرُّض لأماكن الشبهات.

وهذا يستوي فيه مريض الوسواس القهري، والمهيَّأ للوسواس القهري، والشخص الطبيعي.

فلا يجوز أن يُعرِّض المسلم نفسه وقلبه وإيمانه للشبهات.

ولا يجوز الجلوس بين من يُلقون الشبهات، أو أن نستمع لهم، قال ربنا سبحانه: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140].

وكل شبهة كما قلنا قبل ذلك ولها ردٌّ.

وأهل العلم ما تركوا من شاردة ولا ورادة إلا وبيَّنوها للناس.

لكن لماذا يُعرِّض المسلم قلبه للشبهات ابتداءً ثم يبحث عن دواء؟

قد يُصاب بالوسواس قبل أن يعرف الدواء!

فالقاعدة الأساسية: عدم جواز القعود مع مَن يلقي الشبهات في دين الله.

خاصَّةً، وأن القلوب بطبيعتها ضعيفة.

أما عن أسرع طريقة لعلاج من ابتُلي بالوسواس أيًّا كان نوعه، فهي في ممارسة آلية الانتهاء.

قال النبي صلى الله عليه وسلم في علاج الوسواس: "فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ وَلْيَنْتَهِ."()

فتعلَّمْ كيفية الانتهاء عن الفكرة الوسواسية... تعلَّمْ تطبيق آلية التجاهل التام للوسواس، فهذا أسرع علاج للوسواس.

لكن كثيرين يفشلون ولا يعرفون معنى الانتهاء التام... كثير من مرضى الوسواس يظنُّون أنَّ تجاهل الفكرة الوسواسية ليس يسيرًا.

وبعضهم يشتكي أنَّه كلما تجاهَل الوسواس لأيام فإنه يعود بعد وقتٍ، وهذا ببساطة؛ لأنهم لا يعرفون معنى الانتهاء عن الاسترسال مع الوسواس!

وقبل أن نشرح معنى الانتهاء عن الاسترسال مع الوسواس، لا بد أنْ نعلم أنَّ الانتهاء عن الاسترسال مع الوسواس هو محور العلاج في الطب النفسي الحديث.

فمحور علاج مرض الوسواس القهري هو في: إيقاف الفكرة الوسواسية... الانتهاء عن الفكرة الوسواسية Thought Stopping.

فهذا يُعَدُّ حجر الزاوية في علاج الوسواس القهري في الطب النفسي الحديث.

وهذا أيضًا من عجائب الطب النبوي.

لكن ما سرُّ فشل كثير من الناس في إيقاف الفكرة الوسواسية؟

السرُّ هو أنَّهم: لا يعرفون معنى الانتهاء عن الاسترسال مع الوسواس.

فهم لم يوقفوا الفكرة الوسواسية أصلًا.

الانتهاء عن الفكرة الوسواسية يعني أنْ تتعامل معها كمجنونٍ!

تتخيَّل الفكرة الوسواسية كشخص مجنون يهمس في أذنك بكلام.

وبالتالي: تتجاهله تمامًا.

تستخفُّ به.

تسخر منه.

لو اهتممت بالوسواس وحاولت أنْ تبحث له عن رد، أو أن تبحث عن طُمأنينة خادعة كما يفعل كثير من مرضى الوسواس، فأنت بهذا تزيد الوسواس... أنت بهذا تشعل الفكرة الوسواسية وتجعلها تنتعشُ.

يقول مريض الوسواس: سأجيب عن هذه الشبهة، وبعد ذلك سأتجاهل الوسواس، وهو بهذا يضحك على نفسه ويحاول أن يهدئ من ضغط الفكرة الوسواسية، ولا يعلم أنَّه بمجرد البحث ستزدحم أفكار وسواسية جديدة في رأسه ولن ينتهي.

فعلاج الوسواس هو التجاهل التام.

ولو حاول مريض الوسواس أن يبحث عن رد على شبهته فهو بهذا يزيد المرض، وهو بهذا لم ينتهِ كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم ... هو بهذا استرسل مع الفكرة الوسواسية.

