47- هل هناك إعجاز علميٌّ في القرآن الكريم؟
قال الإمام ابن حجر رحمه الله منذ سبعة قرون: "لن يمُرَّ عصر من العصور إلا وسيظهر في القرآن دليل جديد يدلُّ على صدق دعواه"().
فقبل يوم القيامة بقليل سيخرج رجل ببرهان جديد على صحة هذا الدين لم يسبقْه إليه أحد!
فلن تتوقف براهينُ الإسلام عند أمةٍ، ولا عند زمانٍ، ولن تكون هذه البراهين في بابٍ دون آخر، بل ستبقى دومًا في كل باب!
ومن هنا فليس ثمَّة ما يمنع أن يكون لدينا إعجازٌ علميٌّ حقيقيٌّ ومثبت في القرآن والسنة النبوية!
48- لكن كيف نعلم أنَّ ما بين أيدينا هو إعجاز علمي؟
إذا نظرنا في القرآن ووجدنا فيه أكثر من ألف آية تتناول قضايا متعلقة بالطبيعة والسماء والأرض والجبال والمطر وخلق الجنين والرياح، وإذا علمنا أنَّ هذه الآيات نزلت في بيئة بدائية تملؤُها الأسطورة والخرافة والخزعبلات الوثنية، فإما أن تكون هذه الآيات معصومة حتى الساعة، وبهذا يثبت قطعًا ربَّانيتها، ويثبت أنها نزلت من عند الله حقًّا.
وإمَّا أنْ تكون هذه الآيات قد امتلأت بالثقافة المحيطة بكل ما فيها من خرافة وجهل ودجَل كأمر بديهي؛ وسيظهر تمامًا أنَّها من عند بشر؛ لما فيها من ثقافة ذاك العصر!
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [سورة النساء: 82].
فإذا تدَّبرنا القرآن سنعلم إنْ كان من عند الله أم من عند غير الله؛ فلو كان من عند غير الله سنجد فيه اختلافًا كثيرًا... سنجد فيه ثقافة ذاك الزمن بكل جهالاته!
فالتحدي بسيطٌ وسيَعرف جوابَه كلُّ أحدٍ بمجرد قراءة هذا القرآن، ثم النظر في معارفنا العلمية... سيعرف هل هو من عند الله أم من عند ذاك العصر... عصر النبوَّة الذي لم يخلُ ميدان من ميادينه من خرافة وأسطورة ووهْم!
اقرأ وانظر واحكم بنفسك!
{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} [سورة سبأ:46].
قُمْ من أجل الحق وتفكَّرْ في أمر هذا الكتاب، وستعلم يقينًا إنْ كان هذا الكتاب من عند الله أو من عند بشر قد كُتِبَ بثقافة عصر مضى عليه ألف وأربعمائة عام.
فأيُّ كتابٍ كتُب في عصر النبوة أو قبله أو بعده أو حتى قبل مائتي عامٍ سترى فيه من الأخطاء العلمية المباشرة الواضحة الفاضحة ما لا يُحصى.
فمعرفة إنْ كان القرآن يحتوي على إعجازٍ علميٍّ أمرٌ يسيرٌ!
49- هل من أمثلة على ثقافة ذاك العصر والأخطاء العلمية الشائعة في ذاك الزمن؟
أرسطو كمثال كان يتخيَّل أنَّ المخَّ هو عبارة عن: مبرد للدم "رادياتير Radiator" بينما القلب مُسخن الدم، هذا كان تصوُّر أرسطو عن المخ.

لم يكن أرسطو يعرف أعصابًا، ولا مراكز إحساس، ولا أيَّ شيءٍ من هذا القبيل.
أرسطو أيضًا كان يتصوَّر أنَّ أسنان المرأة تختلف في العدد عن أسنان الرجل().
هذه كانت ثقافة ذاك العصر، تخيَّل لو أنَّ معلومةً كهذه وردت في آيةٍ قرآنيةٍ أو حديثٍ صحيحٍ؟
وأرسطو كان يتخيَّل أنَّ الدودة عندما تكبر فإنها تتحوَّل إلى ثعبان!
قائلُ هذا الكلام هو أرسطو... أكبر رأس علمية في ذاك العصر، والثقافة الأرسطية هي التي كانت منتشرة في الشرق الأوسط، وهي التي كانت تستحوذ على الساحة العلمية في الغرب حتى قرونٍ قليلةٍ مضتْ، وتحديدًا حتى القرن السادس عشر الميلادي().
أما أبو الطب أبقراط وهو أعظم أطباء العالم في ذاك الوقت، فكان يتخيل أنَّ الجنين يتشكَّل نتيجة تأثير الماء والهواء والتراب والنار.

