1- كيف ظهر الدين؟
يَفترض الملاحدة والماديُّون أنَّ: نشأة الدين كانت عبر نظرة الإنسان البدائي في صفحة الكون، وخوفِهِ من بعض الظواهر الكونية().
وهذا الطرح الإلحاديُّ فيه أربعة إشكالات:
الإشكال الأول: كيف يكون النظر في الكون أو الخوف من بعض ظواهره سببًا في إيقاظ الشعور الديني العميق عند جميع الْأُمم؟
فما علاقة حدوث ظاهرة كونية بنشأة دينٍ له مراسيمُهُ وطقوسُهُ والتزاماتُهُ؟
الإشكال الثاني: إنَّ استمرار أيَّة ظاهرة كونية على نَسَقٍ واحد يجعلُها أمرًا مألوفًا، لا يَلفت النظر، ولا يحتاجُ إلى تعليلٍ، وبالتالي لن تكون دافعًا لأية ردَّة فعل ميتافيزيقية!
الإشكال الثالث: لم يكن باعثُ نشأة الدين هو الخوف البدائي إطلاقًا، بل باعث نشأة الدين في كل الحضارات هو روح العظمة والقوة والاستعلاء.
فلم يكن الاستسلام أو الجُبن أو الخوف بدايةً لأي دين!
وهناك أيضًا إشكال آخر كبير يُبيِّن خطأ هذا التصوُّر الإلحادي ألَا وهو: لو كان مبعثُ الدين هو المَشاهِد الكونية، وكان هدفُ الطقوس هو استرحام الطبيعة؛ لَمَا استمر الناس على التدينِ بعدما ظهر أنها محاولات عابثة، فالظواهر الكونية تتكرَّر بنفس الوتيرة وبنفس الاطراد!()
وبما أن الدين لم ينقطع يومًا، ولم ينفصل عن الجماعة الإنسانية عبر كل تاريخها، فلا بد أنْ يكون له منشأً مستقلٌ تمامًا عن هذا التحليل الاختزالي القاصر الذي يطرحه الملاحدة!
2- لكن بعض الملاحدة يدَّعي أنَّ: الطوطم كان له دورٌ في نشأة الدين؟
بالفعل هذا هو الطرح الثاني الذي يُقدمه الملاحدة في نشأة الدين، فيقررون أنَّ الجماعات البشرية القديمة أنشأت ما يُعرف بالطوطم Totem، حيث تشترك العشائرُ في لقبٍ واحدٍ يُعرف بالطوطم.
وهذا الطوطم في الغالب يكون لقبًا حيوانيًّا تُنشئه القبيلة أو المجتمع، ومن هنا يبدأ الدين في الظهور، ومِن أشهر المنتصرين لهذا التصوُّر عالم الاجتماع الفرنسي الشهير: إيميل دوركايم!
لكنْ في الواقع علماء الاجتماع اليوم صاروا يسخرون من هذا التصوُّر، فقد تبيَّن بالبحث التاريخي الأنثروبولوجي Anthropology أنَّ هناك أُممًا كاملةً وحضاراتٍ بل وقاراتٍ لا تعرفُ شيئًا عن الطوطم، وليس عندهم نظام الألقاب الحيوانية، ومع ذلك توجد عند هؤلاء جميعًا عقيدة الإيمان بالله الأعلى بصورة واضحة().
بل والأعجب من ذلك أنَّ علماءَ آخرين أثبتوا أنَّ فكرة الطوطم في القبائل القديمة لم تكن فكرة دينية أصلًا وإنما هي فكرة اقتصادية، فالطوطم لم يكن رمزًا دينيًّا، ولم تكن له علاقة بديانة القبيلة، وإنما هو مُجرَّد شعار قومي يُعرِّف القبائل بأنسابِها، فهو شيءٌ أشبه بالعَلَم الخاص بالدول اليوم.

صورة الطوطم
للأسف خيالاتُ دوركايم بشأن كيفية ظهور الدين ظلَّت لعقودٍ تُدرَّس في جامعات أوروبا باعتبارها حقائق تاريخية.
وبالمناسبة دوركايم كان له دورٌ كبيرٌ في تدليس المعرفة عند الأوروبيين، خاصةً عندما كان يطرح حفلات القبائل البدائية بما فيها من عربدةٍ وارتكاب للمُحرَّمات كمظهر تديُّني عندهم، فقد ثبَت أنَّ هذه الحفلات كانت تمردًا على هيكل الحياة الاجتماعية والدينية للقبيلة وليس العكس، وأصبحت هذه الحقيقة الآن من أشهر تدليسات دوركايم!()
فالنُّظُم القَبَلية في كل المجتمعات تقوم على الفصل التام بين الجنسين؛ لقد جعل دوركايم بأسلوبٍ غريبٍ التمرُّد على الدين والحفلات الماجنة مظهرًا دينيًّا.
3- مِن أين جاءت فكرة الإله الأكبر فاطر السماوات والأرض؟
هذا السؤال من أكبر الإشكالات التي تواجه الإلحاد اليوم!
فالإيمان بالإله فاطر السماوات والأرض، وانتشار هذا الإيمان في كل ثقافات العالم عبْر كل العصور، هذا الأمر لا يمكن تحليله ماديًّا!
فمِن أين جاءت فكرة الإله الأكبر فاطر السماوات والأرض، وعلى غِرار أي جماعة أو مجتمع طُبعت هذه الصورة؟
وكيف قامت الدعوات لها عبر كل التاريخ، وكل الجغرافيا، وعبر كل الزمان، وعبر تاريخ كل الأنبياء؟
فالجميع دعَوْا للإيمان بالله الواحد الخالق؟().
وإذا نظرْتَ إلى الديانات عبر التاريخ ستجد أنها تنتهي في الأخير للإيمان بالله الواحد، فمهما كان إغراقُ هذا الديانات في الوثنية سوف تكتشف فيها بقايا التوحيد... توحيد الله عز وجل شاخصةً أمامك لا مَحالة.
ويأتي الشرك وتعدُّد الآلهة كمرحلة تالية!
4- إذَنْ هل التوحيد سابق على التعدُّد؟
نعم!
فتعدُّد الآلهة لا يظهر إلا في مرحلة تالية بعد التوحيد النقي، وهذا الأمر صرَّح به علماء الأنثروبولوجيا Anthropology الباحثون في تاريخ الأديان، مثل منْيير وليامز M. Monier Williamsحين قال: "التوحيد مُتقدم على كل صور الشرك التي ظهرت لاحقًا"().
وطبقًا لجماعة آخرين من الباحثين في دورية الإنسان البدائيPrimitive Man فإنَّ: "تاريخ الدين هو عبارة عن تحلُّل أو انحراف من صورة مبكرة خالصة ونقيَّة من التوحيد"().
فهذه حقيقة أركيولوجية أنثروبولوجية... التوحيد سابق على التعدُّد؛ أو بصورةٍ أخرى: الدين النقي كان أولًا.
وقد أجرى عالم الأنثروبولوجيا ويلْهلْم شمت Wilhelm Schimdt أبحاثًا مكثفةً على الأقزام والقبائل البدائية وتبيَّن له أنَّ الجميع يعتقد بإلهٍ واحدٍ خالقٍ مهيمِنٍ.
وقد نشر شمت نتائج أبحاثه في كتابه: مكانة الأقزام في تاريخ تطوُّر الإنسان Position of Pygmy People in the History of Human Development.
وهي نفس النتيجة التي توصَّل إليها عالم الأنثروبولوجيا الاسكتلندي آندرو لانج Andrew Lang فقد توصَّل إلى أن الدين الأول هو دين التوحيد السماوي، واستند في ذلك إلى دراسات عن قبائل وسط إفريقيا مثل الزولو والبوشمان وبعض قبائل الأمريكتين وأستراليا().
ومن العجيب أنَّ الفيلسوف الألماني الكبير فرِيدريك شِلنْج F. W. Schelling قد أوضح في كتابه: "فلسفة الميثولوجيا Philosophy of Mythology " أنَّ: التوحيد هو عقيدة البشرية الأولى قاطبةً، والتعدد يأتي في مرحلة تالية نتيجةً لفساد الأتباع().
وقد وافق إدوين جيمس E. O. James أستاذ الأنثروبولوجيا والديانات المقارنة البريطاني هذا الطرح من لانج وشمت وشلنج، وقرَّر أن الإيمان بالإله الواحد الأحد هو الأصل عند الإنسان البدائي، وهذه هي العقيدة التي ما زالت عليها القبائل البدائية التي تعيش على جمع الثمار حتى يومنا هذا مثل قبائل Aboriginal في أستراليا والأقزام في إفريقيا().
فعقيدة الإيمان بالله الواحد فاطر السماوات والأرض تراها عبر كل العصور.
وهنا سيظل السؤال: مِن أين جاء هذا الإيمان، ما مصدره؟
وكيف قامت له الدَّعَوات عبر كل التاريخ، وكل الجغرافيا؟
فمن منظور إلحادي مادي مُنْكِر لوحي الأنبياء، يبقى هذا السؤال معضلةً حقيقيةً!
5- لكن ماذا عن الديانات المعاصرة كالهندوسية والمسيحية والزرادشتية وغيرها؛ هل هي أيضًا في أصلِها توحيدية؟
نعم!
فالهندوسية والتي هي من أكثر الديانات شِركًا اليوم تنتهي في الأخير إلى إيمان توحيدي قديم، وهذا ما ذكره التقرير المرفوع إلى الحكومة البريطانية في الهند، وفيه أنَّ: "النتيجة العامَّة التي انتهت إليها اللجنة من البحث هي أنَّ كثرة الهنود الغالبة تعتقد عقيدة راسخة في كائن واحد أعلى"().
وفي الهندوسية اليوم هناك ما يُعرَف بالسادهو الهندوسي Sadhu ذاك الرجل الذي يلبس ملابس زعفرانية، ويترك أهله ليعيش متوحدًا؛ هذا السادهو لن يصل إلى هذه المرحلة إلا بعد التخلِّي عن كل الشركيات والآلهة الأرضية، والإيمان بخالق واحد أول!