تخيَّلْ لو أنَّ مجنونًا ينادي عليك في الطريق، وأراد إزعاجك، فأنت بدأت في التجاوب معه وناقشته بهدوء.

تخيل ماذا سيفعل بعد أن تناقشه وتحاول أن ترُدَّ عليه!

سيأتي بالمجانين من أصحابه، ويشتغلون عليك!

ستصبح لُعبةً في أيديهم!

أما لو تجاهلتَه تمامًا فسيتركك وشأنك.

فأنت لو بحثت عن ردٍّ على الفكرة الوسواسية، والتي تظن أنها شبهة، أنت بهذا تُغذِّي الفكرة الوسواسية، وأنت أيضًا بهذا تخالف الهدي النبوي بالانتهاء عن الوسواس.

فمحاولة التجاوب مع الفكرة الوسواسية هو: إفساد للعلاج، وتضخيم للمرض.

محاولة التجاوب مع الوسواس، والردُّ على الشبهات في عقل مريض الوسواس هو مخالفة لآلية الانتهاء التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم ، والتي هي حجرُ الزاوية في الطب النفسي الحديث.

فمن الطبيعي بعد ذلك أن يبقى معك مرض الوسواس لوقتٍ!

وكذلك كلما حاولت أنْ تطمئن على إيمانك، وكلما ازداد القلق عندك على إيمانك، فإنَّ المرض يزداد.

لأنَّ محاولتك الاطمئنان على إيمانك هو استرسال مع الفكرة الوسواسية، فأنت على محض الإيمان، كما بشَّرك النبي صلى الله عليه وسلم ، فماذا تريد أكثر من ذلك؟

فكلما استرسلتَ مع الفكرة الوسواسية، ولو حتى بمحاولة الاطمئنان على يقينِك، أتتك عشرات الأفكار الوسواسية الجديدة، بل ربما مئات وآلاف غيرها، فلن تنتهي، وهذه طبيعة هذا المرض... هذه طبيعة الوسواس القهري OCD Obsessive-compulsive disorder.

لكن في حال تجاهَلَ صاحب الوسواس هذه الوسواس، وجاءه وسواس آخر جديد بعد وقتٍ، فماذا يفعل؟

سيطبق آلية الانتهاء التام نفسها، والتجاهل التام.

المشكلة أنَّ الفكرة الوسواسية من أخبث ما يكون، فهي تُشكِّل نفسها بشكل جديد تمامًا في كل لحظة، بحيث لا يتعرَّف المريض بالوسواس عليها، فتأتيه بصور غريبة، وأشكال غير مألوفة، حتى يظُنَّ مريض الوسواس أنَّ: هذا الوسواس الجديد شبهة وليس وسواسًا.

وهذه لعبة الوسواس القهري الأشهر أنَّه يتشكَّل في ألف شكل وصورة.

وفي كل مرة يظن صاحب الوسواس أنَّه ليس وسواسًا

وهذا شبيه بمريض نوبات الهلع، ففي كل مرة يظُنُّ مريض نوبات الهلع أنَّ حالته هذه المرة ليست نوبة هلع، وإنما مرض حقيقي في عضلة القلب مثلًا.

طالما أنك مريض وسواس قهري، فكل فكرة تأتيك هي وسواس مهما تشكَّلت أو غيَّرت من طبيعتها.

فمهما تشكَّلت الأفكار الوسواسية يجبُ التجاهل التام، ويجب تطبيق آلية الانتهاء مع كل فكرة وسواسية جديدة.

فأنت لو أجبت المجنون، وتحاورت معه بمنطق في أي وقتٍ من الأوقات لن يدعك، أما لو تجاهلتَهُ في كل مرة، فإنه سيمَلُّ مع الوقت ويتركك وشأنك.