بل وكان يتخيَّل أن الجنين يظهر في البداية كقِطعة لحمٍ، وبعد ذلك تَمُرُّ قطعة اللحم هذه بمرحلة تسخين داخل الرحم، ونتيجة عملية التسخين تظهر العظام؛ فالعظام تظهر بتسخين قطعة اللحم داخل الرحم.
هذا أبقراط أكبر أطباء العالم في ذاك الوقت.

وهذا تصوُّر بدائيٌّ عجيب... كان يتصور أنَّ اللحم يجفُّ بالتسخين، وبهذه الطريقة تظهر العظام.
العظام التي كل نتوء فيها يؤدي مهمة مُحددة بمنتهى الضبط المدهش كما يَعرف كلُّ مَن درس علوم التشريح، كان يظن أبقراط أنَّ هذه التفاصيل المعجزة تظهر هكذا بحسب كمية التسخين.

ولا أدري ما مصدر التسخين في رحم المرأة من وجهة نظره؟!
وكان أرسطو يتخيَّل أنَّ النصف العلوي من الجنين ينشأ أولًا، ثم في مرحلةٍ تاليةٍ ينشأ النصف السفلي.
تخيل امرأةً تجهض جنينًا عبارة عن رأسٍ وصدرٍ فقط!

أما جالين أحد أكبر أطباء ذاك العصر وتلميذ أبقراط، فكان يتخيل أنَّ عظام الجنين وأوردته وشرايينه وأعصابه... الأشياء القاسية في الجنين تتشكَّل من مَنيِّ الرجل، بينما تتشكل الأنسجة الرخوة من ماء المرأة، هذا الكلام بحرفه في كتابه On Semen().
هذه ثقافة ذاك العصر، وهي نفسها الثقافة المنتشرة في الشرق الأوسط، وقد تأثَّر بهذه الثقافة حتى شُرَّاح الكتب المقدسة، لذلك نجد في التلمود اليهودي نفس كلام جالين بحرفه، دون أي تغيير().
جالين أيضًا كان يتخيَّل أنَّ حَيض المرأة يتوقف أثناء الحمل... هل تعرفون لماذا؟
حتى يتم تخزينه داخل الرحم فيتغذى عليه الجنين!()
دم الحيض هو مصدر غذاء الجنين في تصوُّر جالين!
طبعًا أخطاء فادحة.
وكان جالين كأستاذه أبقراط يعتقد أنَّ الجنين الذَّكَر يأتي من الخصية اليمنى، بينما الجنين الأنثى تأتي من الخصية اليسرى().
وظل هذا الاعتقاد سائدًا في العالم حتى قرونٍ قليلةٍ مضت؛ ولذلك كان اليونانيون يربطون الخصية اليسرى تجنبًا لإنجاب البنات، بينما الفرنسيون يزيلونها تمامًا إذا أرادوا أن يكون المولود ذكرًا فقط.

أما عن كيفية نشأة المَنيِّ فكان جالين يتخيَّل أنَّ الدم في طريقه للخصيتين يبدأ في التحوُّل للون الأبيض، وبذلك يظهر المنيُّ!()
واتفق جالين مع أرسطو على أنَّ الجنين الذَّكَر يكون عن يمين الرحم، بينما الجنين الأنثى عن يسار الرحم().
أخطاء كثيرة نقطع اليوم أنَّها مهازل علمية.
تخيَّلْ لو أنَّ خرافةً واحدةً من هذه الخرافات كانت في القرآن الكريم؟
ألم تكن هذه الأخطاء والخرافات هي ثقافة ذاك العصر؟
ألم يكن هؤلاء هم علماء العصر ومثقفوه، وأنعِمْ بالذي ينقل عنهم؟
وإذا انتقلنا للثقافة الآسيوية، فالأوضاع لن تختلف كثيرًا، فالفيدا الهندوسية "كتاب الهندوس المُقدَّس" تقرر أنَّ الأرض يمسك بها ثورٌ!()
نَعم هناك ثور يمسك بالأرض لئلَّا تتحرك.
هذا الكلام بالحرف مذكورٌ في الـ Atharva Veda:


أما الشمس، فقد ذكرت الريج فيدا أنَّها تُسيرها سبعة أحصنة!()
هذا الكلام مذكورٌ حتى الساعة: الشمس تَجُرُّها سبعة أحصنة:

وكسوف الشمس يحصل؛ نتيجةً لوجود شبح يُخفي الشمس خلفه!()
كسوف الشمس بسبب اختفائها خلف شبح، هذا كلام الريج فيدا:

هذه تصوُّرات العالم في ذاك العصر، ولا يوجد كتاب في ذاك الزمن، ولا حتى قبل ثلاثة قرونٍ مضت إلَّا وهو ممتلئ على آخره بأساطير علمية عجيبة.
بل وانظروا إلى تشارلز داروين الذي صنَّف كُتُبه في نظرية التطوُّر قبل قرن ونصف فقط من الآن!
انظروا لهذه الكتب اليوم بمقياس العلم ستجدونها مليئةً بأساطير مضحكة؛ فمثلًا كان تشارلز داروين يؤمن بما يُسمى بالـPangenesis ومعنى هذه الفرضية أنَّ: كل جزء من جسدك تخرج منه جسيمات صغيرة، هذه الجسيمات تذهب للأعضاء التناسلية، فعندما تمارس الرياضة تخرج هذه الجسيمات من العضلات وتذهب للعضو التناسلي، وبالتالي يكتسب ابنك قوة عضلاتك.