والمسيحية أيضًا في أصلها ديانة توحيدية، ولم تظهر مصطلحات الأقانيم والتثليث إلا بعد رفع المسيح عليه السلام بزمن.
وبدخول عقيدة التثليث إلى المسيحية ظهرت إحدى المِحَن الكبرى في هذه الديانة، فالكتاب المُقدَّس هو كتاب توحيدي صارخ.
والإيمان بالله الواحد هو أعظم وصايا الكتاب المقدس على الإطلاق!
فكما ورد على لسان موسى عليه السلام في سفر التثنية: "الربُّ إلهنا ربٌّ واحدٌ".

بل ورد على لسان المسيح عليه السلام في إنجيل مرقس الذي بين أيدي المسيحيين حتى اليوم نفس قول موسى عليه السلام ، حيث قال المسيح: إن أولَّ كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل، الربُّ إلهنا ربٌّ واحدٌ.

فهذه أعظم وأهم وصايا الكتاب المُقدَّس على الإطلاق.
وهنا ظهرت إشكالية ومِحنة التعارض بين التوحيد في الكتاب المقدس، وبين هذا الإيمان بالتثليث الذي ظهر بعد رفع المسيح بزمن.
وطبقًا لدائرة المعارف البريطانية فـ: "المسيحيُّون الأوائل كانوا ضد التثليث؛ لأن التثليث لا عَلاقة له بالتوحيد الإلهي الذي تُعلمه الكتب المقدسة"().
وأمام هذه الإشكالية الكبرى قالوا: التثليث هو توحيدٌ، والأقانيم الثلاثة هي الله الواحد؛ فخالفوا بذلك العقل وكلَّ منطقٍ بشري.
فكل أقنوم طبقًا للإيمان المسيحي هو إله كامل، فكيف تكون الأقانيم الثلاثة إلهًا واحدًا؟
والشاهد من هذا أنَّ أصل المسيحية هو توحيدي تمامًا.
ولو ذهبنا للزرادشتية نجد نفس الأمر فالزرادشتية في أصلها ديانة توحيدية، لكنَّها أصبحت اليوم مثنوية. مثنوية أي: تؤمن بإلهينِ اثنينِ؛ فالإله الواحد الخالق جعلوا معه إلهًا صغيرًا نسبوا له خلْق الشر، وهذا التصوُّر الشركي المثنوي ظهر في مرحلةٍ متأخرةٍ().

فكل الديانات في أصلها كانت على التوحيد النقي.
قال ربُّنا سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [سورة الأنبياء: 25].
وحتى مشركو العرب: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [سورة الزمر: 38].
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [سورة الزخرف: 87].
فالكل يؤمن بأنَّ التوحيد هو الأصل في كل الديانات.
فكلُّ البشر عبْر كل التاريخ، في كل الديانات كانوا على لا إله إلا الله!
بل دعونا ننظر لهذا التصريح شديد اللهجة من المسيح عليه السلام بنفي الألوهية عن نفسه، وأنَّ الله واحدٌ وليس آخر سواه.
وهذا التصريح يوجد في الإنجيل الذي بين أيدي المسيحيين حتى الساعة.
يقول المسيح عليه السلام : "إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ حَقًّا. الَّذِي يَشْهَدُ لِي هُوَ آخَرُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ الَّتِي يَشْهَدُهَا لِي هِيَ حَقٌّ"().

