الباب الأول: في الكون والحياة

1 - في البداية: ما هو أقصر طريق لتحصيل اليقين للمسلم والمُتشكك؟

أقصر طريق هو وِرد يومي من القرآن تقرؤه بتدبُّر، ولو نصف حزب يوميًّا.

يكون لك ورد تدبُّر يوميًّا تحافظ عليه، تقرأ آياتِ هذا الوِرد بتدبُّر وتأمُّل وتفكُّر.

ومن أفضل الكتب المُعينة على التدبر هو: التفسير الميسر، وهو تفسير موجز جميل!

تقرأ الآية من القرآن الكريم، ثم تقرأ تفسيرها، وهكذا إلى أن ينتهي الوِرد، وفي العام التالي تنتقل لتفسير آخر مثل المختصر في التفسير، ثم تفسير الشيخ السعدي رحمه الله وهكذا...

وهذا الطريق طريق تدبُّر القرآن والمداومة عليه، له أسراره الإيمانية الخاصَّة، وفيه جواب مُجمَل لكل شبهة، وبه تحصل طُمأنينة النفس، وفيه رُقية من الشيطان والوسواس!

والإنسان كلما تدبَّر كتابَ ربه خرج منه بمعجزاتٍ ووقفاتٍ.

بل وكم من عدوٍّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أراد اغتياله، فما أن سمع آيات القرآن حتى انفطر قلبه وظهر الإيمان في عينيه!

هذا في حال الكافر المحارب الكاره للإسلام، فكيف بصاحب الشُّبُهات الذي يريد الحق، فكيف بالمسلم؟!

فللقرآن معارج إيمانية عجيبة، تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، وعادة النفوس مع القرآن أنها إذا أخذت حظها منه عادت له مرتاعةً تُريد المزيد!()

فالقرآن هو أقصر طريق لتحصيل اليقين، والذين قرأوا المُطوَّلات وكتب الفلاسفة بحثًا عن اليقين اعترفوا في آخر أعمارهم أن أيسر وأفضل طريق لليقين كان طريق القرآن!

انظر ماذا قال الرازي رحمه الله بعد رحلة طويلة مع كتب الفلاسفة والمُطوَّلات الكلامية:

قال رحمه الله : "لقد تأملتُ الطرق الكلامية، والمناهجَ الفلسفية، فما رأيتُها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن...

ثم قال: ومَن جرَّب مثل تجربتي عرَف مثل معرفتي"().

وقال الشَهرستاني رحمه الله :

وقال أبو المعالي الجُوَينيُّ رحمه الله : "لقد قرأت خمسين ألفًا في خمسين ألفًا، وركبتُ البحر الخِضمَّ وخُضتُ في الذي نهَوْني عنه، وها أنا ذا أعود إلى الحق بالحق"!

كلهم اعترفوا أن طريق القرآن هو أمثل وأسهل وأيسر وأقصر طرق تحصيل اليقين.

فالقرآن كلام الله لكل أحدٍ بحسب علمه وثقافته وبساطته وعمقه؛ هو كلام الله لكل أطياف البشر!

وإلى جانب تدبُّر كتاب الله أدعوكم إلى قراءة أعظم الكلام، وأحسن القول بعد كلام الله سبحانه، وهو كلام نبيه صلى الله عليه وسلم ، أُوصي بقراءة خمسة أحاديث من رياض الصالحين يوميًّا، بشرح بسيط جميل مثل شرح ابن عثيمين رحمه الله .

ورياض الصالحين كتاب تزكية إيمانية، وما أحوجَنا لمِثل ذلك!

فلتبدأ مشروع تحصيلك لليقين من اليوم، فما من حياتك خير إلا ما كان فيها لله، وغير ذلك فباطلٌ وهباءٌ لا قيمة له، وكما قال رحمه الله : "إذا كان وهو في ليس له من صلاته إلا ما عقَل منها، فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله ولله"().

2 - ما هو الإلحاد، وما هي تقسيمات أتباعه؟

الإلحاد في اللغة يعني: المَيْل().

قال الله تعالى: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103].

يُلحدون إليه، يعني: يميلون إليه.

أما الإلحاد اصطلاحًا فهو: إنكار الخالق والغيب والنُّبوَّات والبعث والحساب.

والإلحاد فِرَق كثيرة، ومذاهب متنوعة فهناك:

الملحد: وهو الذي يُنكِر وجود الغيبيات التي تقول بها الأديان.

وهناك الرُّبوبيُّ: وهو الشخص الذي يؤمن بوجود خالقٍ لهذا العالم لكنه يكفر بالأديان.

وهناك اللاأدري: وهو الشخص الذي لا يستطيع أن يجزم بصحة وجود الخالق، ولا يستطيع أن يجزم بعدم وجوده، فهو شخص متوقف!

وهناك اللااكتراثي: وهو الشخص الذي لا يُبالي بالقضية الدينية، وقضية وجود الخالق.

وكل أتباع هذه التقسيمات يمكن أن نطلق عليهم: اللادينيين، فالملحد والربوبي واللاأدري واللااكتراثي كلهم لادينيون.

وهناك الشخص الهيوماني: شخص يهتمُّ بالإنسان فحسب، وقد يكون الهيومانيُّ غير ملحد.

هذه أشهر تقسيمات المذاهب الإلحادية المعاصرة.

وهنا ملاحظة هامة:

يوجد فَرْق بين التعريف اللغوي للإلحاد، والتعريف الاصطلاحي!

فالتعريف اللغويُّ للإلحاد هو: المَيْل، وبالتالي يدخل تحت هذا التعريف: أصحاب الفِرَق الضالَّة كالمُعطِّلة وغيرِهم!

لذلك ورود كلمة ملحد في كتب المتقدمين لا تعني المفهوم الاصطلاحي المعاصر للإلحاد، والذي يعني إنكار الخالق والنُّبوَّات، لكنها تعني نوعًا من الانحراف في باب من أبواب العقيدة كباب: الأسماء والصفات.

لذلك من قال: إن ابن سينا أو أيًّا من فلاسفة المسلمين كان ملحدًا، وينسبه للإلحاد بمعناه الاصطلاحي المعاصر فقد أخطأ؛ لأنه ليس أحد من هؤلاء كان ملحدًا بالتعريف الاصطلاحي المعاصر للإلحاد، وإنما كان لبعضهم خلل في بعض القضايا العَقَدية.

3 - متى بدأ الإلحاد؟

لا تُوجد بداية معروفة للإلحاد، وليس هناك إلحادٌ بمعناه الاصطلاحي المعاصر، والذي يعني إنكار الخالق قبل القرن الثامن عشر الميلادي.

وباستثناء بعض ما نُسب إلى دياجوراسDiagoras of Melos فإن تاريخ الأمم كان مُطبِقًا على الإيمان بالخالق().

ولم يثبت إنكار الخالق عند أحد من الناس في الغرب أو الشرق حتى القرن الثامن عشر الميلادي!

نعم نُسبت بعض الأقوال لهذا أو ذاك لكن لم يثبت شيء من ذلك!

يقول المؤرخ الشهير ويل دورانت في موسوعته قصة الحضارة: "ولا يزال الاعتقاد القديم بأن الدين ظاهرة تعمُّ البشر جميعًا اعتقادًا سليمًا"().

وقال الشهرستاني: "أما تعطيل الخالق العالم القادر الحكيم فلست أراها مقالة لأحدٍ.. ولا أعرف عليها صاحب مقالة"().

فالإلحاد ظاهرة طُفيلية بالنسبة لتاريخ الجنس البشري المُطبِق على الإيمان بالخالق، أو كما يقول الدكتور عبد الله الشهري: "الإلحاد لم يظهر إلا كزِعنِفَة سمك القرش وسط بحر الدين الهادر"().

4 - كيف بدأ الإلحاد؟

بداية الإلحاد كانت مع القرن الثامن عشر الميلادي، حين ظهرت موجة لتأويل النصوص الدينية في أوروبا على يد دُعاة التنوير والعلمانيين.

وهذا أخطر مداخل الإلحاد على الإطلاق: تأويل النص الديني تأويلًا فاسدًا يُخرجه عن معناه، هذا أخطر مدخل إلحاديٌّ!

لأن تأويل النص الديني بما يخرجه عن معناه سيُؤدي إلى التشكيك في قيمة النص، ومصداقية المعنى، وسيجعل ما يطرأ على ذهنك من فهم النص بلا وثوقية!

فانتشر الإلحاد في الغرب، حين فقد الناس الثقة بالنص الديني!!

وهذا بالمناسبة ما يحاول دُعاة ما يُسمى بالتنوير في بلادنا تطبيقه اليوم مع الإسلام.

يحاولون اللعب بالنصوص الشرعية حتى يوهنوا قيمتها في النفس، ويخرجوها عن معناها!

مثال ذلك: أنت تقول: الخمر حرام بالإجماع!

والملحد يقول: الخمر حلال...

فهنا يأتي التنويري ويقول لك: سأقوم بتأويل النص الديني حتى أجعل الخمر حلالًا!

هذا مشروع التنوير في بلادنا بإيجازٍ شديدٍ، وهو أكبر مدخل للإلحاد، وكانت هذه بداية الإلحاد في أوروبا.

لكن حتى القرن الثامن عشر الميلادي لم يكن الإلحاد الذي هو إنكار الخالق قد ظهر بعدُ!

فقط ظهر نوع من التمرُّد على الدين، وأشهر شخصية معادية للدين في ذاك الوقت، هو الفيلسوف الفرنسي فولتير().

وفولتير كغيره من دُعاة التمرُّد على الدين في ذاك الوقت لم يكن ملحدًا الإلحاد الاصطلاحيَّ المعروف اليوم، وإنما فقط رافض لمسيحية الكنيسة؛ ولذلك لم يمانع فولتير من شرح الأخلاق في إطار الدين لخدمه، وكان يقول كلمته الشهيرة: "لو لم يكن هناك إله لخانتني زوجتي وسرقني خادمي". والأعجب أنه قام في أواخر حياته ببناء كنيسة بالقُرب من قصره نقش على مدخلها: "يا رب، اذكُرْ عبدك فولتير"().

وادَّعى أنها الكنيسة الوحيدة المُخصَّصة للإله وحده على هذه الأرض، أما الكنائس الأخرى فهي مُخصَّصة للقديسين، وكان يرسل خدمه إلى الكنيسة بانتظام ويدفع أجور تعليم أبنائهم قواعدَ الديانة.

فنحن حتى هذه اللحظة لم نرصد الإلحاد بمعناه المعاصر.

ويدخل القرن التاسع عشر ليبدأ في هذا القرن تحديدًا التنظير الفعلي للإلحاد، وتتأسَّس الأفكار التي سينبني عليها الإلحاد:

فيظهر التنظير الاقتصادي للإلحاد عند كارل ماركس().

حيث اعتبر ماركس أن الاقتصاد هو البنية التحتية الوحيدة، أما الدين فسيختفي في المجتمع الشيوعي في مرحلة تالية.

وفي ذاك الوقت ظهرت نظرية التطوُّر على يد تشارلز داروين، والتي زعم فيها أن الكائنات الحية تطوَّرت من بعضها البعض().

وبعد تشارلز داروين ظهر باحث فرنسي في علم الاجتماع يُدعى إيميل دوركايم:()

حاول دوركايم أن يضع تفسيرًا لسبب اعتناق الدين، فاعتبر أن الدين نشأ نتيجة المجتمع والجماعة، حيث تشترك العشائر في لقب واحد فيما يُعرف بالطوطم Totem، وهذا الطوطم في الغالب يكون لقبًا حيوانيًّا، ومن هنا نشأ الدين عند دوركايم.

من المعلوم عند علماء الاجتماع اليوم أن تخيُّلات دوركايم أصبحت هباءً منثورًا، فهناك أُمم كاملة وحضارات، بل وقارات لا تعرف شيئًا عن الطوطم، ولا يوجد عندهم نظام الألقاب الحيوانية، ومع ذلك توجد عند هؤلاء جميعًا: عقيدة الإيمان بالله الأعلى بصورة واضحة().

والعجيب أنه قد تبيَّن مؤخرًا أن فكرة الطوطم في القبائل القديمة هي فكرة اقتصادية وليست فكرةً دينية، فالطوطم شعار قومي ورمز يُعرِّف القبائل بأنسابها، هو شيء أشبه بالعَلَم الخاص بالدول اليوم.

أما فكرة أن الدين أنشأه المجتمع، فهذه فكرة سخيفة، فممَّا هو معلوم أن الدين في الأصل ظاهرة فردية، هو عَلاقة بين الإنسان وربه...

ثم كيف يُنشئ العقل الجمعي الدين؟

هل سمع أحد بديانة تظهر ثم يقبلها المجتمع مباشرةً؟

أم أن العكس هو الحاصل دومًا؟

فالموقف المعتاد المتكرر هو: المناهضة للديانة الجديدة، والمقاومة العنيفة لداعيها! أليس هذا أصلًا تاريخيًّا مُشاهدًا ومتكررًا؟

ثم إن هذا الافتراض السخيف عند دوركايم لا يجيب عن السؤال الجوهري: مِن أين جاءت فكرة الإله الأكبر فاطر السماوات والأرض، وعلى غِرار أي جماعة أو مجتمع طُبعت هذه الصورة؟ وكيف قامت الدعوات لها عبر كل التاريخ وكل الجغرافيا، عبر كل الزمان وعبر تاريخ كل الأنبياء؟()

للأسف خيالات دوركايم ظلت لعقود تُدرَّس في جامعات أوروبا باعتبارها حقائق تاريخية.

وبالمناسبة دوركايم كان له دورٌ كبيرٌ في تدليس المعرفة عند الأوروبيين عندما كان يطرح حفلات القبائل البدائية بما فيها من عربدة وارتكاب للمُحرَّمات كمظهر تديُّني عندهم، فقد ثبت أن هذه الحفلات كانت تمردًا على هيكل الحياة الاجتماعية والدينية للقبيلة وليس العكس، وأصبحت الآن هذه الحقيقة من أشهر تدليسات دوركايم!

فالنظم القبلية في كل المجتمعات تقوم على الفصل التام بين الجنسين؛ لقد جعل دوركايم بأسلوب غريب التمرُّد على الدين والحفلات الماجنة مظهرًا دينيًّا.

إذنْ خُلاصة ما سبق: تسرَّبت على أيدي داروين وماركس ودوركايم الكثيرُ من المعلومات المغلوطة إلى العقل الأوروبي، فظهر الشك والإلحاد.

كانت البداية مع هؤلاء، وسوف تكون النهاية مع أشباههم!

ومع دخول القرن العشرين أصبح الإلحاد مشروعًا واقعًا على الأرض، وتبنَّى التنظير الاقتصادي لكارل ماركس دُوَل بأكملها!

فظهرت الشيوعية في كثير من دول شرق أوروبا وروسيا والصين وفيتنام وكوريا وكوبا وغيرها، وظهر التنظير البيولوجي لتشارلز داروين في ألمانيا النازية، ونشأت الحرب العالمية الثانية بناءً على مفهوم البقاء للأصلح وإبادة الأعراق الضعيفة، حيث ظهر مفهوم إبادة الـSubman أي: الأعراق المُنحطَّة كما يُسمُّونها.

لقد فشلت التنظيرات الإلحادية في البقاء، فانهارت النازية بعد أن كشفت عن الوجه القبيح للعنصرية، واختفاء معنى الإنسان في الإلحاد، وانهارت الماركسية وتفكَّك الاتحاد السوفيتي، وظهر عجز الإلحاد التام عن تحليل ظاهرة الإنسان!

فالإنسان لا يمكن أن يُفسَّر وَفْقًا لهذه التنظيرات الفاسدة.

ومع دخول القرن الحادي والعشرين ظهر الإلحاد بزيٍّ جديدٍ تمامًا، فقد اتَّشح زورًا بالعلم وتَسمَّى بـ"الإلحاد العلمي"، وبدأ يُقدم نفسه مرة أخرى معتمدًا هذه المرة على افتراضات وتخمينات جديدة لا تقلُّ سطحيةً عن الافتراضات القديمة، ولا تقل خطورةً على الإنسان عنها!

لكن مشكلة هذا النوع الجديد أنه يستخدم عصا العلم ليُغري أنصاف المثقفين والجيل الصاعد به!

مشروع هذا الكتاب الذي بين يديك الآن هو في: كشف حقيقة الإلحاد الجديد، والنظر فيما تلبَّس به من دعاوى عِلمية!

5 - كيف بدأت الطبيعة؟ كيف بدأ الكون؟

هذا أول سؤال عقلي يمكن طرحه حين ننظر حولنا!

والإلحاد الجديد كالقديم تمامًا يجيب عن هذا السؤال بتقرير قدرة الطبيعة على الخلق والإيجاد.

فالطبيعة عندهم هي المسؤولة عن الإيجاد والتقدير والعناية والخَلْق، فقد نسبوا لها كل شيء.

الطبيعة عندهم هي: كل شيء؛ ولا شيء غير الطبيعة كما يقول اللاأدري كارل ساغان Carl Sagan().

فالطبيعة عند الملحد هي المعنى الأوحد في الوجود، حتى إن توماس هكسلي رفيق داروين وجرو داورين Darwin Bulldog كما كان يحبُّ أن يُسمى، كان يُطلق على الطبيعة لقب: السيدة الطبيعة Dame Nature.

فأكبر وَثَن اتُّخذ من دون الله حجمًا هو الطبيعة عند الملاحدة!

الطبيعة هي أكبر الأوثان حجمًا في تاريخ الكفر البشري.

فالإلحاد في حقيقته هو وثنيَّة، حيث ينسب للطبيعة المادية القدرة على الخَلْق والإيجاد والتدبير!

ولذلك ريتشارد دوكينز الملحد الشهير يُسمي الطبيعة بـ: "صانع الساعات الأعمى The Blind Watchmaker".

فالطبيعة تصنع وتخلق عندهم!

وهذه الصورة الوثنيَّة للإلحاد تجعله يندرج تحت الوثنيات التي ظهرت عبر التاريخ!

يقول الدكتور حسام حامد: "الملحد ارتقى جبل السَّفسطة، وبينما هو على وَشْك أن يقهر أعلى قمة من قمم السفسطة، وإذ تعترضه آخر صخرة، وما إن يصعد، إذا به يجد جماعة من الوثنيين كانوا يجلسون قبله في نفس المكان هناك منذ قرون"().

فما إن يصعد الملحد أعلى جبل الإلحاد، وفي لحظة ارتقائه أعلى قمةٍ من قممه، إذا به يكتشف وثنيَّة إلحاده.

فالإلحاد يؤمن بقدرة الطبيعة وحتمية الطبيعة، كما يُؤمن الوثني تمامًا بقدرات قطعة الحَجَر التي يعبدها مع الله!

هذه هي النظرة الإلحاديَّة للطبيعة، وهي مسؤولية الطبيعة عن: إيجاد كل شيء!

لكنَّنا في القرن العشرين قد اكتشفنا حقيقة علميَّة مدهشة، وهي أنَّ: الطبيعة لها بداية، وأنها غير مكتفية بذاتها!

فقد أصبح من المُسلَّمات اليوم أنَّ: هذا الكون ظهر من اللازمان واللامكان؛ فجأةً ظهرت الطبيعة!

فالطبيعة ليست أزليَّة، واليوم هناك إجماع بين علماء الفيزياء أن الكون له بداية.

ففي لحظةٍ ما ظهرت مادة الكون، وظهر الزمان والمكان بعد أن لم يكن هناك لا مكان ولا زمان، هذا إجماع علمي!

وهنا تظهر الوَرْطة الكبرى أمام الإلحاد!

فالكون أتى فجأةً بمنتهى الضبط وبثوابت فيزيائية مبهرة، وبحُدود حرجة غاية في الدقة!

وبهذا فمن البديهي أن الكون ليس له دور في إيجاد نفسه فضلًا عن أن يُوجِد غيره.

وبالتالي لا يبقى إلا البديل الثالث، وهو أن لهذا الكون خالقًا!

{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ} [الطور: 35-36].

كان لاكتشاف ظهور الكون فجأةً وبثوابت غاية في الضبط، كان لاكتشاف هذا الأمر وَقعٌ شديدٌ على نفوس الملحدين.

يقول اللاأدري ديفيد بيرلنسكي David Berlinski: "ينزعج الفيزيائيون بشدَّة من حقيقة أن للكون بداية؛ لأن هذا أمر له لوازم دينية"().

ونفس الكلام يُؤكده ستيفن هوكينج في كتابه الشهير تاريخ موجز للزمن حيث يقول: "الذين لا يُحبّذون حقيقة بداية الزمن وبداية الكون، هم لا يُحبذون ذلك؛ لأن لهذا الأمر بُعدًا دينيًّا"().

أما الفيزيائي الملحد آرثر إدنجتون Arthur Eddington فيعترف اعترافًا قاسيًا فيقول: "إن فكرة أن للكون بداية هذه الفكرة بغيضة بالنسبة لي، فكرة كريهة تزعجني"().

فبداية الكون هي حقيقةٌ مزعجة لكل ملحد؛ لكن للأسف واقع الحال أن بعض الملحدين غير الدارسين للعلوم لا يعرفون هذه الإشكالات؛ ولذلك ربما يسخر بعضهم من إلزام أن الكون له بداية؛ لأنه لا يفهم أبعاد هذا الإلزام أصلًا، وبالتالي لا يشعر بأي إزعاج!

6 - لكن ما المانع أن تكون هناك قوانين قبل ظهور كوننا، وهذه القوانين كان لها دور في إيجاد كوننا؟

في البداية: هذا من باب الرَّجْم بالغيب {وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [سبأ: 53].

فنتيجةً لكفرهم يُضطرُّون للرجم بالغيب بلا برهان ولا بيِّنة!

