الباب السابع: تفكيك الشبهة

مقدمة

هناك جهود محمومة وإصرار عجيب على تضخيم الشبهات حول الإسلام من قِبل الملحدين، والذي يستوقفُني كثيرًا في هذا الأمر هو أنَّ: كتاب الله عز وجل لو كان من عند غير الله لأمكنهم بأيسر جهدٍ أن يقطعوا بأنَّه من عند بشر، ولما احتاجوا لمعاناة زخرفة الشبهة وتضخيمها، وترقيع الاستشهادات عليها؛ ليصنعوا كل هذه الضبابية، ويُشعِروا متابعيهم أنها تناقضٌ، والله ما كانوا ليحتاجوا لكل هذا!

{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].

لكن لما اصطدموا بالإسلام نَسَوْا حتى معنى الشبهة فهُمْ أمام دينٍ معصوم... دين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فُصِّلَت: 42].

فأصبحوا يُرقعون الشبهات على أمل أن تتحوَّل هذه الشبهات في أذهان السُّذَّج إلى تناقضات حقيقية.

وفي الواقع فالتناقض بمجرد النظر إليه دون تفصيلٍ أو إسهابٍ أو تزيين كلام تقطع بأنه تناقض.

فلا يحتاج التناقض إلى مدعٍّ عامٍّ يهاجمه، ويُثبت للناس أنَّه تناقض، بل مجرد عرضِهِ كافٍ تمامًا.

ومثال على ذلك:

في توراة بني إسرائيل بعد أن وقع فيها التحريف، نجد هذين النصَّينِ عن شخصٍ واحدٍ، واسمه أَخَزْيَا الملك، تقول التوراة في النص الأول:

وَكَانَ أَخَزْيَا ابْنَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ.

وقد ورد هذا النص في سفر الملوك الثاني، إصحاح: 8 عدد: 26.

ثم تقول التوراة في النص الثاني عن أَخَزْيَا الملك أيضًا:

كَانَ أَخَزْيَا ابْنَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ.

وقد ورد هذا النص في سفر أخبار الأيام الثاني، إصحاح: 22 عدد: 2.

مجرد النظر في هذين النصين دون تعليقٍ بكلمة واحدة يجعلك تقطع بأنَّ أحدهما أو كلاهما غير صحيح.

لا حاجة لتضخيم كلامٍ أو إسهابٍ.

فحاجة الملاحدة لتزيين الشبهة حول الإسلام، وبذل كل هذه الجهود سببه أنهم أمام دينٍ معصومٍ.

والغريب أنَّ الملاحدة عندهم عاطفة خاصَّة تجاه الإسلام، فأغلب نقدِهم مُوجَّهٌ للإسلام وحده، وكأنهم يُقررون أنَّه حائط الصد الأخير في هذا العالم.

ومنتهى شبهاتهم حول الإسلام إمَّا: آثار ضعيفة لا تصحُّ، أو خطأ في فهم لغة العرب، أو عدم استيعاب لبابٍ من أبواب الحكمة الإلهية في تشريعٍ إلهيٍّ مُعيَّنٍ.

وهذا ما سنُوضحه في هذا الباب...

ويبقى القرآن إلى قيام الساعة معصومًا، ولن تستقيم لملحد شبهةٌ إلا بالكذب أو الوهم أو التصوُّر الخاطئ أو هذه الأمور مجتمعة، ثم يأتي الحق البيِّن فيزهق الباطل في غمضة عين.

{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18].

لكن هنا السؤال:

1 - لماذا ما زالت هناك شبهات؟ لماذا لا يكون الدين بلا شبهات؟

2 - أليس دينٌ بلا شبهات أدْعى لدخول الناس فيه بسهولة؟

ج**:** هذه النوعية من الأسئلة تُبيِّن عدم استيعاب معنى التكليف الإلهي... معنى الاختبار الإيماني... معنى الدين.

فالدين يقوم على بديهة وجود نسبة متشابه... نسبة شُبُهات، ليَميز الله الخبيث من الطيب.

فوجود هذا المتشابه هو: مقتضًى طبيعيٌّ للتكليف الإلهي... مقتضًى طبيعيٌّ للاختبار.

فأنت ترى شيئًا يشتبه عليك فهمه فيضلُّ من يريد الضلال بهذا الشيء، ويَثْبُت من يريد الحق؛ لما عنده من أدلة قطعية على الإيمان.

قال ربنا سبحانه: {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} [المدَّثر: 31].

ماذا أراد الله بهذا الشيء الذي يخفى علينا؟

فيتزلزل إيمان مَن يريد الضلال، ويتأكد الإيمان في قلوب آخرين، ولله الحكمة البالغة في كل هذا.

وقال عزَّ مِن قائل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة:26].

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ: يفهمون مراد الله من كلامه، وما لم يفهموه يَكِلون علمه وحكمته إلى الله، وهذا موقف المؤمن.

{وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} : أما مَن يريد الكفر فإنه يعترض ويقول: ماذا أراد الله بهذا مثلًا؟ فيزداد كفرًا إلى كفره (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا}.

فمن البديهي أن تجد الشبهات في دين الله حتى يتْبَعَها مَن يريد الكفر.

فقد شاء الله بحكمته أن يكون هناك إيمان وكفر: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} [التغابن: 2].

والآن اقرأ هذه الآية العجيبة وتدَّبر: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7].

فهناك مُحكَمٌ، وهناك مُتشابِهٌ.

آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ: المُحكَم هو أدلَّة الدين، وأدلَّة صحة الرسالة، والأمور القطعية الثابتة، فهذه كلها مُحكَمات، وهُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ.

وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ: المتشابه هو ما استغلق فهمُهُ، أو خفيت حكمته على بعض الناس أو كلهم.

فمَن كان في قلبه زيغ: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران:7].

فالذي في قلبه زَيْغٌ أو مرض سيتبع هذا المتشابه... سيتبع الشبهات ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ، أي: ابتغاء الكفر.

إذنْ هناك أناسٌ يبتغون الكفر فعليًّا... يبتغون الدنيا ولو على حساب الآخرة، قد غلبت أهواؤُهم عقولَهم، فأمثال هؤلاء يبحثون عن مزيد شبهات حتى يطمئنوا لما هم عليه من ضلال، فيُعاقرون الأهواء، وقد خدَّروا ضمائرهم وفطرهم.

وهناك منهم مَن يَجد وجاهته وتميُّزه في تبنِّي أفكارٍ شاذةٍ ولو كانت كفرًا وإلحادًا، فبهذا يُشار إليه بين أقرانه وبهذا يُعد وجيهًا بينهم في نظره، فمثل هذا أيضًا يتبنّى الشبهات ويُثيرها بين أقرانه.

وهناك من تَغرُّه معارفُ علمية مادية؛ فيشعر بزهو نفسه إذا ضبط معادلة رياضية أو درَس علمًا يندُّ به بين الناس، فيَدخله عجب نفسه، وكِبْرُ تحصيلِه؛ فيستعلي على الانقياد لشرع ربه، ويرغب عمَّا خفيت حكمته من دين الله، فيُكذِّب ببعض شرع الله، ويتبع هوى نفسه.

{إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ} [غافر: 56].

وهناك مَن يكفر ويرتد عن دين ربه كنوعٍ من أنواع التمرُّد الاجتماعي على أوضاعٍ مُعيَّنةٍ، أو ربما حصل له أمرٌ ما كمشكلة نفسية أو ضيق، فجعل تنفيس كل هذا بالكفر بالدين، والردة عن الإسلام، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وهناك مَن يكفر ويرتد عن دين ربه لأسبابٍ أخرى كثيرة.

فأمثال هؤلاء جميعًا يبتغون الكفر حرفيًّا، ويطمئنون للشبهة، ولا يرغبون في الانتقال عنها للمُحكَم، وهؤلاء جميعًا عليهم أن يُبشروا فسيجدون من المتشابه ما يجعلهم يطمئنون لكفرهم: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 8- 10].

{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5].

فمن أراد المتشابه فليطمئن: سيَجِدُهُ!

والمتشابه على نوعين:

1- متشابه في الدين.

2- ومتشابه في الآيات المُشاهَدة كالسماء والأرض، وخَلق الناس والحيوان.

فقد ترى في الدين ما لا تفهمه؛ فتتولَّد عند مَن يريد الضلال الفتنةُ!

وقد ترى المتشابه في الآيات المُشاهَدة، فإذا نظرت إلى السماء، ونظرت إلى ما فيها من إتقانٍ مُحكمٍ بديعٍ قد ترى فيها أمورًا متشابهةً، مثل: لماذا كل هذه النجوم؟ وما الفائدة منها؟ وسنأتي إن شاء الله لجواب كل هذا.

وإذا نظرت للإنسان قد تجد فيه المرض والأذى والبلاء.

فكلُّ هذا متشابه يستغلق على البعض إدراكُ حكمته، فيُفتن ويضلُّ مَن يريد الضلال.

أما المؤمن الذي يقاوم حظَّ نفسه، ويقاوم الكِبر والغرور، ويؤمن بالقدَر، فهذا تطمئنُّ نفسه للمحكم في الشرع والدين، والمحكم في الآيات المشاهَدة.

فعندما يتدبَّر المؤمنُ المحكمَ فإنه يُبصِر حكمة الله، ورحمة الله، وعظمة الله؛ فيخبت لربه ويقول في المتشابه الذي لم يعرف حكمته بعد: كُلٌّ من عندِ ربنا.. {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].

فالذي يريد الدار الآخرة يُبصِر الأمور على حقيقتها، فيشهد المحكمات، ويتدبَّر اليقينيات والبراهين، ويتفهَّم البلاء، ويتفهَّم كل ما خفيت حكمته على أنَّه في إطار التكليف والتمحيص والاختبار.

والمُحكمات واليقينيات والبراهين على صحة الحق وصحة الدين هي أُمُّ الكتاب، أي: الأصل والأعم الأغلب، والمتشابه قليل ويكون في الفروع: {أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7].

إذنْ خلاصة ما سبق: الإسلام وهو دين الأنبياء جميعًا فيه: محكمات هن أُمُّ الكتاب، وفيه شيء يسير من المتشابهات.