والآن ركِّزوا في قول المسيح: "الَّذِي يَشْهَدُ لِي هُوَ آخَرُ"!
إذَنْ الله هو آخر غير المسيح!
وبالتالي المسيح ليس هو الله!
ويأتي النصُّ المدهش في إنجيل مرقس إصحاح 12: "اللَّهُ وَاحِدٌ وَلَيْسَ آخَرُ سِوَاهُ"().
الله واحد وليس آخر سواه!
إذَنْ عندما قال المسيح عن الله: "الَّذِي يَشْهَدُ لِي هُوَ آخَرُ" فهو بهذا ينفي عن نفسه أيَّة صورة من صور الألوهية.
فبالجمع بين النصَّينِ في إنجيل يوحنا وإنجيل مرقس تكون النتيجة أنَّ: المسيح ليس هو الله!
فهذا هو دين التوحيد الذي جاء به كلُّ الأنبياء!
لكن للأسف مع الوقت يتخذ البشرُ الأصنامَ والآلهة البشرية والوثنيات والشركيات قُربى إلى الله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [سورة الزمر:3].
فالدين يظهر توحيديًّا، ثم يتخذ الناسُ الأصنامَ والمعبودات الأرضية وسائط لله عز وجل !
6- لكن كيف لعاقلٍ أنْ يتخذ صنمًا أو وَثَنًا قُربى إلى الله، ثم يعبده ويترك عبادة الله، كيف يحصل هذا؟
الأصنام والأوثان لم تكن تُعبد لذاتها في أيَّة ديانة!
بل هي كانت مجرد وسائط لله!
ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "ومن ظنَّ في عُبَّاد الأصنام أنَّهم كانوا يعتقدون أنها تخلق العالَم، أو أنها تُنزِل المطر، أو أنها تُنبِت النبات، أو تخلُقُ الحيوان أو غير ذلك، فهو جاهلٌ بهم، بل كان قصد عُباد الأوثان لأوثانهم من جنس قصد المشركين بالقبور"().
فاتخاذ الأصنام كان من باب تعظيمها وجعلها وسيطًا لله، لكنهم يعلمون أنَّ الله وحده هو الخالق الرازق.
نعم قد ينسبون لها نوعًا من التقدير والتدخُّل في الأقدار، لكنهم يعرفون أنَّ هناك خالقًا واحدًا سبحانه!
فالأصنام كانت من باب الواسطة لله بجهلهم، كما يتقرَّب الجُهَّال للقبور ويجعلونها وسائط لله، ويدْعون صاحب القبر أنْ يشفيهم، أو أنْ يرزُقهم الولد، ويذبحون لصاحب القبر.
فهذا كان حال عُباد الأصنام عبْر العصور، فقد كانت الأصنام في الأصل أسماءً لرجالٍ صالحين اتخذها الناسُ قربي لله وواسطة له.
فغاية دعوة كل الأنبياء هي إعادة الناس للتوحيد النقي، ونزْع هذه الشركيات.
وما كانت هذه الشركيات أكثر من واسطة لله.
ولذلك لم يُنكر كُفار قريش "الله سبحانه" وإنما أنكروا التخلي عن أصنامِهم وشركيَّاتهم.
ولذلك من المعلوم أنَّ أصل دعوة الأنبياء هي في توحيد الألوهية، أي في: "إفرادِ الله بالعبادة" لا في توحيد الربوبية، أي: "إفرادِ الله بالخَلْق"، فكل البشر بفطرتهم وببقايا النُّبُوات لديهم على توحيد الربوبية.
فالكل يؤمن بالله الواحد... لكن أتى الأنبياء لتنقية جناب التوحيد من الشركيات.
7- كم عدد الديانات التي ما زالت على التوحيد النقي اليوم على الأرض؟
لم يبْقَ على إفراد الله بالعبادة... لم يبْقَ على التوحيد النقي على وجه الأرض اليوم سوى الإسلام!
فالإسلام هو الدين التوحيدي الأوحد اليوم على الأرض.
فكل المنتسبين للديانات خلا الإسلام لهم من الشرك نصيب قلَّ أو كثُرَ!
ولذلك فالدعوة للإسلام هي من أيْسر ما يكون؛ لأنها دين الفطرة، ولا تحتاج معها لمقدماتٍ عقليةٍ؛ فالكل مفطور على الانكسار للباري، والخضوع له، والتسليم بكمال العبودية له جلَّ وتقدَّس سبحانه، ومُهمة الداعي للإسلام أنْ يستثير تلك الفطرة، ويدفعها للنظر، فإذا نظرتَ وتبيَّنت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا يكفي للتسليم بصحة الإسلام.
فالدين فطرة إنسانية، والدين هو الذي سار إلى الإنسان، وهو الذي نزَل إليه، ولم يصعد هو إليه.
فالناس لم يعرفوا ربهم بافتراض العقل البدائي، وإنما بنور الوحي!().
لذلك بدأت كل الديانات بداية توحيدية نقيَّة، ثم أتتِ الشركيات في مرحلةٍ تاليةٍ! فالوحي لجميع الأنبياء في أصل التوحيد واحدٌ!
قال ربُّنا سبحانه: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا} [سورة النساء: 163].
8- لكن ألاَ يكفي العقلُ والعلمُ التجريبي والحسُّ والفلسفة لإشباع المعرفة الإنسانية دون الحاجة للدين؟
هناك أُسطورة تحكي أنَّ ستةً من العُميان في الهند ذهبوا ليتفحَّصوا فيلًا ضخمًا، وكل أعْمى كان مُطالَبًا بوصف الفيل بحسْب ما تحت يده؛ مستخدمًا العقل، والتجربة العملية، والحس، والفلسفة.
فالذي لمسَ ناب الفيل قال باجتهاده العقلي وخبرته: هذا رُمح!
والذي لمس أنف الفيل قال باجتهاده العقلي وخبرته: هذه أفعى ضخمة!
والذي لمس رِجْل الفيل قال باجتهاده العقلي وخبرتِه: هذه شجرة!
والذي لمس بَطْن الفيل قال: هذا جِدار!