ثانيًا: فكرة أن هناك قوانين فيزيائية قبل كوننا، هذه الفكرة علميًّا سخيفة؛ لأنه لا يوجد كلمة "قبل" قبل ظهور كوننا، فهذه الكلمة "قبل" هي كلمة مرتبطة بالزمن، والكون كما قلنا أتى من اللازمن، وبالتالي لا وجود لكلمة "قبل" في العالم المادي الطبيعي.

ثم هل بافتراض الملحد أنَّ هناك قوانينَ قبل عالمنا يكون بهذا قد أجاب عن سؤال: من أين أتى الكون؟

سيبقى السؤال: ما مصدر هذه القوانين؟

مَن الذي قنَّنها؟

مَن الذي أعطاها عملها؟

ما مصدر قانون الجاذبية الذي افترضه بعض الملاحدة سابقًا لكوننا، ما مصدر هذا القانون؟

مَن الذي قنَّنه؟

ثم إن قانون الجاذبية هو توصيف رياضي لحدث معين، وليس هو ذات الحدث.

وللتبسيط: قانون الجاذبية يشرح سبب سقوط الأجسام وحركة الأجسام، لكن لا يُفسر لي مِن أين أتت الأجسام، وبالأحرى هو لم يُوجِد هذه الأجسام!

فقانون الجاذبية لن يُنتج كرة بلياردو، وإنما هو فقط يصف حرَكتها إذا سقطت على الأرض.

فقانون الجاذبية ليس كينونة مستقلة، ليس شيئًا مستقلًّا؛ وإنما هو: وصف لحدث طبيعي!

لكن يأتي الملاحدة ليفترضوا أن وجود قانون الجاذبية يكفي لخَلْق كرة البلياردو، وعصا البلياردو، ولاعب البلياردو؛ هذه سخافة غريبة لتبرير الخرافة!

أيضًا بنفس القياس نقول إنَّ: قوانين الاحتراق الداخلي في موتور السيارة لن تخلُقَ موتور سيارة.

فهل من العقل افتراض أن قوانين الاحتراق الداخلي تكفي لخَلْق: الموتور، وشرارة الاحتراق، والبَنزين، والسائق، والطريق؟

ما أصبح يُفكر الملاحدة بهذه الطريقة إلا لأنهم يواجهون إشكالاتٍ حقيقية مزعجة لن يخرجوا منها إلا بهذه الفَرْضيات الغريبة.

7 - لكن ربما في المستقبل نعرف كيف ظهر الكون؟

هذا يُسمى بـ: التوسُّل بالمستقبل، وهو أكبر مغالطة يقع فيها الملحد!

فلسان حال الملحد: سأكفر على أمل أن يَظهر في المستقبل ما يدعم كُفري.

سأكفر من أجل حُجَّة قد تظهر في مستقبلٍ لن أكون فيه!

وهكذا حال ملاحدة ذاك المستقبل سيقعون في نفس المغالطة!

ولن تجد مَن يتفكَّه ويتندَّر بكل هؤلاء مثل المستقبل!

{وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 16].

ليس من العقل في شيءٍ الاحتكام إلى تخميناتٍ وفُروضٍ لمنع تفسير الظاهرة في إطارها الدلالي على الخالق.

أو بمعنًى آخر: ليس من العقل في شيءٍ الاحتكام إلى توهُّمات لمنع تفسير ظهور الكون الذي أتى بهذا الضبط في إطاره الدلالي على المُوجِد الذي أتقن كل شيء.

إنَّ هذا التعطيل هو تعطيل لوظيفة العقل!

وإذا كُنَّا عند هذه المرحلة، ومع هذه المعطيات الساطعة نعاند الإيمان بالخالق، فعند أي مرحلةٍ نُسلِّم له؟

{وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10].

والآن أيُّها القارئ! احتكِمْ إلى عقلِك:

كون جاء في لحظةٍ بمنتهى الضبط، وبثوابتَ فيزيائية مبهرة بحيث لو اختلَّ ثابت واحد منها بجزء من مليارات مليارات الأجزاء لما ظهر، أليست هذه المقدمة تُثبِت أنَّ: الإيمان الدينيَّ بالخالق أحقُّ وأوْلى من الغرائب التي نسمعها من الملحدين؟

حكِّمْ عقلك!

لا يمكن لشيء منضبط بهذا الضبط كالثوابت الفيزيائية التي بدأ بها كوننا أن تأتي بالصُّدفة.

لا عَلاقة للصُّدفة بهذا الإبهار!

8 - ما المانع أن تكون هناك أكوان كثيرة، وكوننا أتى بين هذه الأكوان بالصدفة؟

فرضية الأكوان المتعددة كما يَعرف كل فيزيائي على ظهر الأرض، هي مجرد تخمين بلا دليل مِن رصد أو بحث.

يقول عالم الفيزياء جون بولكنجهون: "الأكوان المتعددة Multiverse ليست فيزياء، بل هي في أحسن الأحوال تصوُّر ميتافيزيقيٌّ، ولا يوجد سبب علمي واحد يدعو للإيمان بمجموعة من الأكوان المتعددة، لا يوجد دليل علمي يجعلني أُصدِّق بهذه الفكرة"().

أما الفيزيائي اللامع راسل ستانرد Russell Stannard فيقول: "لا توجد حتَّى معادلة فيزيائية واحدة تدعم فرضية الأكوان المتعددة".

ففرضية الأكوان المتعددة هي مُجرَّد تخمينات وخيالات غير مُبَرهنة، والانتصار لهذه التخمينات أمرٌ مُربِك وغريب، كما يقول فيلسوف العلوم ريتشارد داويد Richard Dawid.

وحتى على افتراض وجود أكوان متعددة، ستبقى هذه الأكوان المتعددة مُنعزلة سببيًّا، أي أنَّ: كل كون منعزل عن الآخر سببيًّا.

وهذا معناه أنَّ: كل كون قد ظهَرَ مستقلًّا تمامًا، وبالتالي فكل كون هو عبارة عن واقعة مستقلة Independent Event أي: واقعة لا عَلاقة لها بسابقتها.

وبهذه الصورة فلكل كونٍ قوانينه الخاصَّة المستقلة به، ولا يُفسر ظهور بعضِها ظهورُ البعض الآخر.

وهذا سيطرح إشكالًا أعمق، وهو أنَّه: سيصبح لكل كون تصميمه الخاص، وبالتالي فالملحد لم يعد أمامه كون بثوابت فيزيائية مدهشة، بل جملة أكوان لكلٍ منها عملية إبداع، ولكلٍ منها قوانين خاصَّة وإلا ما ظهر!

وربما بعض ثوابت هذه الأكوان تفوق في دهشتها وعظمتها الإتقان الذي نشهده في كوننا بتريليونات تريليونات المرات؛ إنها إلزامات أكبر على الإلحاد.

إذنْ الأكوان المتعددة لم تَحُلَّ مشكلة الضبط الدقيق، بل طرحت مشكلة الضبط على أبعاد أخرى ربما لا يجرؤ العقل البشري على استيعابها في الأمد المنظور.

ثم السؤال الجوهري: مِن أين أتت هذه الأكوان؟

الأكوان المتعددة على افتراض وجودها هي ليست أزليَّة، بل لها بداية!

وبما أن لها بداية فلا بد أن هناك مُسبِّبًا لوجودها!

وبالتالي فأنت لم تُجبْ عن شيء بتقديم فرضية الأكوان المتعددة.

أمَّا مسألة أنَّ الأكوان المتعددة لها بداية، فهذا أمر معروف كما يقول أحد أشهر داعمي فرضية الأكوان المتعددة اليوم، وهو الفيزيائي آلان جوث Alan Guth حيث يقرر أن هذه الأكوان المتعددة على افتراض وجودها ستبقى لها بداية محددة It would still be somewhere an ultimate beginning.

ستبقى هناك بداية في مكانٍ ما لكل هذه الأكوان، ستبقى هناك بداية نهائيَّة للجميع().

وبالتالي سيبقى سؤال: مِن أين أتت هذه الأكوان سؤالًا قائمًا.

ثم إنَّ هناك استشكالًا منطقيًّا بسيطًا في موضوع الأكوان المتعددة يُبين عدم جدوى الاحتجاج بها من طرف الملحد وهو:

هل عندما أسألك: من أين أتى هذا الغلام الصغير الجميل؟ فتقول هذا الغلام له إخوة كثيرون غيره، ربما بعضهم يكون قبيحًا! هل أنت بهذا أجبت؟

من أين أتى هذا الكون الأنيق؟

ستقول: هناك أكوان أخرى كثيرة!

إجابة سخيفة على سؤال عقلي ومنطقي!

يقول كريستيان دوف Christian Dove: "لو حاولتَ أن تُغرق السمكة بكل محيطات العالم فستبقى تثبت وجودها، ستبقى حية"().

السمكة ستبقى تتنفس؛ لأن السمكة ببساطة لا تغرق بالماء حتى ولو وضعتَها داخل كل محيطات العالم.

فأنت لم تفعل شيئًا بافتراض وجود أكوان متعددة، أنت بهذه الحيلة - حيلة الأكوان المتعددة- لم تهرُب من إلزامات الضبط الدقيق، ولا إلزامات وجود كوننا ولا غيرها من الإلزامات، ما زالت هذه الإلزامات حيةً تتنفس، ولو أغرقتها بمليارات الأكوان!

بل إن كل كون جديد سيزيد الإلزامات تعقيدًا.

وبالمناسبة: ليس هناك ما يمنع عقلًا ولا شرعًا من وجود أكوان أخرى، فالله عز وجل هو ربُّ العالمين.

{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2].

فهذا أمر لا مشكلة فيه شرعًا، لكن التدليس أنْ يتمَّ افتراض أن كل كون مبنيٌّ على الآخر، مع أن كل كون مستقل سببيًّا عن الآخر كما فصَّلنا؛ فكل كون منعزل عن الآخر، وكل كون له ثوابته الخاصة، وليس مبنيًّا على غيره، وبالتالي لا مكان للصُّدفة أو الاحتمالية.

9 - ما المانع أن يكون الكون أتى بمحض الصدفة؟

القول بالصدفة في بداية الكون هو جهل بأصول الاحتمالات؛ لأن الصدفة لها شرطان لا ينفكَّانِ عنها، وهما: الزمان والمكان.

فالصدفة تشترط: زمانًا تقوم فيه بإحداث أثرها.

وتشترط: وجودًا ماديًّا مكانيًّا تقوم عليه ليُنتج مفعولها.

والكون أتى من اللازمان واللامكان، وبالتالي من اللاصدفة!

10 - هل مفهوم السببيَّة له وجود لحظة ظهور الكون؟

في الإسلام نحن نؤمن بقيُّوميَّة الله؛ فالله قيُّوم السماوات والأرض: به تقوم السماوات والأرض.

ولذلك كان اسم "الحي القيوم" هو اسمُ الله الأعظم عند كثير من أهل العلم.

لكن العجيب أننا عندما تعمَّقنا في النظر إلى كوننا وجدنا أن الكون ما كان له أن يُوجَد ثم يستقر ويستمر، وما كان للدالة الموجية أن تُظهر نمطًا معينًا للوجود إلا بمُرجح؛ إلا بقيُّوميَّةٍ!

والدالة الموجية هي: احتمالات خصائص أي جسيم صغير، خصائص الجسيم مثل: مكان الجسيم!

ربما يكون مكان الجسيم الآن هنا أو هنا أو هناك، لا تعرف.

الدالة الموجية تضع احتمالات كثيرة جدًّا لمكان الجسيم، لكن لا تقطع له بمكان مُحدَّد، ولن تستطيع أن تقطع!

فطبقًا لميكانيك الكم، وميكانيك الكم هو علم دراسة الجُسَيمات الأصغر حجمًا من الذرة، وهو علم صحيح تمامًا.

طبقًا لميكانيك الكم، فأنت يستحيل علميًّا أن تعرف مكان جُسيم واحد بعد ثانيةٍ من الآن، بل يستحيل أن تعرف مكانه وسرعته الآن، هذا محال ومَن قال إنه يعرف مكانه الآن، فهو لا يعرف شيئًا عن ميكانيك الكم.

فأنت لن تعرف خاصيتينِ لجسيمٍ واحدٍ في وقتٍ واحدٍ هذا مُحالٌ في ميكانيك الكم، وهذا ما يُسمَّى في علم ميكانيك الكم بمبدأ الريبة أو مبدأ اللايقين.

ومبدأ اللايقين ينصُّ على أنَّه: يستحيل تحديد مكان وسُرعة جسيم في وقتٍ واحدٍ؛ يستحيل تحديد خاصيتين في نفس الوقت.

لكن قد يقول قائل: ربما هذا نتيجة قصور الآلات أو قصور المعرفة البشرية؟

ومَن قال بهذا فهو أيضًا لا يفهم ميكانيك الكم جيدًا.

فمبدأ اللايقين هو قانون صارمٌ من قوانين الطبيعة، لا يرتبط بأي شكلٍ من الأشكال ببعض القصور الموجود في أجهزتنا، أو بقدراتنا على الرصد، بل هو قانون كونيٌّ.

وبناءً على ما سبق: فالكون بكل ما فيه قاصرٌ تمامًا لا يتحكَّم بنفسه، ولا يمكن أن يعرف هو، فضلًا أن نعرف نحن ما سيؤول إليه بعد لحظةٍ واحدةٍ!

فحرفيًّا لن تعرف ولن يعرف العالم ماذا سيحصل في الكون بعد لحظة واحدة من الآن؛ وهذا مبدأ كونيٌّ!

فانهيار السماوات، وتشقق الأفلاك هو احتمال كوانتي كمِّيٌّ قائمٌ في كل لحظة، وفي أي لحظة!

{إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر:41].

وكما يقول ستيفن هوكينج في كتابه الأخير التصميم العظيم: "من الممكن أن يتحوَّل القمر في بعض العصور إلى قطعة جبن؛ في أية لحظة يمكن أن يحصل هذا الأمر، لكنه ليس كذلك الآن... ثم يضحك هوكينج ويقول: وهذا ربما يُغضِب الفئران".

ويقول ستيفن هوكينج في نفس الصفحة: "البعض يتخيَّل أن هذا خيال عِلمي، لكنه ليس كذلك"!

أيُّ شيء يمكن أن يقع في أية لحظة!

والذي يفهم ميكانيك الكم جيدًا سيفهم عمَّا أتحدث!

فالدهشة ليست في انقلاب الكون إلى أي توقُّع في أيَّة لحظة؛ لأن هذا أمرٌ قائمٌ؛ الأكثر دهشة أنَّ الكون لا يحصل له أي شيءٍ من ذلك، بل هو ثابت ومستقرٌّ ومُنظَّم!

فثبات الكون واستقراره بكل ما فيه من جُسيمات هو أحد أوجه قيُّوميَّة الله سبحانه، وبدون الله تفسُد السماوات والأرض في لحظة: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22].

فالكون كله بكل جُسيم فيه مفتقر إلى الله منذ لحظة ظهوره، وفي كل لحظة.

إذنْ الدالة الموجية وميكانيك الكم يقولانِ لنا إنه: لا بد من مُرجح في كل لحظة لكل جُسيم، لا بد من قيُّوم وإلا لانهار كل شيء!

لا بد من مرجح لظهور الكون، لا بد من مرجح لاستمرار الكون، لا بد من مرجح لاستقرار الكون وثباته!

فالسببيَّة أمر جوهريٌّ لحظة ظهور الكون، والقيُّوميَّة حقيقة لكل مَن نظر وتدبَّر!

11 - لكن هل فعلاً السببيَّة غير موجودة في عالم ميكانيك الكم؟

السببيَّة هي بديهة في ميكانيك الكم.

السببيَّة هي سبب ونتيجة.

والسببيَّة تعني أنَّ: الحدث "أ" يؤدي إلى الحدث "ب".

اعتماد الحدث "ب" على الحدث "أ" هذه هي السببيَّة، وهي جوهر العلم، وجوهر ميكانيك الكم، وجوهر أي رصد وجودي على الإطلاق، فالسببيَّة موجودة في ميكانيك الكم بلا شك!

ولا يمكن أن يُبنى علم بدون سببيَّة!

وإنكار السببيَّة هو إنكار لكل العلوم التجريبية!

لكن ما هي مشكلة ميكانيك الكم؟

مشكلة ميكانيك الكم هي مع شيء يُسمَّى بـ: الحتمية.

ما هي الحتمية؟

الحتمية هي: الإطار الزمني للأحداث!

ترتيب الأحداث في الإطار الزمني هذا اسمه: "الحتمية".

مشكلة ميكانيك الكم هي مع الحتمية، وليس مع السببيَّة.

لأن الزمن في ميكانيك الكم غير واضح، الإطار الزمني للأحداث في ميكانيك الكم غير ظاهر للعلماء، وهناك كتب كاملة وتفسيرات مختلفة للزمن داخل ميكانيك الكم.

ففَهم الزمن هو من أعقد الأمور في ميكانيك الكم.

فهنا بعض العلماء يقولون إنَّ: الحتمية لا وجود لها في ميكانيك الكم!

وإن كانت هناك أبحاث كثيرة تُؤكد أنه حتى الحتمية ثابتة وصحيحة أيضًا في ميكانيك الكم، كما في تفسير بوهم Bohmian interpretation، وظهرت مؤخرًا أوراق عِلمية تدعم بالفعل تفسير بوهم، لكن بغض النظر عن كل ذلك، فالسببيَّة هي بديهة في ميكانيك الكم.

ومن العلماء الذين كتبوا في ضرورة السببيَّة في ميكانيك الكم، العالِم ماكس بورن Max Born، وهو أحد أكبر علماء ميكانيك الكم، والحائز على نوبل في ميكانيك الكم.

قام ماكس بورن بتأليف كتاب:

NATURAL PHILOSOPHY OF CAUSE AND CHANCE.

وكتَب في هذا الكتاب فصلًا كاملًا بعنوان: "السببيَّة والحتميَّة".

في هذا الفصل أوضح ماكس بورن: الفرق بين السببيَّة والحتميَّة، وأنَّ الحتمية هي إطار زمني للأحداث، بينما السببيَّة هي ترتُّب الحدث "ب" على الحدث "أ" ثم قال:

الظن بأن الفيزياء تخلت عن السببيَّة هو قول عارٍ تمامًا من الصحة!

Physics has given up causality is entirely unfounded.

فالسببيَّة هي سبب ونتيجة، وميكانيك الكم تسري عليه السببيَّة كما تسري على كل العلوم.

Causality postulates that there are laws by which the occurrence of an entity B of a certain class depends on the occurrence of an entity A of another class, where the word 'entity' means any physical object, phenomenon, situation, or event. A is called the cause, B the effect.

ثم قال كلمته الهامَّة: السببيَّة هي مُسلَّمة في ميكانيك الكم.

We derive Quantum Theory from purely informational principles.

Five elementary axioms—causality().

فهذه حقائق مستقرة، لكن للأسف هناك مَن يلعب بعقول بعض شبابنا باسم العلم!

ولا أدري لماذا يُشكك الملحد في السببيَّة؟

لماذا يحاول أن يفترض سقوط السببيَّة في ميكانيك الكم؟

تخيَّل أنَّه يريد أن يسقط بُرهانًا عقليًّا عملاقًا كالسببيَّة؟

هل تعرف لماذا يحاول الملحد أن يفعل ذلك؟

الجواب ربما ببساطة: لأن البناء العقلي السليم ضد الإلحاد!

البديهيات العقلية كالسببيَّة ضد الإلحاد.

12 - هناك جُسيمات تخرج باستمرار من الفراغ الكوانتي أو الفراغ الكمومي، هل هذا يعني ظهور المادة من لاشيء؟

هذه الفرضية: فرضية خروج جُسيمات باستمرار من الفراغ الكوانتي، كانت تُعدُّ من أشهر تدليسات الملاحدة في مطلع الألفينات.

كانوا يقولون: هناك جُسيمات تظهر من لاشيء!

لكن ما لم يقولوه لنا هو أنَّ: اللاشيء في مصطلح الفيزياء هو "شيء حقيقي له وجود" وليس لاشيئًا، ليس هو العدم!

فاللاشيء في الفيزياء يُسمى بـ: الفراغ الكمومي أو الفراغ الكوانتي.

وهو فراغ اصطلاحيٌّ، ولا يعني العدم!

فهو فراغ موجود في إطار الزمان والمكان والمادَّة والطاقة، وفي هذا الفراغ قدر من الطاقة يستحيل التخلص منه.

فما يحصل هو تحوُّلات لهذه الطاقة إلى جُسيمات افتراضية، ثم تختفي الجسيمات سريعًا!

هذا كل ما في الأمر!

فالفراغ الكوانتي لا يؤدي لظهور جسيمات من العدم!

وإنما من مجالات طاقة وزمان ومكان.

وبما أنَّ الكون باتفاق الفيزيائيين جاء من اللازمان واللامكان؛ فبالتالي: ما عَلاقة هذه الظاهرة بنشأة الكون؟

والغريب أن هذه الجُسيمات الافتراضية التي تخرج من الفراغ الكوانتي، لا قيمة حقيقية لها؛ لذلك هي تُسمَّى Virtual particles جسيمات افتراضية، ولا تتحوَّل إلى جُسيمات حقيقية.

هي جسيمات افتراضية لا تتحوَّل إلى مادة، وليست بمادة أصلًا، وإنما تختفي ذاتيًّا فور ظهورها.

ولن تتحوَّل إلى مادة إلا بتفاعلها مع مادَّة وطاقة.

إذنْ في ميكانيك الكم حتى تحصل على هذه الجُسيمات الافتراضية أنت تحتاج إلى:

1- مكان.

2- زمان.