والمحكمات والمتشابهات كلها من عند الله وكلها حقٌّ: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7].

3 - كيف يتعامل المؤمن مع المتشابه؟

المتشابه كما قلتُ يحتمل أوجهًا من التأويل، فقد يستخدمه مَن يريد الكفر ويُؤوله على هواه حتى يبرر به كفره، يقول ابن الوزير اليماني: "فسبب الشك والكفر هو النظر في المتشابهات، التي لم يحطِ البشر بها علمًا، ولا عرفوا تأويلها"().

فما اشتبه على الناس فهمُهُ اتبعه مَن يريد الضلال، وفسَّره على هواه وترك المُحْكَم.

أما المؤمن فموقفه مع المتشابه هو أنْ:

1- يُسلِّم بأنَّه من عند الله.

2- يُحيل المتشابه إلى المحكم.

لكن: ما معنى إحالة المتشابه إلى المحكم؟

إحالة المتشابه إلى المحكم تعني: إحالة ما لم يفهمْ معناه إلى ما يفهمه.

ودعونا نعطي أمثلة على ذلك من الشرع والدين.

المثال الأول من القرآن الكريم:

يقول الله عز وجل : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62].

فهذا النص متشابه!

فأهل الكتاب والصابئون لو آمنوا بالله وعملوا صالحًا لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.

لكن بعد بعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلم هل يلزمُهم الإيمان بنُبُوَّة محمد صلى الله عليه وسلم أمْ يكفيهم الإيمان بأنبيائهم فقط؟

الآية لم توضح جواب هذه النقطة، فقد ذكرتِ الآية فقط أنهم لو آمنوا وعملوا صالحًا فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.

إذنْ هنا يشتبه الأمر.

فماذا يفعل المؤمن؟

يقوم المؤمن ببساطة بإحالة هذا المتشابه إلى المحكم.

وما هو المحكم في هذا الأمر؟

المحكم هو قول الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].

إذنْ مقصود الآية الأولى أنَّه بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لن يُقبل إيمان بشرٍ إذا لم يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم .

وبالتالي فعندما نقوم بإحالة المتشابه في الآية الأولى إلى المحكم في الآية الثانية ينتهي الإشكالُ، ويتحوَّل المتشابه إلى محكم، ونفهم أنَّ مقصود الآية الأولى أنَّ إيمان أهل الكتاب الذي يجعلهم من أهل النجاة ممَّن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، هو الإيمان بمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .

وقبل بعثته صلى الله عليه وسلم فلا يلزمهم إلا الإيمان بأنبيائهم.

وبهذا ينتهي الإشكال بإحالة المتشابه إلى المحكم، ويصبح القرآن كله محكمًا.

لكن هنا يأتي أهل الزيغ والأهواء فيجعلون المتشابه هو الأصل، ويتجاهلون المُحكم الذي يقضي بضرورة إيمان الناس بنبوة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يتبع أهل الزيغ هؤلاء إلا المتشابه، فيُقررون أن أهل الكتاب لا يلزمهم الإيمانُ بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا القول كفرٌ صريحٌ لا يختلف فيه مسلمانِ.

فهذا منهج أهل الأهواء والإلحاد في كل زمان أنَّهم: يكتفون بالمتشابه، ويتركون المُحكم القطعي.

مثال آخر على آية أخرى من المتشابه:

في قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الكهف: 86].

هنا ذو القرنين وجد الشمس تغرب في عين حمئة.

وَجَدَهَا هو، أي: في عينه.

لكن قد يقول قائل: الشمس تدخل داخل عينه حمئة حقيقةً وقت غروبها.

فما هو الردُّ على هذه الشبهة؟

إذا نظرنا إلى المُحكم عرفنا الجواب:

فالمحكم يقول لنا: إنَّ الشمس تجري في فَلكٍ بلا توقُّف: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33].

إذنْ فبإحالة المتشابه إلى المحكم يُصبِح كلُّ شيءٍ محكمًا.

وبالتالي فما اشتبه فهمُهُ، إذا تمَّت إحالته إلى المحكم زال الإشكال مباشرةً.

لكن مَن أراد الزيغ والضلال فإنه يتجاهل المحكم، ولا يتبع إلا المتشابه، ويبدأ في تفسير المتشابه على هواه، فيضلُّ ويزيغُ ويُفتَن، فيُفسر غروب الشمس أنها تغرب في عين حمئة، فيتخذ ذلك ذريعةً لإظهار الشبهة في دين الله.

وهنا نرى معنى الاختبار والتكليف جليَّيْنِ: فهناك مَن يلتزم بالفهم الصحيح ويُحيل المتشابه إلى المحكم.

وهناك مَن يتجاهل المحكم، ويفهم المتشابه على هواه؛ لتظل عنده الشبهة.

وللإنسان أنْ يختار ما شاء من إيمانٍ وكفرٍ.

فمَن أراد الإيمان سيرى البراهين القطعية على صحة الدين (أُمُّ الْكِتَابِ)، وسيقوم بإحالة المتشابه إلى المحكم، ومَن أراد الكفر فسيتبع المتشابه (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) ويتجاهل المحكم.

فالأمر سهل، والإيمان والكفر موجودانِ إلى يوم القيامة.

إنَّ نظرة المؤمن هي النظرة الأحكم والأشمل والأعمق للمحكم والمتشابه، فعندما ينظُرُ في الآيات المشاهَدة كالإنسان، فإنَّه يرى الآيات المحكمات في خلقه، فهناك آياتٌ باهراتٌ في كل خلية وعضو ووظيفة وحركة، وهناك أربعة مليارات حرف بضبط مبهر داخل نواة كل خلية، فهذه كلها محكماتٌ يزداد المؤمن بها يقينًا، وحين يذهب المؤمن للنظر في المتشابه في خلق الإنسان كالمرض والبلاء والتشوُّه، فإنه هنا يُحيل هذا المتشابه إلى المحكم، فيقول: إنَّ الذي خلق الآيات الباهرات في جسد الإنسان بهذا الإتقان، فمن الطبيعي أنه قدَّر المرض والبلاء لحكمة واختبار: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35].

بينما في الجهة المقابلة لا يرى الملحد إلا المتشابه، ودائمًا يتعلَّل بحجة الشر والبلاء، ويتغافل عن المُحكم والذي هو الأعمُّ الأغلب.

فهذا هو جوهر الفرق بين موقف المؤمن والملحد، فالمؤمن يقول: كلُّ شيءٍ محكمٌ، وبالتالي لا يقع فيه متشابه إلا لغاية.

أما الملحد فلا يتبع إلا المتشابه، ويتجاهل تمامًا الأصل وهو المحكم: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179].

فهنا نظرة المؤمن أحكَمُ وأصلحُ وأشملُ وأعلمُ.

يقول ابن القيم رحمه الله** في شرح كيفية إحالة المتشابه إلى المحكم:** "ما حكمة هذا النبات المبثوث في الصحاري التي لا أنيس بها ولا ساكن؟... وهذا مقدار عقلك، ونهاية علمك، فكم لباريه وخالقه فيه من حِكمةٍ وآيةٍ من طعام لوحْشٍ وطير ودواب لا تراها تحت الأرض وفوقها"().

ويقول ابن الجوزي رحمه الله** المعنى نفسه:** "عرفتُ بالبرهان أنه حكيم، وأنا أعجزُ عن إدراك علل حكمته، فأُسلِّم على رغمي، مقرًّا بعجزي"().

فما ظهر المتشابه في كونٍ محكمٍ إلا لحكمة.

يقول ديكارت في كتابه التأمُّلات: "ليس لديَّ أدنى سبب يجعلني أتذمَّر من أن الله لم يمنحني قدرة أعظم على الفهم، من الطبيعي أن تظلَّ هناك أشياء غير مفهومة بالنسبة لفهمي المحدود، وعوضًا عن التمرُّد يتوجب عليَّ أن أشكر ربي أنَّه لم يجعلني مدينًا له بقدر كرمه عليَّ"().

فبدلًا من الخوض في المتشابه، تذكَّرْ المحكم والنِّعم التي لا تُحصى.

تخيَّلْ لو أنَّك مدينٌ لله بقدر نعمه عليك.

تخيل لو أنَّك مدينٌ لله بقدر المحكمات التي امتنَّ عليك بها.

والله لو قضيتَ عمرك في سجدةٍ ما وفَّيت حقَّ نعمة من نعمه عليك.

إذنْ فالمحكم موجود، والمتشابه موجود: فسُنَّة الله في خلقه التكليفُ، وسُنته في التكليف خفاء بعض الحكمة، والفائزُ مَن استدلَّ بما يعلم على ما خفي ودقَّ، أي: استدلَّ بالمحكم على المتشابه، والخاسر مَن جعل مما يجهل، أي: جعل من المتشابه حجابًا يحرمه من الاستدلال بما يعلم من المحكم.

فكل آيات الله في القرآن وفي الكون مُحكمة، وما تشابه بعضُها إلا لقلَّة علمنا، وعدم إحاطتنا بكل المحكم.

4 - لكن لماذا لا تكون الأدلة كالشمس؟

5 - لماذا لا يكون هناك دليل قاطع يحسم الجدل الدائر بين الإيمان والإلحاد، ويقضي على كل هذه الشبهات؟

6 - لماذا مثلًا لا نرى الله، وبالتالي ينقطع الإلحاد؟

7 - لماذا لا نجد الرسالة الإلهية صوتًا وصورةً بحيث ينقطع لسان كل مُشكِّك؟

ج: أتصوَّر أن جواب هذا السؤال صار مفهومًا لمن قرأ ما سبق بتأمُّلٍ وتأنٍّ.

فالأدلة المحكمة على صحة الدين هي كالشمس، بل هي أجْلى ظهورًا من الشمس في قلب كل مؤمن، لكن لا بد من وجود متشابهٍ وإلا لما كان تكليفًا.

فالمحكمات والبراهين والبصائر والأدلَّة على صحة الدين هي كالشمس، لكنها تُستفاد بالنظر والبحث والتأمُّل والتفكُّر.

أما الدليل المباشر الاضطراري كرؤية الخالق سبحانه بحيث ترى الله أمامك في الدنيا، فهذا ليس مقصود الإيمان الذي يترتَّب عليه الثواب والعقاب، هذا سيكون نوعًا من الإيمان الاضطراري.