لم يكن داروين يعرف شيئًا عن الجينوم أو الـ DNA ولا يعرف أصلًا معنى هذه الكلمات، فتخيَّلَ هو هذه الأسطورة العجيبة الـ Pangenesis.
هذا منذ مائة وخمسين عامًا فقط!، فما بالك بكتابٍ نزل قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام؟!
وما زال هذا الكتاب حتى الساعة كتابُ ربِّنا سبحانه لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، وهذا مُحال لو كان قول بشر: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [سورة فصلت: 42].
50- إذَنْ ما أكبر إعجاز علمي في القرآن الكريم؟
أكبر إعجاز علمي في القرآن الكريم يمكن أن نتحدَّث عنه بمنتهى الثقة، أنّ هذا القرآن لم ينقل شيئًا من الخرافات التي كانت تملأ العالم في عصره!
فعندما يظهر القرآنُ، ويُعصَم من كل هذه الخرافات، ويَعجز الملاحدة بكل خَيْلِهم ورَجِلهم عن الإتيان بآيةٍ واحدةٍ صريحةٍ في هذا القرآن تخالف قضيةً علميةً واحدةً مثبتةً فهذا برهان على ربانية هذا الكتاب!
51- لكن هل يحمل القرآنُ الكريمُ صورًا مختلفةً من الإعجاز العلمي؟
إذا كان هذا القرآن الكريم معصومًا، وبه أكثر من ألف آية تتناول قضايا علمية، فمن المتوقع جدًّا أن تُسجِل هذه الآيات حقائق علمية لم تُرصَد إلا مؤخرًا.
لكن لا بد أن نعلم أنَّ من طبيعة النص القرآني أنَّه لا يصدم القارئ مباشرةً بمعارفَ علميةٍ مخالفةٍ لما يعتقده؛ لأن هذا قد يُولِّد تكذيبًا للقرآن، وجزاء تكذيب القرآن الكفر().
فتأتي هذه المعارفُ العلمية التي يسجلها القرآن على شكل إشاراتٍ يفهمها الناس متى حصَّلوا هذه المعارف العلمية!
ولا تكون هذه الإشارات في القرآن مقصودة بذاتها!
فالقرآن لم ينزلْ ليشرحَ لنا المعارف العلمية، ويُعلمنا تفاصيلِها، فليست غايةُ القرآن تعديلَ التصوُّر الكوني العلمي للناس، وإنما غايتُهُ تصحيح مفاهيم الناس في باب العبادة... في باب تأمُّل آيات الله في خلقه... في باب التسليم لله... في باب النظر والتدبُّر().
فالقرآن كتاب هداية لضبط مشكلتَي المعرفة والسلوك عند الإنسان، هذه غاية القرآن الكريم.
وفي سياق آيات الهداية يتناول القرآنُ الكريم خَلْقَ النجوم والسُّحُب والسماء والرياح والنبات والأرض والقمر والأجنَّة، وهنا تأتي الإشارات العلمية.
والنظر في هذه الإشارات العلمية المتفقة مع ما انتهى إليه العلم، وإظهار ما فيها من إعجاز أنْعِمْ به، فهو يزيد يقين بعض الناس، ويهتدي به آخرون!
52- لكن ما ضوابط رصد الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؟
أنْ تكون المسألةُ العلمية على درجة عالية من الصحة والبرهنة!
وأنْ تكون الإشارةُ إليها في القرآن الكريم إشارة واضحة صريحة.
وألَّا نقول إنَّ هذا التفسير بالإعجاز العلمي هو القول الوحيد في الآية، بل هو أحد الوجوه التفسيرية التي تُبيِّن دقة اللفظ القرآني.
53- لكن ماذا لو ثبت مستقبلًا أنَّ هذه المسألة العلمية غير صحيحة؟
لو فهمنا ضوابط رصد الإعجاز العلمي، فلن يكون لهذا الاعتراض وجهٌ، فالنظر في باب الإشارات العلمية في القرآن الكريم يكون على وجه الاستئناس، كما استأنس كبار أئمة التفسير بالنقل عن أهل الكتاب. ومروياتُ أهل الكتاب تفيد الظن، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : "إذا حدَّثكم أهل الكتاب فلا تُصدقوهم ولا تُكذبوهم"().
فمرويَّاتهم تفيد الظن، ومع ذلك استأنس بها كبار أئمة التفسير.
فبنفس القياس النظرُ في باب الإشارات العلمية في القرآن الكريم هو نظر استئناسيٌّ نستأنس به، ولا نقول إنَّ هذا النظر معصوم، بل هو اجتهاد محمود، وهو وجه من وجوه تفسير اللفظ القرآني، وليس الوجه الأوحد أو الذي لا يمكن أن يُفسر القرآن إلا به!
وسيبقى النصُّ القرآنيُّ المعجزُ آيةً كل زمن، وكل ثقافة، وكل عصر.
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [سورة فصلت: 53].
54- هل من الممكن سرد بعض الآيات التي فيها إعجاز علمي مُثبَت علميًّا؟
سأذكر سبع حقائق علمية مكتشفة مؤخرًا ذكرها القرآن الكريم قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام!
الحقيقة الأولى:
كان البشر قديمًا يتخيَّلون أنَّ الماء هو أصل الكون ومصدر الكون!
وهذا التصوُّر تتفق عليه الأساطير السومرية والبابلية والكنعانية والمصرية القديمة، فهذه كانت ثقافة الشرق الأوسط.
كانوا يعتقدون أنَّ الماء الأول هو مادة الخلق الأولى!
فنجد مثلًا في الأسطورة السومرية: أنَّ مصدر الكون هو "نمو " والتي معناها الماء الأم:

وفي الأسطورة البابلية جاء العالم من تيامت Tiamat وهي المياه الأولى:

وفي الأساطير المصرية القديمة نرى أيضًا فكرة المياه الأم، والتي تُسمى "نون" والتي كانت مصدر الكون، وفي الأسطورة الكنعانية نجد "يم" المياه التي جاء منها الكون، ونفس الأمر موجود في الأسطورة الهندية واليابانية القديمة.
فهذه كانت ثقافة العصور القديمة، ويتفق معها حتى مفسرو الكتاب المقدس تبعًا للثقافة السائدة في ذاك الوقت، فالماء هو أصل الكون وهو مادة الكون الأولى.

وكان فلاسفة اليونان يعتقدون نفس هذه العقيدة، وهذا قول طاليس الملَطي:

إنَّها ثقافة العالم في ذاك العصر!
فإذا بالقرآن ينزل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم ليخبرنا أنَّ مادة الكون لم تكن في البداية ماءً وإنما دخان!
{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [سورة فصلت: 11].
والدخان يؤكد أنَّ أصل الكون شيءٌ ملتهب، وليس بحيرة ماء!()
هذه المعلومة تمثل إعجازًا قرآنيًّا حقيقيًّا!
فالكون أتي من شيءٍ ملتهب، هذه معرفة لم يقُلْ بها إلا العلم الحديث، ولم يسبقه فيها إلا القرآن!
فهذه النجوم كانت قبل أن تتشكل دخانًا!
مادة هذه الأفلاك التي في السماء هي الدخان وليس الماء: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [سورة فصلت: 11].
والدخان هو الكثافة الغازية الناجمة عن الاحتراق أو الانفجار، وهذا هو عين التوصيف العلمي لبداية تشكُّل النجوم والسدم والأفلاك.

والدخان الكونيُّ موجودٌ حتى الساعة، فهو قضية مثبتة علميًّا، وهو الذي يتكثَّف لتظهر النجوم والسُّدُم.

وطبقًا لموقع مرصد هرشل الفضائي، فما نُسميه غبارًا كونيًّا التسمية الأصحُّ له هي: الدخان.

فهذا هو التوصيف القرآنيُّ الحَصْريُّ الذي لم يسبقه إليه أحدٌ... أنَّ نشأة الأفلاك من الدخان، وليس من الماء الأولي!
وهذا التوصيف اليوم هو حقيقة علمية!
الحقيقة الثانية:
قال ربُّنا سبحانه: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [سورة الذاريات: 47].
قوام النسبية العامة لأينشتاين على أنَّ السماء مبنية، نعم السماء مبنية!
وأنَّ الزمكان... والزمكان هو تداخل الزمان والمكان، هذا الزمكان عبارة عن نسيج حقيقي تتحدَّب عليه الأجرام في السماء، وهذا ما قاله أينشتاين بنفسه في ورقته عن النسبية العامة، والتي كتبها في عام 1916 حيث قال إنَّ: "السماء ليست مُجرَّد فضاء... ليست مجرد ستار تتجلَّى عليه الحوادث، بل هو بنية أساسية... السماء بنية أساسية تتأثر بالطاقة والكتلة"().
وهذا الكلام ذكره أينشتاين بحرفه في مجلة حوليات الفيزياء Annalen der Physik.

فالسماء مبنيةٌ، هذه إحدى الحقائق العلمية المثبتة اليوم.
وفي فبراير من عام 2016 أي: بعد مُضيِّ مائة عام على ورقة أينشتاين، تم بالفعل اكتشاف موجات الجاذبية في نسيج الزمكان، وهو الاكتشاف الذي أعلن عنه مشروع لـيجو، وفاز بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2017.