3- حد أدنى من الطاقة** Zero-point** energy (ZPE).

وفي الأخير هذه جُسيمات افتراضية ليست بمادة أصلًا، وإنما تختفي فور ظهورها!

والتساؤل هنا: لماذا يندفع الملحد خلف هذه الأُطروحات، ويبني عليها سراب أوهامه؟

لماذا يفترض أمورًا غير منطقيَّة ولا واقعيَّة؟

الجواب ببساطة: لأن الإلحاد لا ينتصر إلا باللعِب على وَتَر السحر والخرافة!

الدين هو أحد الانتصارات الكبرى للعقل!

الدين أكبر انتصار للعقل.

أما الإلحاد فلا يملك إلا الافتراضات البائسة، والتي قد تكون بُرهانًا على معاناته!

13 - ما هي دلائل وجود الخالق؟

دلائل وجود الخالق سبحانه كثيرة لا تُحصى، ومَن ذا الذي يُحصي خلقَه ونعمَه وجودَه، وما لا حصر له من براهينِ وجودِه وكمالِه؟

ويقدم لنا القرآن الكريم ثلاث مراتب من الأدلة الكبرى على وجود الخالق سبحانه، ومراتب أخرى استئناسية كثيرة.

وهنا قد يسأل سائل ويقول: كيف نحتجُّ بالقرآن على ملحد لا يؤمن به؟

والجواب: نحن نُقدم الأدلة العقليَّة التي يطرحها القرآن الكريم في إثبات وجود الخالق، وهذه الأدلة تستوي حُجتها في نظر المؤمن بالقرآن وغير المؤمن به؛ لأنها أدلة عقلية!

أما الأدلة الثلاثة الكبرى التي يُقدمها القرآن الكريم فهي:

الدليل الأول وهو: دليل الإيجاد:

كل شيء مُحدَث، أي: وُجد بعد أن لم يكن موجودًا، لا بد له مِن مُحدِث أي: موجِد.

والكون كلُّه بكل ما فيه من مادَّة وقوانين وأفلاك، مُحدَث بلا خلاف بين علماء الأرض.

الكون وُجِد بعد أن لم يكن موجودًا.

والشيء المُحدَث الذي وُجد فيه بُرهان آكد على المُوجِد! هذه بديهة يستوي في التسليم لها كل البشر.

يقول ستيفن هوكينج في كتابه الشهير تاريخ موجز للزمن: "وجود بداية للكون هذا الأمر له لوازم دينية"().

ويقول الفيزيائي فرانك تبلر Frank Tipler: "لقد بدأت حياتي المهنية كملحد، لم أتصوَّر حتى في أحلامي أن حدوث قوانين الفيزياء ستدفعني إلى الإيمان بالخالق"().

فكل شيء وُجد فيه برهان على الموجِد.

وبالتالي فكل ذرَّة وكل جُسَيم في الكون، وكل نشاط لذرَّة هي براهين بعضها فوق بعض على وجود الخالق.

فهذا الوجود وهذه الذرَّات وهذه الجُسيمات؛ هذا الكون بكل ما فيه من مادة هو كون عَرَضي مُحدَث ليس أزليًّا.

الكون بكل قوانينه ونواميسه غير مُكتفٍ بذاته، وإذا استقرت هذه البديهيات العِلميَّة في ذهنك فسينصرف عقلُك إلى الموجِد، وسيتبرهن لك بأن لهذا الكون خالقًا لا مَحالة.

فهذا يُسمى بـ: "برهان الإيجاد" وما أكثر آيات القرآن الكريم التي تلفت أنظارنا إلى هذا البرهان، وتدفعُنا دفعًا للتفكر فيه والتأمل.

اقرأ قولَه تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101].

واقرأ قوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الأعراف: 185].

فكل شيء خُلِق، كل شيء أُحدِث، كل شيء وُجِدَ؛ فيه دليل عقليٌّ وبرهنة مباشرة على الموجِد!

الدليل الثاني وهو: دليل الإتقان:

كل شيء في الوجود على الإطلاق من الكواركات -أصغر جُسَيم تمَّ رصده- إلى أكبر الأجرام، كل شيء في الكون يحمل درجة من درجات التعقيد الوظيفي.

التعقيد الوظيفي أي: يُؤدي وظيفة متخصصة ومُهمة مُحدَّدة، يحمل درجة من الإتقان.

وهذا الإتقان، هذا التعقيد الوظيفي، هو مرتبة زائدة على مجرد الوجود.

فالوجود مرتبة.

والتعقيد الوظيفي -الإتقان- مرتبة زائدة على مجرد الوجود.

ولو نظرت مِن حولك فكل شيءٍ حولك مُصمَّم بشكلٍ معين ليؤدي وظيفة محددة.

ولو نظرت في أعمق أعماق الذرَّة ستجد أن الكوارك -أصغر جُسيم على الإطلاق تمَّ رصده- مُصمَّمٌ بشكل معين لأداء مهمة مُحدَّدة.

فالذرَّة والفوتون والقوانين الفيزيائية والطاقة، كل شيء له وظيفة ويؤدي مُهمة، حتى العناصر المشعَّة لها دورها الحيوي في تمايُز طبقات الأرض!

كذلك الروابط بين الذرات: الروابط الكيميائية الأيُّونيَّة والتساهمية التي تجري بين الذرَّات لتكوين الجزيئات، وكيف أنَّ الذرة تقبل هذا التعاقد، وترفض تعاقدًا آخر؟ فتقبل ذرةُ الصوديوم التعاقدَ مع ذرة الكلور لتكوين ملح الطعام، بينما ترفض الذرَّات المكوِّنة للسيراميك التعاقد مع الذرات في خلايا جلدك!

هذه الصور المدهشة من التعاقد ورفض التعاقد تؤدي إلى كل الأشكال والتنويعات المبهرة المحيطة بنا.

كل ما حولك يحمل تعقيدًا وظيفيًّا، كل ما حولك يحمل تسخيرًا لعملٍ مُحدَّدٍ!

هذا التعقيد والتسخير والإتقان هو بُرهان خَلْق وإبداع.

لذلك الملحد الشهير أستاذ ميكانيك الكم بجامعة أوكسفورد ديفيد دوتش يستهزئ من الحال التي وصل إليها الملاحدة فيقول: "إذا زعم أيُّ إنسان أنه لم يتفاجأ من الإتقان والدقة في هذا الكون وقوانين هذا الكون، فهو ببساطة يدسُّ رأسه في الرمل؛ المفاجآت كثيرة وغير مُتوقعة".

فالإتقان في الكون يفاجئ العلماء.

وما أكثَرَ الآيات التي تحدثت عن دليل الإتقان في القرآن الكريم:

قال الله عز وجل : {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88].

وقال سبحانه: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7].

وقال عزَّ مِن قائل: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 1-3].

كثيرة هي الآيات التي تُؤكد هذا البرهان العقلي السامق: برهان الإتقان!

لكن للأسف هذا الإتقان لا يبهر كثيرًا من الملاحدة مِمَّن يُجهزون للسفسطة حتى قبل أن يتأملوا البرهان الذي يحمله هذا الإتقان!

ولذلك فقد أحسن ديفيد دوتش حين وصفهم بأنهم: "يدسُّون رؤوسهم في الرمال"!

وأنا أدعوك لتتأمل الإتقان في زهرة الأوركيد Orchid التي تتخذ صورة تُطابق تمامًا صورة أُنثى النحل، فيأتي ذَكَر النحل محاولًا تلقيحها فتلتصق حبَّات غُبار الطلع في رأسه، ويقوم بالعملية نفسها في أوركيد أخرى، فيقوم بالتلقيح المثالي لزهرة الأوركيد دون أن يدري.

والأعجب من ذلك أن زهرة الأوركيد Orchid تُفرز نفس الرائحة الخاصة بأُنثى النحل فيرمون Pheromone أُنثى النحل، وليس شكلها فقط.

تأمل في هذه الزهرة العجيبة زهرة الأوركيد، ولا تنسَ أنها كائن لا يعي من أمره شيئًا، ولا يُدبِّر من أمره شيئًا.

ومع هذه الخاصية المعجزة للتلقيح عند الأوركيد، فهي تعيش في توازُن بيئي مثالي مع غيرها من الكائنات، فلا تطغى عليها بحيث تنتشر في الأرض على حساب غيرها من النباتات؛ فسبحان فاطر الخَلق، ومُودِع عجيب الصنع في كل شيء.

وحتى تشارلز داروين نفسه اعترف قبل عام من وفاته أن ما تقوم به زهرة الأوركيد يعصف بعقله؛ نعم!

يعصف بلاأدريته، ويعصف بكفره!()

لكنَّ بعض الملحدين المعاصرين للأسف لا يُعصفون، ولا يتأثرون بهذه الأمور ولا بهذه البراهين، فهم يعيشون حالة من السفسطة الجاهزة!

فما أعجَبَ براهين الإتقان لو تدبَّروها!

ومَن نظر في براهين الإتقان بتجرُّدٍ للحق، سيُسلم بالخالق البارئ المُصور الهادي العليم الحكيم القدير!

وإذا أردت أن ترصُد بنفسك أحد أوجُه براهين الإتقان الإلهي، فاذهبْ لأحد معامل التحاليل الطبية، وانظر إلى معايير ضبط الهُرمونات في أجسادنا!

هرون النمو Growth hormone على سبيل المثال، انظر في تركيزه في الدم: "5 نانو جرام".

وبمُعادلة رياضيَّة بسيطة، تجد أنَّ جرامًا واحدًا من هذا الهرمون مُقسَّم على ثلاثة آلاف إنسان، انظر لمقدار الدقة المبهرة.

ولو ازدادت نسبة هذا الهرمون بمقدار يُقاس بأجزاء من المائة مليون من الجرام؛ فإن هذا قد يؤدي إلى مرض العملقة، ولو قلَّت بأجزاء من المائة مليون من الجرام قد تؤدي إلى مرض التقزُّم.

تغيُّرات كاملة في بنية الهيكل العظمي: عَمْلقة أو تقزُّم، نتيجة زيادة أو نقص بهذا القدر البسيط والمدهش من هرمون النمو.

أما لو نظرت في هرمون الأدرينالين، ذاك الهرمون العجيب الذي تشعر بتأثيره لحظة الخوف، ولحظة الخطر، فيُسرع دقات ضربات القلب، ويضخُّ الدم إلى العضلات، ويزيد من قُوَّة انتباهك، هذا الهرمون لو نظرت فيه لوجدت أنه مُقدَّر بضبط مبهر في دمك.

وبمُعادلة رياضيَّة بسيطة، فإنَّ حجم ملعقة واحدة منه تقريبًا تُوزع على عشرات الآلاف من البشر!

تخيَّل دِقة أن ملعقة واحدة تُوزع على عشرات الآلاف من البشر!

دقة وإتقان من أعجب ما ترى.

قال ربنا سبحانه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].

الدليل الثالث وهو: دليل الرعاية "الرعاية للإنسان":

لو نظرت إلى الحدود الحرجة التي تُشكل وظائفك البيولوجية، ودِقة هُرموناتِك، والفندق الذي تعيش فيه، فندق النعم والخيرات: أرض تُنبت طعامك، وسماء تُمطر رزقك {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا} [عبس: 24-26]، فندق متكامل من حولك، والفطرة التي بداخلك والتي تضبط قِيمك، وتُعطيك وخزًا مستمرًّا لضميرك بحيث لو أخطأتَ أو ظلمتَ تشعر بضرورة إصلاح نفسك، والنُّبوَّات التي أتتك: أولئك الأنبياء الذين جاؤوا ليضبطوا لك معرفتك وعملك، وما لا يمكن حصره من النعم؛ عند النظر في كل هذا تستوعب معنى دليل الرعاية.

فليس هناك إتقان فحسب، بل هناك رعاية وتسخير من أجلك أيها الإنسان؛ ما حولك مُسخَّرٌ لك.

فبنية كل ما يحيطُ بك يدلُّ على أنك مُدلل، كما يقول عالم الفلك الأمريكي جون أوكِيف().

فنحن محاطون بالرعاية الإلهية!

وما الجوائز والكشوف الكبرى إلا كشوف لأوجه الرعاية في الكون، ثم ينال العلماء جوائز على هذه الكشوف.

فما أكثرها من نِعَم: نِعَم الهداية بالفطرة والنبوات، ونعم الرزق الدنيوي.

{الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} [الشعراء: 78-79].

وكلما نظرتَ في الكون من حولك، رصدتَ مزيد أوجه تسخير من أجلك!

وفي كتابه "قدَر الطبيعة" يسرد عالم الوراثة اللاأدري مايكل دنتون، يسرد آلاف البراهين العِلميَّة على هذا التسخير، وعلى هذه المعايير التي انضبط بها ما حولك لك.

الكتاب مُبهر في هذا الباب وقد قام مركز براهين مشكورًا بترجمته ونشره.

قال ربُّنا سبحانه: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [لقمان: 20].

نِعَم لا تُحصى يعرفها كل إنسانٍ من نفسه، لكنْ للأسف: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج: 8]!

14 - لكن لماذا لا تكون هناك حضارة عظيمة أو أي شيء ماديٌّ هو المسؤول عن إيجاد كوننا بهذا الإبهار؟

هذا سؤال متكرر وبالمناسبة الذي يعرف جواب هذا السؤال سيعرف أيضًا جواب شبهة: مَن خَلَق الخالق؟

فجواب هذا السؤال هو جواب أيضًا لشُبهة: مَن خلق الخالق؟

وهذا السؤال أجاب عنه علماء الإسلام قبل أكثر من ألف عام!

قال علماؤنا: التسلسل في الفاعلين يُؤدي بالضرورة إلى عدم وقوع الأفعال().

التسلسل في الفاعلين: أيْ وجود أكثر من خالق، مثل: حضارة عظيمة أوجدتنا، أو شيء مادي أوجدنا، أو خالق أوجده خالق آخر والخالق الآخر أوجده آخر وهكذا...

هذه الحضارة، هذا الشيء المادي، هذا الخالق المخلوق: هؤلاء جميعًا سيحتاجون لشيء آخر أوجدهم، أليس كذلك؟

والذي أوجدهم سيحتاج لموجدٍ ثالث وهكذا! هذا يُسمَّى بالتسلسُل في الخالقين أو التسلسل في الفاعلين.

لكل موجود مُوجِد وكل مُوجِد يحتاج لموجِدٍ وهكذا...

هذا التسلسل الذي يفترضه الملحد مُحالٌ عقلًا!

لماذا؟

انتبِهْ!

لأنه لو أن كلَّ موجودٍ له مُوجِد فلن يوجد أيُّ شيء؛ لأن كل شيء يترتَّب وجوده على شيءٍ يسبقه، والذي يسبقه يحتاج لموجِد ثالثٍ وهكذا، بهذه الصورة لن يوجد أي شيء لا خالقون ولا مخلوقات؛ لأن الكل غير مُكتفٍ بذاته، الكل مفتقر!

فلا بد أن تقف السلسلة عند مُوجِد أوَّل خالق أزلي، وإلا لما وُجد أي شيء!

وحتى نستوعب هذه القاعدة أكثر سنضرب عليها المثال الشهير مثال: الجندي والرصاصة.

لو أن جنديًّا ينتظر الأمر من القائد بإطلاق رصاصة، والقائد ينتظر الأمر من قائدٍ آخر وهكذا إلى ما لا نهاية فلن تخرج الرصاصة أبدًا.

فلو أن كل حضارة يتوقف وجودها على حضارة أخرى سبقتْها، فلن تظهر هذه الحضارة ولا التي أوجدتها ولا التي سبقتهم، لن يظهر أي شيء لأن الكل مفتقر!

فالتسلسل في الفاعلين يؤدي بالضرورة إلى عدم وقوع أفعال.

التسلسل في الخالقين يؤدي إلى عدم وجود مخلوقات...

وبما أنه هناك مخلوقات، إذنْ بالضرورة العقلية هناك خالق أوَّل واجب وجود؛ واجب وجود أي: لا يستمدُّ وجوده من غيره سبحانه!

وبالتالي فجواب سؤال مَن خلق الخالق؟ هو: لو أنَّ لكل خالق خالقًا آخر وهكذا، لما ظهر أي خالق، ولما ظهرت أيَّة مخلوقات.

وبناءً على ما سبق فإذا سُئِل ملحد عن: ما مصدر هذا الكون فأجاب بـ: افتراض حضارة عظيمة أوجدتنا أو شيء مادي أوجدنا أو خالق مخلوق؛ فإنَّ هذه الافتراضات من الملحد ستُوقِع في التسلسل المحال عقلًا.

أيضًا هذه الافتراضات ليست جوابًا عن السؤال! لأن السؤال التالي من الطرف المؤمن سيكون كالآتي: ومَن الذي خلق تلك الحضارة؟ مَن الذي خلق ذاك الشيء المادي؟

فالملحد لم يُقدم جوابًا بهذه الافتراضات.

ثم هل يملك صاحب هذه الافتراضات، هل يملك دليلًا أو برهانًا أو مستندًا أو خبرًا من تلك الحضارة مثلًا؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون رجمًا بالغيب؟

وأنا أتساءل: كيف لصاحب افتراض بهذه السطحية أن يَعيب على الجواب الديني؟

الجواب الديني أكثر منطقية وتناسقًا مع نفسه، ولا يقع في التسلسل المحال عقلًا، ثم إن الجواب الديني يمتلك دعمًا نقليًّا مباشرًا، يمتلك النص الديني، ويمتلك برهان الأنبياء الذين أتَوْا وأخبروا بهذا الجواب، وهؤلاء الأنبياء أُيِّدوا بالمعجزات والدلائل لتوكيد صحة هذا الجواب!

فالجواب الديني يمتلك دعمًا نقليًّا مُوثَّقًا وهو متسق مع ذاته.

أيضًا الجواب الديني يمتلك مستند عدم المعارِض، حيث لم تترك لنا تلك الكائنات هذه الدعوى العريضة التي تُثبت قيامها بذلك، فليس هناك معارض عقلي ولا نقلي ولا علمي لوجود الخالق سبحانه.

أيضًا الجواب الديني متفق مع ما انتهى إليه العِلم من عدم وجود أيَّة مادة أو زمن قبل كوننا، بل المادة والزمن أتيا إلى الوجود لحظة ظهور الكون، وبالتالي فكيف يكون هناك شيء مادي أوجد كوننا إذا كان الكون أتى من اللامادة؟

جلست أتصوَّر ما مُنتهى هذه الافتراضات التي يضعها الملاحدة: حضارة أخرى، خالق مخلوق، شيء مادي!

ما مُنتهى كل هذا؟

وبعد تفكير وجدتُ أن ما يفعله الملاحدة بالضبط هو: أنهم يضعون في الطريق إلى إثبات الخالق -يعني هم سينتهون إلى إثبات الخالق وإلا لوقعوا في التسلسل اللانهائي- يضعون في هذا الطريق افتراضاتٍ متهافتة لا يجد العقلاء من القرائن ما يوحي -ولو من بعيدٍ- بوجودها أصلًا!

فهذه الافتراضات ليست جوابًا في حد ذاته، وإنما هي إرجاء المطلَب المعرفي، إرجاء إثبات الخالق خطوة للوراء لا أكثر.

يؤجلون إثبات الخالق لخطوةٍ واحدة دون دليل على هذا التأجيل أو هذه الخطوة!

{قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148].

تخرُصون: تضعون الافتراضات من خيالكم لا أكثر!

والعجيب أن الملحد يفرح بهذه الافتراضات جدًّا، يفرح بهذا التأجيل لإثبات الخالق ويراه حلًّا ذكيًّا؛ لأنه ببساطة يكره ويشمئزُّ من القول الديني بوجود الخالق، مع أنه سيثبته بعد قليل رُغمًا عنه وإلا لوقع في التسلسل.

وهذا يؤكد أن مشكلة هؤلاء نفسيَّة لا علميَّة ولا عقليَّة...

{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45].

إن التسليم لله بالخلق والأمر هو نهاية قصة المصير الإنساني، سواءً شئنا أم أبينا، إن هذا التسليم هو الاستجابة المُثيرة للقضية الإنسانية الكُبرى.

إن الإسلام لم يأخذ اسمه من قوانينه ولا نظامه ولا مُحرَّماته، وإنما من شيء يشمل هذا كله ويسمو عليه - من حقيقة التسليم لله- إنه استسلام لله، إنه الإسلام!()

نسأل الله أن يرزقنا الاستسلامَ له سبحانه في الأمر والنهي.

15 - كيف تقولون إن الطاقة ظهرت مع ظهور الكون في حين أنَّ هناك ما يُعرف بالقانون الأول للديناميكا الحرارية، أو ما يُسمَّى بقانون حفظ الطاقة؟

تعريف قانون حفظ الطاقة كالتالي: في أي نظام معزول: الطاقة لا تَفنى ولا تُستحدَث من العدم.

وبالتالي فالسؤال الذي يطرحه بعضهم: مِن أين أتت هذه الطاقة التي ظهرت مع ظهور الكون؟

وجواب هذا السؤال كالتالي:

أولًا: هذا قانون يتعلَّق فقط بعمل الكون، يتعلَّق بنظام سريان الطاقة داخل نظام معزول لا بأصل الكون!()

ثانيًا: ألسْتَ تزعم أيها الملحد أنَّ مجموع طاقة الكون يساوى الصفر؟

مجموع الطاقة السالبة والطاقة الموجبة يساوي: الصفر!

إذنْ لم يتم خرق قانون حفظ الطاقة بأية صورة من الصور؛ لأن مجموع الطاقة أصلًا يساوي الصفر.