فأنت ساعتها ستضطرُّ للإيمان بدون تفكُّر ولا نظر.

إذ كيف تكفر بوجود خالقك لو رأيته؟

فهذا النوع من الإيمان الاضطراري لا يتعلَّق به عملٌ عقليٌّ، وبالتالي لا يترتَّب عليه ثواب ولا عقاب.

فالإيمان الاضطراري كرؤية الخالق هو إيمانٌ ليس فيه تكليف ولا اختبار ولا نظر.

وهذا النوع من الإيمان ليس هو غاية التكليف، ولا معنى التكليف، وليس إيمانٌ أصلًا.

ولذلك لمَّا طلب كفار مكة هذا النوع من الأدلَّة التي تنقل من إيمان التفكُّر والنظر إلى إيمان الاضطرار أجابهم الله بأن هذا النوع من الأدلة يُقضى معه الأمر وتنتهي الدنيا.

{وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ} [الأنعام: 8].

فلو نزل المَلَك لانتهى الأمر.

فأين التكليف بعد نزول الملك؟

ولذلك قال الله تعالى في الآية التالية مباشرةً: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9].

فلو فُرض أنهم أُجيبوا لطلبهم وجاءتهم معجزة بهذه الصورة القاطعة، فلا بد أن تكون معجزة حمَّالة أوجه، فتلتبس بقدْرٍ ما على مَن يريد الكفر، حتى يظل التكليف قائمًا.

{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9].

لو جاء الملك سيأتي في صورة رجُلٍ، فيلتبس عليهم ويقولوا: سحرنا محمد.

فاشتباه البرهان بقدرٍ ما هو أمر طبيعي ليكون هناك إيمان وكفر.

ولذلك فمعجزات الأنبياء لو تدبَّرتها لوجدت أنَّه ليس فيها الإيمان الاضطراري، فالكافر قد يتعلَّل بأي متشابه ولو كان سخيفًا حتى يبقى على كفره.

وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ: سيكون هناك مبرر ولو واهيًا للمتشابه.

ومثال ذلك: لما طلب كفار قريش من النبي صلى الله عليه وسلم شقَّ القمر، وانشقَّ أمامهم ماذا قالوا؟

قالوا: سحرنا محمد().

فالمعجزات والآيات الباهرات ستبقى تحتمل في ذهن مَن يريد الضلال شبهةً ولو واهيًا.

{وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 2].

فمن ليس مقصوده اتباع الحق والهدى، وليس مقصوده إلا اتباع الهوى سيُلْبِس الحق لَبُوس الباطل ولهذا قال الله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص:50].

فلو أرادوا الحق لسلَّموا لما رأَوْا من محكماتٍ وبراهينَ وآياتٍ، لكنهم للأسف يتبعون أهواءهم.

{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [البقرة: 118].

فقد بيَّن الله تعالى آياته للموقنين.

وسوف تبقى براهين صحة الدين ظاهرة لمن كانوا مع أنفسهم صادقين.

وأصل الإيمان هو إيمان بالغيب: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] لكنَّ هذا الإيمان بالغيب يستند على أدلَّة عقلية، وبراهين فطرية، ودلائل يقينية وسمعية قطعية على صحة النبوَّة.

والمؤمن يُعمِل عقله وينظر في الدلائل، ويحيل المتشابه إلى المحكم، وبهذا يكون متبصرًا بيقينٍ لا تَهزُّهُ شبهة، ويصبح عابدًا لربه سبحانه حقَّ العبودية، فيعرفه حقَّ المعرفة، ويُسلِّم له في أمره ونهيه، ويعلم أنَّ الله سبحانه لا ربَّ سواه، خلقنا وكلَّفنا وأمرنا بما فيه صلاحُنا، ونهانا بحكمته عما فيه هلاكُنا، فهو سبحانه مالك كل شيء، خلق كل شيء فقدَّره تقديرًا، وهذا هو إيمان المؤمنين الصادقين الذين يزدادون إيمانًا مع كل آية من الآيات المتلوَّة أو المنظورة، المحكمة أو المتشابهة.

{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 124- 125].

8 - هل يمكن أن تؤدي الشبهات بذاتها إلى الردَّة عن الإسلام؟

ج: لا يمكن لشُبُهاتٍ مهما تضخَّمت في عقل مسلم أنْ تُولِّد كفرًا.

نعمْ قد تُولِّد قلقًا عند غير الناظر في النصوص، وقد تُولِّد أزمةً نفسيةً عند الجاهل الذي لا يعرف الردَّ على الشبهة، وقد تُولِّد بُعدًا عن الدين، وإهمالًا لبعض الطاعات، نعم الشبهة قد تفعل كلَّ هذا؛ لضحالة العلم الشرعي عند المفتون بالشبهة، ولقلَّة دينه، إما أنْ تُولِّد كفرًا بذاتها فهذا لا يمكن!

قال ربنا سبحانه: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص: 50].

إن لم يستجيبوا لك فالمشكلة في تعلُّقهم بالأهواء، لا في شُبُهاتهم أو في قصور أدلَّتك.

فالشخص الطبيعيُّ الذي يريد الحق والنجاة إذا أتته شبهات مهما عظمت لقلَّة علمه، فإنَّه لا يمكن أن يترك الدين التوحيدي الأوحد (الإسلام) لا يمكن أن يترك هذا الدين المتَّفِق مع فطرته؛ لأنه ليس هناك حقٌّ آخرُ أصلًا ليذهب إليه.

فليس على الأرض وليس عند البشر إلا شركيات الأولين، وجنون الإلحاد، وتوحيد الإسلام، ليس عند البشر خيارٌ رابعٌ.

{قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [القصص:49].

فليس إلا الإسلام، فكيف يدعُهُ الإنسان؟

أما الشبهات فأمرُها يسير، وببحثٍ هادئٍ لن يبقى لها أثر.

فلن يكفُرَ إنسان برب العالمين، وبنبيه الأمين صلى الله عليه وسلم ، ويكفر بفطرته وبضرورات عقله، بحجة أنَّ عنده شبهةً في مسألةٍ ما في أحد الأبواب، هذا لا يُتصوَّر.

فالتسليم لله الخالق الرازق المنفرد بالملك والسلطان على جميع ما في الوجود، هذا أصل الفطرة، وعنوان الضرورة العقلية، بل هو أصل كل ضرورة، فأعرَف المعارف: التسليم لله.

ومِن غير الله تستحيل المعرفة أصلًا، فهل يكفر إنسان بكل هذا لمجرد أن شبهةً لا يعرف لها جوابًا؟

{قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 10].

كيف يُكفر بالإسلام، ولا يكون التسليم لله والخضوع التام والإذعان الكامل لرب العالمين إلا في هذا الدين الإسلام، وهو دين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، ودين الأنبياء جميعًا، وهو الدين التوحيدي الذي لم يبقَ على وجه الأرض على التوحيد غيره.

فالإسلام هو الفطرة الإنسانية.

فهل يُعقل أن يُترك هذا الدين، ويرتد الإنسان لمجرد أنَّ شيئًا يخفى عليه فهمه في مسألةٍ من المسائل؟

فأنَّى تصرفون؟ أين تذهبون بعد الإسلام؟

{فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 32].

ماذا يتبقى لهم بعد الإسلام؟

هل سيؤمنون بشركيات مثلًا؟

أم سيؤمنون بجنون الإلحاد؟

تخيَّلْ إنسانًا يلحد، فينكر الضرورات العقلية كضرورة السببية، ويؤمن بأنَّ هذا العالم بكل نواميسه وبكل حدوده الحرجة ظهر فجأةً بلا خالق؟

{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ} [الطور: 35- 36] سورة الطور أو ينكر ضرورة الإتقان في كل شيء؟

الإتقان في جسده، وفي طعامه، وفي شرابه، وفي السماء والأرض، وفي كل ما حوله: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} [عبس: 24].

{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ} [الطارق: 5].

{وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20- 21].

فكيف ينكر إنسان ما لا حصر له من براهين الإتقان؟

تخيَّلْ مصنعًا فيه ألفُ عامل يعملون منذ عشرات السنوات بمنتهى الإتقان، وهذا المصنع ليس له مَن يديره أو يقوده أو يدبر أمره، بل هو في حقيقة الأمر ظهر فجأةً هل تتخيَّل أمرًا كهذا؟

فكيف تتصوَّر مصنعًا عملاقًا بحجم الكون يظهر فجأةً، ثم يعمل بحدود حرجة، وضبط مبهر منذ مليارات السنوات بلا مدبر ولا قيوم، بل وبلا موجد له من البداية، هل هذا يعقله عاقل؟

أنت تعلم بفطرتك أنَّ لهذا العالم مدبرًا خالقًا قديرًا.

وتعلم بفطرتك أنَّك مُكلَّف؛ إذ يجب عليك أن تلتزم بقيمٍ أخلاقيةٍ، وهذا ليس إلزامًا خارجيًّا فحسب، بل هو إلزام داخلي أيضًا، فتُقر بأنه من الأفضل أن تكون صادقًا أمينًا حتى ولو لم تكن كذلك، وأنت دائمًا تعاني من وخز الضمير الأخلاقي، ثم قبل هذا أنت تُقر بأنَّ هناك شعورًا فطريًّا داخليًّا بضرورة شكر مَن خلقك ورزقك وتلجأ إليه في حاجتك وضيقك، فأنت تعلم بفطرتك وقت الاضطرار والكرب أنه لن ينجيك إلا خالقك، فبضميرك الفطري تعلم كلَّ هذا من نفسك، وكل البشر على هذه الفطرة التكليفية، فكلنا مكلفون؛ سواءً شئنا أم أبَيْنا.

وليس هناك إنسان يؤمن في قرارة نفسه أنَّه ابنٌ لهذه الطبيعة، يؤمن أنَّه حيوان، حتى ولو كان يدافع عن المادية بكل شراسةٍ، لكنه ككل البشر يتصرَّف وقت الجد على أنَّه مخلوق لله، وعلى أنَّ هناك قيمًا أخلاقية مُطلقة، وكرامة إنسانية، فالكل يتصرف بناءً على هذا، بل ويتحاكم لهذه القيم الأخلاقية المطلقة، فيستطيع الإنسان أن يُصدر الأحكام الأخلاقية على الأفعال البشرية بكل سهولة ويقين، فيصف السرقة أنها جريمةٌ، ويصف تقديم يد المساعدة للمحتاج أنها خير.