فهذه طبيعة المعرفة البشرية القاصرة!
العُميان الستة استخدموا العقل والتجربة العملية والحس والفلسفة.
فجاءت النتيجةُ قاصرةً بقصور العقل والتجربة العملية والحس والفلسفة!
فكلهم أخطأوا في وصف ما تحت أيديهم.
لكن كيف نصِفُ نحن هؤلاء العميان الستة بأنهم جميعًا على خطأ؟
لأننا ببساطة نرى المشهد من الخارج!
فنحن ننظر للجميع: للفيل وللعميان نظرةً شاملةً... نرى الصورة من الخارج!
الفرق بين اجتهاد العميان الستة وبين النظرة الصحيحة الشاملة، هذا بالضبط كالفرْق بين العقل والتجربة العملية والحس والفلسفة وبين الوحي الإلهي.
فالعقل والتجربة العملية والحس والفلسفة يُقدمون معرفة قد تكون نافعة ومفيدة، لكنها قاصرة بقصور قُدُراتِك وحدود إمكاناتِك، بينما الوحي على العكس من ذلك تمامًا؛ الوحي يحكُمُ على المشهد من خارجِه، فيعطيك أحكامًا كليةً... أحكامًا شموليةً؛ فالوحي يُخبِرُك بغاية وجودك، وبمعنى وجودك، وبما وراء وجودك!
بينما العقل والتجربة العملية والحس والفلسفة لن يستطيعوا مجتمعين التقدُّم لجواب سؤال وجودي واحد من هذه الأسئلة!
لن يُقدموا جوابًا لسؤال الغاية... غاية وجودك، ولن يقدموا جوابًا لسؤال المعنى وسؤال القيمة!
ولو حاول العقل أو التجربة العملية أو الحس أو الفلسفة أن يتقدموا بجوابٍ واحدٍ، فلن يختلفوا كثيرًا عن العُميان الستة!
فالعقل والتجربة العملية والحس والفلسفة يُجيدون تقديم أجوبة دنيوية رائعة لحاجاتٍ دنيويةٍ قاصرةٍ مثل: أفضل طعام، وأفضل شراب، وأفضل طريقة للسفر، وأفضل حل لمعادلة رياضية، وأفضل تخمين علمي لظاهرة كمومية... يقدمون أجوبةً جميلةً لهذه الأسئلة وهذا مُنتهاهم... يقدمون جواب الحيِّز الدنيوي الضيق المادي المحيط بنا.
9- لكنْ لنفترض أنَّ أحد هذه البدائل الأربعة: العقل والتجربة العملية والحس والفلسفة؛ أجاب عن غاية الحياة أو معنى الوجود أو حلَّل قيمةً إنسانيةً تحليلًا ماديًّا؟
لو افترضنا أنَّ العقل أو التجربة أو الحِس أو الفلسفة أجابوا عن شيءٍ من ذلك، فنحن جميعًا سنسخر من الجواب!
نعم هذه هي الحقيقة!
فلا العقل، ولا التجربة، ولا الحس، ولا الفلسفة يستطيعون تقديم تعريف صحيح للأخلاق أو المنفعة أو المضرَّة أو القِيَم الجمالية، أو الصواب أو الخطأ، فلا توجد ذرَّة تحمل معنًى قيميًّا، ولا توجد معادلة رياضية تضع رموزًا لمعاني الأمانة أو الخيانة، ولا يحصل تبادُل أيونات على جدران خلايا مخك العصبية لمعاني الطُّهر، وأيونات ثانية لمعاني العفَّة، وأيونات ثالثة لمعاني النجاسة والفسق!
فهذه مفاهيم وقِيَم ومعانٍ لا يمكن تحليلها عقليًّا أو تجريبيًّا أو حسيًّا أو فلسفيًّا!
يقول شرودنجَر Schrödinger الحائز على نوبل في فيزياء الكم، يقول: "لو حاول العلم التجريبي أنْ يُحلل المعاني الأخلاقية أو الجمالية، فإننا سنستمع إليه لنضحك، لا لنأخذ كلامه على محمل الجد"().
فالعلم سيلزَمُ الصمت التام تُجاه هذه الأمور التي لا تخضع لنطاقِ رصده!
فمعاني الصدق والكذب، والصواب والخطأ، والقيمة الجمالية، والمعاني التكليفية، فضلًا عن العالم الغيبي؛ هذه المعاني لا تقع في إطار العالم المادي الذري حتى نُخضعها للعلم التجريبي، أو الحسي، أو التخمين العقلي، أو الفلسفي، فلا تُستنار المعرفة في هذه الجوانب كلها إلا بنور الوحي الإلهي!
10- لكن العقل يقرر المبادئ الأخلاقية حتى بعيدًا عن الدين؛ أليس كذلك؟
المبادئ الأخلاقية مُستمدَّة من الفطرة المتفقة مع التكليف الديني، وليست مستمدَّة من النشاط الدماغي!
فالنشاط الدماغي هو عبارة عن تبادل أيونات على جدران خلايا عصبية.
والمخُّ لا يحتوي على أكثر من تبادل أيونات ونواقل عصبية!
فالمبادئ الأخلاقية هي نتاج فطرة متفقة مع دين، وليست نتاج نشاط دماغي!
لذلك لو تجاهلَ الإنسانُ الفطرةَ، وعاندَ الدين، ونظرَ لنفسه نظرةً ماديةً مجردةً؛ وحلَّل نشاطه الدماغي تحليلًا ماديًّا، فلن يرصد ساعتها أكثر من: ذرات، وتبادل أيونات، وشحنات كهربية، وفي هذا الإطار ما أيسر أن يُعقلن أية إبادة شمولية!
وهتلر قام بعقلنة: وجوب إبادة الأعراق البشرية الأدنى.
وتمَّت بالفعل إبادة مئات الآلاف من البشر على يد العقلنة النازية المادية.
ويكفيك ببساطة أنْ تقرأ عن مشروع أكتزون تي فيا Aktion T4 والذي أُبيد فيه ثلث مليون إنسان على يد النازي؛ لأن هؤلاء الذين تمَّت إبادتهم يقفون في وجه الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح!

والإلحاد حتى الساعة يُعقلن قتل الأجنة!
فيُجيز إجهاض الأجنَّة دون أدنى وخْز للضمير.


ويقوم الإلحاد بعقلنة إجهاض الأجنَّة بتحليل مادي عقلاني محايد تمامًا، فيُقرر أنَّ الأجنة تمثل مراحل حيوانية مختلفة Ontogeny recapitulates Phylogeny - وهذه خرافة علمية بالمناسبة لكن الإلحاد يتبناها-، فإذا كانت الأجنَّة بهذه الصوة فما المانع من قتلها؟
وبنفس هذه القياسات يمكن ماديًّا وإلحاديًّا عقلنة إبادة الجنس البشري بنفس درجة إبادة مستعمرة باكتيرية!
فطالما تجاهلتَ الفطرة، وعاندتَ الدين، لن يقف في وجه تدميرك للأرض وما عليها شيءٌ!
فلن تستطيع التأسيس عقليًّا أو علميًّا أو حسيًّا أو فلسفيًّا لأية قيمة أخلاقية أو لأي معنًى غائي.
فتحليل النشاط الدماغي لن يُفرز تعريفًا للخير ولا للشر، فلا يُمكن أن تُستمدَّ المبادئ الأخلاقية من غير الفطرة المتفقة مع الدين!
يعترف الملحد ريتشارد داوكينز بهذه الحقيقة الصعبة فيقول: "من الصعب جدًّا الدفاع عن القيم الأخلاقية المطلقة على أرضيةٍ أخرى غير الدين"().
فالنشاط الدماغي والعلم التجريبي والحس والفلسفة، هذه البدائل الأربعة بدائل قاصرة لا تجيب عن سؤال وجودي أو معنًى غائي أو أية قيمة إنسانية.
هذه البدائل تتيح فقط معارف قاصرة لإنتاج مدركات قاصرة لعلاج مشكلات قاصرة كـ: الأكل والسفر والدواء وسبل الراحة.
هذا ما لدى البدائل الأربعة، لذلك فالدين دائمًا يؤكد أنَّ القيم الإنسانية الكلية ومعاني: الغاية والعلة والمعنى والغيب؛ هذه القيم والمعاني لا تنضبط إطلاقًا بأيٍّ من هذه البدائل الأربعة، وإنما تنضبط فقط بنور الوحي... تُضبَط فقط بالرسالة الإلهية التي بثَّها الأنبياء.
ومَن اغترَّ بهذه البدائل الأربعة وحدها يهلِك!
قال الله عز وجل : {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} [سورة غافر:83].
فالمحتوى العلمي المادي قاصرٌ في جواب أي محتوى كلي وجودي.
11- لكن هل هذا تقليل من قيمة العلوم التجريبية؟
الله عز وجل منحنا العلم المادي التجريبي القاصر لإجابة حاجات قاصرة كـ: الأكل والاختراع ونقل المعلومات والتواصل وحل المعادلات الرياضية، لكنَّه سبحانه منحنا الوحي والكتب السماوية والرسالات لجواب الأسئلة الكلية.
فلا بد أن نعرف حجم العلوم المادية بجانب الوحي الإلهي!
وأنْ نعلم أنَّ كل مَن تجاهل الجواب الإلهي... الوحي الإلهي... هذه الرسالة الإلهية، فإنه سيصبح أعمى مثل العُميان الستة لا مَحالة؛ مهما تسلَّح بكل العلوم المادية التجريبية!
قال ربُّنا سبحانه: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [سورة الرعد: 19].
فلا سبيل لمعرفة معاني التكليف والقيم الإنسانية وغاية الوجود إلا من طريق الوحي والنُّبُوة!
قال ابن تيمية رحمه الله : "لولا الرسالة لم يهتدِ العقل إلى تفاصيل النافع والضار، ولولا الرسالةُ لكان البشر بمنزلة الأنعام بل أشرَّ حالًا منها"().
فالرسالة الإلهية ضرورية لمعرفة القيمة والغاية ومعنى الوجود ومعرفة الشريعة!
وبدون الرسالة الإلهية نتحوَّل إلى: أشباح بلا معنًى، كما يقول اللاأدري الشهير كارل ساغان حين قال: "لا فرق بين الإنسان ماديًّا وبين قطعة حَجَر"().