تخيَّلْ طفلًا سخيفًا كلما سرْتَ في الطريق سَخِرَ منك، هذا الطفل لو حاولت أن تقنعه بالمنطق أنَّه ليس هناك ما يدعو للسخرية، فإنه سيسخر أكثر أما لو تجاهلته تمامًا سينساك.

الفكرة الوسواسية هي ذاك الشخص المجنون الذي يهمس في أُذنك... الفكرة الوسواسية هي ذاك الصبي السخيف الذي يسخر منك.

تجاهل الفكرة الوسواسية تمامًا.

بعض الناس يقول إنَّه يخشى على إيمانه أو خشوعه بسبب الوسواس، هو أيضًا بهذه المخاوف لم يطبق آلية الانتهاء، فالانزعاج يزيد الوسواس.

فإيمانك لا ينقص بالوسواس مهما كانت صورته، وليس عندك أدنى شك في الدين، بل أنت على صريح الإيمان بلفظ حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، لكن الوسواس يعطيك هذا الشعور الوهمي بأنَّ إيمانك قد ضعف أو أنك أصبحت منافقًا حتى تهتمَّ به وتقوم بالتجاوب معه!

فالفكرة الوسواسية كما قلت هي: فكرة خبيثة تأتيك بصورة متنوعة حتى تهتمَّ بها.

أما مع التجاهل مرة في الأخرى ستنصرف الأفكار الوسواسية بلا عودة.

لكن بعض مرضى الوسواس يخشَون من عودة الوسواس مرةً أخرى، وهذا أيضًا يدلُّ على عدم تطبيق آلية التجاهل، فطالما أنك تخشى من المجنون أن يهمس في أذنك، وطالما أنك تلتفت خلفك؛ خوفًا من ظهور الصبي السخيف، فإنك بهذا تُشجعهما على العودة لك مجددًا.

فالتجاهل هو: التجاهل التام، والانتهاء هو: الانتهاء التام.

وَلْيَنْتَهِ.

تعامَلْ وكأن المجنون، وكأن الصبي السخيف غير موجودَينِ نهائيًّا.

لا تبحث عن الوسواس بعد أن يختفي؛ لأنك لو فكرت فيه قد يبدأ في العودة مجددًا.

فتجاهله تمامًا... يأتي وقتما شاء، ويذهب وقتما شاء.

يأتيك كما يحب طالما انتهيت عنه... فلا تنشغلْ، هل مازال موجودًا أم لا؟

قد يسأل مريض وسواس ويقول: إنَّ خشوعه في الصلاة قد قلَّ بالفعل مع بداية الوسواس.

وجواب ذلك: أنَّ هذا أيضًا طبيعيٌّ؛ لأنَّ الوسواس كان يشغل ذهنه، فما أن يبدأ في التجاهل التام حتى يعود الخشوع إن شاء الله.

لكن ماذا لو عاد الوسواس بعد زمن من التعافي التام؟

ما المشكلة يأتي الوسواس كما قلت وقتما أراد... فلا نلتفت ولا نهتمُّ.

ولو وصل مريض الوسواس لهذه المرحلة من الانتهاء والتجاهل بحيث يصبح وجود الوسواس كعدمه، في هذه اللحظة إن شاء الله سيختفي الوسواس فجأةً كما أتى فجأةً.

قد يريد مريض الوسواس كتبًا في زيادة اليقين، وزيادة الإيمان، بحيث يظل ثابتًا على دينه فهل يقوم بذلك؟

والجواب: للأسف هذا يبين أنَّ مريض الوسواس لم يتجاهل الوسواس كما هو مطلوب.

فهو بهذا لم يتجاهل الوسواس!

فلغز الانتهاء عن الوسواس هو أن ينتهي تمامًا، بحيث يصبح غير مهتم بوجوده نهائيًّا.

فطلب زيادة اليقين والبحث عن كتب تزيد الإيمان، هذا يعني أنَّ طالب هذه الكتب يُركّز بشدة على الوسواس، وهذا ليس انتهاءً ولا تجاهلًا.