فأنت ليس فوقك فراغ كما تتخيَّل بالنظر المباشر، وإنَّما ما فوقك هو بناء حقيقيٌّ!
السماء ليست مجرد ستار... السماء بناءٌ!
الحقيقة الثالثة:
{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [سورة الذاريات: 47].
نُكمِل الآية: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [سورة الذاريات: 47].
هل السماء تتمدَّد؟
هل السماء تتَّسِع؟
كان الناس حتى زمن أينشتاين يتخيَّلون أن الكون ثابت static universe، فالكون لا يتمدَّد... لا يتسع، ولا ينكمش، وأينشتاين نفسه كان يدعم هذا الأمر.

لكن في عام 1929م. حصلت المفاجأة العلمية التي غيَّرت نظرتنا للكون للأبد، فقد اكتشف العلمُ أنَّ الكون يتوسَّع، فالكون ليس بثابتٍ بل إنَّ السماء تتوسَّع وتتمدَّد مع الزمن، تم رصد هذه الحقيقة المدهشة عبر تلسكوب هابل، واليوم قضية توسُّع الكون هي حقيقة علمية، وعندنا ما يُعرف بقانون هابل لقياس مقدار التوسُّع.
فهذه قضية لا شك فيها اليوم، كما يقول أستاذ الفيزياء الفلكية أندرو ليدل().
وقد اعترف أينشتاين أنَّ تصوُّر الكون الثابت الذي لا يتوسَّع هو أكبر خطأ علمي ارتكبه في حياته.

لكنَّ العجيب أن يأتي القرآنُ قبل أينشتاين، وقبل كل العلوم الحديثة؛ ليؤكد هذه الحقيقة المدهشة: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [سورة الذاريات: 47].
فهذا خبرٌ قرآنيٌّ لم يعرفه العلم إلا منذ سنوات.
الحقيقة الرابعة:
من الحقائق العلمية أنَّ أشعة الشمس في الصباح عندما تسقط على سطح الأرض، فإنَّها تُسخن سطح الأرض؛ فتنتقل حرارة الأرض إلى الهواء الملامس لها، وبالتالي يسخن هذا الهواء ويتمدد ويقلُّ ضغطه ويرتفع لأعلى، فيحل مكانه الهواء في الطبقات العليا.
هذا الهواء الذي ارتفع لأعلى كان ناتجًا عن تنفس الكائنات الحية طوال الليل، فتحصل هذه الظاهرة العجيبة صباحًا؛ حيث يتبدل هذ الهواء بهواءٍ جديدٍ نقي، وتُعرف هذه العملية بعملية "التيارات الحرارية الصاعدة أو تيارات الحمل"، وكأن الأرض مثل الرئة العملاقة، وهي تتنفس في الصباح!
فإذا بالقرآن الكريم يُسجل هذه الحقيقة بلفظها بصورة واضحة: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [سورة التكوير: 18].
فهذا حرفيًّا ما يحدث، حيث تتنفس الأرض صباحًا تمامًا كما الكائنات الحية... تطرد الهواء المحمل بثاني أوكسيد الكربون، ثم يحلُّ مكانه هواء جديد نقي!

الحقيقة الخامسة:
قال ربُّنا سبحانه: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [سورة الإسراء: 12].
آية الليل هي القمر، وآية النهار هي الشمس.
آية الليل مُحيت: أي انطفأ نورُها.
بينما بقيت آية النهار مبصرة: منيرة.
فهل القمر كان نورًا ثم مُحي؟ هل كان كتلة نارية كالشمس؟
هذا يُعَدُّ اليوم أحد أكبر الحقائق المكتشفة مؤخرًا عن القمر!
فالقمر بالفعل كان كتلة نارية، كما يقول عالم الجيولوجيا والأستاذ بجامعة كاليفورنيا دوج ماكدوجل().
وقد أصدرت ناسا على موقعها الرسمي، مقطعًا مرئيًّا بعنوان تطوُّر القمر، تتناول فيه هذه الحقيقة العلمية المدهشة، وكيف أنَّ القمر كان كتلة نارية، ثم مُحِيَ نوره مع الزمن!()


قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسير الآية: كان القمر يُضيء، وهو آية الليل فمُحِيَ().
وحين سُئل عليٌّ رضي الله عنه عن البقع السوداء في القمر قال: ذاك آية الليل محيت().
وهذا من المعلوم علميًّا اليوم؛ فالمساحات السوداء على القمر هي بالفعل بُقع كانت ملتهبة.
فكيف علم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه القضية العلمية العجيبة الدقيقة؟
الحقيقة السادسة:
كيف علم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالأمواج الداخلية في البحار؟
{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} [سورة النور: 40].

والأمواج الداخلية في البحار لم يعرفْها العالَمُ إلا مؤخرًا؛ فلا سبيل لرؤيتها من الشاطئ أو بالسباحة في عمق البحر، وإنما تُكتشف بالأقمار الصناعية.