فبدون الوحي الإلهي نتحوَّل إلى ذراتٍ تتلاطم لا أكثر!
{وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [سورة النور: 40].
فمَن نسيَ غاية وجوده مهما كان متسلحًا بكل علمٍ ماديٍّ وفلسفةٍ، فإنَّه لن يتجاوز مرحلة الحجر أو الحَشَرات، كما يقول الملحد الوجودي سارتر، فقد قال ضمنيًّا: "الإنسان وَفْق نظرة مادية ليس أكثر من حشرة"().
قال الله عز وجل : {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [سورة البقرة: 130].
فمن يرغب عن الدين يُسفه نفسه.
مَن ينسى الله ينسى نفسه: {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} [سورة الحشر: 19].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "الدنيا كلها ملعونة، معلونٌ ما فيها، إلا ما أشرقت عليه شمس الرسالة، فحاجة الإنسان إلى الرسالة أعظم وأشدُّ من حاجته لكل شيء، ولا بقاء لأهل الأرض إلا ببقاء آثار الرسالات، فإذا دُرست آثار الرسل من الأرض قامت القيامة"().
فكل خيرٍ في الأرض هو من بقايا النُّبُوات().
12- وإذا اختفت النبوات فكيف يكون حال الأرض؟
كلُّ خراب في الأرض هو من العمل بخلاف ما أمرتْ به النبوات.
فكما فصَّلت: لن تستطيع كلُّ عقول وتجارب وفلسفات العالم أن تؤسس لومضةٍ من نورٍ في جواب قيمةٍ إنسانيةٍ واحدةٍ، أو في بيان غاية وجودية واحدة؛ فالنور هبة إلهية تقترن بالإيمان.
ولن تستطيع كل محاكم العالم، ولن تستطيع كل دساتير العالم أن تكبَح جماح جريمةٍ واحدةٍ على أساسٍ عقليٍّ أو مادي أو تجريبي!
وإلا فما المانع الإلحادي المادي من إبادة البشر؟
كما قلنا مِن قبل: لا مانع!
ما المانع المادي الدارويني من إدخال الأعْراق البشرية الأدنى أقفاص حيوانات؟
لا مانع!
وما أُغلقت أقفاص حيوانات البشر في أوروبا، وهذه الصورة كمثال:

فحدائق حيوان البشر كانت منتشرةً في العواصم الأوروبية حتى منتصف القرن الماضي بلا حياءٍ!

كانت حدائق حيوان البشر هذه تطبيقًا عمليًّا للنظرة المادية للبشر... تحليلًا موافِقًا للتطوُّر والانتخاب للأصلح!
ما أُغلقت أقفاص حيوانات البشر في أوروبا، وما أُدينت النازية، وما أُغلقت معسكرات إبادة الأعْراق البشرية الأدنى إلا ببقايا النُّبُوات في الغرب.

فلم تُوقَف محارق النازية إلا ببقايا النبوات!
لم يوقف التمييز بين البشر بناءً على لون البشرة أو حجم الأنف إلا ببقايا النبوات!