فهذه قيم أخلاقية مطلقة فطرية تكليفية، لا ينكرها إنسان ولا يستطيع حتى الملحد أن يُعاندها.

فالجميع مفطور على أنه مخلوقٌ لله مُكلَّف، وليس على أنَّه حيوان.

فنحن مفطورون على معانٍ مغايرة للإلحاد تمامًا.

فهل تُترك كلُّ هذه الضرورات الفطرية والعقلية من أجل شبهة لم يفهمها إنسان؟

لا والله... ليست الشبهة مبررًا للكفر إطلاقًا.

المبرر الوحيد للإلحاد والكفر برب العالمين هو الهوى!

هو رغبة الكفر!

وإنما تُستخدم الشبهات كغطاء وحُجة لا أكثر.

ولو قارنت بين الشبهات التي يثيرها الملاحدة وبين البراهين التي لا حصر لها على النبوة، ودلائل صدق الرسالة، ستعرف مقدار جنون الموقف الإلحادي.

كيف يترك عاقلٌ رسالةً إلهية متفقة مع فطرته، ومتفقة مع حاجته؟

فكلُّنا يحتاج هذه الرسالة أعظَمَ من حاجته لكل شيء، فالرسالة الإلهية توضح لك: لماذا أنت هنا.

توضح لك: لماذا يجب أن تفعل الخير.

توضح لك: مصدر فطرتك الأخلاقية، وفطرتك الدينية.

وتُعرّفك بما يلزمك من العبودية لله سبحانه.

وهذه الرسالة الإلهية مُؤيَّدة بما لا حصر له من البراهين.

انظر في القرآن والسُّنة الصحيحة: كم من معجزة وآية دالَّة على صحة الرسالة.

وتدبَّرْ كم من حدثٍ لا يقع إلا على يد نبي، جرى على يده صلى الله عليه وسلم .

فلو كنتَ منصفًا لَسلَّمتَ بنبوته صلى الله عليه وسلم ، وبحثتَ عن جواب شبهتك، فقضية الكفر ليست بشبهاتٍ أبدًا.

بل العجيب أنَّ أصل كل الشبهات في الإسلام ليس منها تناقضٌ مثلًا في دين الله، فهذا محالٌ، ولم يستطعه ملحد على شدة حرصهم على تكذيب القرآن، وإنما منتهى الشبهات التي تُثار، والتي تُعقد فيها المناظرات هي تقديم لهوًى عقليٍّ على حكمٍ شرعيٍّ في مسألة، هذا منتهى شبهات البشر في دين الله.

فشُبُهاتهم مجرد اعتراض على بعض الأحكام الشرعية لهوًى يراه طارح الشبهة، كهوى التحسين والتقبيح العقليينِ: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ} [غافر: 56].

فهذا منتهى ما عندهم: كِبر النَّفْس.

{إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فُصِّلَت: 40].

(اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}: فالله يعلم أنهم ما ارتدُّوا إلا لهوى قلوبهم.

فمنتهى الشبهات هو تغليبٌ لتصوُّرٍ ذهنيٍّ معين على نصٍّ شرعيٍّ.

فهذا منتهى الشبهات في الإسلام، وكل مرتد يعلم ذلك من نفسه: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 15- 16].

فكل إنسان على نفسه بصيره، حيث يعلم في قرارة نفسه السبب الحقيقي لكفره وردَّته.

فالمرتد لم يُؤتَ من قِبل الشبهات، وإنما أُوتي من قِبل خفَّة عقله، وهوى نفسه، وتقديمهما على شرع ربه.

فدين الله كامل ليس فيه تناقض واحد: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].

وبراهين صحة الرسالة قطعية، وهي براهين قائمة على أصول معرفية وفطرية، وضرورات عقلية.

وليست الشبهات في الإسلام إلا لتغليب هوًى على نصٍّ شرعيٍّ.

ولستَ تحتاج لأكثر من تجرُّدٍ وبحثٍ يسيرَينِ؛ لتفهم الرد على الشبهة، ويختفى كل إشكالٍ مُتوهَّم.

ولذلك لم ينشغلِ السلف بالرد على الشبهات كما ننشغل نحن!

تخيَّلْ أن الصحابة تركوا نشر الإسلام في العالم، وانشغلوا بالرد على كل شاردة وواردة في دين الله، وخاضوا في جدلٍ لا ينتهي مع كل مسفسطٍ متكبرٍ على رب العالمين، واهتمُّوا بتفريع كل حكم شرعي؛ ليرضوا كل متفلسف.

هل تتخيَّل أنهم كانوا سيجدون الوقت لنشر الدعوة، وإيصال الإسلام للعالم؟

الناس لا يحتاجون إلى كل هذا!

الناس لا يحتاجون إلى تفنيد كل شاردة وواردة.

الناس يحتاجون في واقع الأمر للحق، وسيتولَّد لديهم دفع ذاتي لكل شبهة، ولأي شبهة.

بينما المسفسطون في الجهة الثانية لو أتيتهم بكل آية وجدل وتفنيد لن ينتهوا من جدلهم؛ لأنهم يريدون اتباع المتشابه {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: 54].

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ: فالقرآن فيه جواب كل إشكال، وفيه ردُّ كل متشابه إلى محكمه، لكنَّ مبتغي الجدل لن تظفر منه بإعلان انكسارٍ لشرع رب العالمين، سيبقى مسفسطًا إلى ما شاء الله.

إذنْ فالشبهات بذاتها لم تكن ولن تكون مُشكِلةً، ولم تكن ولن تكون مبررًا للكفر أو للإلحاد، وما الردُّ على الشبهات الذي يقوم به الأفاضل من أهل العلم إلا لطمأنة مَن أراد الحق، وكبْت من أراد نشر الباطل، ولإلزام كل من تعلَّل على ضلاله بشبهة.

فالمشكلة الجوهرية في ملف الردَّة عن دين الله هي فقط في هوى النفس!

إذنْ أكبر دعائم الإلحاد على الإطلاق هو: الهوى.

فمصدر الكفر عند بني آدم هو في الهوى الذي يؤدي للكذب على الله: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [المؤمنون: 90].

فأمر الهوى خطير؛ ولذلك قال الله عز وجل : {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50].

وقال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].

وقال عزَّ مِن قائلٍ: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن مما أخشى عليكم...مضلات الهوى"().

فالذي يضعف لهواه يُفتن مع الوقت فيهلِك؛ ولذلك قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : "وثلاثٌ مهلكات: هوًى مُتبع..."( ).

ولذلك كان أفضل الجهاد أن يجاهد الرجلُ نفسَه وهواه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه"().

فالهوى أمره خطير، وهو الذي يُمهّد للشبهات طريقًا إلى القلب.

ومن غرائب أثر الهوى على النفس أنَّه يُسيِّل المطلق، فما كان راسخًا من إيمانٍ واطمئنان نفسٍ، ورضًا بقضاء الله، يهتزُّ مع الوقت بسبب الهوى.

فالهوى يُضعف اليقين ذاتيًّا.

ولذلك تجد الإنسان في لحظات المعصية تضعُفُ نفسه أمام الشبهة، فإذا استغفر وأقلع عن الذنب تهاوت الشبهات لذاتها... سبحان الله.

فالهوى بريد الشبهة.

قال عليٌّ رضي الله عنه : "وأما اتباع الهوى فيصدُّ عن الحق"().

لذلك قبل أن تبحث عن جواب شبهة اضبطْ شهواتك.

فضبط الشهوة أول بابٍ لضبط الشبهة.

وعليك أن ترضى بشرع ربك ولو خالف هوى نفسك، فلا تُغلِّب هوى نفسك على مُراد ربك.

{تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [الأنفال: 67].

{كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} [القيامة: 20].

فلو التزمتَ بما أراد الله منك، وضبطتَ شهواتك، وسلَّمت لمراد ربك لاختفت جلُّ شبهاتِك ذاتيًّا.

فالفروض العقلية التي توضع في مقابل النص الشرعي ليس لها معنًى، فلله الحكمة البالغة في كل ما شرع، وأغلب التوهُّمات العقلية التي تُولِّد الشبهات هي ردَّة فعل نفسية لهوًى يستتر في النفس، وكِبْر يعصف بالعقل.

9 - كيف يُضخم الهوى الشبهة؟

ج: تخيَّلْ إنسانًا تضخمت الدنيا في عقله، وصارت أكبر همه، وبالتالي تضاءلت الآخرة.

هذا الشخص لن يستوعب الجهاد، لن يستوعب أن يُضحي الإنسان بنفسه، ويضحي بالدنيا العظيمة في مقابل الآخرة الصغيرة في عقله.

فالدنيا صارت أكبر همه.

فيشقُّ على مثل هذا جدًّا تشريعُ الجهاد، وتظهر عنده الشبهة!

في حين أنَّه لو بدأ يعود لربه، وينظر للأمور في حقيقتها، ويرى الدنيا على أنها تلك القنطرة التافهة في مقابل آخرة أبدية: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} [الكهف: 45].

فالدنيا شيء عرضي بسيط في مقابل آخرة أبدية.

لو عادت الأمور لنصابها الطبيعي، سيرى ساعتَها أنَّ الجهاد أمرٌ بديهيٌّ، وسيرجو من الله أن يُرزق شهادةً في سبيله.

وبالتالي لن يكون لشبهة الجهاد وجود أصلًا.

فلا تُغرينَّ صاحبَ الشبهات فروضُهُ العقلية، ولا يغتر بتخيل عقلي يضعه في مقابل نص شرعي؛ لأنه لو ضبط نظرته، وضبط شهوته لَسخِر من فروضه العقلية التي يضعها في مقابل تشريع الله.

ثم إنَّ الفروض العقلية في طبيعتها تتفاوت من شخصٍ لآخر، فكل إنسان يُقدِّم هواه على هوى غيرِهِ، فيرى أن هواه أقرب للحق، وغيرُه يُخطِّئه في هواه، ويرى أنه هو الأوْلى بالحق: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71].