وقد تبيَّن أن الموج الداخلي أضخمُ بكثير من الأمواج الخارجية، وهو يكون كالجبال ويصل ارتفاعه إلى 600 قدم.

فكيف علم النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الدقائق؟
الحقيقة السابعة:
قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [سورة الأنبياء: 30].
وهذا أحد أسس علم الأحياء اليوم، أنَّ عنصر الماء داخل ضرورةً في تركيب كل كائن حي.

حتى إنَّ العلماء الباحثين عن حياة خارج الأرض هم لا يبحثون عن كائنات حية على الكواكب الأخرى، وإنما يبحثون عن الماء؛ لأنهم يعلمون أنَّه لا حياة بدون الماء!

{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [سورة النور: 45].
55- هل يوجد إعجازٌ علميٌّ في مسألة خلق الأجنَّة في القرآن الكريم؟
قبل أن نُجيب عن هذا السؤال لا بد أن نعرف تصوُّر علماء الطب والفلسفة زمن البعثة النبوية عن مراحل خلق الجنين وهيئة الجنين.
كان العلم والطب والفلسفة في ذاك العصر مرجعهم إلى أبقراط وجالين وأرسطو.
وفي كتاب أرسطو "حول ولادة الحيوانات":

يُقرر أرسطو أنَّ مَنيَّ الرجل ينزل على دم حَيض المرأة المُخزن في الرحم فيُجمده، كما تنزل الخميرة على اللبن فتجعله جُبنًا!
فالجنين ينشأ من دم الحيض... واليوم هذه خرافة مضحكة قولًا واحدًا!
فنحن نعلم تمامًا أنَّ دم الحَيض يتوقف فور حمل المرأة، ولا يُخزَّن في الرحم، ولا كل هذه الأساطير!
وكان جالين أبو الطب في ذاك العصر يقرر أنَّ ماء المرأة يُغذي مَنيَّ الرجل؛ فيبدأ الجنين القزم في التضخم().
لقد كان جالين يتخيَّل أنَّ الجنين يكون صغيرًا جدًّا في مَنيِّ الرجل، ثم يتغذى هذا الجنين القزم ويبدأ يكبَرُ تدريجيًّا بعد دخول رحم المرأة.

إذَنْ كان هناك شِبهُ اتفاقٍ علميٍّ سائدٍ في تلك العصور على أنَّ المرأة ليس لها أيُّ دور فعلي في عملية الإنجاب، فمَنيُّ الرجل يُخثر دم الحيض عند أرسطو، وماء المرأة يُغذي مني الرجل عند جالين ليبدأ الجنين القزم في التضخم مع الوقت؛ ففي كلتا الحالتين المرأة مجرد وعاء للجنين لا أكثر.

فيأتي القرآن الكريم في تلك الثقافة، وفي ذاك العصر ليُصحح هذه النظرة البدائية، ويخبرنا أنَّ الجنين هو نُطفة أمشاجٍ، أي: من الرجل والمرأة، وليس الرجل فقط!
{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} [سورة الإنسان: 2].
والنطفة الأمشاج بإجماع المسلمين عبْر كل العصور، وبإجماع أهل اللغة، هي الخليط من الرجل والمرأة، فأمشاجٌ تعني: أخلاطٌ من الرجل والمرأة، حيث يُستل جزء من ماء الرجل مع ذاك الخاص بالمرأة؛ فيتكوَّن منهما الجنين.
وليس من كل الماء كما كان يتخيَّل أرسطو.
56- ما دليلك من القرآن أو السُّنة على أنَّ الجنين يُستلُّ من جزء من ماء الرجل؟
قال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [سورة السجدة: 8].
يأتي الجنين من سلالة من ماء الرجل!
الجنين يأتي من جزء يسير جدًّا يُستلُّ من ماء الرجل، وهو المعروف مؤخرًا بـ"الحيوان المنوي"، مع ذاك الخاص بالمرأة؛ فتتكوَّن النطفة الأمشاج "الجنين".
والحديث النبوي الصحيح يؤكد أيضًا أنَّ الجنين يتشكَّل من جزء يسير جدًّا من الماء، وليس من كل الماء يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحديث في صحيح الإمام مسلم: "ما من كل الماء يكون الولد"().
57- بعد ظهور النطفة الأمشاج ماذا يحصل للجنين؟
بعد أن تظهر النطفة الأمشاج يبدأ الجنينُ في مراحل التخلُّق المختلفة!
فهو هنا سيبدأ في التخلق، وليس أنَّ جنينًا قزمًا كان مختبئًا في مَنيِّ الرجل سيبدأ في التضخم، كما كان يتصور جالين!
ففكرة الجنين القزم Preformation والتي كانت سائدةً حتى قبل قرون قليلة مضت أثبت القرآنُ خرافتَها، فالجنين يتخلق من نطفة أمشاج من الرجل والمرأة.