ولم تغلق غُرَف الغاز في أوشفيتزAuschwitz إلا بعد أن التمس الناس بقايا فِطرهم... فبدون الفطرة سيفتقد الناس لأية نقطة مرجعية للأخلاق.
إذا اعتمدنا على النظرة الإلحادية للبشر، لن يكون هناك فرق بين المحرقة النازية وحفلة شواء!
ولن يزدد البشر عن أن يكونوا حُثالة كيميائية Chemical Scum على حد وصف الفيزيائي ستيفن هاوكنج().
فالنُّبُوة هي الوسيلة الوحيدة الصحيحة للمعرفة بالإنسان وبالله.
يقول نجيب محفوظ الذي قضى دهرًا من عمره في الشك يقول: "الله وحده هو الذي يُعطي القيم معناها، الله وحده هو الذي يعطي الوجود معناه، بدونه لا معنى للوجود... لا معنى للقيم، وبديله هو العبث... اللامعنى"().
فالإنسان مفتقرٌ افتقارًا ذاتيًّا إلى الدين... مفتقر افتقارًا ذاتيًّا ضروريًّا إلى الله!
وكل منكرٍ للعلم الإلهي الذي بثّه الأنبياء منكر لأعظم مطلوبٍ في الوجود.
13- لكن: أليس العقل مناطًا للتكليف؟
أليس الاستدلالُ العقليُّ هو أحد أبواب الاستدلال على وجود الخالق، وعلى صحة النبوات، وعلى صدق النبي؟
فكيف نبخس من قيمة العقل؟
هذا السؤال يحمل خلطًا بين البديهيات العقلية والقدرات العقلية... يحمل خلطًا بين الأوليات العقلية وبين العمليات العقلية!
فالبديهيات العقلية أو المبادئ الضرورية العقلية كـ: عدم التناقض والسببيَّة؛ هذه البديهيات العقلية مُستمدَّة من الفطرة، فكما استُمِدت المبادئ الأخلاقية من الفطرة، كذلك استُمدت البديهيات العقلية منها؛ وهذه البديهيات العقلية هي بلا شك أحد الاستدلالات الأوَّلية على إثبات وجود الخالق، وعلى صحة الدين وصدق الرسالات.
فهذه البديهيات العقلية لا خلاف في أوَّليتِها.
أما العمليات العقلية القاصرة.
كـ: التحسين والتقبيح العقلي النسبي، والملاحظة العقلية، والتحليلات والتخمينات العقلية، والمكتسبات العقلية... هذه العمليات العقلية القاصرة لا تمنع من التورُّط في الخطأ، بل ولا تمنع من صناعة الخرافة والأسطورة والوهم والهلاوس وقَبول كل ذلك.
فالمُكتسبات العقلية هي ما يتمُّ تحصيله بالنظر والخبرة والحس والتجربة، هذه المكتسبات لا تمنع من التورُّط في الخرافات، وقبل سبعين عامًا لم تمنع من قبول النازية، واليوم هي لا تمنع من قبول إبادة الأجنة، ولن تمنع من أية جريمة أو هلوسة؛ فالمكتسبات العقلية قاصرة بقصور الطبيعة البشرية.
ولن تنجو النفس الإنسانية بغير الانكسار للوحي الإلهي والخضوع لله الباري سبحانه ولشرعه!
وطالما تجاهَل الإنسان الدين والفطرة والأوليات العقلية، واحتكم فقط إلى هذه المكتسبات العقلية، فلن يستطيع ساعتها أن ينجو، بل لن يملك مانعًا من عقلنة أية جريمة!
{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [سورة العلق: 6-7].
فإذا استغنى الإنسان عن الفطرة والدين، لن يقف في وجه طغيانه شيءٌ.
14- لكن ما أهمية الأوَّليات العقلية المستمدَّة من الفطرة؟
الأوليات العقلية تحمل البرهنة الضرورية على وجود الخالق كـ: بُرهان السببية.
وهي تبرهن على صحة الرسالة، وعلى صدق النبي، فتُثبت بصورة قطعية صحة النبوة.
فالأوليات العقلية كاللوح الراصد للنور، لكنها لا تُولِّد نورًا ذاتيًّا... الأوليات العقلية كاللوح الراصد للنور متى سطَع عليها.
إذا سطعَ نور الرسالة ونور النبوة جاءت الأوَّليات العقلية لتثبت صحة هذا النور!
فالأوليات العقلية عند كل إنسانٍ هي لوح يدور في السماء يبحث عن أيَّة وَمْضة من نور النبوة!
وإذا ظهَرَ نور النبوة، فلن يكون أمام الإنسان إلا التسليم أو المعاندة والمعارضة!
فـ: رحمة الله الكبرى للإنس والجن هي الفطرة والنُّبُوة، وكل ما فيهما خيرٌ مما يجمعون بكل البدائل الأربعة.
فالدين حتمية إنسانية، ومطلب فِطْري، وحقيقة أوليَّة، وهو أصل المعرفة، وأصل العلم بمعنى الأخلاق، ولماذا يجب أن نكون على أخلاق؟ ولماذا نشعر بوخز الضمير الأخلاقي؟ ولماذا نشعر بضرورة افعل ولا تفعل؟... افعلِ الخير ولا تفعلِ الشر، ولماذا نشعر بالافتقار للخالق.
الدين هو جواب كل هذه الأسئلة، وجواب أسئلة الغاية والعلة وما وراء الموت.
الدين وحده هو القادر على تحليل ظاهرة الإنسان.
الدين هو العلم الحقيقي الأعظم الذي لا غنًى للإنسان عنه.
وكما قال ابن القيم رحمه الله : "لولا النُّبُوات لم يكن في العالم علم نافع البتَّة"().
ومَن أنكر من الربوبيين أنْ يكون الله تعالى قد أرسل رُسُله، وأنزل كتبه لم يُقدِّر اللهَ حقَ قدْره: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [سورة الأنعام: 91].
فمِن كمال رحمة الله بخلقه أنْ أرسل إليهم رُسُلَه، وأنزل عليهم كتبَه.
مشكلة الربوبية أنَّها تدَّعي أنَّ وجودنا بلا تكليف، ولو صحَّ ادَّعاؤها لما اضطُررنا لبحث جواب عن أسئلة الغاية والمعنى والقيمة والأخلاق.
ولما استوعبنا أصلًا شيئًا من هذه الأسئلة!
ولما بعث اللهُ الأنبياءَ وأنزل الكتب!
من خلال الكتب السماوية، ومن خلال الأنبياء فقط نعرف الجواب... ومن خلال الدين يصبح الإنسان مركزًا في هذا العالم، ويصبح محورًا في هذا الوجود؛ بينما بدون الدين يفقد الإنسان هُويته، ويفقد معنى وجوده، ويفقد ذاتَه، ويكفر بفطرتِه، ويتحول لحجر وحَشَرات.
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].
تحت راية الدين فقط تعرف أنك إنسان!
فالدين ليس ترفًا فكريًّا، بل هو ضرورة فطرية وجدانية.
والشعور بالافتقار لله خاصةً في أوقات الهلع الشديد هو طبيعة النفس الإنسانية.
وكما يقول قادة المعارك: وقت المعركة لا يوجد مُلحِدون في الخنادق.

ففي الخنادق الكل يعودُ للإيمان!
{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [سورة العنكبوت: 65].
فالإحالة إلى الدين... الإحالة إلى الرسالات السماوية؛ مبرر هذه الإحالة هو ظاهرة "الإنسان".
فالإنسان طُبع وصُبِغَ مُكلَّفًا، ولم يُطبع ولم يُصبغ لِيُفسَّر ماديًّا.
لذلك فشِل وسيفشل أيُّ تحليل إلحادي للإنسان!
ولن يُنتج التحليل الإلحادي للإنسان إلا المحرقة النازية وحدائق حيوان البشر!
فبالإلحاد يتسمم معنى الإنسان، ويتسمم الوجود من حولِهِ.
15- لكنْ: كيف نعرف الدين الحقَّ... كيف نعرف صِدْق الرسول؟
لماذا يكون محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم رسولًا من عند الله... ما بيِّنات صدقه؟
مِن بيِّنات صدق الرسول:
1- أن يكون صادقًا:
وهذا شرط بديهي.
والنبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم اشتُهر بين الناس بالصدق، بل ولم يُعهد عليه كذبٌ قط، ولم يُتَّهم أنه كذَب في وقعةٍ واحدةٍ على تعدُّد مواقفه، وكثرة أخباره، وهذا باعتراف أشد الناس له عداوةً.
فلم يُرمَ بكذبٍ ولو لمرةٍ واحدةٍ.
ورَدَ في البخاري أنَّ كبار كفار قريش قالوا له في أول دعوته: "ما جربنا عليك إلا صدقًا".