فمعطيات الفروض العقلية متفاوتة للغاية ومتناقضة لأبعد ما نتصوَّر.

والفروض العقلية لا تملك أيَّ عتادٍ حقيقي يمنعها من التورُّط في صناعة الخرافة والأسطورة والوهم والهلاوس.

فالفروض العقلية تأتي بالشيء ونقيضه، فهي: تبني وتهدم.. ترفع وتخفض.. تؤله وتوثن.

وللفروض العقلية أقيسة لانهائية؛ لأن أصل مبناها الهوى.

يقول ابن قُتيبة رحمه الله** :** "وقد كان يجب مع ما يدَّعونه -في تقديسهم للفروض العقلية- ألَّا يختلفوا كما لا يختلف الحُسَّاب والمُسَّاح والمُهندسون؛ لأن آلاتهم لا تدلُّ إلى على عددٍ واحدٍ، فما بالُهم أكثر الناس اختلافًا؟

لا يجتمع اثنانِ من رؤسائهم على أمرٍ واحدٍ"().

وقال فيهم الغزالي رحمه الله** :** "فإن خبطهم طويل، ونزاعهم كثير، وآراؤهم منتشرة، وطُرُقهم متباعدة متدابرة"().

فالفروض العقلية مبناها الهوى والتصوُّر الفردي؛ لذا هي متفاوتة أشد التفاوت.

فرحمة الله الكبرى هي النبوَّة والرسالة، وكل ما فيها خيرٌ مما يجمعون بفروضهم العقلية المختالة.

ومن ظن أنَّ له بفروضه العقلية حُجةً على ضلاله يوم القيامة فهو واهم: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 16].

{انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 24].

فقد كذبوا على أنفسهم بفروضٍ عقليةٍ واهيةٍ.

وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ: لن تستقيم لهم عند الله حُجَّة.

وما أعجب أن يفترض الإنسان بوهم عقله على شرع ربه، فهل هناك أحكمُ أو أعدلُ أو أعلمُ من شرع رب العالمين؟ {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].

فهو سبحانه الخالق وهو الأعلم بما يصلح العباد: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [المُلك: 14].

ولذلك لا يُغلب هواه على شرع الله إلا مفتونٌ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9].

فلا نجاة إلا بالتسليم الكامل للنص الشرعي، والرضا بحكم الله وأمره.

{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 112] وليس كما تهوى.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا يؤمنُ أحدُكم حتَّى يَكُونَ هواهُ تبعًا لِمَا جئتُ بِهِ"().

فيكون تسليمك التام لكل ما أمر به الله وتُسلِّم لشرعه: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51].

ولا تجعل ما لم تحطْ بعلمه من الحكمة في تشريعٍ ما مثلًا حجةً تُكذِّبُ بها دين ربك: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} [يونس: 39].

10 - كيف أتعامل مع شخص يطرح شبهة ما؟

ج: قبل أن تُجيب عن أي شبهة عليك أن تعرف طارحَ الشبهة، هل هو مسلم أم ملحد؟

فهناك فرق جوهري في التعامل مع الشبهة لو كان طارح الشبهة ملحدًا.

فأنت هنا تهدم له إلحاده قبل أن تجيب عن شبهته.

بل تُدمدِم له إلحاده، تستأصل الإلحاد من قلبه قبل أن تجيب عن شبهته، وإلا ما وفَّيت الإجابة حقَّها.

فالملحد هو ابن الطبيعة، وابن العالم المادي، وذرَّات دماغِه هي نفس ذرَّات المادة، وتحكمه نفس قوانين المادة، أليس كذلك؟

أليست هذه نظرة الملحد للطبيعة ولنفسه؟

فالإلحاد يقتضي أنَّه لا فرق بين الإنسان وبين المادة، فالقوانين التي تحكم الإنسان هي القوانين نفسها التي تحكم الحجر، كما يقول اللاأدري كارل ساجان** ()**.

فالإنسان إلحاديًّا تحكمه قوانين مادية صارمة، فهو إلحاديًّا مجرد كائن جبري يخضع لقوانين المادة، وكل ما يفعله هي أفعال جبرية، وكل تصرُّفاته هي مجرد معادلات حتمية ليس لها اختيار، فليس في الطبيعة إلا قوانين مادية تحكم كلَّ شيء من حولنا وداخل أدمغتنا.

لو كان الإلحاد صحيحًا فنحن لسنا أكثر من خط سير لمجموعة من المعادلات.

ولذلك الملحد الأمريكي الشهير سام هاريس له كُتيب بعنوان "الإرادة الحرة Free Will" يقول فيه إنَّ: الإرادة الحرة مجرد وَهْم.

ويؤكد أننا إلحاديًّا نعيش في عالم حتمي جبري ليست فيه اختيارية أو إرادة حرة.

وهنا يظهر السؤال: كيف إذنْ أيُّها الملحد فهمت أنَّ هناك شبهاتٍ؟

لو كان الإلحاد صحيحًا فأنت لن تفهم أنَّ هناك شبهاتٍ أصلًا.

لو كان الإلحاد صحيحًا لن تشعر بوجود الشبهة؛ لأنَّ الشبهة تعني أنَّ شيئًا قد حصل، ولم يكن من المفترض أن يحصل، هذا معنى الشبهة.

فمعنى الشبهة: أنَّ شيئًا قد حدث أو قد كُتب في نص شرعي مُقدَّس، ولم يكن من المفترض أن يَحدث أو أن يُكتب.

والواقع أنَّه لا وجود للشبهة في عالم حتمي جبري.

فلا وجود للشبهة، ولا معنى للشبهة في عالم تحكمه قوانين حتمية، فداخل العالم المادي الجبري الحتمي، محل الأحداث هو المحل نفسه الذي تسير عليه القوانين الفيزيائية.

ونقول الكلام نفسه في السلوك البشري: محل كل حدث في السلوك البشري سيكون هو المحل نفسه الذي تسير عليه فيزياء حركة الذرات.

وبما أنَّه لا توجد ذرَّة تخالف قانونًا فيزيائيًّا، فكل ذرة في دماغك، وفي دماغ أي مجرم، وفي دماغ أي مُصلِح، تسير بقوانين فيزيائية ثابتة صارمة، وتسير بقوانين جبرية، وليس هناك ذرة تسير في اتجاه يخالف فيزياء الذرات، فلو أضفت حامضًا إلى قاعدي في أي معمل؛ فإن النتيجة ستكون ملحًا وماءً، ولو أعدتَ التجربة مليار مرة ستحصل على النتيجة نفسها.

ومخك تحكمه نفس هذه القوانين الفيزيائية الصارمة.

إذنْ بما أنَّه لا توجد ذرة تخالف قانونًا فيزيائيًّا، وبما أنَّ محل كل حدث سواءً في العالم الطبيعي، أو في السلوك البشري، أو في المخ، هو المحل نفسه الذي تحدده فيزياء حركة الذرات، فبالتالي لن يكون هناك أي اختيارية.

فمِن أين عرفت أنَّ هناك شبهةً؟

وكيف توجد شبهة من الأساس؟

فقول الملحد أو صاحب الشبهة: إنَّ شيئًا قد حدث، أو قد كُتب في نص شرعي مقدس، ولم يكن من المفترض أن يَحدث أو أن يُكتب، هذا الكلام يعني أنَّ هناك اختيارية، وأنَّ هناك حرية إرادة، وأنَّ هناك احتمالات للأحداث، وهذا الكلام لا وجود له إلا إذا كنا مكلفين مخيرين.

فلا يقول الملحد بوجود الشبهة إلا لأنه يعلم بفطرته أنَّ الإنسان عنده حرية واختيارية، ويمكنه أن يفعل كذا أو لا يفعل كذا.

لا يقول الملحد بوجود الشبهة إلا لأنَّ العالم إنساني وليس عالَمًا جبريًّا، فالإنسان مُخيَّر ويعلم بفطرته أنَّه مخير، وعلى أساس هذه الفطرة التخييرية يستوعب الملحد أنَّ هناك شبهات، ويستوعب أنَّ أشياء كان من الممكن ألَّا تحصل.

فالملحد بطرحه للشبهات، وكأنه يقرر ويعترف ويصرح أنَّ هناك عالمًا اختياريًّا تكليفيًّا بجوار العالم المادي.

وهذا دليلٌ كافٍ لإسقاط إلحاده من قلبه.

إذ لو كان العالم مجرد معادلات حتمية وأرقام جبرية فـ: كل الجرائم التي تُرتكب هي نتاج رياضيات مُعقَّدة في الدماغ.

ولو كان الأمر كذلك ما كنتَ لتعرفَ أنَّ هناك جرائم أصلًا، وما كنتَ لتعرفَ أن هناك صوابًا أو خطأً، وبالتالي ما كنت لتقرر أنَّ هناك شبهات.

فاستيعابك للشبهة يؤكد خطأ الإلحاد.

فما استوعب الإنسان وجود الشبهة إلا لأن هناك إرادةً حُرَّة، ما استوعب الشبهة إلا لأن هناك اختيارية، وما استوعب الشبهة إلا لأن الإلحاد خطأ، وما استوعب الشبهة إلا لأنه مُكلَّف ومخلوقٌ لله.

فالإنسان مُخيَّر في قراراته، وهذه الاختيارية ليست بناءً على ذراته، وإنما لأنَّ لديه روحًا، ولأن لديه تكليفًا إلهيًّا.

فمن خلال الروح والتكليف الإلهي يعرف الإنسان أنَّه مُكلَّف، ويعرف أنه مُخير، ويعرف أنَّ لديه إرادة حرة.

عندما كفر الملاحدة بالروح وبالتكليف الإلهي اضطُروا للقول بالجبرية؛ لأنهم رجعوا للعالم المادي، فوقعوا في التناقض الذاتي الرهيب: فهم يعلمون بفطرتهم أنهم مُخيرون، لكنهم مضطرون بإلحادهم للقول بالجبرية، فسقطوا في التناقض.