بل هذه قمة الاهتمام، فهنا مريض الوسواس يريد مشروع قراءةٍ لكتب كاملة حتى يتخلَّص من الوسواس في ظنه.

هذا اهتمام غير طبيعي!

هذا تركيز شديد مع المجنون الذي يتكلَّم في أذنك.

لو تكلم مجنون في أذنك بكلام كفري، هل ستقرأ مشروعًا كاملًا من الكتب للرد عليه؟

هو بهذا سيزداد صراخًا في أذنك.

خذها قاعدة: لا تفعل شيئًا من أجل الفكرة الوسواسية، ولا تترك شيئًا من أجلها.

لا تقرأ كتابًا يزيد اليقين حتى تختفي الفكرة الوسواسية، ولا تبحث عن أشياء تزيد الإيمان من أجل أن تختفي الفكرة الوسواسية.

وأيضًا لا تتوقَّفْ عن عبادة كنت تعملها خوفًا من زيادة الوسواس.

لا تفعل شيئًا من أجل الوسواس، ولا تترك شيئًا من أجله.

أردت أنْ تتعلَّم علمًا شرعيًّا من أجل نفسك ودينك وآخرتك ونفع الناس؟

أنْعِمْ وأكْرِمْ.

أما من أجل الوسواس فلا.

أيُّ اهتمام بالفكرة الوسواسية عند مريض الوسواس هو تغذية للفكرة الوسواسية.

الفكرة الوسواسية تستمدُّ قوتها من صراعك معها.... من تفاعلك معها... من بحثك عن الرد عليها... من محاولتك الهروب منها.

الفكرة الوسواسية تستمدُّ قوتها من قلقك... من خوفك منها... من اهتمامك بها.

الفكرة الوسواسية عليك أن تنتهي عنها تمامًا، وستأكل بعضها بعضًا ثم تختفي.

وبعد زمن من التعافي من الوسواس قد تأتي أفكار وسواسية خفيفة، وهنا قد يخاف الشخص.

المشكلة أن الخوف هو اهتمام بالفكرة الوسواسية.

لو جاءت أفكار خفيفة تجاهلها تمامًا.

فأسرع طريقة لعلاج الوسواس القهري هي: الانتهاء التام الصحيح عن الفكرة الوسواسية.

ما يحصل من بعض مرضى الوسواس هو "وَهْم الانتهاء"!

فالمريض لم ينتهِ عن الانشغال بالوسواس، ويظن أنَّه متجاهل للوسواس، وهو ليس كذلك.

البعض يقول: أشعر أنَّ هذه الأفكار تصدُرُ عني، وليست وسواسًا هذه المرة!

وهذا في الواقع: عين الوسواس القهري في العقيدة.

وطالما أنك ما زلت تخشى أن تكون هذه الوسواس صادرة عنك، فهذا يقينًا وسواسٌ، وهذا أيضًا يقينًا دليل على أنك لم تنتهِ الانتهاء المطلوب، بل أنت مسترسل معها، مشغولٌ بها.

وهنا قد يقول المريض: لكن أشعر أني بدأت أتقبَّل هذه الوساوس، ودليل ذلك: أني لم أعد أنزعج من الوسواس كما كنت أنزعج، فأخشى أن تكون هذه الوساوس قد انقلبت لشكٍّ في الدين عياذًا بالله.

وهذا أيضًا هو عين الوسواس القهري في العقيدة.

هذه طبيعة هذا المرض.

لا بد أن يستوعب مريض الوسواس طبيعة مرضه.

الوسواس يأتي بصور خبيثة متلونة متنوعة، ويتغذَّى على خوفك، فيأتيك بالصورة التي تخاف بها حتى تهتمَّ.

قد يأتي الوسواس بعد وقت من التعافي، وهنا يظهر على شكل أفكار خفيفة... وساوس سطحية بسيطة، لكن ما أن يبدأ الشخص في الانزعاج والخوف والتركيز معها، وهل الوسواس عاد؟ فيزداد القلق، وفي هذه اللحظة قد تعود الهجمة الوسواسية مجددًا.