فهذه هي البيِّنة الأولى: أنْ يكون النبيُّ صادقًا.
وهذه البيِّنة وحدها تكفي في إثبات صحة النبوة!
فمُدَّعي النبوة إما أن يكون: أصدق الناس؛ لأنه نبيٌّ؛ فمن الطبيعي أن يكون أصدق الناس، وإما أن يكون أكذَبَ الناس؛ لأنه يفتري كذبًا في أعظم الأمور شأنًا.
ولا يختلط أصدق الناس بأكذب الناس إلا على أجهل الناس؛ وهذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
يقول رحمه الله : "ليست المعجزة هي الشرط الأوحد للنبوة، فمُدَّعي النبوة إمَّا أنْ يكون أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يُلبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين"().
وقد أسلم السابقون الأولون أمثال أبي بكر الصديق وخديجة والمُبشَّرين قبل انشقاق القمر، والإخبار بالغيب، والتحدي بالقرآن، وكثيرٌ من الناس يعلم صدقَ المُخبر بلا آيةٍ البتَّة... وموسى بن عمران لما جاء إلى مصر وقال لهم: إنَّ الله أرسلني، عَلموا صدقه قبل أن يُظهر لهم الآيات، وكذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم لما ذَكَرَ حاله لخديجة، وذهبت به إلى ورقة بن نَوفل، قال هذا هو الناموس الذي أُتي موسى، وكذلك النجاشي وأبو بكر علموا صدقه علمًا ضروريًّا لمَّا أخبرهم بما جاء به، وما يعرفون من صدقه وأمانته().
فإذا عجَز الكُفار عن إظهار كَذِبةٍ واحدة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل ويعترفون أنَّهم ما جرَّبوا عليه الكذب أبدًا "ما جرَّبنا عليك كذبًا".

إذا عجَزوا عن ذلك، فيلزمهم أنْ ينظروا في خبر نبوته، وليس الإسراع في تكذيبه!
ولذلك اشتدَّ لوم القرآن الكريم على كفار قريش؛ لأنهم من المفترض أنهم يعلمون حاله قبل بعثته، وأنَّه الصادق والأمين، قال ربُّنا سبحانه: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [سورة المؤمنون: 69].
البيِّنة الثانية على صدق الرسول:
أن يأتي بما أتى به الأنبياء مِن قبله؛ مما هو موافق للفطرة كالتوحيد -توحيد الله عز وجل .
فالإنسان بفطرته لو نظر إلى الكون لن يستوعب له إلا خالقًا واحدًا، ولن تقفز إلى ذهنه أيَّة صورة من صور الآلهة الأرضية الوثنية أو التصوُّرات الشركية، وكل الشرائع في كل تاريخ الأرض بدأت توحيدية تؤمن بالله الواحد، كما فصَّلْنا من قبلُ.
فالتوحيد قضية فطرية وهو خطاب كل الأنبياء.
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [سورة الأنبياء:25].
فكلُّ الأنبياء أتَوْا بهذا التوحيد الفطري، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بِدعًا من الرسل يأتي بما يخالف هذه العقيدة التوحيدية النقية.
{قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [سورة الأحقاف: 9].
بل دعا لنفس التوحيد النقي الذي جاء له كل الأنبياء.
فكل الأنبياء أتَوْا بالتوحيد، ولم يبقَ على هذا التوحيد اليوم سوى الإسلام، فهو دين الله الوحيد الباقي على الأرض: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة آل عمران: 85].
إذَنْ البيِّنة الثانية على صدق الرسول أنْ يأتي بما يوافق الفطرة من التوحيد النقي.
وأنْ يأتي أيضًا بما يوافق الفطرة من المبادئ الأخلاقية الضرورية.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان صاحبَ المثل الأوفى في هذا، وقد أوضح جعفرُ بن أبي طالب رضي الله عنه كمالَ الأخلاق التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم في حواره مع النجاشي حين قال للنجاشي مختصرًا ما جاء به الإسلام من كمالات الفطرة: "أيُّها الملِكُ، كُنَّا قَومًا أهلَ جاهليَّةٍ، نَعبُدُ الأصنامَ، ونَأكُلُ المَيْتةَ، ونَأتي الفواحشَ، ونَقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجِوارَ، يَأكُلُ القَويُّ منَّا الضَّعيفَ، فكنَّا على ذلكَ حتَّى بَعَث اللهُ إلينا رسولًا منَّا نَعرِفُ نسبَه وصِدْقَه، وأمانتَه وعَفافَه، فدَعانا إلى اللهِ لِنوحِّدَه ونَعبُدَه ونَخلَعَ ما كنَّا نَعبُدُ نحنُ وآباؤُنا مِن دُونِه مِنَ الحجارةِ والأوثانِ، وأَمَرَنا بصِدْقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصِلَةِ الرَّحمِ، وحُسْنِ الجِوارِ، والكفِّ عنِ المَحارمِ والدِّماءِ، ونَهانا عنِ الفَواحشِ، وقولِ الزُّورِ، وأكْلِ مالِ اليتيمِ، وقذْفِ المُحْصنةِ، وأَمَرَنا أنْ نَعبُدَ اللهَ وحْدَه لا نُشرِكُ به شيئًا، وأَمَرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ... إلى آخر الحديث"().
فقد أتى الإسلامُ بما يوافق الفطرة من كمال التوحيد ومبادئ القيم الأخلاقية!
البيِّنة الثالثة على صدق النبي: ألَّا يأتي النبي بنصٍّ شرعيٍّ واحدٍ يحمل مُحالًا عقليًّا واحدًا.
فلا تكون في نصوص الشرع مُحالات عقلية، هذا أمر طبيعي؛ إذ لو كان هذا الشرع وحيًا من الله فلن يكون فيه محال عقلي واحد.
وقد قال عز مِن قائل مؤكدًا هذه القضية العقلية: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [سورة النساء: 82].
فيستحيل أن يوجد في الدين الحق اختلافٌ أو تعارضٌ بين نصٍّ شرعي وبين بديهةٍ عقلية!
فالدين الحق لا يأتي أبدًا بمحالات العقول.
لكن الدين الحق قد يأتي بمحارات العقول.
نعم يستحيل أن يأتي الدين بالمحالات؛ لكن قد يأتي بالمتشابهات، وهذا من التكليف: حتى يتبع أهلُ الهوى والذين يريدون الكفر هذا المتشابه؛ بينما يَثبت أهل الحق على اليقين؛ لِما في الدين من براهين ومحكمات على صحة الرسالة!
قال ربُّنا سبحانه: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [سورة آل عمران: 7].
وقال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [سورة البقرة: 26].
وقال عزَّ مِن قائل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [سورة الحج: 52-53].
{إِذَا تَمَنَّى} [سورة الحج: 52] تعني: إذا قرأ النبيُّ ما أنزل الله عليه، قام الشيطان بإلقاء الوساوس والشبهات في قراءته.
فمن الطبيعي أن يكون هناك متشابهٌ حتى يكون هناك إيمان وكُفر، والمؤمن يُحيل هذا المتشابه إلى المحكمات.
والمحكمات هي: القطعيات.
فالمؤمن يحيل المتشابه إلى المحكم!
مثال على ذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة البقرة: 62].
هذا النص متشابه!
فاليهود والنصارى والصابئون لو آمنوا بالله وعملوا صالحًا لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
والسؤال هنا: بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم هل يلزمُهم الإيمان بنبوته أم يكفيهم الإيمان بأنبيائهم؟
الآية هنا لم توضح هذا الأمر!
فهذا متشابه!
والمسلم هنا يقوم برَدِّ هذا المتشابه إلى المحكم!
ما هو المُحكم في هذا الأمر؟
المحكم قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة آل عمران: 85].
إذَنْ أحلْنا المتشابه الذي لم نفهمه في الآية الأولى إلى المحكم في الآية الثانية؛ والتي تقطع بها بأنَّه بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لن يُقبل إيمان بشر إذا لم يؤمن بنُبُوَّته صلى الله عليه وسلم !
فهنا نستوعب المتشابه بمجرد رَدِّهِ إلى المحكم!
مثال آخر على المتشابه والمُحكم وهو قول الله سبحانه: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [سورة الكهف: 86].
هذه الآية في غروب الشمس لا تكون إلا في عين الرائي، وليس أنَّها تسقط داخل عين وقت الغروب!
لماذا؟
لأن المُحكم يخبرنا أنَّ الشمس تجري في فلكٍ لا تتوقف!
{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [سورة الأنبياء: 33].
إذَنْ بإحالة المتشابه إلى المحكم نستوعب المعنى الصحيح للمتشابه، وتختفي جُل الشبهات ذاتيًّا.
فالمسلم يحيل المتشابه إلى المُحكم... بينما الذي يريد الزيغ يتبع هذا المتشابه، ويتجاهل المُحكم ليبقى على زيغه.
إذَنْ فالدين الحق، والرسالة الصحيحة تأتي بالمتشابه... تأتي بمحارات العقول، لكن لا تأتي أبدًا بمحالات العقول... يستحيل أن تجد نصًّا شرعيًّا واحدًا يخالف بديهةً عقليةً أو علميةً واحدة.
أما البيِّنة الرابعة على صحة الدين وصدق النبي:
وهي بيِّنة إضافية، لكنها لو حصلت لكانت قطعيَّة على صحة الدين، وصدق النبي، ألَا وهي: حصول المعجزات على يد النبي وبِشارات الأنبياء به قبل بعثته.
وقد وقعت على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من ألف معجزة صحيحة ثابتة، والعهد بهذه المعجزاتِ قريبٌ، والذين نقلوها هم أصدقُ الناس وأزكاهم أخلاقًا، وكانوا لا يجيزون الكذب عليه في أبسط الأشياء، فهم يعلمون أنَّ مَن كذب عليه متعمدًا فلْيتبوأ مقعده من النار.