وأنا أتعجَّب كيف لإنسان أن يقتنع بالإلحاد، ذاك المذهب الذي يقول بالجبرية التامة، وفي الوقت نفسه هناك ما يُسمى بـ "المحاكم".

فالمحاكم تعني أن الجبرية خطأ؛ لأن الجبرية لو كانت موجودة لَمَا حوكم إنسان على أفعاله.

إنَّ المحاكم والقوانين والدساتير والعقوبات والمكافآت هي أمورٌ عليها إجماع فطري إنساني، فهذه المحاكم والقوانين والدساتير والعقوبات والمكافآت والقضاء ما وُجدت إلا لأن الإنسان مسؤولٌ عن قرارته، ولديه إرادة حرة.

وكلنا يعلم أن المجرم لا بد أن يُحاسب فهذا أمرٌ عليه إجماع فطري إنساني، لكن لو كان الإلحاد صحيحًا فلا قيمة للقضاء ولا للقوانين، وليس هناك ما يُسمى إجرامًا أصلًا، فالجريمة هي سلوك جبري، وبالتالي فكيف تحاكم إنسانًا على جريمة هو مُجبرٌ على فعلها؟

لماذا تحاكم مجرمًا على جرائم القتل، وما حُبُّه للقتل إلا هرمونات، وما ضغطه على الزناد إلا تفاعل ذرات؟

فالقضاء والقوانين والدساتير والمحاكم والعقوبات والمكافآت والجوائز كل هذه الأمور تؤكد أن الإلحاد فكرة خاطئة.

الإلحاد هو مرحلة غريبة من مراحل الجنون البشري، والافتخار بهذا الجنون.

الإلحاد يناقض كل إجماع فطري إنساني.

إذن القاعدة التي تُلخِّص ما سبق: لا توجد ذرَّة تخالف قانونًا فيزيائيًّا؛ فعندما يخرج علينا ملحد ليقول لنا: إنَّ هناك شبهات، فهذا دليلٌ قاطع على أنّ الإلحاد خطأ، أو أنَّ الفيزياء خطأ.

هناك إشكالية أخرى أيضًا في دعوى الملحد أنَّ هناك شبهات:

فدعوى الملحد أنَّ هناك شبهات هذا يعني أنَّ الملحد يؤمن مسبقًا بالقيم الأخلاقية المطلقة، فهناك قيم أخلاقية يؤمن بها الجميع، وعلى أساس هذه القيم الأخلاقية المطلقة قفزت الشبهة إلى ذهن الملحد حين تصوَّر أنَّ نصًّا يخالف هذه القيم الأخلاقية المطلقة!

فلن يعرف الملحد الشبهة، ولن يجادل في أنَّها شبهة إلا لإيمانه المسبق بوجود هذه القيم الأخلاقية المطلقة، وصحة هذه القيم الأخلاقية المطلقة.

ولن يناظر من أجل التأكيد على شبهته، ويؤكد أنها شبهة عند كل إنسان إلا لعلمه بحقيقة هذه القيم، وكون هذه القيم مستقرة في فطرة كل إنسان.

أيضًا الملحد يعلم بفطرته أنَّ هناك غائية أخلاقية.

والغائية الأخلاقية تعني أنَّ: هناك هدفًا أخلاقيًّا يُجمع عليه البشر، ويَستقر في وعي البشر، ويريد أن يصل إليه البشر.

وهذا الشعور بضرورة الغائية الأخلاقية يعود للفطرة والتكليف الإلهي، وليس لحركة ذرات الدماغ.

والآن سؤالي: كيف لملحد أن يؤمن بالغائية الأخلاقية في عالم عدمي عبثي من البداية حتى النهاية من وجهة نظر إلحادية؟

إنَّ الغائية الأخلاقية هي نتاج أمرٍ لا ينتمي أبدًا لهذا العالم المادي، إنَّها نتاج التكليف الإلهي والفطرة والروح، وليست نتاج فيزياء الذرات في المخ!

لولا الفطرة التي فطرنا عليها... فطرة القيم الأخلاقية المطلقة، ولولا العلم التكليفي بضرورة أنَّ هناك غائية أخلاقية... لولا ذلك لما قفزت إلى ذهن إنسانٍ شبهةٌ، ولما فَهم أنها شبهة، ولما علم أنَّها ستكون شبهة عند غيره أيضًا، فهو يعلم أنَّ الجميع بنفس فطرته، وبنفس رؤيته الأخلاقية الغائية، وبهذا ظهرت عنده الشبهة وجادل حولها.

ما توهم الإنسان أنَّ هناك شبهةً إلا لأنه مفطور على أنَّه حرٌّ مُكلَّف، وأنَّ هناك قيمًا أخلاقية مطلقة، وغائية أخلاقية.

أو بإيجاز شديد وبكلمة واحدة: أنَّه ليس هناك إلحاد!

هناك معيار تكليفي داخل كل إنسان، وكل ملحد يعلم أنَّ هذا المعيار التكليفي موجودٌ عند الجميع، وبالإحالة إلى هذا المعيار يتصوَّر الملحد أنَّ هناك مشكلة أخلاقية في هذا الفعل أو ذاك، فالملحد يعلم أنَّ كل إنسان عنده هذا المعيار، ولهذا هو ينتقد ما يتصور أنَّه شبهات، ويعلم أنَّ غيره سيفهم أنَّها شبهات، وسوف تتولَّد عنده التساؤلات نفسها، والإشكاليات الأخلاقية نفسها، ما تصوَّر الملحد هذا إلا لأنَّه يثق تمامًا في هذا المعيار التكليفي.

كلما اشتدَّت شراسة الملحد في الدفاع عن شبهاته، بل وإنَّه مستعدٌّ تمامًا للمناظرة حول شبهاته؛ للتأكيد عليها، كلما علمت أنَّه يقطع القدر نفسه من الشراسة، ودون أن يدري بأنَّه مكلف، وبأنَّه ليس ابنًا للطبيعة الجبرية.

فهو يقطع القدر نفسه من الشراسة في الدفاع عن شبهته بأنَّ هناك قيمًا أخلاقية، وغائية أخلاقية.

ويقطع القدر نفسه من الشراسة في الدفاع عن شبهته بأنَّ جميع البشر مكلفون مسؤولون محاسبون.

ويقطع القدر نفسه من الشراسة في الدفاع عن شبهته بأنَّه مخلوقٌ لله.

العالم كلُّه من حولك بريء أخلاقيًّا، فالجدار الذي خلفك هل يعرف الخير أو الشر؟

هل هناك ذرَّة أو حجر أو جبل أو حيوان أو كوكب أو مجرَّة تعرف القيم الأخلاقية؟

العالم كله من حولك بريءٌ تمامًا أخلاقيًّا... لا يعرف خيرًا ولا شرًّا ولا قداسة ولا نجاسة.

أنت وحدك المُكلَّف... أنت وحدك أيها الإنسان الذي لا يمكن أنْ تكون بريئًا أخلاقيًّا، خيارك الوحيد إما أن تكون خيِّرًا أو شريرًا.

إذ ليس مكلفًا على الأرض سوى الثقلين: الإنس والجن.

فلو أتاك إنسان وقال لك: إنَّه حيوان بريء أخلاقيًّا، فلن تقبل منه هذا الكلام، وسوف تُصنِّفه بناءً على سلوكياته بمقارنة هذه السلوكيات بمعيار الخير والشر في فطرتك.

فلا يمكن لإنسان أنْ يكون حيوانًا محايدًا أخلاقيًّا حتى ولو تمنَّى ذلك من كل قلبه.

خياره الوحيد أنْ يكون صالحًا أو فاسدًا().

هناك إشكال ثالث في قضية الإلحاد والشبهات، وهو إشكال العقل!

كل إنسان امتنَّ الله عليه بنعمة العقل، تلك النعمة العظيمة، فالعقل يعقل المعاني، ويعقل المفاهيم، والعقل يعقل -يمنع- الإنسان عن الخطأ.

ومن خلال العقل يعقل الإنسان أنَّ هناك شبهة!

لكن الإشكال أنَّه: لو كان الإلحاد صحيحًا، وكنَّا في عالمٍ ماديٍّ مجرد فلا وجود للعقل.

لا وجود للعقل في الإلحاد.

يوجد في الإلحاد فقط الدماغ، ذلك الدماغ بما فيه من نشاط عصبي كهربي، وهذا النشاط يخضع لقوانين فيزيائية حتمية... هذا فقط الشيء المتاح في الإلحاد.

فهي فقط ذرَّات داخل الجمجمة تقوم بوظائف بيولوجية حتمية وَفْق قوانين فيزيائية، فليس للعقل وجود في الإلحاد.

إذن فالأفكار التي يتيحها النشاط العصبي في فيزياء الدماغ إلحاديًّا لن تتجاوز صورة مخرجات الحواسيب المعقَّدة، وهذه المخرجات تشمل: الخيالات والأوهام، فهي مجرد صور وخيالات لا تفرز أفكارًا يمكن الثقة بها.

فلا يمكن للمخ في الإلحاد أن يعكس أفكارًا تجعلنا نثق بقراراتنا().

ولذلك داروين نفسه كان يتشكَّك في الأفكار التي يُفرزها الدماغ، يقول داروين: "يُراودني الشكُّ الآتي: هل يمكن أن يكون لدماغ الإنسان، والذي أؤمن أن هذا الإنسان تطوَّر عن أدنى الكائنات، هل يمكن أن يكون لدماغ الإنسان بعد ذلك أيُّ ثقة، هل يتمتَّع بأي قيمة أو يستحق أدنى ثقة؟"().

فمن نظرة إلحادية: لا ثقة في الأفكار التي يُفرزها الدماغ.

ويقول الملحد السابق كلايف لويس C. S. Lewis: "إذا كان الإلحاد صحيحًا فلا يمكن أن أثق في أفكاري، وبالتالي لا أستطيع أن أثق في الإلحاد؛ ولذلك فلا يوجد سبب لأكون ملحدًا، وبإيجاز: لا يمكن أبدًا أن أستخدم أفكاري لعدم الإيمان بالله".

فبدون إيمان بالله لن يكون للعقل وجود.

وبالتالي ففي العالم المادي ليست هناك آلية نثقُ من خلالها حتى في الإلحاد نفسِهِ.