فالهجمة الوسواسية عادت من توقعك وتركيزك وانزعاجك منها.

فالفكرة الوسواسية إذا انتهيت عنها تختفي، لكن قد تعود على شكل بسيط جدًّا، فلا تركزْ معها حتى لا تتحوَّل إلى هجمة وسواسية مفاجأة.

فالتعامل مع بوادر الأفكار الوسواسية السطحية البسيطة يكون كالتعامل مع الهجمة الوسواسية: التجاهل التام، والانتهاء التام.

منذ حوالي عشر سنوات كنتُ أنا -مُؤلِّف هذا الكتاب- أُعاني من مشكلة مرتبطة بنوبات الهلع، وكنتُ كلما جاءتني هذه النوبات أخاف بشدة فتزداد أكثر.

أُعاني منها لساعات ثم تهدأ.

بعد يومين أو أكثر تعود النوبات مجددًا وهكذا.

كانت النوبات تأتي، ثم تختفي إلى أنْ قرَّرت أنْ أواجه هذه النوبات.

نوبة الهلع عبارة عن: شعور بضيق التنفُّس، وضربات قلب سريعة، يرافقها شعور بالموت، لكنها طبيًّا مجرد وهم، وليست لها أية خطورة صحية.

بعد تشخيصي لحالتي قررت المواجهة.

وأذكر تلك الليلة جيدًا أتتني النوبة، وبما أنَّ نوبة الهلع تزداد في حال كنت وحدك، فأنا دخلت بمجرد بدايتها في غرفة مظلمة وحدي، وبدأتْ النوبة تشتدُّ وأنا مبتسم وهادئ تمامًا.

نوبة الهلع كالوسواس تتغذَّى على توترك... تتغذَّى على خوفك منها.

لذلك أنا ظللت هادئًا تمامًا، وبعد دقائق من العَرَق، وضربات القلب الشديدة، وشعور عدم الاتزان، وشعور الاختناق، والتجاهل التام بدأت النوبة في التراجع سريعًا.

ومنذ ذلك الحين وحتى اللحظة لم تعد النوبة مجددًا بفضل الله ورحمته وعفوه.

فنوبات الهلع هي مرض موازٍ للوسواس القهري... تتغذَّى على خوفِك منها، وتستمدُّ قوتَها من اهتمامك بها.

لو فعلت عكس ما تريد منك النوبة ستختفي، ولن يعود لها تأثير.

تخيل أنَّ بعض مرضى الوسواس لجهلهم يغتسل وينطق الشهادتَينِ، ويقول: أنا أفعل ذلك من باب الاحتياط؛ لئلا أكون نطقت بكلام كفري في أثناء الهجمة الوسواسية.

وهذه ليست مخالفة للهدي النبوي فحسبُ، وإنما تزيد المرض انتكاسًا بصورة سريعة.

فالمريض اهتمَّ بالوسواس لدرجة تصديقه تمامًا.

إذا كان الشرع لم يأمرك حتى بالاستغفار من الوسواس؛ لأنه ليس بذنبٍ أصلًا، فتأتي أنت لتغتسل وتنطق الشهادتين؟

أنت بهذا تغذي الوسواس بصورة غير عادية!

كلُّ إنسان بالمناسبة تأتيه وساوس، لكن الإنسان الطبيعي لا يحصل تطوُّر لهذه الوساوس عنده فتختفي ذاتيًّا، أما مريض الوسواس، فالوساوس عنده تتشكَّل بصور مختلفة، فيظن أنَّها شك، أو أنَّ إيمانه قد تأثَّر، وقد ينطق أثناء الهجمة الوسواسية بكلام كفري، فيظن أنه هلك، وهو في كل هذا يبقى وسواسًا.... وهو في كل هذا معفوٌّ عنه... وهو في كل هذا على صريح الإيمان.