فبعد النطفة الأمشاج يدخل الجنينُ في مراحل خَلْقٍ مختلفةٍ حتى يتشكَّل: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} [سورة الزمر: 6].
58- ما مراحل الخَلْق المختلفة هذه؟
بعد ظهور النطفة الأمشاج والتي تُسمى مؤخرًا "البويضة المُخصَّبة"، تتحوَّل هذه النطفةُ الأمشاجُ إلى مرحلة العلقة: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} [سورة المؤمنون: 14].
والعلقة لفظ قرآنيٌّ مُميَّز عجيب مدهش مبهر.
فالعلقة في الأصل هي كائن صغير يَعلَقُ بالجِلد ليمتصَّ منه الدم!

ويأتي الوصفُ القرآنيُّ المدهش لهذه المرحلة الجنينية بأنها مرحلة العلقة!
لنكتشف اليوم أن الجنين في هذه المرحلة يطابق بالفعل العلقة من حيث الشكل الخارجي تمامًا.

ويُطابق أيضًا العلقة من حيث الوظيفة، فهو يَعلَق بجدار الرحم؛ ليمتصَّ منه الدم حرفيًّا.
لاحظ: لا وجود لدم حيض المرأة، ولا للجنين القزم الذي سيكبَرُ في الحجم، لم يذكر القرآن شيئًا من هذه التصوُّرات الخرافية!
بعد العلقة يتحوَّل الجنين إلى المرحلة التالية، وهي مرحلة المُضغة: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} [سورة المؤمنون: 14].
ما هذا التوصيف القرآنيُّ الجديد لهذه المرحلة "المضغة"؟
بعد مرحلة العلقة يتحوَّل الجنينُ بالفعل إلى شيءٍ أشبه ما يكون بقطعة اللحم الممضوغة حرفيًّا "مضغة".

فيكون الجنينُ في هذه المرحلة أكبر حجمًا، وتظهر فيه أنسجة كالطعام الممضوغ، ويحمل ما يشبه آثار الأسنان.
نعم، آثار الأسنان التي تكون في اللقمة الممضوغة يكون الجنينُ عند هذه المرحلة بنفس هذا الشكل!
أثر انحناء الأسنان على الفك في اللقمة الممضوغة، سبحان الله!

ألفاظ قرآنية عجيبة فريدة.
هل يُنكِر هذه الدقة، وهذا الإبهار إلا مُكابر؟
لماذا لم ينقل القرآن شيئًا من خرافات عصره السائدة وما أكثرها؟
لم يوافق القرآنُ خرافةً واحدةً من الخرافات التي كانت شائعة زمن البعثة النبوية، فلماذا يا تُرى؟...
لماذا بقي معصومًا؟
لماذا تفرَّد بحقائق لم يعرف العلمُ عنها شيئًا إلا مؤخرًا جدًّا؟
59- هل قال علماء المسلمين بشيءٍ من هذا الإعجاز قبل العصر الحديث؟
قال ابن حجر رحمه الله : "وزَعم أهل التشريح أنَّ المنيَّ يقوم بعقد دم الحيض، وأحاديث الباب تبطل ذلك"().
وقال القرطبيُّ في تفسيره زعموا أنَّ الجنين يتكوَّن من ماء الرجل وحده، ويستمدُّ الدم من الرحم، والصحيح أنَّ الخلق إنما يكون من ماء الرجل والمرأة لهذه الآية: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} [سورة الإنسان: 2] فإنها نصٌّ لا يحتمل التأويل().
لاحظ كلمة الإمام القرطبي: "فإنها نصٌّ لا يحتمل التأويل" فعلماء المسلمين خالفوا تصوُّرات معاصريهم؛ ليوافقوا ما انتهى إليه العلمُ اليوم من خلال فقط معرفتهم بالقرآن الكريم!
فالقرآنُ الكريم يقدم خطابًا غير مسبوق!
60- هل هناك إعجاز علمي في الأحاديث النبوية؟
سأذكر بعض الحقائق العلمية التي تنحاز نحو الحديث النبوي:
الحديث الأول:
رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وَخَلَقَ آدَمَ عليه السلام بَعْدَ العَصْرِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ، في آخِرِ الخَلْقِ، في آخِرِ سَاعَةٍ"().
فآدم عليه السلام ظهر في آخر الخَلْق.
وهذه إحدى الحقائق العلمية التي لا خلاف عليها اليوم بين العلماء!
فالإنسان ظهر في آخر الكائنات الحية على الأرض.
الحديث الثاني:
قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث المتَّفق على صحته: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرابُ، إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ منه، خُلِقَ وفيهِ يُرَكَّبُ".

فهل نحن خُلقنا من عَجْب الذنب؟
عجب الذنب هو آخِرُ مِنطقة العُصْعص بأسفل العمود الفقري.