فلن يعقل الملحد إلحاده، ولن يصدق إلحاده، إلا إذا سلَّم مسبقًا بأن للعقل أحكامًا صحيحةً، وهذا لا يتأتَّى إلا بالإيمان بالله.

وبصورةٍ أخرى: لن يُلحد الإنسان إلا لو كان الله موجودًا.

فالقرار الإيماني أو حتى الإلحادي الذي يأخذه الإنسان مبناه على أنَّ هناك عقلًا يُصدِر أحكامًا صحيحة، وهذا الإيمان بصحة قرارات العقل لا يأتي إلا بالإيمان بأنني عبدٌ لله، مخلوقٌ لله، فقد خلق الله عقلي، وبالتالي أنا أثق في الأحكام التي يعطيها هذا العقل.

وليس أنَّ عقلي مجرد صور فراغية تخيُّلية داخل مخ فيزيائي!

إذنْ فبدون العقل الذي خلقه الله لك لن تستطيع أن تثق في إلحادِكَ.

إنها مفارقات عجيبة، لكنها واقعة داخل عالم الإلحاد الأعجب.

فالملحد لن يستطيع أن يثق في صحة الشبهة، وأنها شبهة أصلًا إلا لو كان واثقًا ابتداءً في أنَّ عقله قد خلقه الله.

سبحان الله!

حين يدافع الملحد عن الشبهة، هو في الواقع يدافع عن خضوعه للتكليف الإلهي، وأنَّه عبد لله مخلوق، وليس فيزياء جسيمات.

{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [الرعد: 15].

كلنا خاضعون لله شئْنا أم أبيْنا.

إذنْ مُجمل ما سبق: لو أنَّ ملحدًا طرح شبهة، فلا بد أن تهدم له إلحاده قبل أن تجيب عن شبهته... لا بد أن توضح له أنَّ استيعابه للشبهة ينبني على أركانٍ ثلاثةٍ على الأقل:

1- أنَّ للإنسان حرية إرادة واختيارية.

2- أنَّ هناك قيمًا أخلاقية مطلقة.

3- أنَّ هناك عقلًا أحكامُهُ صحيحة.

لا يمكن أن يستوعب الإنسان شبهة لو اختلَّ ركن من هذه الأركان.

وهذه الأركان الثلاثة لا وجود لأيٍّ منها في الإلحاد.

إذنْ: لا وجود للشبهة في الإلحاد.

وبعد أن تكون هدمت للملحد إلحاده، تبدأ بهدوء في الإجابة عن شبهته لو بقيت الشبهة أصلًا.

11 - ماذا لو كان طارح الشبهة مسلمًا؟

ج: في البداية يمكن حصر الشبهات في الإسلام على ثلاثة صور:

أ- إما آثار ضعيفة: حديث لا يصحُّ أو أثر ضعيف.

ب- أو اجتهادات غير معصومة: قول لأحد العلماء أو اجتهاد عند بعض أهل العلم.

ج- أو تصوُّر عقلي يقدمه صاحبه على النص الشرعي.

هذه مصادر الشبهات في الإسلام.

وهنا لنا أنْ نسأل: كيف تكون مشكلة المسلم مع أثرٍ ضعيفٍ، أو اجتهاد غير معصوم، أو تصور عقلي تخميني يقدمه على النص الشرعي، ولا ينتبه في الوقت نفسه لما لا حصر له من النصوص الصحيحة الثابتة التي تتناول معجزاتٍ وآياتٍ جرت على يد النبي صلى الله عليه وسلم ، والتي نقلها أصدق الناس وأكثرهم تحريًا للضبط؟

بمعنًى آخر: لو سلَّمت بالشبهة لكان من باب أوْلى أنْ تُسلم بكل المعجزات والآيات التي تقطع بنبوته صلى الله عليه وسلم .

آية: هذا القرآن... تلك الآية الخالدة.

آية: هذا النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، وما فيها من آيات لا تجري إلا على يد نبي.

آية: البشارات به قبل قدومه صلى الله عليه وسلم باسمه وصفته ونَعْته ومكان بعثته.

آية: تأييد الله له، وعدم موته إلا وقد كَمُلَ الدين وتمَّ.

بل ما من شبهة إلا وتحمل في داخلها آيةً على صحة الرسالة، وهذه أمر سنُفصل فيه في الفصول القادمة في الرد على الشبهات التفصيلية.

فكيف لا ينتبه المسلم طارح الشبهة للبراهين على نبوته صلى الله عليه وسلم ؟

وأيُّ شبهةٍ هذه التي تجعل المسلم ينزعج بجانب هذه البراهين؟

قد يقول طارح الشبهة: أنا أقطعُ بنبوته صلى الله عليه وسلم ، لكن عندي إشكال عقلي في نقطة معينة!

ونقول له: قبل أن تعرف جواب إشكالك لا بد أن تُسلِّم أنَّ هذا الإشكال ناتجٌ عن تصوُّر وهمي في ذهنك.

قد يقول: لماذا أقطع بأنَّ كل شبهة حتى قبل أن أسمع الرد عليها هي نتاج تصوُّر وهمي أو سوء فهم في ذهني؟

والجواب: لأنَّه بالدليل العقلي لو افترضنا أنَّ شخصًا لديه شهادة الطب، وتعطيه شهادتُهُ الحقَّ في مزاولة المهنة... لديه شهادة معتمدة بهذا، هل تُشكِّك في كون هذا الشخص طبيبًا لمجرد أنَّه وصف دواءً لم تفهمه؟

لا طبعًا.

هل تُشكك في كونه طبيبًا لمجرد أنَّ مريضًا لم يصل للصورة التي كنت ترجوها بعد تناول الدواء؟

لا طبعًا.

فثبوت الطب له يجعلك تستوعب أنَّك قد لا تفهم طريقة عمل الدواء، وتستوعب أنَّ المريض الذي تأخَّر شفاؤه قد لا يكون تناول الدواء بالصورة التي وصفها الطبيب، وتستوعب أنَّه قد يكون لله حكمة في تأخر شفائه.

فلا تَرد إلى ذهنك مشكلة طالما علمت أنَّه طبيب، بل تعلم تمامًا أنَّ ما لم تفهمه من وصفاته الطبية راجع لقصور عقلك، وقلة علمك لا أكثر.

أليس كذلك؟

هذا يحصل في حال طبيب ليست وصفاتُهُ وحيًا يوحى من الأساس، ومع ذلك أنت تبرر له كل ما لم تفهمه من وصفاته.

فكيف بالنبي الذي يُوحى إليه، والذي لا ينطق عن الهوى؟

كيف بالنبي المعصوم الذي تؤمن بنبوته؟

فطالما ثبتت عندك نبوة النبي، واستقام لك الاعتقاد الغيبي بصحة رسالتِهِ، فمن البديهي أنه لا يضُرُّك ما لم تفهمه من نصوص الوحي.

وبالتالي سوف تقطع بالبداهة أنَّ شبهتك هي مجرد تصوُّر وهمي وقتي في ذهنك.

فطالما ثبتت نبوته عندك ابتداءً إذنْ لا تضرك شبهة في دينك أبدًا.

فما بالك وكل شبهة في الإسلام تم جوابها؟

فأهل العلم (أولو الألباب) بفضل الله ما تركوا من شيءٍ إلا بيَّنوه للناس.

ما تركوا من شبهة، ولا شاردة، ولا واردة، ولا شاذَّةً، ولا فاذَّةً في دين الله إلا وبيَّنوها للناس.

فأنت فقط تجرَّدْ لله وابحثْ عن الرد، وستعجب من بساطة شبهتك.

لو استقرَّ في ذهنك ثبوت النبوة، وقطعية صحة الرسالة، سوف تتضاءل في عينيك كل شبهة، وسيكون بحثك في الرد على الشبهة هو فقط من باب النظر في أبواب الحكمة الإلهية، ولمزيد تفقُّه في دين الله، وهذا المفترض أن يكون حال كل مسلم مع الشبهة.

ولن يهتزَّ قلبك لمجرد أنك لا تعرف جواب شبهة.

فلا يستخفنَّك هؤلاء الذين لا يعرفون حتى إلحادهم بشبهة يُلقونها عليك: {وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60].

12 - ما هي أفضل الأعمال في الإسلام على الإطلاق؟

ج: أفضل الأعمال في الإسلام على الإطلاق بعد الإيمان بالله هو: الجهاد في سبيل الله.

ففي الحديث المتفق على صحته: سُئِلَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قالَ: إيمانٌ باللَّهِ، قالَ: ثُمَّ ماذا؟ قالَ: الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ().

فالجهاد هو ذِرْوَةُ سَنَامِ الإِسْلامِ.

قال النبي صلى الله عليه وسلم : "رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ"** ()**.

فالجهاد أعظم تجارة مع الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10- 13].

الجهاد هو التجارة الرابحة.

13 - ما هي صور الجهاد؟

يتخيَّل بعض الناس أنَّ الجهاد فقط هو جهاد الحروب والمعارك.

وهذا خطأ.

فالجهاد يكون أيضًا باللسان... هذا جهادٌ، وهو: جهاد الحُجَّة والبيان، وجهاد الرد على شبهات الإلحاد والأفكار الفاسدة، وجهاد دعوة الناس للإسلام، فهذا باب عظيم من أبواب الجهاد.

وهناك جهاد بالأموال في سبيل الله.

قال النبي صلى الله عليه وسلم : "جاهِدوا المُشرِكينَ بألسِنَتِكم، وأنفُسِكم، وأموالِكم، وأيديكم"().

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "والجهادُ منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، والدعوة والحُجة واللسان والرأي، فيجب بغاية ما يمكن"().

إذنْ لو نظرنا للجهاد بصورته الشمولية سنجد أنَّ كلَّ مسلم يمكنه أن يجاهد في سبيل الله بحسْب قدرته وعلمه وماله... بحسْب نعم الله عليه.

قال ابن القيم رحمه الله** :** "والتحقيقُ أن جنس الجهاد فرض عينٍ؛ إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوعٍ من هذه الأنواع"().