الوسواس لو تشكَّل بألف صورة، إياك أنْ تخاف منه، فطالما علمت أنَّ عندك وسواس، فمهما تشكَّل تعاملْ معه كوسواس... تعاملْ معه كمجنون... انتهِ عن الاسترسال معه.

وحافظْ على طاعاتك كما أنت.

قد يأتيك شعور اللامبالاة وقلة الخشوع، وقد تظن أنك بهذا صدَّقت الوسواس، وهذا أيضًا من الوسواس.

وكلما حاولت أن تثبت لنفسك أنَّ إيمانك لم يهتزَّ، فأنت بهذا مهتمٌّ بالوسواس ولم تتجاهلْه، وهذا سيجعل الوسواس يعطيك شعور عدم الإيمان أكثر وأكثر.

الوسواس يعتمد على إيهامك بأنَّه ليس وسواسًا.

يحاول أن يقنعك بذلك بأكثر من صورة.

هذا هو الوسواس، وهو يتغذَّى على هذه الألعاب التي يضحك بها عليك.

لكن قد يسأل مريض وسواس فيقول: كيف أجبر عقلي على النسيان التام؟

كيف أجبره على هذا التجاهل التام؟ فأنا لاإراديًّا أسترسل مع الفكرة الوسواسية!

والجواب: لا تجبر عقلك على شيء!

فقط اعتبر مجنونًا يتكلم في عقلك، فأنت لا تُجبر عقلك على تجاهل المجنون، بل أنت أعقلُ من أن تهتمَّ به أو تجبر نفسك على تجاهله.

تقبَّلْ وجودَه، وتجاهله تمامًا وكأنه غير موجود.

هذا هو المطلوب بالضبط.

تقبَّل وجود الفكرة الوسواسية، لكن تجاهَلْها.

فأنت لا تجبر عقلك على النسيان؛ لأن الإجبار اهتمام.

انشغلْ بما أنت منشغلٌ به، ولا تلتفتْ هذا هو معنى الانتهاء!

فالوسواس يدخل من أُذن ويخرج من الأذن الأخرى، وكأن شيئًا لم يحصل.

لا تحارب الفكرة الوسواسية، ولا تتجاوبْ أو تسترسلْ معها.

دعِ الوسواس... دعِ الشخص المجنون يتكلم في أُذنك، وانشغل أنت بما أنت مشغولٌ فيه كما أنت.

لا تُوقِفْ ما كنت تعمله، ولا تتمادى فيما تعمل من أجل إيقاف الفكرة الوسواسية، كُنْ كما أنت بطبيعتك.

هناك شيء يُسمَّى المتنمر TROLL

المتنمر هو: شخص سخيف يريد أن يستفزَّك.

علاج التنمُّر هو: عدم تغذيته.

DON'T FEED THE TROLL

فتغذية المتنمر تكون بالرد عليه والاهتمام به، وهذا يجعله يفرح ويزداد تنمرًا.

أمَّا مع تجاهله تمامًا وكأنه غير موجود في حياتك، فإنه سيختفي.

الفكرة الوسواسية أشبه بالمتنمر.

أيضًا الفكرة الوسواسية أشبه بالسراب، لو خفتَ منها لن تستطيع إكمال طريقك، أما لو سِرتَ كما أنت وتجاهلتها، فسوف تكتشف بعد وقت أنها لا شيء.

المشكلة أنك لن تطمئنَّ إلى أنها لا شيء إلا بعد تجاهلها والمرور عليها.

فبعد أن تتجاهل الوسواس ويختفي، ستعلم بعد وقت أنه ليس أكثر من سراب وهمي مضحك بلا قيمة.

إذنْ أنت لست مطالبًا بمحاربة الفكرة الوسواسية حتى تختفي، كلَّا!

المطلوب منك فقط هو: التعامل معها وكأنها غير موجودة، بحيث تفقد أثرها مع الوقت، وتفقد خوفك منها، وفي هذه اللحظة ستختفي بالفعل من تلقاء نفسها.