فهل نحن خُلقنا من هذا المكان؟
في أول الأسبوع الثالث من الحمل يظهر ما يُعرَف في علم الأجنَّة بـ Primitive Streak أو الشريط الأولي.

هذا الشريط الصغير جدًّا تبيَّن لنا اليوم أنَّه المسؤول عن تشكيل الجنين، فهو يقوم بتشكيل الجنين وتكوين الخلايا المتخصصة التي سيظهر منها الجنينُ.
وبنهاية الأسبوع الثالث من الحمل يبدأ هذا الشريط الأولي Primitive Streak في الاختفاء تدريجيًّا، ويترك مكانه ما يُعرَف بالـCaudal Eminence().

هذا الـCaudal Eminence الناتج عن الشريط الأولي أين سيذهب؟
سيتضاءل الـ مع الوقت ويتحوَّل إلى مِنطقة العصعص!()

فالعُصعص هو في الأصل الشريط الأولي الـ Primitive Streak الذي نشأ منه الجنينُ... المكان الذي منه خُلقنا كما أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من 1400 عام.
تخيَّلْ رجلًا يرعى أغنامًا على قراريط لأهل مكة، يُخبِر بحقائق لم يعرف العلمُ دقائقَها إلا منذ سنواتٍ قليلةٍ!
بل وأنا الطبيب المتخصص، والله عانيتُ حتى أستوعب دقة هذا الحديث، وكيف يتحوَّل هذا الشيء الدقيق الذي ظهر في الأسبوع الثالث من عمر الجنين، والذي كان محور التمايُز الجنيني، كيف لهذا الشريط الدقيق أن يختفي تمامًا بعد ذلك من مسرح الأحداث ليستقر في منطقة العصعص.
ما هذه الدقة وما هذا الإعجاز؟
الحديث الثالث:
قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، والحديث في صحيح مسلم: "إنَّه خُلِقَ كُلُّ إنْسانٍ مِن بَنِي آدَمَ علَى سِتِّينَ وثَلاثِمِئَةِ مَفْصِلٍ، فمَن كَبَّرَ اللَّهَ، وحَمِدَ اللَّهَ، وهَلَّلَ اللَّهَ، وسَبَّحَ اللَّهَ، واسْتَغْفَرَ اللَّهَ، وعَزَلَ حَجَرًا عن طَرِيقِ النَّاسِ، أوْ شَوْكَةً، أوْ عَظْمًا عن طَرِيقِ النَّاسِ، وأَمَرَ بِمَعروفٍ، أوْ نَهَى عن مُنْكَرٍ، عَدَدَ تِلكَ السِّتِّينَ والثَّلاثِمِئَةِ السُّلامَى، فإنَّه يَمْشِي يَومَئذٍ وقدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ"().
هذا العددُ الدقيقُ ثلاثمائة وستون مفصلًا ظلَّ مَحَلَّ خلافٍ بين الأطباء لسنواتٍ طويلةٍ، إلى أنْ استقرَّت المراجع الطبية الحديثة في عدد مفاصل الإنسان على هذا الرقم بالضبط: ثلاثمائة وستين مَفصِلًا.

ففي الإنسان تحديدًا ثلاثمائة وستون مفصلًا.

وهذه القضية اليوم أصبحت إحدى الحقائق العلمية!

61- لكنَّ بعض الملاحدة يقول: هناك مرجعٌ صينيٌّ قديم ذَكَرَ هذا الرقم: ثلاثمائة وستين مفصِلًا؟
تبيَّن بالعودة للمرجع أنَّ هذا كذبٌ، فالمرجعُ يقول: ثلاثمائة وخمسة وستين، وليس ثلاثمائة وستين، وهذا بناءً على عدد أيام العام في الفلسفة الدينية الصينية، وارتباط أيام العام بالجسد البشري.
فالمرجع لا يتحدَّث عن عدد المفاصل تحديدًا، وإنما عن أجزاء الهيكل العظمي التي تدخل منها الطاقة الكونية().

ثم أنا لا أدري كيف ينسب الملاحدةُ للنبي صلى الله عليه وسلم عِلمَ أهل الأرض: صينية وسريانية وفرعونية كل هذا حتى ينفوا عنه معجزة واحدة؟
هذا موقفٌ بائسٌ!
سيبقون هكذا يجادلون في الحق بعدما تبيَّن.
لقد ثبت بالتواتر وقوعُ المعجزات التي لا حصر لها على يد محمدٍ صلى الله عليه وسلم ؛ فوالله إنَّ القطع بنبوته هو رشاد العقل!
قضية الإعجاز العلمي المُوثَّق تحتاج إلى عمل موسوعي حقيقي يعمل عليه علماءُ وباحثون متخصصون، فهذا ميدان عظيم، وفيه نفع للناس جميعًا.
وأقول لكل مُلحِد: فكِّرْ والله وستصل؛ ولا تُصدِّقْ من يريدون أن يُضلوك عن سبيل الله.