ولهذا يعترف الفيزيائي الملحد الشهير شون كارول Sean Carroll بأنَّ: قانون حفظ الطاقة لم يتمَّ خرقه لحظة ظهور الكون فيقول: "في بداية الكون في أول لحظة للكون لم يتم خرق قانون حفظ الطاقة؛ لأن الطاقة تساوي الصفر"().

ثالثًا: من المعلوم تمامًا أن القانون الثاني للديناميكا الحرارية يقرر أن للكون بداية، فهذا القانون حُجَّة على بداية الكون.

وطبقًا لهذا القانون فإنَّ: الكون يكتسب إنتروبيًّا Entropy مع الوقت، أي: يكتسب عشوائية أو فوضى.

ويستحيل أن تقل الإنتروبيا، بل هي حتمًا ستزداد مع الوقت، فأيُّ تغير يحدث في تحولات الطاقة لا بد وأن يصحبه ازدياد في مقدار الإنتروبيا الخاصة به.

وللتَّبسيط: لو أحضرنا كوبًا من الماء الساخن، فإن الطاقة ستنتقل من هذا الكوب إلى الغرفة مع الوقت حتى تتساوى حرارة الكوب مع حرارة الغرفة، ويستحيل أن يحصل العكس، يستحيل أن تزداد حرارة الكوب على حساب حرارة الغرفة، بل دومًا ستنتقل الحرارة من الأعلى طاقة حرارية للأقل طاقة حرارية حتى تتساوى حرارة الجميع.

لذلك الكون تزداد إنتروبيته مع الزمن حتى يصل للموت الحراري Thermal death، حين يصبح عند أعلى درجة من الإنتروبيا.

وهنا نأتي للشاهد من هذا الكلام: لو كانت الطاقة أزليَّة ستكون هناك إنتروبيا لانهائية، ستكون هناك عشوائية لانهائية بدأ بها الكون!

لو كانت الطاقة أزليَّة لوُلِد الكون ميتًا!

لكن العكس تمامًا هو الحاصل: فالكون كما هو معلوم بدأ بالحد الأدنى على الإطلاق من الإنتروبيا.

وكما يقول الملحد الفيزيائي شون كارول: "طبقًا للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، فإن الإنتروبيا تزداد وهذه قضية مهمة؛ لأنه في بداية ظهور الكون كانت الإنتروبيا قليلة جدًّا جدًّا جدًّا، لا أحد يعرف لماذا بدأ الكون بهذا الحد الأدنى من الإنتروبيا، هذا سؤال مفتوح في علم الكونيات؛ لماذا بدأ الكون مميزًا جدًّا ومنظمًا جدًّا؟"()

فالكون بدأ بالحد الأدنى من الإنتروبيا، إذنْ فالطاقة ليست أزليَّة وإلا لأصبحت الإنتروبيا أزلية.

وهذا الأمر هو الذي دفع شون كارول ليتعجب قائلًا: لماذا بدأ الكون مميزًا جدًّا ومنظمًا جدًّا؟

هذا تساؤل واحد من أشهر الملحدين الفيزيائيين في العالم!

لكن للأسف كثير من الملاحدة مازالوا يرون أنَّ: الكون غير مميز وغير مُنظم، وأن الطاقة أزليَّة، ولا أدري من أي عصر تأتي مقولاتهم هذه!

ومن باب الإنصاف أودُّ أن أقول أنَّ شون كارول كملحد حاول أن يتجاوز هذه الورطة -ورطة الحد الأدنى من الإنتروبيا- حاول أن يتجاوزها بافتراض الأكوان المتعددة، وهذه المسألة مسألة الأكوان المتعددة فصَّلنا فيها الجواب في الصفحات السابقة!

17- لكن بعض الملاحدة يضعون فرضيات كثيرة للحظة ظهور الكون في محاولة لإثبات أزلية الطاقة؟

كل هذه الفَرَضيات والتخمينات غيرُ صحيحة علميًّا، وتعجب حين تستمتع لفيزيائي ملحد بحجم ألكسندر فلنكلن Alexander Vilenkin وهو يعترف قائلًا: "لا يوجد نَموذج واحد مُرضٍ لكون بلا بداية"().

لا يوجد نموذج واحد صحيح أو فرضية واحدة صحيحة يمكن البرهنة عليها في إثبات أزلية الطاقة.

وبعد أن عدَّد ألكسندر فلنكلن النماذج والفَرَضيات التي يضعُها العلماء لتجاوز بداية الكون، اعترف بحسرةٍ قائلًا: "سأخبركم بتعليقي: إن النتيجة التي وصلتُ إليها أنه لا يوجد نموذج من هذه النماذج صالح للعمل، لا يوجد نموذج من هذه النماذج يستطيع تجنُّب أن لهذا الكون بداية"().

كل النماذج التي تحاول تجاوز بداية الكون لتثبت أزليَّة الطاقة كلها نماذج فاشلة لا تعمل!

ثم بدأ فلنكن في شرح فشل هذه النماذج!

هذا اعتراف عزيز من ملحد فيزيائي حاول جاهدًا عبر سنين أن يتجاوز أن للكون بداية، لكنه في الأخير يُقرُّ بالفشل والخيبة!

فكل ما انتهى إليه العلم في كل النماذج الصحيحة العملية أن الكون له بداية!

ثم يأتي ملحد ليقول لك: هناك احتماليَّة عِلميَّة أن الكون يسبقه كذا او كذا أو أننا نستطيع تجاوز بداية الكون بكذا أو بكذا!

يحاولون باستمرار أن يُوهنوا قوة البرهان ببعض السَّفسطات والفرضيات مهما ثبت خطؤها وعدم جدواها.

كان وما زال وسيبقى الإلحاد سفسطة للبديهيات ببعض الافتراضات والتخيُّلات، بينما يبقى الدين هو التسليم بإلزامات هذه البديهيات!

18- إذا كان الله قد خلق الكون، فلماذا كل هذه الكواكب والنجوم، لماذا الكون بهذه الضخامة؟

هذه الشُّبهة تعتمد على مغالطة: "أنسنة الإله": حيث يجعل الملحد الإله إنسانًا.

وبما أنَّ الإنسان بطبيعته يُعاني من نقص في الموارد، فبالتالي المفترض أن يُنفق الإنسان بأقل قدر متاح من أجل تحقيق أفضل نتيجة.

فهم يتصوَّرون أن الإله كالإنسان تعالى الله عمَّا يفترون؛ ولذلك يتساءلون: لماذا الكون بهذا الحجم الضخم؟

ونُجيبهم: لو أنَّ الله خلق مليارات مليارات الأكوان مثل كوننا هل هذا يُنقِص من خزائنه شيئًا؟

فالله يخلق ما يشاء، ولا ينقص ذلك من خزائنه شيئًا؛ وفي خَلقِه تدبَّر عظيم قدرته وعجيب حكمته!

لكن السؤال الآن: هل لهذه الكواكب والنجوم الكثيرة فائدة لنا؟

والجواب:

أولًا: نحن لسنا وحدنا في الكون، قال ربُّنا سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ} [الشورى: 29].

ثانيًا: عدم معرفتنا بفائدة شيءٍ ما لا يعني أنه بلا فائدة، فعدمُ العلم ليس علمًا بالعدم.

ثالثًا: نحن نعلم أن المعادن التي لا تقوم حياتنا إلا بها، هذه المعادن لم تنشأ إلا في قلب مستعرات عملاقة أو أفران نجمية ضخمة.

فالمعادن كلُّها التي نحتاج إليها، كالحديد الذي ينقل الأوكسجين إلى رئتيك، المعادن التي بها قِوام معيشتِك، هذه المعادن ما نشأت إلا داخل أفران النجوم العملاقة البعيدة جدًّا عنا.

رابعًا: تبيَّن لنا مؤخرًا أنَّ: القصور الذاتي أو العَطالة Inertia التي نحيا في نعيمها هي نتاج كتلة الكون ككل.

ما معنى: القصور الذاتي؟

لو أنك تركب سيارة وفجأةً السيارة توقفت، ما الذي يحصُل؟

تندفع للأمام! أليس كذلك؟

هذه هي العطالة أو القصور الذاتي.

لو كان القصور الذاتي في عالمنا أقلَّ مما هو عليه الآن لاستطاعت أبسط نسمة هواء أن تحرك الصخور، وفي عالم كهذا نكون معرضين باستمرار لقصف كل أنواع الأشياء!

ولو كانت العطالة أكبر مما هي عليه الآن لما استطعنا حتى تحريك أصابعنا().

وتتوقف قوة القصور الذاتي أو العَطالة على الكتلة.

والأمر الذي أدهش الفيزيائيين أن كتلة مَجرَّة درب التبانة، المجرة التي تحتوي على مجموعتنا الشمسية، لا تشارك في ضبط العطالة إلا بنسبة 0.1 بالمليون، بينما كتلة الأرض لا تضبط العطالة إلا بنسبة 0.001 بالمليون.

فالعطالة المثالية التي نحيا على ثمارها، والتي من خلالها نمارس كل أنشطتنا، هي نتاج مجموع طاقة الكون ككل.

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: 27].

وكلما توسَّع العلم، ظهرت عجائب الحكمة ودقائق الخلق!

19- كيف نكون نحن البشر بحجمنا هذا الصغير في مركز هذا الكون العملاق؟

والجواب كالتالي: الملحد يضع افتراضًا متهافتًا فيقول: بما أن الكون ضخم، فالإنسان ليس مركزًا في هذا الكون، هذا الافتراض مبنيٌّ على مقدمة: بما أن هذه المزارع شاسعة وصاحبُها حجمه صغير جدًّا بالنسبة لها إذنْ: هو ليس بصاحبِها!

ليس الأمر بالحجم إطلاقًا.

والأخلاق التي بلا حجم مادي هي المعيار الأكبر في التفاضُل بين أعظم الناس وأحقر الناس.

وإنقاذ طفل واحد أولى من جبال الأرض، أليس كذلك؟

فقضية الأحجام ليست معيارًا!

ودعونا نضرب هذا المثال: لو أنَّ عندنا مَلِكًا وهذا الملك أوصى لابنه ببعض الوصايا والنصائح، وكَتب له في ذلك كتابًا، هل يمكن أن يأتي معترضٌ ويقول: كيف لملك يملك ملايين الأفدنة والأراضي الشاسعة التي لا حصر لها، كيف يهتمُّ بابنه الذي لا يبلغ حجمه ووزنه واحد على مليون مما يملك هذا الملك من الأراضي والأفدنة؟ ولله المثل الأعلى.

هل هذا اعتراض معقول أصلًا؟

فالقضية ليست بالحجم ولا بالوزن.

ثم أليس هذا الكون بدأ من نُقطة أصغر من رأس الدبوس بمليارات المرات كما يقرر كل فيزيائي اليوم؟

إذنْ الحجم نسبيٌّ.

فاستغراب ضخامة الحجم أو ضآلته أو طول عمر الكون أو قصره هي محاولات لأنسنة الإله، حيث يتصوَّرون أن الإله إنسانًا، وبما أنَّ الإنسان من المفترض أن يُقدِّر الأشياء بحسب إنفاقه عليها، وبما أن الكون عملاق جدًّا، فالمفترض أن يكون مركز هذا الكون شيء ضخم الحجم جدًّا، حتى يوازي النفقات التي أُنفقت على كون بهذا الحجم!

ما الذي يضيركم أيها الملاحدة من أن يخلق اللهُ ما يشاء بالكيف الذي يشاء؟

لماذا المحاولات المتكررة لأنسنة الإله؟

لكن هل نحن بالفعل مركزًا لهذا الكون؟

نعم أنت أيها الإنسان: مركز هذا الكون بالتكليف الإلهي، والتكليف الإلهي هو الدِّين، هو الأمانة التي حملها الإنسان، هو هذا الاختبار الأعظم الذي نحن فيه!

فقط بالتكليف الإلهي تُصبح مركزًا لهذا الكون، فلا بحجمك ولا بقوتك ولا بقدراتك تصبح مركزًا لهذا الكون، وإنما من خلال التكليف الإلهي أصبحت مركزًا في هذا الكون!

والتكليف لا عَلاقة له بالحجم؛ إذ لا يلزم أن يكون التكليف للأكبر حجمًا، بل المنطقيُّ أن يكون التكليف للكائن الذي يدرك معنى التكليف، والقادر على فعل الخير وترك الشر، الكائن القادر على الإيمان والكفر!

وكلنا يعلم أنه مُكلَّف، سواءً شئنا أم أبينا!

الملحد والمؤمن الكل يعلم أنه مُكلَّف ويشعر بالتكليف الإلهي، ويعاني وَخْز الضمير الأخلاقي، ويعرف أنَّ بداخله: افعل ولا تفعل، افعل الخير ولا تفعل الشرَّ، كلنا يعلم من واقع نفسه أنه مُطالَب!

فنحن في مركز هذا الكون تكليفيًّا!

أيضًا نحن في مركز هذا الكون إدراكيًّا ومعرفيًّا، فنحن ندرك ونعي ونعقل ونعرف حقيقة وجودنا، وحقيقة الكون من حولنا، ونفهم معنى وجودنا جيدًا؛ أيضًا نحن في مركز هذا الكون قيمةً ومعنًى، فطفل صغير أولى من كل جبال العالم، ونحن في مركز هذا الكون دينيًّا، فنحن المُطالبون المآخذون المُكلفون المحاسَبون!

ونحن الكائن المُدرِك لروعة الإعداد بعنايةٍ، نحن الكائن المدرك للإتقان، نحن الكائن القادر على تنفيذ ما كُلف به أو الكفر بالتكليف، نحن نَقدر تمامًا على الاختيار، نحن نَقدر حقيقةً على الإيمان والكفر.

فنحن في مركز هذا الكون، سواءً شئنا أم أبينا!

{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72].

20- يقول بعض الملاحدة: الأرض من الطبيعي أن يكون بها إتقانٌ، فهناك كواكب كثيرة ليست فيها حياة. فوجود كوكب بهذا الإتقان كالأرض هو أمر طبيعي بالنسبة لعدد الكواكب الكبير؛ أليس كذلك؟

الجواب كالتالي: ما عَلاقة وجود كواكب كثيرة بنقد دليل الإتقان؟

القضية ليست موادَّ أوَّلية.

ليس بما أنني في غابة مليئة بكافة الخُضر والثمار والحيوانات، ليس معنى ذلك أن يظهر أمامي فجأةً في وسط الغابة إناء طعام مطبوخ شهيٍّ؛ فالقضية ليست موادَّ أوَّلية!

أيضًا ليس معنى توافُر الرمال في صحاري العالم، ليس معناه أبدًا أنني من الطبيعي أن أجد المعالجات الرَّقْمية والشرائح الإلكترونية التي تُصنع من الرمال، حولي في كل مكان في الصحراء!

فالقضية ليست موادَّ أولية؛ القضية صُنع وإتقان Know how.

ليس مجرد وجود مجموعة كواكب تكون كافية لأن يظهر بينها كوكب بهذا الإتقان كالأرض.

القضية إتقان وخلق وصُنع {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88].

فوجود كواكب أخرى كثيرة لا يبرر إطلاقًا وجود حياة على كوكب الأرض.

وجود كواكب أخرى لا يبرر تشفيرًا جينيًّا بداخلك يضبط كل وظائفك وأعضائك وهرموناتِك بضبطٍ مبهرٍ قبل أن توجد أنت بنفسك!

والتشفير الجيني هو: جينات تحمل معلومات داخل كل خلية من خلاياك وخلايا كل كائن حي!

والجين هو: شريط طويل جدًّا مكتوب عليه بنظام الشفرة أو بنظام الترميز مكتوب عليه خصائص ومعلومات كل عضو من أعضاء جسدك.

فمثلًا حتى ينشأ الكبد في الجنين لا بد أن يتواجد عدد مُعيَّن من الجينات، يُكتب عليهم بنظام الشفرة كيفية تكوُّن الكبد، ثم يتمُّ فك هذه الشفرة فيظهر كبدك!

كل عضو من أعضائك، وكل إنزيم، وكل هرمون كلها تُشفَّر داخل الجينات الخاصة بك.

ويوجد في كل خلية من خلاياك 30 ألف جين تشفر لكل وظائفك.

فالحياة معلومة وليست بمادَّة، والنظم البيولوجية في جميع الكائنات الحية هي نظم معلوماتية وليست نُظمًا ماديَّة.

نعم! الحياة معلومة وليست مجرد مادَّة، وعدد الحروف التي كُتبت بها جيناتُك هي أربعة مليارات حرف داخل كل خلية من خلايا جسدِك!

هل هذا الإعجاز يتمُّ تبريره بأن هناك كواكب أخرى كثيرة؟

المشكلة أن الملحد يتعامل مع الكائنات الحية، ومع النظم المٌبدَعة بإتقان من حوله، يتعامل معها كما يتعامل مع لعبة البازل جيم Puzzle game، حيث يفكك الملحد مكونات الحياة والنظم المُبدَعة، يُفككها ثم يقوم بإعادة تجميعها من أماكن مختلفة.

يُفكك المطلوب ثم يعيد تجميعه!

طريقة تفكير الملحد غريبة جدًّا.

هل وجود غابات كثيفة يبرر ظهور صينية طعام مُعدَّة بعناية؟

هل وجود كواكب كثيرة يُبرر ظهور أربعة مليارات حرف داخل كل خلية من خلاياك بمنتهى الضبط تشفر لوظائف جسدك، بحيث لو اختلَّ حرف واحد منها ربما حصلت مشكلة كبيرة؟

بُرهان الإتقان هو بُرهان عقلي حقيقيٌّ، يؤكد الخلق الإلهي والعلم والقدرة، ولا يمكن تجاوزه بهذه الخيالات الإلحادية.

إن الحاجة إلى ضرورة تبرير هذا الإتقان، وهذا التشفير، وهذه الحياة، وهذا الكون، وهذه النظم المعلوماتية، ضرورة تبرير كل هذا بإثبات الخالق، هي حاجة عقلية ماسَّة.

فلو صعدنا أنا وأحد الملحدين على أحد الكواكب واكتشفنا جهازًا مُعقدًا يعمل بضبطٍ مبهرٍ، وحتى لو لم نفهم وظيفته بعدُ، هل يمكن إنكار الصانع لهذا الجهاز لمجرد ضخامة حجم الكوكب الذي نحن عليه؟

فروض الملحدين غريبة حقًّا!

البداهة العقلية تدفعنا أنا والملحد حين نرى هذا الجهاز للقول بالموجِد القادر.

والذي ينكر هذه البداهة العقلية الذي يُنكر المُوجِد هو المُطالَب بالدليل وليس المُثبِت!

الملحد في هذا الكون المبهر، في هذا الكون الأنيق هو المُطالب بالدليل وليس المؤمن!

المُثبت للخالق يتفق مع البداهة العقلية، أما المنكر للخالق فهو معاند لهذه البداهة.

وأنا صراحة أتعجَّب ممن يحاول أن يُسفسط بُرهان الإتقان في الكون بهذه الفروض الغريبة.

إن قِوام العلم التجريبي الحديث على رصد برهان الإتقان في الكون وفي الحياة، ثم يحصد العلماء الجوائز على ما رصدوه من إتقان!

والآن دعوني أحكي لكم طُرفة غريبة تُبين مدى معاندة الملحد ظاهريًّا لبرهان الإتقان، في الوقت الذي يُسلم فيه لهذا البرهان داخليًّا:

ذات مرة كتب الملحد اللاأدري كارل ساغان، رواية اسمها "كونتاكت"، يحكي فيها عن كيف أنَّ العلماء يبحثون عن ذكاء خارج الأرض.

وفي الرواية اكتشف العلماءُ سلسلة طويلة من الأرقام الأوَّلية قادمة من الفضاء الخارجي؛ ولأن هذا التسلسل الأولي يفيد قيمة رياضية مُحدَّدة، قيمة تدلُّ على نوع من الضبط، فكان هذا دليلًا عقليًّا كافيًا ليقطع هؤلاء العلماء في الرواية بأن هذه الرسالة قادمة من حضارة أخرى تحاول التواصل معنا!

كل دراسات البحث عن ذكاء خارج الأرض ستكتفي تمامًا برصد إشارة مثل هذه لتثبت وجود حضارة أخرى تحاول التواصل معنا!

الطرفة هنا أن كارل ساغان كاتب هذه الرواية هو لاأدريٌّ شهيرٌ، لكن عقله يُسلِّم بحقيقة أن التعقيد والنظام في رسالة صغيرة هو دليل على برهان الإيجاد والإتقان!

مُجرَّد سلسلة من أرقام أوَّلية ستقطع بوجود حضارة عملاقة؛ فكيف تَنسب أيها الملحد، كيف تنسب أربعة مليارات حرف داخل كل خلية من خلايا جسدك، والتي لو اختلَّ حرف واحد منها لربما حصلت كارثة، كيف تنسب كل هذا الإتقان إلى هذه المراوغات التي تفترضها؟

ليس من العقل في شيءٍ الاحتكام إلى خيالات وسفسطات وتخمينات لمنع تفسير الظاهرة في إطارها الدلالي على الخالق، هذا محض تحكُّم لا أكثر، وتعطيل لوظيفة العقل!

{قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101].

ثم دعوني أتساءل: بأي دليل من خارجنا نحن مطالبون بالتمرُّد على برهان الإتقان الذي نستشعره؟

بأي دليل من خارجنا نحن مُطالبون بالتمرُّد على ما وقع تحت نظرنا وعقلنا ورصدنا؟

الآن الموقف انقلب: نحن الذين نُلزم الملحد بالتسليم بما ترصده الحواسُّ من إتقان، وهو يرفض ويعاند الرصد النظري والحسي، مع أنه يدعو دائمًا إلى الاستدلال بالرؤية المادية!

الإتقان هو: حقيقة مستقرَّة في هذا الكون، وفي نظم الكائنات الحية.