الوسواس القهري انتشر مؤخرًا بصورة كبيرة؛ لذلك لا بد أنْ يعرف الناس طبيعة هذا المرض، وطريقة التعامل مع هذا المرض؛ لأن كثيرين يتعذبون ويظنون أنهم بوسواسهم هالكون.

وسبب انتشار الوسواس في الآونة الأخيرة:

أ- إتاحة البحث عبر شبكة الإنترنت بسهولة.

فإتاحة البحث سهَّلت تغذية مرض الوسواس القهري عند مرضى الوسواس.

أول ما تأتي مريض الوسواس فكرة وسواسية يبدأ في البحث السريع عن ردٍّ عليها، فيُهيج المرض ويغذيه باستمرار.

ب- انتشار الشبهات جعلت مَن عندهم استعداد نفسي لهذا المرض يظهر فيهم بسرعة.

ج- الفراغ له دور في زيادة حالات الوسواس.

د- قلة العلم الشرعي عند أغلب الأجيال الصغيرة.

فهذه كلها أسباب أدَّت لانتشار هذا المرض مؤخرًا.

مرضى الوسواس بفضل الله من أكثر الناس إخباتًا لله، ومِن أكثر الناس خوفًا على دينهم، ومن أكثر الناس بحثًا عن المثالية المستحيلة، وهذه الصفات الجميلة فيهم لا بد أن يستغلوها جيدًا؛ ليصبحوا دُعاة إلى الله، وطلاب علم، وهداة إلى سبيله.

وختامًا: اجعلِ الوسواس البلاء الجميل!

اجعله البلاء الذي يرفع الله به درجتك في الدنيا والآخرة.

بالصبر عليه، وتجاهله، وعدم تركك للطاعات.

ومُلخَّص ما سبق عن الوسواس القهري في العقيدة:

الوسواس القهري هو: أفكار مُلِحَّة مزعجة.

أنت مأجور على الوسواس الذي يأتيك.

الفكرة الوسواسية أشبه بمجنون يتكلَّم في أُذنك، فلا تحاولْ أن تقنع الفكرة الوسواسية بالبحث عن جواب؛ لأنك بهذا كالذي يحاول أن يقنع مجنونًا بالمنطق.

الفكرة الوسواسية قوتها في أنَّها تقنعك أنها ليست وسواسًا... تُقْنعك أنَّك تعاني من الشبهات... تقنعك أنَّ لديك مشكلة في إيمانك.

وعلاج الوسواس في أي صورة جاءك بها هو: الانتهاء التام.

الوسواس يستمدُّ قوته من خطئك في التعامل معه.

الوسواس يلعب على رفضك... على خوفك... على قلقك... على بحثك... على اهتمامك.

تقبَّلْ طبيعة الوسواس، ولا تدخل في حرب؛ لطرد الفكرة الوسواسية، ولا تهتمَّ بها، بل تعاملْ معها وكأنها غير موجودة مهما تشكَّلت.

انتهِ عن الاهتمام بالوسواس تمامًا.

الوسواس ينقلك لدرجة أعلى في دينك ودنياك إن شاء الله.

الوسواس يجعلك إلى الله أقرب.

فأبشِرْ واطمئنَّ واحمد الله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].

وتذكَّرْ دومًا وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمريض الوسواس: فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ وَلْيَنْتَهِ().

والحديث متفقٌ على صحته.

فاستعذْ بالله والجأْ إلى الله فهو ربُّك، قَدَّر ما قدَّر برحمته وحكمته، فاستعذْ به سبحانه وانتهِ. تجاهَلِ الفكرة الوسواسية تمامًا.

أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم أنْ يشفي مرضانا، وأن يرفع درجاتنا جميعًا في الدنيا والآخرة.


بــصــائــر

بصـــائر

أكبر مشروع فكري في نقد الإلحاد

وبيان بعض أدلة صحة الإسلام

تأليف

د. طـلـعـت هـيـثـم

الجزء الثاني