إذنْ فالجهاد في سبيل الله ليس حكرًا على الجيوش المسلمة التي تقف على الحدود كما يتخيَّل بعض الناس، بل يمكن لأي مسلم أن يكون مجاهدًا في سبيل الله، وأن يقف هو الآخر على الحدود فيذُبَّ عن دين الله ويرُدَّ المبطلين.

فكل هذا جهاد.

ويكفي أن تنوي على الجهاد متى تيسَّرت لك الأسباب قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "مَنْ ماتَ ولم يغْزُ، ولم يُحَدِّثْ نفْسَهُ بغزْوٍ مات على شُعْبَةٍ منَ نفاقٍ"** ()**.

ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6].

فالله غني عنَّا، ونحن مَن يحتاج إلى رحمة الله بالجهاد في سبيله.

14 - ما هي أفضل أنواع الجهاد: جهاد اليد والسيف، أم جهاد الدعوة إلى الله والدفاع عن دين الله بالحجة؟

قال ابن القيم رحمه الله** :** "الجهاد: جهاد باليد والسنان، والثاني: الجهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو أفضل الجهادين لعظم منفعته، وشدة مُؤنته، وكثرة أعدائه، قال الله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 51- 52]** ()**.

فجهاد الحجة والبيان هذا أشدُّ أنواع الجهاد على قلوب دعاة الكفر، فهو أصعب شيءٍ عليهم، بل هو أشدُّ على قلوبهم من الجيوش الكبيرة؛ لأنَّ به تُفضح أكاذيبهم، وتُفند شبهاتُهُم.

قال ابن حزم رحمه الله : "ولا غيظ أغيظ على الكافرين والمبطلين من هتْك أقوالهم بالحجة الصادعة، وقد تُهزم العساكر الكبار، والحجة الصحيحة لا تُغلب أبدًا فهي أدْعى إلى الحق، وأنصر للدين من السلاح الشاكي والأعداد الجمَّة"().

وتفنيد الأفكار الفاسدة هو: "وسيلة إلى إعلان الدين ونشره، وإخماد الكفر ودحضه"().

وهذا غاية ما أتت به الرسل.

وللجهاد عند الله أجر عظيم، سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يَعْدِلُ الجِهَادَ في سَبيلِ اللهِ عز وجل ؟ قالَ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ، فأعَادُوا عليه مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذلكَ يقولُ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ، وَقالَ في الثَّالِثَةِ: مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ القَانِتِ بآيَاتِ اللهِ، لا يَفْتُرُ مِن صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ().

فأجر الجهاد في سبيل الله عظيمٌ، والانشغال عن الجهاد في سبيل الله سمَّاه القرآن تهلكة.

قال الله عز وجل : {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه : التَّهْلُكَةُ هي الإقامةُ في الأموال وإصلاحها، وتَرْكُ الغزو().

فالانشغال بالدنيا عن ميدان الدعوة إلى الله، والدفاع عن دين الله بقدر ما تستطيع هذه تهْلُكَة.

وما أيسر أن يقف المسلم على ثغرٍ من ثغور الإسلام.

ما أيسر أنْ يُسهِم في مشروع دعوةٍ إلى الله بمال أو وقت أو تعلُّم علم شرعي؛ ليدعو به إلى الله أو تعلُّم لغة جديدة يدعو بها إلى الإسلام الناطقين بتلك اللغة، أو تعلم مونتاج يستخدمه في الدعوة إلى الله.

أو أنْ يتكفَّل بطالب علم، أو يتكفَّل بشخص يتعلَّم لغة جديدة يدعو بها إلى الله عز وجل ، فكل هذا جهاد، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من جهَّز غازيًا فقد غزا"().

تخيَّل لو أصلح الله بك إنسانًا!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ادعُهم إلى الإسلامِ، وأخبِرْهم بما يجِبُ عليهم، فواللهِ لَأن يُهدى بك رجلٌ واحدٌ خيرٌ لك من حُمْرِ النَّعَمِ"().

فهداية رجل واحد خيرٌ من الدنيا وما فيها: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ} [فُصِّلَت:33].

ليس أحسن من الدعوة إلى الله.

لكن قبل الدعوة إلى الله لا بد من تعلُّم دين الله؛ ليدعو الإنسان على بصيرة، قال الله عز وجل : {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران: 66].

فلا يحلُّ للإنسان أن يقول أو يجادل فيما لا علم له به().

أيضًا ينبغي أن تكون عند الداعية إلى الله سعة صدر ولين مع صاحب الشبهة، ومع من يبحث عن الحق: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44].

قال الغزالي رحمه الله : "فالقسوة والغلظة تثير دواعي المعاندة والمخالفة، وترسخ الاعتقادات الباطلة"().

فالدعوة إلى الله تحتاج حكمة وبصيرة وصبرًا.

أيضًا تحتاج الدعوة إلى الله إلى شيءٍ من الحذر، فلا يُعقل أن يتمَّ مثلًا عمل دعاية مجانية لأصحاب الشبهات ودعاة الباطل!

فهناك ملاحدة لم ينتشروا إلا بالرد عليهم، فانتبه واحذر من هذا!

لا يصحُّ مثلًا أن يتمَّ عمل مناظرات مع ملحدين في وسط العوام!

فقلوب الناس قد تعلق بالأشياء الشاذة.

فلماذا تُعرِّض فطرة الناس الصافية لأشياء كهذه؟

يقول الشيخ مصطفى صبري رحمه الله : "في المناظرة التاريخية بين الشيخ محمد عبده والعلماني فرح أنطون، الذي فاز رسميًّا هو الشيخ محمد عبده، لكن الذي اشتهر وذاعت أقواله هو فرح أنطون".

فالأفكار الفاسدة لا تُناقَش بين مَن لا تعنيهم، وإنما تُناقش فقط بين المتأثرين بها، أو بين مَن يغلب على الظن انتشارها بينهم.

أما أن أناظر هذا وذاك وأقوم بعمل دعاية مجانية لهذا وذاك، فهذه مشكلة!

ولم يكن لهم قهر ولا ذلٌّ أعظم مما تركهم السلف، لا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلًا.. حتى جاء المغرورون ففَتحوا لهم طريقًا، وظهرت دعوتهم بالمناظرة، وطرقت شبهاتُهم أسماعَ مَن لم يكن يعرفها من الخاصة والعامة"().

فلا بد من الحكمة في الدعوة إلى الله.

أيضًا لا يُجاب بين الناس إلا على ما شاع واشتهر من شبهات، وإلا فالشبهة الميتة، تُترك ميتة.

ولا بد أن يُوضِّح الداعية لمن يتابعونه بضرورة الامتناع عن الاستماع للأفكار الباطلة والشبهات.

قال ربنا سبحانه: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140].

قال أبو قِلابة رحمه الله : "لا تجالسوهم -أي: أصحاب الشبهات والأفكار الفاسدة- ولا تخالطوهم، فإنه لا آمنُ أن يفسدوكم، أو يُلْبسوا عليكم كثيرًا مما تعرفون".

وقال ابن قدامة رحمه الله : "كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع، والنظر في كتبهم، والاستماع إلى كلامهم"().

فالأفكار الفاسدة والشبهات تَجُرُّ مع الوقت إلى القلب الوساوس والتصوُّرات الضالة.

قال الذهبي رحمه الله في ترجمة ابن الراوندي: "وكان يلازم الملاحدة، فإذا عُوتب قال: إنما أريد أن أعرف أقوالهم إلى أنْ صار ملحدًا وحط على الدين والملة"().

وكثير من الناس لعدم التزام الأمر الإلهي بحرمة الجلوس بين مَن ينشرون الكفر والشبهات، ولضعف علمهم ولغلبة الهوى عليهم تأثَّروا، وبعضهم ربما فُتن في دينه بشبهة.

فكيف يُعرِّض المسلم دينه الذي هو أغلى ما يملك لمخاطرة كهذه؟

نعم كل شبهة ولها ردٌّ، لكن ما يُدريك أن تصل للرد قبل أن يزيغ قلبُك؟

لذلك كان تحريم الاستماع لأصحاب الشبهات ابتداءً.

قال سفيان الثوري رحمه الله : "من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يُلقها في قلوبهم".

أوردها الذهبي وعلَّق عليها بقوله: أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة والشُّبه خطَّافة"().

لو عمل المسلمون بذلك لاختفى أصحاب الشبهات ذاتيًّا، فتجارة أصحاب الشبهات بين الجهلة ممَّن ينشرون شبهاتهم أو يحضرون بينهم.

إذنْ تعليم الدين للناس، وإصلاح عقيدتِهم، ودعوة الناس للإسلام، والرد على مَن يطرحون الشبهات الإلحادية، والرد على دعاة الأفكار الفاسدة، هذه كلُّها صور عظيمة من صور الجهاد في سبيل الله.

فهذه كلُّها أبوابُ خيرٍ وبركةٍ: (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ}.

{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].

فمَن بايع على الدفاع عن دين الله؛ فليبشرْ فهذه أعظم صفقة في حياته.

والدعوة إلى الله هي وظيفة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وطريقة مَن تبعهم بإحسانٍ، وإذا عرَف الإنسان معبوده، ونبيَّه، ودينه، فإن عليه السعي في إنقاذ إخوانه بدعوتهم إلى الله عز وجل ، وليُبشر بالخير().

ليبشر بنصر الله وتأييده: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51].

{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 36].

{إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ} [محمد: 7].

وسيظل في المسلمين مَن يدافع عن دين الله إلى قيام الساعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتي ظاهِرِينَ علَى الحَقِّ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ، حتَّى يَأْتِيَ أمْرُ اللهِ وهُمْ كَذلكَ"().

سيبقى إلى قيام الساعة مَن يدافع عن الحق، وهُم مُنتَصِرونَ غَالِبونَ.

{وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173].

فهذه هي الغنيمة الباردة أن تدعو إلى الله، وأن ترُدَّ على المبطلين، وأن تكشف شُبُهات المفترين، وهذا حق دين الله علينا: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 9].

وتعزيرُهُ صلى الله عليه وسلم : بنصر دينه، وصون رسالته عن كل مفترٍ().

فكن واحدًا من الدعاة إلى الله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} [الصف: 14].

انصر دين الله ولو بكلمةٍ، ولو بموقفٍ، ولو بدعوة إلى الله.