والعلم نفسه مُؤسَّس على أمل أن الكون به إتقان، العلم مؤسس على أنَّ العالم عقلاني -مستوعَب عقليًّا- ولو لم يُسلِّم العلم بهذه الحقيقة، فهذا يعني أنه لا مكان للعلم أصلًا، ولن تكون هناك معادلة رياضية صحيحة سارية يمكن تتبُّعها والتثبت منها والثقة بها!

فالعلم مُؤسَّس على أن الكون لا بد أن يكون متقنًا ولا بد أن يكون فيه ضبط وإبداع!

ولذلك فالعلم التجريبي وَضع ما يُعرف بمبدأ "الوتيرة الواحدة" Uniformitarianism والذي يؤكد أنَّ قوانين الطبيعة ثابتة عبر الزمان وعبر المكان، وهذه القوانين يمكن قياسها والثقة بالقياس.

فالعالَم به ضبط دقيق، سواءً رصدناه أو لم نرصده، والعلم يُسلِّم بهذه الحقيقة حتى قبل البحث والكشف!

إنه {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88].

سبحانه هو: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7].

21- كيف بدأت المعلومة؟

16 - كيف بدأت الشفرة الجينية؟

17 - كيف دُونت المعلومات المكتوبة على الشريط الجيني داخل كل خلية من خلايا كل كائن حي على وجه الأرض؟

في البداية الشريط الجيني هو شريط مُدوَّنة عليه بحروف رباعية التشفير خصائصُ الكائن الحي، وما يحتاج إليه وطريقة تشكيل الأعضاء، وطريقة عمل الهُرمونات والإنزيمات، والشكل العام للكائن الحي، وكل ما يحتاج إليه وظيفيًّا.

فالآن السؤال: كيف ظهرت المعلومات في هذا الشريط الجيني؟

كيف شُفرت المعلومات بنظام تشفير رُباعي؟

لا يوجد كائن حي في تاريخ الأرض بدون تشفير رُباعي مُسبَق لكل خصائصه.

فكيف ظهر هذا النظام المعلوماتي المدهش؟

هذه تساؤلات عقلية ومنطقية!!

يقول عالم الرياضيات الأمريكي نوربرت فينر Norbert Wiener: "المعلومة هي معلومة؛ المعلومة ليست مادةً ولا طاقة"، فالسؤال العقلي الذي يطرح نفسه هنا: كيف ظهرت فجأةً المعلومة؟

الشريط الجيني المُسخَّر لحمل المعلومات والموجود داخل نَواة كل خلية من خلاياك يحمل بداخله أربعة مليارات معلومة كما قلنا قبل ذلك!

أربعة مليارات حرف مُدونة، ومُشفَّر بها وظائفك وهُرموناتك وإنزيماتك وأعضاؤك.

ظهور المعلومات بهذا الشكل من أكثر الأمور التي أربكت العلم الحديث.

لقد اكتشف العلم أن العالم كلَّه معلومات!

يقول عالم الفيزياء اللاأدري الشهير بول دافيس Paul Davies: "العلماء يعترفون خلف الأبواب المغلقة أنهم في حيرة، حيرة من نظام الحياة المعلوماتي المبهر، هم يشعرون بالقلق من هذا الموضوع؛ لأن هذا الموضوع سيفتح الباب للمتدينين، فنظام الحياة المعلوماتي يعني الخلق"().

هذا كلام اللاأدري بول دافيس، والمشكلة الثانية في هذا الموضوع -والكلام موصول لبول دافيس- أن العلماء لو اعترفوا بالجهل -الجهل بتفسير مصدر النظام المعلوماتي وَفقًا للرؤية المادية- فإنَّ هذا سيرفع عنهم الدعم المالي"().

فالنظام المعلوماتي المبهر، وكيف ظهر فجأةً بهذه الصورة هو ورطة لكل مادي!

وبينما كان لزلي أورجل Leslie Orgel وهو أحد أبرز علماء نشأة الحياة، بينما كان يتحدث يومًا عن هذه الورطة في إحدى محاضراته عقَّب قائلًا: "أرجو ألَّا يكون هناك مؤمن بالخَلْق الإلهي المباشر بين الجمهور"().

فمَن لا يشعر من دُعاة المادية بورطة كيف ظهرت المعلومة فهو إنسان مُغيَّب؛ مُغيَّب بإرادته حتى يَنسى اللوازم الدينية لظهور المعلومات فجأة.

الغريب أن بعض الملحدين خاصَّة من غير البيولوجيين ما زالوا يتعاملون مع هذه الورطات المتتابعة بعقلية القرن التاسع عشر، فما أن تُطلع الملحد العربي على إبهار النظام المعلوماتي الذي يوجد داخل كل كائن حي، والذي ظهر فجأة مع ظهور الحياة حتى يُوقفَك سريعًا قائلًا لك: لكن هناك خلايا بدائية وخلايا مُعقَّدة!

وهذه الخرافة تقسيم الخلايا إلى: خلايا بدائية وخلايا مُعقَّدة، هي خرافة قديمة.

فكل الخلايا مُعقَّدة ومبهرة، ولا توجد خلية بلا نظام معلوماتي().

بل كلما نظرنا في التعقيد الموجود داخل خلية كائن وحيد الخلية نكتشف إبهارًا ودقَّةً لا تقلُّ بأي حال عن الدقة الموجودة في خلايا أي كائن حي متعدد الخلايا.

فالأجهزة والماكينات المبهرة توجد داخل الخلية في أي كائن، سواءً كان وحيد الخلية أو متعدد الخلايا.

وهذه العضية التي توجد في الصورة أمامك مثلًا:

هي عضية تُسمَّى الكاينيسن Kinesin.

وهي واحدة من آلاف الماكينات المبهرة داخل الخلية الحية، هذا الكاينيسن له رِجْلان ويدان حقيقيتانِ، ويسير على طرق مُخصَّصة له لينقل المكونات لخارج الخلية، و يحمل أضعاف وزنِه وفي حال أنه تعثَّر في الطريق أو وجد طريقًا غير ممهدةً، فإنه يطلب كاينيسين آخر ليساعده.

هذه ماكينة واحدة من آلاف الماكينات التي توجد داخل الخلية، وخمسون خلية لا تملأ النقطة التي نكتبها في آخر السطر".

ثم ماذا عن ماكينة السوط البكتيري Flagellum؟

ماكينة السوط البكتيري هي إحدى ماكينات الخلية البكتيرية وحيدة الخلية -الخلية البكتيرية التي يظن الملاحدة أنها خلية بدائية- تتكوَّن ماكينة السوط البكتيري من مِائتي بروتين، إذا جاء أحد هذه البروتينات مكان الآخر أو اختفى أحدُها، فلن تظهر ماكينة السوط البكتيري بالكلية!

حجم الموتور المُحرك لهذا السوط هو واحد من مائة ألف من البوصة.

ويتحرك السوط البكتيري بمعدل عشرة آلاف حركة في الدقيقة، وهو قادر على عكس اتجاه حركته في جزء من أربعين ألف جزءٍ من الثانية.

وقد قام الرياضيون بحساب احتمال نشأة هذا السوط بالصدفة، فوجدوا أن الاحتمالية تصل إلى 10 أس ألف ومائة وسبعين 10 1170.

مع أن عدد ذرَّات الكون كله لا تتجاوز 10 أس ثمانين ذرَّة 10 80.

أمام هذه المعجزة حاول دُعاة المادية افتراض أن هناك أشكالًا أبسط من السوط البكتيري، فقالوا: إنَّ هناك ماكينة قريبة من السوط البكتيري تُسمَّى Type III secretion system وعندما تطوَّر الـ Type III secretion system ظهر السوط البكتيري، وكأني بهم وهم يحاولون تفسير نظام مبهر بنظام مبهر آخر.

العجيب في الأمر أنه تبيَّن مؤخرًا أنَّ هذا الـType III secretion systems متأخر في الظهور عن السوط البكتيري، فقد ظهر السوط البكتيري أولًا ثم ظهر بعده الـ TYPE 3 secretory system().

فالبكتيريا أقدم الكائنات الحية بينما Type III secretion system موجود في الكائنات متعددة الخلايا فكيف يُنسب وجود الأقدم إلى الأحدث؟

السوط البكتيري معجزة لا يمكنها تَجاوزُها بالترقيع الإلحادي لكل ماكينة مبهرة في النظم الخلوية الحية.

وحتى نأتي على هذه الفرضية من جذورها -فرضية أنَّ: هناك خلايا بدائية وخلايا معقدة-؛ دعونا نُوضح مسألة عِلميَّة في علم الأحياء تُسمَّى بـ: الحد الأدنى من الجينات .

ما معنى الحد الأدنى من الجينات؟

الحد الأدنى من الجينات هو: القدر الأدنى من الجينات الذي لا يحيا كائن حي بدونِه!

لن يكون هناك كائن حي لو قلَّ عدد الجينات عن الحد الأدنى بمقدار جينٍ واحد.

والجين هو جزء من الشريط الجيني الذي تحدثنا عنه سابقًا.

فالجين هو شريط معلوماتي يحتوي على عدد كبير من الشفرات تُشفر المعلومات.

وهناك حدٌّ أدنى من الجينات لازم للحياة بحيث: تشفر مجموعة من هذه الجينات للطاقة -لأنه لا حياة للكائن الحي بدون طاقة-، ومجموعة أخرى تُشفر للغذاء، وجينات أخرى تشفر للتكاثر، وغيرها تشفر للوظائف الأساسية للحياة، وهكذا!

لكن يا تُرى ما هو عدد الجينات التي تمثل الحد الأدنى، والذي لا يكون هناك كائن حي بعدد أقل منها؟

قام العلماء بحساب الحد الأدنى من الجينات اللازم للحياة، وقرَّروا أنه بين ماِئتين وخمسة وستين إلى ثلاثمائة وخمسين جينًا.

وقد توصَّلت مؤسسة كريج فنتر Craig Venter إلى أنَّ الحد الأدنى من الجينات لا يكون أقلَّ من ثلاثمائة واثنين وثمانين جينًا().

وهناك أبحاث عِلميَّة كثيرة جرت في هذا الباب، وخلاصتها أنَّ: الحد الأدنى من الجينات سيتراوح بين مائتين وأربعة وأربعين إلى قرابة الألف وسِتمائة جينٍ.

لو كان الأمر مادةً فحسب، والعالم مُجرَّد نظام مادي، فنحن بحاجة إلى أنْ نبدأ من الصفر جين، إذا أردنا المرور من الهيدروجين إلى الإنسان!

لكن العلم يخبرنا أنَّه لا يوجد شيء يُسمَّى صفر جين، أو واحد جين، أو حتى مائة جين، العلم يقول: إنَّنا بحاجة إلى مجموعة عملاقة من المعلومات كحد أدنى، وإلا لما ظهر الكائن الحي من البداية.

فليس هناك في الطبيعة شيء بدائيٌّ، بل كل منظومة بدأت بإبهار مستقل!

وسيبقى الإبهار في النظام المعلوماتي الذي يُشفر للكائنات قبل أن تظهر، سيبقى هذا الإبهار دومًا حَجَر عثرة في وجه الإلحاد، حَجَر عثرة في وجه مُنكري الخلق الإلهي!

22- كيف بدأت الحياة؟ كيف ظهرت الحياة؟

هذا السؤال من أصعب الأسئلة في العلم التجريبي الحديث على الإطلاق!

يُقرر واحد من أكبر علماء الأحياء، وهو عالم متخصص في أبحاث بداية الحياة، يُدعى: ستيورات كوفمان.

يقرر أنَّ: "أي شخص يُخبرك أنه يعرف علميًّا كيف بدأت الحياة على الأرض فهو إما: أحمق أو مخادع"().

وعلى موقع الساينتيفك أمريكان العلمي العالمي، وتحت مقال بعنوان: "بسست!!! لا تخبر المؤمنين بالخَلْق الإلهي المباشر أن العلماء الماديين ليس لديهم أدنى فكرة عن كيف نشأت الحياة على الأرض.

يسرد الكاتبُ تحت هذا المقال كل فرضيات الملاحدة في هذا الباب، ويُبين سخافتَها!

فقضية كيف بدأت الحياة، قضية لا يمكن تفسيرها وَفقًا للرؤية المادية.

لكن هنا قد يحتجُّ علينا ملحد ويقول: لكن ألستم بهذا تستخدمون مغالطة إله الفجوات!

كلما قَصُر العلم عن شيء قلتم: إذنْ الله هو الذي أوجده!

والجواب: هذا خطأ شديد؛ فنحن نحتجُّ بما نعلم وليس بما نجهل.

نحتجُّ بالنظم المعلوماتية المعقدة الموجودة داخل كل كائن حي.

والمعلومة ليست مادة، المعلومة نتاج خَلْق وصنع وعلم وقدرة وإحاطة.

نحتجُّ بنظام التشفير الرباعي الذي دُونت من خلاله كل المعلومات التي يحتاجها الكائن بمنتهى الضبط قبل أن يظهر!

أربعة مليارات معلومة مُدوَّنة بنظام تشفيري داخل كل خلية من خلاياك؛ إذنْ بالبديهة العقلية هذه المعلومات لا بد لها من موجِد!

فكيف بهذه المعلومات وهي مُشفرة، ثم كيف بها وهي تتحوَّل إلى لحم ودم وأعضاء وهُرمونات ووظائف غاية في الضبط؟

فهذا احتجاج بما نعلم، وهو احتجاج تقوده البديهة العقلية، والذي ينكر مُؤدَّى هذه البديهة هو المطالب بتقديم الدليل ولسنا نحن!

نحن نحتجُّ أيضًا بأننا بكل علومنا وجامعاتنا أصبحنا نُوقن أن المُركبات الكيميائية مهما تعقَّدت لن تُتنج حياة، فكيف ننسب الحياة لبيئة الأرض الأولى، ونحن لم نستطع إيجادها بكل قدراتنا العِلميَّة؟()

كيف لهذه الجامعات والمعامل العملاقة والعقول المبهرة كيف لها جميعًا ألَا تعرف كيف تنتج ولو صورة مُبسَّطة من الحياة، ثم يُصرُّ الملحد على أن الحياة نشأت بالصدفة في بيئة الأرض العشوائية الأولى؟

الآن: مَن الذي يُجيب بالفجوات المعرفية نحن أم الذين ألحدوا؟

الذي لا يعرف كيف نشأت الحياة، ولا كيف نشأة المعلومة، ولا كيف ظهرت نظم الكائنات الحية، ولا كيف ظهر الكون نفسه، ثم ينسب كل ما يجهله للطبيعة الأكثر منه جهلًا، هو المتبع للفراغات ولسنا نحن!

إنه يُسلم عقله لفجوات معرفية لا حصر لها.

يُسلم نفسه لفجوات ماضٍ ينسب له هذه المعجزات، وفجوات مستقبلية.

فجوات مستقبلية حين يقول: ربما في المستقبل نعرف كيف حصلت هذه المعجزات Future Gaps!

الملحد يعيش في عالم معرفي مليء بالفجوات!

بينما نحن نحتجُّ بما نعلم، نحتجُّ بما رصدناه من نظم معلوماتية، نحتج بالحقائق والنتائج التي أفادها العقل بالنظر والبحث.

وهكذا تبين أنَّ المؤمن يُسلم بالدليل، بينما الملحد يُسلم بالوهم والأمل والتخمينات البعيدة، فالملحد يقوم بترحيل مشكلاته إلى حيث نكون غير موجودين!

{وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [سبأ: 53].

يضعون أيَّة افتراضات مستقبلية تناقض ما تحت أيديهم، بينما المؤمن يُسلم بالبراهين والدلائل التي تحت يده.

إذنْ الذي يُنكر إلزام التصميم والمعلوماتية المحيطة بنا في دلالتها على الخَلْق والإتقان هو المُطالَب بتقديم الدليل ولسنا نحن!

23- هل يحقُّ للملحد استخدام حُجَّة المستقبل؛ حُجَّة الإيمان بأن المستقبل قد يخبرنا كيف نشأت هذه النظم المعلوماتية وكيف ظهرت الحياة؟

الرجم بالغيب باستخدام المستقبل لا يكون إلا في الممكن العقلي Contingent Existence، أي الشيء الذي من الممكن عقليًّا أن يحدث!

ونشأة الحياة على الأرض ذاتيًّا محال عقلي؛ لأنها لو كانت ممكنًا عقليًّا لاستطاع البشر إيجادها في كل لحظة، وفي كل مكان بأقل جهد، أما كون البشر بكل علومهم ومكائنهم وقدراتهم وعقولهم وجامعاتهم لا يستطيعون أن يوجِدوا ولو أبسط صورة منها، فالأمر لا يخضع إطلاقًا للممكن العقلي.

فالذي يقول: أنا سأكفر على أمل أن أجد في المستقبل حُجةً لكفري، سأكفر على أمل أن أجد دليلًا على كفري يومًا ما، فهذا من أضل الناس عقلًا!

ومن العجيب والذي يدعو الملحد إلى أن يعيد التفكير في إلحاده حقًّا هو أنَّ: المؤسسات العِلميَّة العملاقة، المؤسسات التي تؤمن بالمادية، وليس المؤسسات الدينية وضعت مؤخرًا جوائز مالية ضخمة لمن يستطيع أن يجيب عن سؤال: كيف نشأت الحياة، وآخرها جائزة بخمسة ملايين دولار، هذه الجائزة وُضعت في جامعة أريزونا، وكانت الجائزة لمن يَعرف: كيف تُشفَّر المعلومة داخل الشريط الجيني!

فهل هذا ممكن عقليٌّ في بيئة الأرض العشوائية حتى يحيل إليها الملحد كفره؟

مبلغ مالي بهذا الحجم مقابل أن يقوم أيُّ إنسان بتصميم جزء من شريط جيني، ولو أبسط من الشريط الجيني في البكتيريا بملايين المرات().

ثم يُصِّـر الملحد على أن الحياة من الممكن أن تظهر بالصدفة في بيئة الأرض العشوائية!

قال ربنا سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73].

وقال اللهُ عز وجل في الحديث القُدسي الصحيح المتفق عليه: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أوْ شَعِيرَةً"().

والذرَّة: هي صغار النمل.

اخلق نملة صغيرة، أو حتى الشريط الجيني لحبَّة قمح!

أيها الإنسان! معك العقل والتصميم والصُّنع والقدرة والمعامل العملاقة والكيمياء المُعقَّدة، ومع ذلك لم تُنتج شيئًا!

لم تُنتج نملة صغيرة، بل ولا حتى أصغر من البكتيريا بملايين المرات.

فهل من الممكن العقلي أن أرضًا صمَّاءَ جرداء تنتج لنا البكتيريا والإنسان؟ ما لكم كيف تحكمون؟

بل والغريب أنَّ: العلماء اجتمعوا مرةً أخرى قبل شهور قليلة، وتحديدًا في آخر شهر مايو من العام 2019 ميلادية، في الجمعية الملكية للعلوم بلندن.

لكن يا تُرى من أجل ماذا؟

من أجل مضاعفة قيمة الجائزة لتصل قيمتها إلى عشرة ملايين دولار!

عشرة ملايين دولار ليس كتحدٍّ لإيجاد حياة، بل فقط لمجرد تصنيع شريط جيني يشفر المعلومات().

«فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أوْ شَعِيرَةً»!

العلماء بأنفسهم هم اليوم مَن يتحَدون البشر بهذا التحدي مقابل عشرة ملايين دولار!

فما بالك بملايين الشفرات المتراصَّة التي ظهرت فجأةً بمنتهى الضبط في أبسط الكائنات الحية.

أيهما أقرب للعقل، ولما تحت أيدينا من علمٍ ومعرفةٍ؟

التصوُّر الإلحادي أم الخلق الإلهي؟

دعْ عقلك يعمل، ولو على حساب هواك!

24- لكن ما زال البعض يعتقد أن العلم استطاع إيجاد حياة كما في تجربة كريج فنتر Craig Venter التي أجراها قبل سنوات؟

طبقًا لتجربة كريج فنتر العِلميَّة().

فإنَّ ما فعله فنتر تحديدًا هو أنَّه: أحضر خلية ميكوبلازما حية، والميكوبلازما هي: كائن وحيد الخليَّة من أصغر الكائنات الحية على الإطلاق، أحضر ميكوبلازما بالغشاء الخاص بها، وبإنزيمات الخلية، وعضيات الخلية، ومجموعة كاملة من الجينات داخل نواة الخلية، ثم قام بإدخال مجموعة من القواعد المُصنَّعة إلى داخل الخلية، فقامت خلية الميكوبلازما بتكثير هذه القواعد، أي: قامت بعمل أكثر من نسخة من هذه القواعد.

إذنْ ما قام به كريج فنتر هو مشروع عمل داخل خلية حية!

خلية بغشاء الخلية بإنزيمات الخلية بمجموعة كاملة من الجينات داخل الخلية.

يقول الحائز على جائز نوبل في علم الأحياء بول نيرس Paul Nurse: "عمل فنتر إنجاز كبير لكنَّه لم يخلق حياة صناعية".

أما جيم كولينز Jim Collins أستاذ الهندسة البيولوجية في جامعة بوسطن فيقول: "ما يُزعجني هو أنَّ بعض الناس تخيَّلوا أننا استطعنا خَلْق حياة، هذا لا يمثل خَلْق حياة".

والأغرب مما سبق أن كريج فنتر بنفسه قال: "إننا لم نخلق حياة من الصفر We didn’t create life from scratch".

لم يبقَ على الاعتقاد بأن العلم أوجد حياة سوى بعض الملحدين غير الدارسين للبيولوجيا.

إذنْ فالحياة ليست ممكنًا عقليًّا.

والحياة لم تنشأ من مادة غير حية رغم كل جهود جامعات ومعامل العالم؛ هذا لم يحصل!