وبعضُ معجزاتِه شهدها مئات الصحابة، فهي معجزات بلغت حدَّ التواتر.
والتواتر يعني: أن ينقل عددٌ كبيرٌ من الناس خبرًا من الأخبار، بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.
فالتواتر يفيد العلم اليقيني القطعي!
وهناك بالفعل معجزات كثيرة نقلها عدد كبير من الصحابة إلى مئات وآلاف التابعين.
مثل أحاديث تكثير الطعام القليل؛ بحيث أنَّ طعامًا يكفي لشخصينِ اثنينِ في غزوة الخندق يدعو فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالبركة فيَطعم منه الجيش كله.
وأحاديث تكثير الطعام أوردها البخاري في خمسة مواضع من صحيحه، لعظمة هذه المعجزة ولكونها متواترةً فقد رآها المئات بأُمِّ أعينهم().
وهناك مائة وخمسون حديثًا يدعو فيهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم ربَّه، ويُجاب في الحال والناس يشهدون().
وقد تحدَّى صلى الله عليه وسلم أهلَ الدنيا بالقرآن الكريم، فلم يجدوا إلا السيف ليُسكتوه به.
فالمعجزات والآيات والبيِّنات التي أتى بها صلى الله عليه وسلم كثيرة، والبشارات به في كتب أهل الكتاب عجيبة، وسوف نتناول بعض هذه المعجزات، وبعض هذه البشارات بالتفصيل في ثنايا الصفحات القادمة.
أما البيِّنة الخامسة من بيِّنات صدق النبي:
أن يكون النبيُّ مُؤيَّدًا مِن قِبل الله عز وجل .
ولا يلزم هنا التأييدُ الدنيوي المادي بالفتوح والانتصارات، لكن المقصود أن تنتصر حُجَّة النبي وتنتصر براهين صحة رسالتِه.
والنبي صلى الله عليه وسلم في باب التأييد بالحُجة والبرهان لم يأتِ كافر واحد على كثرة الكفار ورغبتهم في استئصال شأفة الإسلام، لم يأتوا بتناقضٍ واحدٍ في نصٍّ شرعيٍّ واحدٍ.
وحاز النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى جانب تأييد الحُجة والبرهان، حاز تأييدَ النصر والتمكين بالفتوح، وقد أخبر الله عز وجل بنصر نبيه، وأخبر بسيادة دينه وانتشاره، في الوقت الذي كانت فيه دياناتُ العرب قائمة، وملوكُهُم على جزيرة العرب مستولية، وكانت ممالك الهند وكسرى والقسطنطينية مما لا يحلُم العرب أن يروها فضلًا عن أن تنتشر كلمتهم فيها، وكانوا يعتبرون انتصاره من قبيل هدم الجبال الشُّمِّ الرواسي بريشةٍ تطير().
فانتصر صلى الله عليه وسلم ، وظهرت دعوته ولم يمُتْ حتى أتمَّ الشريعة، وأكمل الرسالة، ونزل قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [سورة المائدة: 3].
ونزلت سورة النصر: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [ سورة النصر: 1-3].
وفي هذه السورة إشعار بأنه قد فرغ من مهمته في الدنيا.
وبعد نزول هذه السورة قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم للناس: "إنَّ عبدًا خيَّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده"().
فعلم أبو بكر أن المُخيَّر هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم ؛ فبكى!
وقبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيومٍ واحدٍ -يوم الأحد-، تصدَّق بكل ما عنده من مالٍ وكانوا سبعة دنانير، ووهب المسلمين سلاحه، وكانت درعُهُ مرهونةً عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير.ودعا صلى الله عليه وسلم فاطمةَ رضي الله عنها : فسارَّها بشيءٍ فبكت، ثم سارَّها بشيءٍ فضحَكت، قال لها في الأولى: أنه يموت في مرضه هذا فبكت، وقال لها في الثانية: أنها أولُ أهله لُحوقًا به فضحِكت().
وقد حدث ما أخبر به صلى الله عليه وسلم ، حيث مات في مرضه هذا وكانت فاطمة أولُ أهله لحوقًا به.
وعندما بدأ الاحتضارُ بالحبيب صلى الله عليه وسلم بعد هذه الكلمات، جعل يُدخل يديه في الماء، ويمسح بهما وجهَه، ويقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، ثم رفع يديه أو إصبعه وتحركت شفتاه، فأصغت إليه عائشة فسمعته يقول: "مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى"().
وكرَّر الكلمة الأخيرة ثلاثًا، وفاضت روحه، ولحق بالرفيق الأعلى.
فقد مات صلى الله عليه وسلم بعد أن أُيد بالحُجة والبرهان والنصر والتمكين!
إن التسليم لصدق هذا النبي وصحة رسالته وتأييد الله له، والله هو رشاد العقل، وتمام الحكمة، وكمال النظر.