وبالتالي: فالحزمة المعلوماتية التي ظهرت فجأةً بنظام تشفير رباعي في الشريط الجيني ليست ممكنًا عقليًّا، وظهورك أنت أيها الإنسان، ليس ممكنًا عقليًّا!

لو تفكَّر الملحد في هذه الحقائق بصدق، فلن يرقد له جَفْن!

25- لكن ماذا عن مشروع ريتشارد دوكينز Richard Dawkins عندما حاول تفسير ظهور الشفرة الجينية بالصدفة؟

حاول الملحد الشهير ريتشارد دوكينز بصحبة برنامج لمبرمج يُدعى ريتشارد هارديسن Richard Hardison حاول أن يتجاوز معضلة التشفير الجيني بلُعبة مضحكة فقال: سنقوم بإدخال حروف إحدى الجُمل في برنامج ريتشارد هارديسن، وسننظر كم يستغرق البرنامج لإنشاء هذه الجملة!

وبالتالي بنفس القياس سنتوقع الوقت الذي يستغرقه ظهور جزء من النظام المعلوماتي الذي يحمله أحد الجينات.

وفكرة برنامج ريتشارد هارديسن بإيجاز هي أنَّ: البرنامج يقوم بعرض الحروف عشوائيًّا للبحث عن الحرف الصحيح المطلوب، فإذا وصل للحرف الصحيح المطلوب فإنه سيحتفظ به ثم يبدأ رحلة بحث جديدة عن الحرف الصحيح التالي، وهكذا حتى تكتمل الجملة().

لكن يا تُرى! كم عدد المغالطات التي ارتكبها ريتشارد دوكينز في هذا المثال؟

لم يقل لنا دوكينز فلتة العقلاء: ماذا سيحدث لو تمَّ الاحتفاظ بحرف خاطئ؟

أليس من الطبيعي أن يتوقف البرنامج عن العمل، وليس أن يبدأ في البحث عن الحرف الصحيح مرةً أخرى؟

لم يقل لنا أيضًا: ما هي الآلية التي ستُعيد الحروف وتنتقي بينها؟

ثم المشكلة الأكبر: ما معنى تشكُّل عشرة حروف في كائن لم يظهر بعد؟

لا معنى لوجود هذه الحروف ولا قيمة وظيفية لها ليتم الاحتفاظ بها أصلًا!

ثم كيف تتحوَّل الحروف إلى حياة؟

ثم والأهمُّ مما سبق: برنامج الكمبيوتر يحتاج لقدرة وعلم وتصميم وإرادة وصنع وضبط ومعايرة دقيقة، فلماذا اشترط دوكينز ذلك في تجربته، ورفض أن ينسبه للخالق في بيئة الأرض الأولى؟

ثم كيف عرف الكائن الذي لم يظهر بعدُ، كيف عرف بحاجته إلى هذه الأحرف بعينها؟

بل والأغرب أنَّه سيحتفظ بالصحيح ويترك الخطأ، مع أنَّ الكائن لم يوجد بعدُ!

ريتشارد دوكينز بهذه التجربة التي فيها يقوم البرنامج بفحص الحروف واختيار المطلوب هو بهذه التجربة تجاوز فكرة العشوائية، وقرَّر ضرورة التصميم المُسبَق، فالقضية عِلم وقدرة وإرادة مُسبَقة، وليست عشواء أو لاعقلانية.

ثم أليس من المفترض أن يكون التطوُّر بلا أي دور إنشائي؟

فكيف يحذف البرنامج الحروف الخطأ، ويبني على الجمع السابق للحروف الصحيحة؟

هذا الفعل لا يوجد في الطبيعة؛ لأن كل واقعة في عالم الاحتمالات في الطبيعة هي واقعة مستقلَّة Independent Event.

هي واقعة لا عَلاقة لها بسابقتها!

فحرف خطأ يعني انتهى الموضوع وتوقَّف العمل!

محاولة ريتشارد دواكينز تجعلك تقطع أن دُعاة النظرية يضعون فروضًا وتخميناتٍ لا عَلاقة لها بأرض الواقع ولا بحقيقة ما يحصل في الطبيعة!

فريتشارد دوكينز يطلب هدفا مُحددًا منذ البداية يسعى البرنامج إليه، وفي كل مرَّة يقوم الكمبيوتر بمقارنة النتائج وفحصها للاحتفاظ بالحروف المبرمجة لديه واستبعاد الباقي، إنه تدبير وعناية ورعاية خاصة وإرادة وحكمة وقصد!

وهذا غاية ما يُحدثكم عنه المؤمن في قضية الخَلْق().

26- لكن ألا تحمل الطبيعة صورًا مُعقَّدة وصورًا أقلَّ تعقيدًا من الأنظمة الحياتية المختلفة، كالعين على سبيل المثال؟

هذا الاعتراض هو لُبُّ الإشكال التطوُّري، والذي يُبين أننا أمام نظرية تعتمد بالكلية على الطرح الفلسفي وليس الطرح العلمي المُبرهن!

فالإعجاز ليس فقط في العين، الإعجاز في الخلية الحسَّاسة للضوء؟

لماذا تحسَّست هذه الخلايا للضوء؟

وكيف يتحوَّل التحسُّس للضوء إلى نبضات كهربية؟

وكيف تتحوَّل النبضة الكهربية إلى وعي ورؤية لما أمامك؟

القضية منقوصة من البدء!

الجواب لا يكون بافتراض أنَّ: هناك عيونًا أقل تطورًا!

هذا الطرح الفلسفي من دُعاة نظرية التطوُّر أشبه تمامًا بجواب نفس التطوُّري عندما نسأله: هل تستطيع الطبيعة أن تُنشئ صينية كنافة طازجة بالجُبن؟

سيُجيبك التطوُّري قائلًا: الموضوع بسيط، بسيط جدًّا.

القمح موجود في الطبيعة، وسقوط النيازك قد يتسبَّب في طحن القمح في أحد الأزمنة السحيقة؛ ليتحوَّل إلى دقيق، ومع قليل من المطر يتحوَّل الدقيق إلى عجين!

وعلى طرف أحد صخور الأفران البركانية سيصبح لدينا مكان رائع للطهي السريع!

أما طعم الكنافة اللذيذ؛ فهناك حل بسيط: قصب السكر موجود في كل مكان لإضافة مذاق الكنافة، وينابيع الماء الساخن كثيرة لإذابة قصب السكر.

أما الجُبن فظهوره سهل: فما أكثر الأبقار ونقاط اللبن التي تنزل من ضرعها بعد رضاعة أولادها...

إلى هنا تستوعب تمامًا سخافة الطرح، بل وقد تشعر بالملل والسذاجة.

فالقضية ليست في توافُر الموادِّ الأوَّلية والتي هي: خليَّة حسَّاسة للضوء، أو عين مُقعَّرة، أو عيون أقل تطورًا!

القضية في المعرفة the Know How التي تنتج صينية الكنافة بالجُبن!

القضية منقوصة من البَدء!

أنت لو انتظرت لملايين الأعوام لن تتشكَّل صينية كنافة واحدة؛ لأن القضية معرفة Know How وليست موادَّ أولية.

افتراض أنَّ وجود المواد الأولية كافٍ هذا افتراض فلسفي، لكنه لا يصلح كمُعطًى علمي معتبر!

كلُّ ما يفعله التطوُّري أنه يُفكك في عقله أجزاء النظام البيولوجي المُعقَّد الذي أمامه، يُفكك الأجزاء المكونة للعين في عقله، ثم يقوم بإعادة تجميع هذه الأجزاء من أماكن مختلفة من الطبيعة.

كأننا نلعب لعبة البازل Puzzle Game.

فكِّك وجمِّع!

الخيال خِصْب.

وموهبة توليد الحكايا قد يمتلكها البعض.

لكن على المستوى الجُزيئي داخل الخلية كل التفاصيل مهمة، وخلل في حرف واحد داخل شريطك الجيني قد يُفسد نظامًا بأكملِه!

فما بالك بنظام مبهر كالعين؟

دقة العين البشرية تُوازي خمسمائة وستة وسبعين ميجا بيكسل.

وتحتوي العين على أنقى عدسة في العالم.

وحجم المستقبل الضوئي في الشبكية لا تتجاوز مساحته نصف الملليمتر المربع!

إنَّه إعجاز وخَلْق إلهي مبهر().

وحتى تعرف كيف تحصُل الرؤية؟

حتى تعرف مدى تعقيد هذا النظام المبهر، والذي لا يمكن تفسيره بطريقة التفكيك الخرافي الدارويني، حتى تعرف إبهار هذا النظام؛ انتبه معي لهذا الشرح:

عندما تسقط فوتونات الضوء على شبكية عينِك، فإنها تُحفز بروتينًا يُدعى الرودوبسين Rhodopsin -الرودوبسين يوجد داخل خلايا شبكية العين- بعد تحفيز الرودودبسين فإنه يلتصق ببروتين آخر فيُطلقا معًا جزيئة اسمها GDP ويكتسبانِ بدلًا منها جزيئة GTP، وبعد اكتساب هذه الجزيئة فإنهما يصبحانِ أكثر قوة، وبالتالي يكون بإمكانهما الآن فصل جزيئة تُدعي Cgmp.

بعد انفصال هذه الجزيئة تدخل جزيئات الصوديوم ذات الشحنة الموجبة إلى داخل الخلية، وبدخولها يحدث خلل في توازن الشحنات عبر غشاء الخلية، هذا الخلل هو الذي يُولد تيارًا كهربيًّا ينتقل عبر العصب البصري إلى الدماغ.

عندما يصل التيار الكهربيُّ لدماغك تحصل معجزة -تبهرني كلما تفكَّرت فيها- وهي أنَّ دماغَك يقوم بتفسير تردُّد هذا التيار الكهربي الذي وصل إليه على أنه رؤية! وكأنه يمتلك قاموسًا متكاملًا مُسبقًا يُحول التيار الكهربي الذي وصل إليه إلى رؤية لما أمامك!

مُخُك يقبع داخل صندوق مظلم والذي هو الجمجمة؛ ولا يصل لمخِّك إلا تيارات كهربية، فكيف فسَّر المخ هذا التيار على أنه رؤية؟

كيف أعطاك الرؤية؟

كيف يُميز بين عشرة ملايين درجة لونية مختلفة بأبعادها المختلفة؟

كل هذا الإعجاز في منظومة الإبصار يحصل في لحظة واحدة بمجرد أن تفتح عينيك وتنظر!

وبعد دورة الإبصار هذه التي بدأت ببروتين الرودوبسين، فإن هذا البروتين لا بد أن يعود سريعًا ليشارك بعد أقل من لحظة في دورة إبصار جديدة.

الشفرة المطلوبة لتكوين بروتين الرودوبسين توجد داخل الشريط الجيني في كل خلية من خلاياك، وشفرة الإنزيمات المطلوبة لتفكيك بروتين الرودوبسين بعد عملية الإبصار توجد أيضًا داخل الشريط الجيني، كذلك الشبكية وعدسة العين والرموش والحاجب وعظام الجمجمة والمخ كل الأعضاء توجد شفرتها داخل الشريط الجيني.

كل ذرَّات الكون لا تكفي لتشكيل شفرة بروتين رودوبسين واحدة بالصدفة().

هذا فضلًا عن تكوين شبكية العين، فضلًا عن المخ، فضلًا عن إدراك معنى الرؤية داخل صندوق المخ المظلم، فضلًا عن ظهورك أنت أيها الإنسان!

{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [لقمان: 11].

27- لكن هل نحن رصدنا تطورًا للعين خلال البحث في الأحافير؟

علم الأحافير يأتي دائمًا بعكس ما يتوقع ويتمنى دُعاة النظرية.

ثبت أحفوريًّا أن العين المُعقَّدة ظهرت مع بداية عصر الكامبري، أي مع بداية ظهور شُعب الكائنات الحية.

فالعين المُعقَّدة ظهرت فجأةً.

دُعاة نظرية التطوُّر لا يمتلكون نَموذجًا واحدًا مفصلًا لظهور جُزيء وظيفي واحد داخل الخلية بالتطوُّر، فضلًا عن نموذج مفصل لظهور أي عضو كالعين على الإطلاق.

لا يمتلكون إلا التخيُّل الظاهري، ثم يأتي البحث الأحفوري بعكس التوقعات!

28- هل هناك عالم من الـRNA قبل ظهور الـDNA، هل هذا الكلام صحيح؟

الـDNA هو الشريط الجيني الذي يُشفر المعلومات بالتشفير الرباعي كما تحدثنا قبل ذلك!

وكذلك الـRNA هو أيضًا نظام تشفير رباعي يوجد في داخل خلاياك، حيث يشفر لمنظومات وظيفية مُتخصصة.

فكل خلية من خلاياك فيها عوالم من الـRNA وهي التي تقوم بوظيفة تصنيع البروتين داخل الخلية، فافتراض عالم الـ RNA لتفسير ظهور عالم الـDNA هو كمن يضيف أنظمة مُعقدة إلى أنظمة معقدة، ويُسمِّي هذا تفسيرًا.

عالم الـ RNA هو عالم تشفير معلوماتي.

أمَّا فرضية عالم الـ RNA قبل عالم الـDNA فهي فرضية خاطئة تمامًا؛ لأن الـ RNA بطبيعته ضعيف، ولا يظهر إلا داخل خليَّة حيَّة حتى يكون حافظة مؤقتة للمعلومات.

فالـ RNA يتحطم تلقائيًّا.

ولذلك يعتبر العلماء أنَّ: "فرضية عالم الـ RNA قبل عالم الـDNA هي الفرضية الأسوأ، فالـ RNA هش جدًّا، وهو فقط يعمل كحافظة مؤقتة للمعلومات؛ ولذلك لا يمكن للـRNA أن يسبق الخلية، وبالتالي فمن السخف اعتباره كنقطة بداية للحياة"().

29- هل الانتخاب الطبيعي نظرية عِلميَّة، أم هو تخمين فلسفي؟

في سبعينيات القرن الماضي أعلن واحد من أشهر فلاسفة العلم في القرن العشرين على الإطلاق وهو اللاأدري كارل بوبر أنَّ:

"نظرية التطوُّر هي نظرية ميتافيزيقية، هي مجرد قفزة إيمانية وليست بعلم"().

وقتها ثارت ثائرة دُعاة النظرية، وحاولوا أن يُبرهنوا له أن النظرية يمكن أن تخضع للاختبار.

لكنه وقبل وفاته بعامين فقط اعترف للساينتيفك أمريكان أنه ما زال غير راضٍ عن النظرية، ما زال غير مُقتنعٍ بها.

وقد عرضت الساينتيفك أمريكان اعترافات بوبر وغيره من الباحثين تحت مقال بعنوان: داروين المشكوك فيه، لماذا مجموعة من العلماء اللادينيين يشكون في نظرية التطوُّر؟

وقد أكَّد بوبر موقفه من النظرية، ومن الانتخاب الطبيعي بالتفصيل في آخر كتاب كتبه قبل وفاته بعامٍ واحدٍ وهو كتاب ، وقد أورد بوبر في هذه الكتاب اعترافات كبار علماء نظرية التطوُّر عبر تاريخها().

فنقل عن أحد عظام الداروينية -على حد تعبيره- وهو كارل وادنجتون C. H. Waddington قوله أنَّ: "الانتخاب الطبيعي ليس أكثر من طوطولوجياTautology ".

وطوطولوجيا تعني: تكرارية؛ أي مجرد حشو كلام، فالانتخاب الطبيعي الذي هو قوام نظرية التطوُّر غير منضبط بأدلة، وليس قضيةً عِلميَّة، وإنما هو تَكْرار كلام، كالذي يُفسر الماء بعد الجهد بالماء!

لكن لماذا الانتخاب الطبيعيُّ تكرار كلام؟

لأن أي كائن حي ستفترض أنه تم انتخابه طبيعيًّا، لمجرد أنه ظل حيًّا!

مجرد حشو كلام.

فما مبرر قولنا: إن ما جرى كان انتخابًا؟

لماذا لا يكون شيء آخر أبقى على هذا الكائن؟

أي كائن سيبقى سنقول: إنه تم انتخابه؟

إنها فروض تخمينية وليست رصدًا علميًّا!

يكمل بوبر ويقول: نفس كلام وادنجتون يوجد لدى داروينيين عِظام من أمثال: رونالد فيشَر Ronald Fisher مؤسس الداروينية الحديثة، حيث يقرر فيشر أيضًا أنَّ الانتخاب الطبيعي طوطولوجيا.

أيضًا جون هالدان J.B.S. Haldane عالم الوراثة وشريك فيشر في تأسيس الداروينية الحديثة يعترف أنَّ: الانتخاب الطبيعي طوطولوجيا.

ونفس الأمر يؤكد عليه جورج جايلورد سيمبسون George Gaylord Simpson عالم الحفريات الأمريكي، والذي عمل لأكثر من ثلاثين عامًا في إدارة متحف التاريخ الطبيعي في أمريكا.

كل هؤلاء يقررون أنَّ: الانتخاب الطبيعي طوطولوجيا، والكلام لكارل بوبر، فمفهوم الانتخاب الطبيعي ليس مفهومًا عِلميًّا.

والعجيب أنه بعد أعوام من كلام بوبر، وداخل معامل جامعة ميشغان تحولت النتيجة التي قرَّرها بوبر إلى واقع عملي، حيث تمت محاولة إجراء نظرية التطوُّر، فقام الباحثون بمحاكاة بحيث تمضي مليون سنة على بعض البكتيريا بالتحفيز المتتابع، فماذا كانت النتيجة؟

تريليونات البكتيريا ظهرت لكن بروتينًا واحدًا جديدًا لم يظهر فضلًا عن انتقال نوع لنوعٍ آخر!

هذه هي نتيجة الانتخاب الطبيعي.

الانتخاب الطبيعي لم يعمل!

التطوُّر لم يعمل!()

الغريب أن داروين بنفسه كان يستشعر أن هناك مشكلة في نظريته!

ففي عام 1862م أرسل عالم النبات جوزيف هوكر Joseph Hooker رسالة إلى داروين قال فيها:

هل تظنُّ أن التنوُّع مثلًا في شكل مناقير الطيور أو الاختلاف بين أشكال الكائنات الحية ضمن النوع الواحد مصدره انتخاب طبيعي؟

لا إطلاقًا!

الأمر ببساطة أنَّ هناك تنوُّعًا وراثيًّا في الأجداد، هناك اختلافات داخل النوع الواحد، هذه الاختلافات تتيح هذه الأشكال المتعددة ضمن النوع الواحد.

سبحانَ الله! وكأن هوكر يتكلَّم عن الحَوض الجيني للنوع الذي تمَّ رصده بعد حوالي مائة عام من هذا الكلام.

الحَوض الجيني الذي: يُتيح أشكالًا مختلفة ضمن إطار النوع من أنواع الكائنات الحية.

المهم أن داروين ردَّ عليه قائلًا: "الجزء الذي أدهشني فعليًّا في خطابك، وقلب كِياني رأسًا على عَقِب هو الذي ذكرتَ فيه أن كل اختلاف نراه يمكن أن يكون قد حدث دون أي انتخاب، وإني كنت ومازلت أتفق معك تمامًا في ذلك، ولكنَّك أحطتَ بالموضوع إحاطة تامة، ورأيتَه من زاويةٍ جديدةٍ".

دُعاة نظرية التطوُّر الذين ما زالوا يجادلون لتأكيد قوة نظريتهم هم أشبه بمجموعة من المنقبين عن كَنز من الذهب يبحثون ليل نهار في طبقات الأرض المختلفة، ويحفِرون ويكسِرون أطنان الصخور الطينية والرملية والرسوبية، مع أنَّ هناك قبوًا مكتوبًا عليه: "الكنز يوجد هنا"!

الصنع الإلهي المُتقن أمام أعينِكم، لكنهم يتجاهلون هذا القبو؛ لأنهم ينطلقون من مقدمة أنَّ: منجم الذهب لا بد أن يكون تحت الأرض!

فدُعاة التطوُّر ينطلقون من مقدمة أنَّ: تفسير الحياة والتنوُّع في الكائنات الحية لا بد أن يكون تفسيرًا ماديًّا؛ لذلك هم ما زالوا يحفِرون، مع أن دلائل الخلق الإلهي المُتقن أمامهم في كل لحظة؛ ونظرية التطوُّر لا تعمل، الانتخاب الطبيعي لا يعمل؛ لكن يتجاهلون!! وما زالوا يحفرون!!!

محاولة إغماض العين عن القبو الذي أمامهم مع فشل نظرية التطوُّر في كل اختبار وتجربة ومعمل، هذا ضررٌ شديدٌ على العلم، وتأخير لفروع كبيرة من العلم، وتضييع لمنافع كان أوْلى أن نستخدمها في مناحٍ أخرى!

30- لكن هل الطفرات والتطوُّر الصغير هل يُؤديانِ إلى تطور كبير؟

يستخدم دُعاة نظرية التطوُّر دائمًا لُعبة الحِيَل اللغوية، حيث يلعبون بالمُصطلحات، ومن أشهر هذه المصطلحات التي يلعبون بها مصطلح: "التكيُّف في إطار الحَوض الجيني للنَوع".

التكيُّف يُسميه دُعاة النظرية: تطورًا صغيرًا!

لكن ما هو التكيُّف؟

التكيُّف هو: التنوُّع ضمن إطار نوع الكائن الحي!

ففي البشر مثلًا هناك: الأبيض والأسود والطويل والقصير؛ هذا تنوُّع ضمن الحوض الجيني لنفس النوع.

فالحوض الجيني للنوع يُتيح أشكالًا مختلفة.

وحتى نفهم طبيعة الحوض الجيني جيدًا دعونا نضرب هذا المثال:

داخل المطبخ يوجد: دقيق وسُكر وزَيْت وبيض.

نستطيع بمكونات هذا المطبخ أن نصنع صينية كيك أو حتى صينية فطير بالسكر!

الحوض الجيني للمطبخ يتيح الصِّنفين معًا.

هذا هو التنوُّع ضمن الحوض الجيني للنوع.

فالحوض الجيني يتيح تشكيلات وتنويعات مختلفة...

وعندما زار داروين جُزُر الجالاباجوس، وشاهد تنوُّع مناقير العصافير، وجد أنَّ المناقير تختلف بحسب طبيعة الغذاء، فلو أنَّ الأكل كان قريبًا من الأرض سيصبح المنقار صغيرًا، بينما لو كان الأكل بعيدًا داخل الأرض، فإن المنقار سيكون أطول.

ظنَّ داروين أنَّ ما يحصل أمامه هو تطوُّر!

لم يكن داروين في ذاك الوقت يعرف طبيعة الحوض الجيني للنوع، لم يكن يعرف أن هذا تكيُّف طبيعي ضمن إطار النوع الواحد!

لم يدرك داروين هذه الحقيقة؛ لأن تركيب الحوض الجيني لم يُفهم إلا بعد قرنٍ كاملٍ من كتاب أصل الأنواع.

فما كان يحدث أمام داروين لم يكن تطوُّرًا، وإنما تنوُّع وتكيُّف ضمن إطار الحوض الجيني لنفس النوع.

فالشريط الجيني أو الشريط الوراثي لهذه العصافير يتيح أشكالًا مختلفة من المناقير، فهناك في الشريط الجيني لهذه العصافير شفرة لبروتين يُدعى (Bmp4) Bone morphogenetic protein 4.

الجين الخاص بهذا البروتين في المرحلة الجنينية يُشفر لكل الأنواع من أشكال المناقير، وبحسب نشاطِه فيما بعد يعطي بروتينًا مميِّزًا لمنقار محدد، أي: أنَّ الجين نفسَه يُشفر لكل أشكال المناقير، فكل هذه التنويعات للمناقير التي شاهدها داروين، اتضحَ أنها تنتمي لنفس الحوض الجيني؛ تنتمي لنفس النَوع!

داروين لم يكن يفهم معنى الحَوض الجيني، ولا الجينات، ولا التشفير، ولا شيء مما أقوله الآن.

داروين كان يعتمد على رؤية سطحية بدائية، استنبط من خلالها نظريته!

فاعتبَر أن التكيُّفات داخل نفس مكونات الحوض الجيني داخل نفس المطبخ اعتبرها تطورًا!

وللأسف ما زال أتباع النظرية يُروجون لنفس أسطورتِهِ فيُسمون التكيُّف ضمن إطار النوع الواحد يسمونه تطوُّرًا صغيرًا، في إيحاء إلى احتمالية تحوُّل التطوُّر الصغير إلى تطوُّر كبير أي: إلى ظهور نوعٍ جديد!

مع أنَّ الجميع يعلم اليوم أن كل هذه التكيُّفات هي: تنويعات ضمن إطار الحوض الجيني لنفس النوع.

والأغرب من ذلك أنَّنا باعترافهم: لم نرصد حتى الساعة أيَّ انتواع؛ لم نرصد أي ظهورٍ لأنواعٍ جديدة!

وهناك كتيب صدر مؤخرًا ترجمه مركز براهين، الكتيب بعنوان: "الانتواع الخادع" يردُّ على كل التخمينات في كل الحالات التي ظنوا أنها حالات ظهور لأنواع جديدة بالتطوُّر، وبيَّن الكتاب أنها تكيُّفات ضمن إطار النوع الواحد!

فالتكيُّفات تكون دائمًا داخل الحَوض الجيني للنَوع، ولا عَلاقة لها بالتطوُّر!

وهذا الحوض الجيني كما قلنا يتيح أشكالًا مختلفةً: فالحوض الجيني يتيح للبكتيريا آكلة النايلون أن تكتسب خاصية أكل النايلون متى توفر النايلون لها!

والحوض الجيني يتيح مقاومة البكتيريا للمضاد الحيوي متى تعاطى المريض مضادًّا حيويًّا!

وإن كانت مقاومة البكتيريا للمضاد الحيوي تجري بصورٍ مختلفةٍ، حيث ربما: تفقد البكتيريا جزءًا من الشريط الجيني الخاص بها، فلا يتعرَّف عليها المضاد الحيوي!

وأشهر مثال على ذلك طُفَيل المالاريا حين قاوم عقار الكُلوروكوين، وبعد أن توقف الأطباء عن وصف هذا العقار اختفت السلالات الضعيفة من طفيل المالاريا التي فقدت جزءًا من الشريط الجيني الخاص بها، وعادت السلالات الأصلية للظهور مجددًا.

فما حصل أثناء مقاومة المضاد الحيوي كان انتكاسةً Devolution وليس تطوُّرًا Evolution.

31- لكن ألَمْ تحصد نظرية التطوُّر جائزة نوبل في الكيمياء للعام 2018؟

بالفعل التجربة التي حازت على جائزة نوبل في الكيمياء للعام الماضي كانت بعنوان: "نظرية التطوُّر في معمل" حيث قام العلماء بتقليد نظرية التطوُّر داخل معمل؛ فكيف حصل هذا وماذا كانت النتيجة؟

قام العلماء الذين فازوا بالجائزة بعمل طفرات في شِفرة الشريط الجيني لبعض الإنزيمات داخل البكتيريا تحت ضغط شديد بسرعة شديدة، فأصبحت الطفرات التي تحتاج لمليار عام حتى تظهر، تم ضغطها لتحدث في شهورٍ قليلة().

فماذا كانت نتيجة تطبيق نظرية التطوُّر لمدة بلايين الأعوام؟

النتيجة كانت مدهشة!

فمع كل هذا الضغط التطفيري لم ينتقل نوع من الميكروبات إلى نوعٍ آخر.

لم يظهر بروتين واحد جديد وظيفي، ولم يظهر إنزيم واحد جديد، فقط كل ما حصل هو أن بعض الإنزيمات أصبحت أكثر كفاءةً في إطار نفس النوع.

وهذا كلام الموقع الرسمي لنوبل: "إنزيم السبتليزين subtilisin ظلَّ كما هو في الجيل الأول والجيل الثاني والجيل الثالث نفس الإنزيم، داخل نفس الميكروب، داخل نفس النوع، داخل نفس العائلة، لكن فقط مجرد متغيرات ضمن إطار الإنزيم نفسه.

كل ما رصدناه متغيرات ضمن الإنزيم الواحد.

والعجيب أن هذا الإنزيم الذي بدا أنه أصلح وأكفأ تبيَّن أن الطفرات المتكررة جعلته بالنسبة للكائن الحي أضعف، وعمره أقصر مقارنةً بالإنزيم الطبيعي الذي لم يتطفر، فهو فقط أصلح وأكفأ لاستخدامنا نحن له في الوقود الحيوي مثلًا، أما في الجُملة بالنسبة للكائن الحي فالإنزيم أصبح هشًّا وفقيرًا().

فنظرية التطوُّر بعد بلايين الاعوام لم تفعل أي شيء!

ولذلك يقول الداروينيَّانِ الملحدَان جيري فودور وماسِمو بالماريني ، في كتابهما: "الأمر الذي أخطأ فيه داروين What Darwin Got Wrong" يقولان إنَّ: "النظرية معيبة؛ - نظرية التطوُّر معيبة ثم قالا-...هذا ليس كتابًا عن الله، ولا عن التصميم الذكي، ولا عن الخلق، ليس أيًّا منا متورطٌ في شيءٍ من ذلك. - كلاهما ملحدانِ - لقد ارتأينا أنه من المستحسن أن نوضح هذا منذ البداية؛ لأن رأينا الأساسي فيما سيأتي يقضي بأن هناك خطأً ما، وربما خطأ لدرجة قاتلة في النظرية().

32- لكن بنظرية الاحتمالات المُجرَّدة، كم يا تُرى نحتاج من الوقت لتثبيت طفرتين نافعتين في جيلٍ واحد؟

في دراسة عجيبة نُشرت في مجلة Genetics الدولية للدفاع عن نظرية التطوُّر، ثبت أننا لتثبيت طفرتين نافعتين في جيل واحد نحتاج في الحشرات الصغيرة لزمن يصل إلى بضعة ملايين من السنين، بينما نحتاج في الإنسان إلى أكثر من مائة مليون عام.

مائة مليون عام من أجل تثبيت طفرتين اثنتين نافعتين.

هذا في دراسة أجريت في الأصل للدفاع عن نظرية التطوُّر، والرد على مُنتقديها والمشككين فيها!

أكثر من مائة مليون عام لطفرتين اثنتين.

وبما أنَّه بين الإنسان والسلف المشترك المزعوم -القرد الإفريقي الجنوبي- أكثر من ستين مليون طفرة.

فنحن نحتاج إلى أضعاف أضعاف عمر الكون لظهور نوع واحد جديد!

العلم ببساطة يقول لك: التطوُّر خطأ ومُحال!

التطوُّر لا يعمل.

ولذا عالما الأحياء التطوُّرية لين مارجلِس Lynn Margulis ودورين ساغان Dorion Sagan اعترفا في تقرير علمي: "أننا لم نستطعْ اقتفاءَ دليلٍ مباشرٍ على ظهور الأنواع الجديدة، سواءً كان في جُزُر الجالاباجوس البعيدة أو في أقفاص مختبرات خبراء ذبابة الفاكهة أو في الرسوبات المتكدسة"().

لا يزال الدليلُ الحاسمُ على التطوُّر مفقودًا.

فكل ما رصداه كان مجرد تغيُّرات ضمن النوع الواحد.

فزيادةُ نسبةِ العُث المُفَلفَل Peppered moths خلال فترة الثورة الصناعية لم يكن أكثر من مجرد تنوُّعٍ لوني ضمن نوع العُث نفسِه، وعلوم الهندسة الوراثية وفَّرت لنا أبقارًا وفيرةَ اللحم، وذُرَةً أغنى بالبروتين؛ لكن الماشيةَ ظلَّت ماشية والذُّرَة ظلت ذرة والعث ظل عثًّا.

تم استنفاد التنوُّع في كثير من الكائنات الحية لأقصى حد، ولم يعُدْ بالإمكان حصول المزيدِ من التغيُّرِ فيها، ومع ذلك لم يظهر نوع جديد على الإطلاق().

ولذلك تُقرر مجلة علم الأحياء النمائي Developmental Biology التطوُّرية في مقالٍ لها اشترك فيه مجموعة من علماء الأحياء أنَّ: "التغيُّرات في مجالات الهندسة الوراثية قد تؤدي إلى التكيُّف مع البيئة، لكن هذا لا يعني ظهور الأصلح، ويبدو أن أصل الأنواع -مشكلة داروين- تبقى مشكلةً غير محلولة"().

كانت نظرية التطوُّر وستبقى أملًا يكافح بقوة ضد البيانات التجريبية والرصدية.

لذلك توصيف نظرية التطوُّر بأنها نظرية، هذا في حد ذاته مُشكِل، فهي لم تَرْقَ بعدُ لتوصف بأنها نظرية.

وهذا كلام الحائز على نوبل إرنست تشاين Ernst Chain حين قال: "من العسير وصف نظرية التطوُّر أنها نظرية It can hardly be called a theory"().

33- يقول دُعاة نظرية التطوُّر إن الشمبانزي يحتوي على ثمانية وأربعين كروموسومًا، والإنسان يحتوي على ستةٍ وأربعين كروموسومًا، إذنْ لا بد أنَّ هناك التحامًا جرى بين كروموسومين في الإنسان، وهذا ما رصدوه بحسب تخمينهم في كروموسوم رقم اثنين في الإنسان، فهل هذا التخمين صحيح؟

هذه واحدة من أكبر الدلائل التي يُروج لها دُعاة النظرية بكثافة.

لكن لنهدأ قليلًا!

هل هذا عِلم أم فلسفة؟

العلم التجريبي عندما يستمع لدعوى مثل هذه أنَّ: الإنسان تطوَّرَ هو والشمبانزي من سلف مشترك، سيقول: هذه دعوى يلزمها رصد!

أنت أيها التطوُّري تضع تصورًا معينًا في ذهنك أن الإنسان والشمبانزي من سلف مشترك، ثم تقوم بتوجيه البحث نحو هذا التصوُّر!

هذه مصادرة على المطلوب؛ وهي إحدى المُغالطات المنطقية الشهيرة، فهذه الدعوى فلسفة وليست بعلم!

لأننا بنفس هذا الأسلوب نستطيع أن نزعم أنَّ الإنسان والبطاطا من سلف مشترك واحد؛ لأن نبات البطاطا يحتوي على ثمانية وأربعين كروسومًا بالضبط مثل الشمبانزي، فلماذا الشمبانزي وليس البطاطا، إذا كانت المسألة عدد كروموسومات!؟

ثم إنَّ هناك نوعًا من أسماك الزينة يدعى سمك جوبي Guppy يحتوي على نفس عدد الكروموسومات في الإنسان، ستة وأربعين كروموسومًا كالإنسان بالضبط، فلماذا الشمبانزي وليس جوبي؟

الموضوع مصادرة على المطلوب، وتوجيه المعطيات نحو تصوُّر معين في ذهن داعية نظرية التطوُّر!

وحتى نتأكد أننا أمام فلسفة وليس علمًا، ركزوا معي في هذا الافتراض:

سنفترض أنَّ الإنسان الأول كان يمتلك ثمانية وأربعين كروموسومًا هو وأبناؤه، وفجأةً أتى أحد الأحفاد وحدث لهذا الحفيد اندماج بين كروموسومين، ثم جاءت الذرية البشرية المعاصرة من هذا الحفيد صاحب الستة وأربعين كروموسومًا، هل ثمَّة خطأ في هذا السيناريو؟

هل تستطيع عِلميًّا أن تثبت صحة سيناريو دُعاة التطوُّر أو خطأ هذا السيناريو؟

بل إن هذا السيناريو أقرب فلسفيًّا؛ لأنه يُقلل عدد الفروض، وبالتالي فهو أصح عِلميًّا طبقًا لما يُعرف بنصل أوكام .

فالموضوع فروض عقليَّة وتخمينات.

والآن ننتقل للشق الثاني من جواب هذه الدعوى:

هل بالفعل حدث اندماج في الكروموسوم الثاني للإنسان؟

هذا الكلام كان يُطرح قبل مشروع الجينوم البشري The Human Genome Project أي قبل عام ألفين وثلاثة.

لكن بعد العام ألفين وثلاثة استطعنا جيدًا قراءة شِفرة الجينوم البشري، وعَرفنا بالضبط تتابعات الحروف في الكروموسوم الثاني في الإنسان.

ومما نعرفه الآن، ومما يعرفه كل باحث في الشفرات الجينية أنه في نهاية كل كروموسوم يوجد تتابع معين من الحروف بهذه الصورة: تاء تاء ألف جيم جيم جيم تاء تاء ألف جيم جيم جيم أو TTAGGG TTAGGG TTAGGG آلاف المرات بهذا التتابع، وهذا التتابع له خاصية عجيبة وهي الحفاظ على الكروموسوم من التلف!

لو حصل التحام بين كروموسومين، فالمفترض أنَّ منطقة الالتحام تكون ممتلئة بضعف هذا التتابع تاء تاء ألف جيم جيم جيم؛ لأنها منطقة نهاية كروموسومين أليس كذلك؟

أجريت دراسات على هذه المِنطقة التي زُعم أنه حصل فيها التحام، وتبيَّن أنها مِنطقة مزدحمة بالجينات الوظيفية، أي: جينات تشفر لبروتينات متخصصة، وليست مجرد منطقة تلاحُم، جرت هذه الدراسة في بحث يدعم النظرية!

فالدراسات التي تدافع عن هذه الفرضية، فرضية: التحام الكروموسومين هي بنفسها تعترف أنَّ: منطقة الالتحام المزعومة لا يوجد بها التتابع الكافي من: تاء تاء ألف جيم جيم جيم().

نقطة أخيرة في نقض هذه الدعوى: يوجد وسط كل كروموسوم مِنطقة تُسمَّى "السنترومير"، وبالتالي فالمفترض أنَّ الكروموسوم الثاني في الإنسان به اثنان من السنتروميرات.

وكالعادة حاولوا أن يشيروا إلى تتابُع معين باعتباره بقايا سنترومير قديم، لكننا اكتشفنا أنَّ هذا المكان المزعوم ليس به الـAlphoid DNA المميز للسنترومير.

بل إنَّه في دراسة أخرى تبيَّن أنَّ تتابع حروف السنترومير في الشمبانزي والغوريلا لا يوجد هذا التتابع في أي مِنطقة في الكروموسوم الثاني في الإنسان، وهذا ينسف هذه الدعوى من جذورها!

ينسف دعوى التحام الكروموسومين!

وحتى يخرجوا من هذه الورطة افترضوا أنَّ: هناك تطورًا سريعًا جدًّا حصل أدَّى لاختفاء أي أثر للسنترومير القديم!

السنترومير القديم اختفى فجأةً دون أي أثر!

دائمًا حينما يُفتقد البُرهان يظهر السحر!

34- يقول دُعاة النظرية: إننا اكتشفنا أنَّ: فرع العصب الحائر Recurrent Laryngeal Nerve يخرج من المخ، وبدلًا من الدخول مباشرة إلى الحنجرة، فإنه ينزل للأسفل، ويدور حول الأورطي، ثم يصعد مرةً أخرى للأعلى، وهذه اللفة دليل على أننا كنا أسماكًا، فما صحة هذه الدعوى؟

انظر دائمًا لحجم الدعوى وقارنْها بحجم الدليل عليها، وستعرف الفرق بسهولة بين صاحب الحق والمهرج!

أول معلومة للرد على هذه الفكرة الخُرافية أنَّ: هناك عصبًا حنجريًّا يدخل من المخ مباشرةً للحنجرة يُسمَّى Superior Laryngeal Nerve إذنْ لفة العصب الحائر Recurrent Laryngeal Nerve ستكون لهدف، ستكون لتحقيق مهمة محددة، سواءً عرَفنا هذا الهدف أو لم نعرفه!

فلو لم تتمَّ هذه اللفة ستحصل مشكلة.

وبالفعل تمَّ تشخيص حالة مرضية بسبب عدم حصول هذه اللفة، حيث يدخل في هذه الحالة المرضية يدخل العصب الحائر Recurrent Laryngeal Nerve مباشرة إلى الحنجرة دون هذه اللفة، وهذه الحالة المرضية تُسمَّى Non-recurrent laryngeal nerve"العصب غير الملتف" وهي الشكل الذي يتصوَّر دُعاة نظرية التطوُّر أنه النموذج الأفضل!

الغريب أنَّه تبيَّن أنَّ هذه حالة مرضية، وليست حالة طبيعية!

فنتيجةً لعدم نزول العصب الحائر Recurrent Laryngeal Nerve للدوران حول الأورطي، فإن المريض سيُصاب بـ: تضخُّم في بعض الشرايين الخارجة من الأورطي، ومشاكل في البلع والتنفُّس.

فالمعلومة التي أصبحت من بديهيات الطب الحديث أن فرع العصب الحائر وقت نزوله للالتفاف حول الأورطي، فإنه يقوم بتغذية المريء والقصبة الهوائية والقلب Deep cardiac plexus().

بل ومؤخرًا تم اكتشاف فوائد لهذه اللفة للعصب الحائر في المرحلة الجنينية!

35- يقول دُعاة النظرية: إنَّ شفرة فيروس النسخ العكسي Retrovirus توجد في نفس المكان تقريبًا في جينوم الإنسان والشمبانزي، وبالتالي السلف المشترك حتمًا أُصيب بهذا الفيروس ونقله للأحفاد: الإنسان والشمبانزي؛ فما حقيقة هذه الفرضية؟

الجواب أنَّ: هذه الشفرة المزعومة لفيروس نسخ عكسي داخل الشريط الجيني تبيَّن أنها شفرة وظيفية، وليست بفيروسٍ مرضي، بل هي شفرة لتسلسُل وظيفي يؤدي مهمة حيوية في الخلية.

فهذه الشفرة تساعد الجين P53 في عمليات تنظيمية للجينوم، وهذا الجين لو حصل خلل في وظيفته، فإنه قد يؤدي للإصابة بالسرطان -عافانا الله وإياكم.

فنِصْف إصابات السرطان سببُها المباشر: خلل في الجين P53.

فما يُزعم أنها شفرات لفيروس النسخ العكسي هي شفرات وظيفية، وليست فيروسًا مرضيًّا!

هي شفرات تسلك كجينات طبيعية تمامًا، وتؤدي وظيفتها باقتدار، فهي ليست إصابة، ولا يتعامل معها الجينوم كإصابة مرضية!

ولو كانت إصابة مرضية، فمن المعلوم في علم الوبائيات -وهو مجال عملي- أنَّ الخلية عندما تُصاب بفيروس فإنها تموت، فيما يُعرف بالموت المبرمج للخلية Apoptosis، هذا فضلًا عن أنْ تظل حيَّةً، فضلًا عن أن تكون هذه الخلية هي النطفة التي ينشأ منها الجنين، والتي في العادة تكون من أنقى وأصلح الخلايا على الإطلاق.

لكن قد يسأل سائل ويقول: كيف توجد نفس الشفرة في نفس المكان؟

في عالم الكائنات الحية نجد شفرات مشابهة لشفرات فيروس النسخ العكسي في نفس المكان لكائناتٍ حيَّةٍ، دُعاة التطوُّر بأنفسهم يعترفون أنها سلكت طرقًا تطوُّرية مختلفة!

إذنْ السؤال سيعود على نفس دُعاة النظرية: كيف يسلك كائنانِ طريقينِ تطوُّريينِ مختلفينِ، ثم توجد بهما نفس الشفرة في نفس المكان؟

وهذا ما نراه مثلًا في آكلات اللحوم كالثعالب، والمُجترات كالأغنام.

مع أنَّ كلًّا منهما سلك طريقًا تطورية مختلفةً تمامًا.

ونجد نفس الأمر عند قردة البابون والقِطط في نفس المكان بالضبط!()

فإما أن تقبل أنَّ هذا أمر طبيعي، أن توجد شفرتان في نفس المكان، ولا عَلاقة لهذا بإثبات تطوُّر كائن من آخر، وإما أن تُوجِد لنا مبررًا لهذه المطابقة بين شفرتين في نفس المكان لكائنين غير مرتبطين تطوريًّا!

بل والأعجب من كل ما سبق: أنَّنا لو استخدمنا هذه الدعوى، دعوى أنَّ شفرة فيروس النسخ العكسي في نفس المكان لكائنين مختلفين دليلٌ على التطوُّر، لو استخدمنا نفس هذه الدعوى بنفس هذه الصورة، فإنها ستكون دليلًا على خطأ النظرية.

دعونا نشرح كيف ذلك؟ وركزوا جيدًا:

اكتشف العلماء شفرة فيروس نسخ عكسي موجودة في الشمبانزي والغوريلا والقردة الإفريقية وقردة العالم القديم، ولا توجد هذه الشفرة في الإنسان؛ إنها شفرة الـ PTERV1.

طبقًا لأدبيات التطوُّر، فإن السلف المشترك للإنسان والشمبانزي انفصل عن الغوريلا قبل انفصال الإنسان والشمبانزي، وبالتالي فلو وُجدت شفرة فيروس نسخ عكسي في الغوريلا والشمبانزي في نفس المكان، إذنْ حتمًا ولا بد أن توجد في الإنسان، وإلا فشجرة التطوُّر وهم!

السلف المشترك للإنسان والشمبانزي انفصل عن الغوريلا قبل انفصال الإنسان والشمبانزي! هذا كلام دُعاة النظرية.

فلو وُجدت شفرة فيروس نسخ عكسي في الغوريلا والشمبانزي في نفس المكان، إذنْ حتمًا ولا بد أن توجد في الإنسان، وإلا فشجرة التطوُّر غير صحيحة!

والعجيب أنَّ هذا ما حدث فعلًا!

حيث إنَّه طبقًا لدراسة عِلميَّة نشرتها مجلة الساينس دايلي العِلميَّة Science Daily توجد شفرة فيروس النسخ العكسي من نوع PTERV1 في الغوريلا والشمبانزي، ولا توجد في الإنسان، وهذا يُسقط التطوُّر ككل بنفس أدوات احتجاج التطوُّريين!

بالمناسبة هذه الأسئلة الثلاثة السابقة هي أشهر دلائل نظرية التطوُّر على الإطلاق!

والنتيجة التي نصل إليها بعد تفنيد أشهر أدلة التطوُّر أنَّ: التطوُّر هو تخمين فلسفي وافتراضات عقلية لا أكثر!

أما العلم والبحث المُدقق، فدائمًا ما يُحرِجان هذه النظرية.

الإيمان بالنظرية سهل؛ لأنه المبرر البديهي للمادية، لكن أن تؤمن شيء وأن تثبت إيمانك شيءٌ آخر تمامًا.

36- ما حقيقة الأعضاء الأثرية أو الأعضاء الضامرة في جسم الإنسان؟

الأعضاء الأثرية أو الأعضاء الضامرة كانت واحدة من أشهر أدلة النظرية قديمًا، فقبل أكثر من مائة عام من الآن كانت هناك قائمة طويلة من الأعضاء الأثرية التي تخيَّلوا أنها بقايا تطوُّر، حوالي مائة وثمانين عضوًا، وكلما كان العلم يتوسع ونكتشف فوائد لهذه الأعضاء، فإنَّ العدد يقلُّ في القائمة، واليوم نحن تقريبًا لا نعرف عضوًا بلا فائدة!

وبهذا تصبح دعوى النظرية حُجَّةً عليها، إذ لو كانت النظرية صحيحة، فالمفترض أن الأعضاء الضامرة كثيرة جدًّا، ومع الوقت نرصد أعضاءً جديدة بلا فائدة، لكن العكس هو الذي حصل!

والغريب أنهم كانوا يشيرون إلى أعضاء نعرف اليوم أننا لا يمكن أن نستغني عنها، لكن لقلة العلم في ذاك الوقت، كانوا يشيرون لها باعتبارها بقايا تطوُّر!

مثال على ذلك: كانوا يشيرون إلى الغدة الجار درقية والمسؤولة عن توازُن الكالسيوم في الدم، كانوا يشيرون إليها باعتبارها بقايا تطوُّر().

الغدة الجار درقية التي لو قلَّ إفرازُها، فإنَّ الإنسان يحتاج علاجًا تعويضيًّا مدى الحياة، وإلا قد يُصاب بمشاكل خطيرة في العظام والأعصاب، كانوا يعتبرونها بقايا تطوُّر!

بل والأعجب أنهم كانوا يتخيَّلون أنَّ الغدة النخامية التي هي مركز الهرمونات في الجسم أنها بقايا تطوُّر.

الغدة النخامية التي هي من عجائب الخلق الإلهي، والتي حجمُها لا يتجاوز حبة الفاصوليا ووزنُها حوالي نصف جرام.

ونظرًا لهذا الحجم الصغير، فقد ظنوا أنها بقايا تطوُّر، لكن نكتشف بمرور السنوات أنَّ هذه الغدة الصغيرة تفرز مجموعة هُرمونات غاية في الخطورة والأهمية، مثل: هرمون النمو، والذي لو ازدادت نسبته بمقدار يُقاس بأجزاء من المائة مليون من الجرام، فإنه يؤدي إلى مرض العَمْلقة، ولو قلَّ بأجزاء من المائة مليون من الجرام، فإنه يؤدي إلى مرض التقزُّم.

تغيُّرات كاملة في بِنية الهيكل العظمي عملقة أو تقزُّم نتيجةً لزيادة أو قلة بهذا القدر البسيط، والمدهش من هرمون النمو الذي تفرزه هذه الغدة، وهذه النقطة ذكرناها سابقًا.

أيضًا هذه الغدة الصغيرة الغدة النخامية تُفرز مجموعة معجزة من الهرمونات بجانب هرمون النمو، فهي تُفرز هرمونات لضبط ضغط الدم، وهرمونات تشغيل الغدة الدرقية، وهرمونات التبويض، وهرمونات البلوغ، وهرمونات إفراز اللبن، قائمة طويلة من الهرمونات المعجزة من هذه الغدة الصغيرة.

كان دُعاة النظرية يتخيَّلون أنَّ هذه الغدة المعجزة بقايا تطوُّر لصغر حجمها!

أيضًا دُعاة النظرية كانوا يعتبرون أنَّ الغدة الدَّمْعية التي تُفرز الدموع بقايا تطوُّر؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون بعدُ خصائص وأهمية الدموع لعين الإنسان().

وهذه صورة غلاف الكتاب الذي تحدَّث عن هذه الغدد المعجزة باعتبارها بقايا تطوُّر!

هذا الكتاب وصمة عار في جبين النظرية!!

تخيَّلْ أيها الإنسان! لو وقعتَ تحت يد جراح يؤمن بنظرية التطوُّر قبل قرن من الزمان؟

كم من الأعضاء كان سيسلُب من جسدك، ويُلقيها في سلة المُهمَلات باعتبار أنَّ هذه الأعضاء بقايا تطوُّر لا فائدة منها!؟

لكن بعد مُضيِّ قرن من الزمان هل توقَّفت الخرافة؟

العجيب -بل أقول والمقزز- أن هذا الطرح لم يتوقف حتى الساعة؛ لأن التطوُّر لو كان صحيحًا، فحتمًا هناك عدد لا بأس به من بقايا التطوُّر!

لذلك هم يُروجون لضرورة وجود بقايا تطوُّر في الإنسان!

وللأسف هنا تتحكم الأيديولوجيا في العلم!

هنا تصير الأيديولوجيا هي المُسيطِرة وهي المُوجِّهة، بينما يصبح العلم والبحث العلمي تابعَينِ مُوجَّهَينِ لا مُوجِّهَينِ.

للأسف ما زالوا يُروجون لعددٍ -وإن كان قليلًا من الأعضاء- باعتباره بقايا تطوُّر، ومن بين هذه الأعضاء: الزائدة الدودية.

كنت أقرأ بالصدفة في كتاب الجراحة الذي يدرُسه طلبة الطب في جامعة عين شمس، فوقعت عيني على هذه الفقرة: Appendix is the tonsil of GIT().

الزائدة الدودية بالنسبة للجهاز الهضمي كاللوزتين بالنسبة للجهاز التنفسي، الزائدة الدودية نظام مناعي للجهاز الهضمي كما أنَّ اللوزتين نظام مناعي للجهاز التنفسي!

هذا ما يدرُسه طلبة الطب في مدرجات الجامعات، وهذا على العكس تمامًا مما يُقال في كتب شرح نظرية التطوُّر.

العلم شيء وما يُروِّج له دُعاة التطوُّر في كتبهم شيءٌ آخر.

وطبقًا لمجلة ساينس دايلي Science Daily العِلميَّة فإنَّ: الزائدة الدودية هي البطل الخفيُّ في منظومة مناعة الجهاز الهضمي؛ ولذلك مَن يقوم بإجراء عملية الزائدة الدودية يكون عُرضة أكثر من غيره للإسهال!

بل والزائدة الدودية قد تُنقذ حياتك، وهذا عنوان لمقال آخر للـScientific American.

37- لكنهم مازالوا يقولون إنَّ ضرس العقل بقايا تطوُّر؛ فهل هذا صحيح؟

ضرس العقل في الأنظمة الغذائية التي تتطلب مضغًا كبيرًا هو حاجة ماسَّة فعليًّا، فهو ضروري لمزيد مساعدة في طحن الطعام!

فمن يحتاج لمضغ أكثر كأغلب دول العالم هو بحاجة فعليَّة لضرس العقل().

وعدم استخدام ضرس العقل هو نتيجة الاعتماد على الأكلات السريعة الـJunk food أما الذي يأكل بنظام غذائي متوازن صحيح غني بالخضراوات، كالبيئات التي تعتمد على الإكثار من المضغ، ففي هذه البيئات يُعتبر ضرس العقل حاجة طبيعية().

ثم بعيدًا عن كل هذا!

تفكَّرْ أيها الإنسان في أسنانِك اللبنية التي تسقط ذاتيًّا، وتحلُّ محلها أسنان قوية تناسب المرحلة العمرية التي أنت مقبلٌ عليها، ألَا يدلُّ هذا على الخلق الإلهي المُتقن لكل ما تحتاج له بحسب مرحلتك العمرية؟

وبعد ظهور الأسنان القوية الدائمة يظهر ضرس العقل في مرحلة تالية ليضم الأسنان، ويغلق الفراغات بين الضروس.

فحكمة الخَلْق تجعلك تعلم أن لكل شيءٍ فائدة، حتى ولو خفيت عليك في لحظتك الراهنة!

38- وماذا عن الفِقْرات العُصعصية المسؤولة عن ربط بعض العضلات والأربطة والأوتار في منطقة الحَوض، والمسؤولة عن دعم حمل وزن الإنسان خاصةً وهو جالس؟

الغريب في هذا المثال أنهم أصبحوا يعرفون جيدًا فوائد هذه الفِقْرات، لكنَّهم يُصرون على أنها بقايا تطوُّر؛ لماذا: لأن هذه الفقرات في تخيُّلهم هي بقايا ذيل!

هم يتخيلون ثم ينسبون لفقرات تقوم بوظائف حسَّاسة ينسبون لها خيالاتهم!

عجيب أمر هؤلاء!

هل وُجد إنسان ببقايا ذيل في تاريخ البشر حتى يضعوا هذه الافتراضات؟

سيجيبك دُعاة النظرية: نعم! هناك أطفال يولدون بزوائد لَحْميَّة في أسفل الظهر!

والرد ببساطة أنَّ: هذا كذب صريح على العلم التشريحي للأعضاء.

لأن الزوائد اللحمية تظهر في أي مكان بالجسم، والفرق بين الزوائد اللحمية وبين الذيل تشريحيًّا فرق جوهري، فالذيل يحتوي على فقرات أو غضاريف، وهذا ما يُميز الذيل كما تقول الـ The New England Journal of Medicine, هو الفقرات، أما بدون الفقرات فلا يكون ذيلًا().

والسؤال الآن: هل تم اكتشاف زائدة لحمية واحدة أسفل الظهر بها فقرات في تاريخ البشر؟

تُجيب الـ Journal of Neurosurgery مِجلَّة جراحة الأعصاب، وهي واحدة من أكبر المجلات الطبية عن هذا السؤال قائلةً: "لا توجد زائدة لحمية واحدة في البشر بها فِقْرات أو غضاريف أو أي شيء من هذا القبيل"().

فخُرافة بقايا الذيل في الإنسان لم يعد لها وجود في كتب العلم!

39- لكن هل بالفعل هناك جزء من الشريط الجيني بلا وظيفة، يُطلقون عليه الـDNA الخردة في الإنسان Junk DNA؟

كانوا يظنون أن هناك جزءًا من الشريط الجيني بلا وظيفة بالفعل في الإنسان، وأطلقوا عليه لقب: DNA خردة.

العجيب والمدهش أنه ثبت مؤخرًا أن الـDNA الخردة هو مايسترو الجينوم، هو مدير عمل الجينوم.

هو المنظم لأعقد العمليات الحيوية في الجينوم.

بل ووصفته مِجلَّة الـ Scientific American بـ: منبع الكنوز الخفية!

وتأسَّس عِلم عملاق على الـ Junk DNA، وهو علم الـ Epigeneticsلدراسة خصائص وعمل الـJunk DNA.

عِلم كامل تأسَّس على شيءٍ كان يُعتقد يومًا ما أنَّه خردة!

40- لكن هل بُصيلات شعر الإنسان بقايا تطوُّر؟

بُصيلات الشعر هي أداة للإحساس؛ وهي خط إنذار أول تُخبرك مثلًا بأنَّ هناك حشرةً ضارَّة.

أيضًا للشعر قيمة جمالية لا تخفى.

هذه أمور يعرفها البشر بطبيعتِهم!

لكن الغريب أنَّه تبيَّن مؤخرًا منذ حوالي أربع سنوات تقريبًا أنَّ بُصيلات الشعر تبني الطبقة السطحية للجلد، حيث تقوم بعمل إعادة تجديد للطبقة الخارجية للجِلد Re-epithelialization، وإلا لاحتجنا ترقيعًا للجلد مع كل جُرحٍ بسيط.

وفي دراسة عِلميَّة جميلة توكيدًا على هذا الكلام، أجريت في العام ألفين وخمسة عشر على أربع عشرة حالة بها جروح تمَّ فيها زرع بُصيلات شعر لدراسة دورها في التئام الجروح، تبيَّن من خلال الدراسة أن بصيلات الشعر كان لها دور رئيس في بناء الطبقة السطحية للجلد في كل الحالات، بل وحصل التعافي التام للجميع بعد زرع بُصيلات الشعر!

وتنتهي الدراسة إلى أن بصيلات الشعر بالفعل لها أهمية ثبتت عِلميًّا في عملية التئام الجروح().

هذه بصيلات الشعر التي ظُنَّ يومًا ما أنها بقايا تطوُّر.

41- وماذا عن القُشَعْريرة؟

القُشَعْريرة مرتبطة أساسًا بالانفعالات النفسيَّة والمعنويَّة: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر: 23].

لكن الغريب أيضًا أنه ثبت مؤخرًا أن القُشَعْريرة مسؤولة عن إخراج المادة الدُّهنية من الغدد الدهنية المنتشرة على الجِلد.

42- وماذا عن الجفن الثالث في الإنسان؟

الجفن الثالث لنظافة العين ولرطوبتها.

43- وماذا عن العظام في مِنطقة الحَوض في الحيتانِ، هل هي بقايا تطوُّر؟

امتلأت المواقع الداعية للتطوُّر بهذه الدعوى!

لكن نكتشف منذ سنواتٍ قليلة أن العظام في مِنطقة الحوض في الحيتان هي التي تمسك عضلات العضو التناسلي في الحوت، أي أنَّ لها دورًا رئيسيًّا في التكاثر!

تقول مجلة الساينس دايلي Science Daily في مقالٍ لها: "العظام التي تخيَّلنا أنها بقايا تطوُّر تبيَّن أنها هامة لعملية التكاثر"().

كل الأعضاء هي مُسبقة التجهيز لوظائف خاصَّة ستقوم بها.

كل الأعضاء تخضع لمنظومة تدبير الخَلْق وكمال التقدير ودقيق الحكمة، سواءً عرَفنا فائدة هذه الأعضاء والحكمة منها أو لم نعرف بعدُ!

لا توجد ذرَّة في الكون بلا فائدة: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88].

لكن أكثر الناس لا يؤمنون!

لم أقرأ في حياتي عن عضوٍ من أعضاء الإنسان، باعتباره بقايا تطوُّر أو إرث تطوُّري في أي كتاب طبي على الإطلاق.

للأسف التطوُّر أصبح أيديولوجيًّا وليس علمًا.

كُتُب أوصي بها

هذه مجموعة كُتُب أوصي بها لمَن يريدون التصدي للموجة الإلحادية والدعوة إلى الله على بصيرة وحكمة وعلم في نقد الإلحاد:

1- التفسير الميسر: من أعجب وأيسر التفاسير.

أوصي أن تقرأ كل يومٍ وِردًا من القرآن الكريم، وليكن نصف حزب، تقرأ الآيةَ ثم تقرأ تفسيرها وهكذا؛ ستنفتح لك أبواب الحكمة إن شاء الله!()

2- معالم السُّنَّة النبوية للشيخ صالح الشامي: وهذا الكتاب من كنوز وجواهر كتب المعاصرين، حيث جَمع فيه الشيخ صالح الشامي جميع الأحاديث النبوية الصحيحة مع حذف المُكرر، ووضع طريقة جديدة للتبويب تتفق مع متطلبات العصر!

أُوصي بقراءة عشرة أحاديث يوميًّا من هذه الموسوعة!

3- كتاب اختراق عقل للدكتور أحمد إبراهيم: وأنا أوصي بهذا الكتاب بشدة في القضايا المتعلقة بالفيزياء والإلحاد؛ لأن الكتاب يناقش هذه القضايا باحترافية عِلميَّة وتدقيق وتوثيق، وفيه أيضًا ردود على شبهات إلحادية أخرى مختلفة().

4- النبأ العظيم للدكتور عبد الله دراز: كتاب فيه من فتوح براهين إثبات أن القرآن كلام الله الشيء الكثير().

5- براهين وجود الله للدكتور سامي عامري: من أجمل وأكثر الكتب دقَّةً وتوسُّعًا في سرد الأدلة على وجود الله سبحانه().

وفي الأخير

أذكركم ونفسي وكل طالب علم وكل باحث عن الحق وكل داعية إلى الله؛ أذكركم بتجديد نية الإخلاص لله سبحانه، فبركات الإخلاص عظيمة والله.

إذ ليست العبرةُ بمن سبق، إنما العبرةُ بمَن صَدق!

والإخلاص هو مَناط قبول العمل؛ «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ، مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : لَا شَيْءَ لَهُ، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: لَا شَيْءَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ»().

والمخلصون الذين لم تغُرَّهم لُعَاعة الدنيا هم أوَّل مَن يدخل الجنة يوم القيامة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هَلْ تَدْرُونَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلمُ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ الْفُقَرَاءُ وَالْمُهَاجِرُونَ، الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وَيُتَّقَى بِهِمُ الْمَكارِهُ، وَيَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ، لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً»().

والإخلاص والتقوى يتبعهما العطاء، قال ربُّنا سبحانه: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [طه: 112].

{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2].

{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4].

فهذه قاعدة متكررة بوتيرة ثابتة في القرآن الكريم: الاتباع يتبعه العطاء!

واعلم أن مِفتاح النصر على الملحدين هو بالإخلاص والتقوى والصبر!

قال الله عز وجل : {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].

بالصبر عن معصية الله، والصبر على الطاعة، والصبر على الدعوة إلى الله سبحانه، أما اليقين فيتضمَّنُ العلمَ الراسخَ والطُّمأنينة بالله وبنصره سبحانه!

فبالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، ويفتحِ الله لك قلوبَ العباد.

وإذا ضعفتَ وأذنبتَ فاستغفِرْ، ضعفتَ وعُدتَ للمعصية استغفِرْ ثانية، وهكذا؛ وإيَّاك أن تَمَلَّ، وأكثِرْ من قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فهو أحبُّ الكلام إلى الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا يَضُرُّكَ بِأيِّهِنَّ بَدَأْتَ»().

فهذا الذكر يُساقِط ذنوب العبد كما ورد أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم** ()**.

بل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ ضَنَّ بِالْمَالِ أَنْ يُنْفِقَهُ، وَخَافَ الْعَدُوَّ أَنْ يُجَاهِدَهُ، وَهَابَ اللَّيْلَ أَنْ يُكَابِدَهُ، فَلْيُكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ().

فدائمًا بادِرْ بتطهير نفسِك أولًا بأول، وعليك أن تعلم أنه لا يظهر ملحد إلا بمعصيةٍ منا.

عافانا الله وإياكم وأصلح الله الملحدين لما فيه الخير والصلاح لهم. آمين.


والآنَ لنبدأ على بركة الله: