الفصل الأول
منكرو السُّنَّة
1 - ما هو فكر التنوير؟
ج: التنوير هو حركة عالمية ظهرت في الأساس للحرب على الدين، أو بالأدق: لتحييد الدين جانبًا.
فهدف التنوير هو: إبعادُ الدين عن المجتمع.
وقد قامت هذه الحركة بهذا الأمر في أوروبا قبل قرنين من الزمان؛ ولذلك لم تمضِ عقود قليلة حتى تحوَّلت أوروبا للإلحاد.
وقد ظهَرت مؤخرًا نفس هذه الحركة بالأهداف نفسها في عالمنا الإسلامي.
فهدف حركة التنوير: إزاحة وإبعاد الدين عن حياة الناس.
وفي الواقع ففكرة التنوير تختلف جذريًّا عن فكرة الإلحاد، وإنْ كان كلاهما يهدف لمشروع كفري يبدأ بخفوت التسليم للنص الشرعي في قلب الشباب، وينتهي بضياع الإيمان ومداهنة ومعاقرة أي إلحاد.
لكن تظلُّ السمة المميِّزة لمشروع دعاة التنوير ليست إلحاد الناس ذاك الإلحاد المادي، وإنما: لا مانع أنْ يظل الناس مسلمين، لكن يصير إسلامهم إسلامًا شكليًّا.
فلا يأخذ الناس من الإسلام إلا بعض المعاني الأخلاقية، وبعض الجماليات في المعاملات، لكن يصبح الدين في الأخير مفرغًا تمامًا من محتواه.
فيتحوَّل الدين إلى مجرد طقوس تُؤدَّى!
والهدف الأساسي من حركة التنوير هو أن يصبح الدين تابعًا لثقافة العصر السائدة، ولا يُظهِر أية ممانعة للقيم السائدة مهما كان انفساخها أو انحلالها أو تميعها.
فحركة التنوير تريد دينًا لا يمانع الشيوعية حين ظهرت في القرن الماضي، ولا يمانع ليبرالية القرن الجديد، ولا يمانع أية فكرة مستقبلة يراها الناس.
وبهذه الصورة فالإسلام يُمثّل مشكلة كبيرة لحركة التنوير؛ لأنَّ الإسلام الذي أنزله الله على نبيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بالحق، هذا الإسلام يدخل في كل كبيرة وصغيرة في حياة الإنسان، ولا طريق فيه لمداهنة الباطل أو الفساد، ولا يقبل أية صورة من صور الإلحاد.
ولذلك فهذا الإسلام عند حركة التنوير مرفوض مرفوض مرفوض.
فهم يريدون أُمةً من الناس لا تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا.
وقد أخبر الله عز وجل عن حال الناس في آخر الزمان، وأنَّ هذا سيصير حالهم فعلًا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يأخُذَ اللهُ شريطتَه من أهلِ الأرضِ فيبقى فيها عَجاجةٌ لا يعرِفونَ معروفًا ولا يُنكِرونَ مُنكرًا"().
فدعاة التنوير يريدون التعجيل بهذه المرحلة.
يريدون التعجيل بتدجين هذه الأمة بالكامل حتى تفقد أية مقاومة مقدسة، وتفقد الغيرة على أي ثابت من ثوابت الشريعة.
يريدون أن تفقد الأمة استعلاءها بإيمانها، فيصير المسلمون: "حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ التَّمْرِ والشَّعِيرِ، لا يَعْبَأُ اللَّهُ بهِمْ شيئًا"().
وعلى أمثال هؤلاء تقوم الساعة.
فالساعة ستقوم على الذين تم تدجينُهم بالكامل، ممن لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، وبالتالي لا يكون لإيمانهم اعتبار في قلوبهم، ولا ينشغلون بعقيدتهم، ولا يرفعون بها رؤوسهم، فيصيرون أتباعًا لأية قيم سائدة مهما كان شذوذُها أو انحلالُها.
فعلى مثلهم تقوم الساعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يُقْبَضُ الصَّالِحُونَ، الأوَّلُ فَالأوَّلُ، وتَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ التَّمْرِ والشَّعِيرِ، لا يَعْبَأُ اللَّهُ بهِمْ شيئًا"().
وأمثال هؤلاء لا تتمعَّر وجوههم غضبًا أمام انتهاك محارم الله، ولا ينشغلون بها أصلًا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ"().
وفي الرواية الأخرى: "فيهدِمُها حجَرًا حجَرًا، ويَرْمي بها في البحرِ"().
تخيل!
تُهدم الكعبة حجرًا حجرًا، ويُرمي بها في البحر، ولا أحد يعترضُ.
ومَن سيعترض سيكون ضد التنوير.
فحتى تكون تنويريًّا، تقبَّلْ هدم مقدساتك.
وإياك أن تعتزَّ بدينك.
أو يتمعَّر وجهُك لانتهاك مقدساتك.
هم يريدون هذا النوع من الإسلام، ويسعَون لظهوره.
يريدون إسلامًا عالمانيًّا.
يريدون إسلامًا مُميعًا.
يريدون إسلامًا رخيصًا في قلبك.
يريدون إسلامًا بنكهة البوذية.
فإذا جلست وعملت جلسة الاسترخاء والتأمل الخاصة بك، وأخذت الطاقة الروحية التي تحتاجها، فالآن يمكنك أن تنطلق للعمل.

هذا هو منتهى الدين عندهم.
مجرد استرخاء طقوسي.
يريدون تبويذ الإسلام (تبويذ: تم نحتها من لفظ البوذية).
يريدون إفقاد الإسلام معناه.
ومن العجيب أنَّ مشروع دعاة التنوير بدأ ينتشر في بلادنا الإسلامية، وأصبحت هناك برامج تُنكر الأحاديث النبوية علنًا، وبرامج ثانية تدَّعي تنقيح كتب التراث، وثالثة تدَّعي تجديد الخطاب الديني، وطبعًا هناك تجديد مطلوب للخطاب الديني سنتحدَّث عنه فيما بعد، لكن مشروع حركة التنوير ليس هدفه تجديد الخطاب الديني، وإنما هدفه إسقاط قيمة الدين من قلب الشاب المسلم والفتاة المسلمة، فهم يَعمدون إلى إسقاط تسليمنا للنص الشرعي بالهجوم على السُّنة النبوية، والسخرية من سلف هذه الأمة، وتأويل القرآن وَفْق أهوائهم.
إذن فغاية حركة التنوير هي: تأويلُ النص الشرعي بإخراجه عن معناه وعن مراد الشارع منه حتى يتوافق مع الثقافة التي يريدونها، فيتقبَّل المسلم أية قيم سائدة مهما كان تفسُّخُها.
إذن فالهجوم على السُّنة النبوية، والهجوم على منهج العلم الحديثي في جمع الحديث النبوي، وازدراء علماء المسلمين كالبخاري، والهجوم على سلف هذه الأُمة، ونقد التراث، كل هذا حتى يتسنَّى في الأخير لدعاة التنوير أنْ يُؤولوا النص الشرعي بإخراجه عن معناه وعن مراد الله منه؛ فيتوافق مع أي تصور دنيوي يريدون، وبالتالي لن تكون هناك مُمانَعة مِن تَقبُّل أية ثقافة وافدة، ولو كانت شذوذًا أو إلحادًا أو زنًا بالتراضي.
ويبدأ مشروع دعاة التنوير دائمًا بالهجوم على أهل العلم وحَمَلة الشريعة، والاستخفاف بسلف هذه الأمة، فإذا سقطت قيمة أهل العلم تسنَّى لهم في مرحلة تالية تأويل النص الشرعي بإخراجه عن سياقه، وعن معناه، وعن مدلوله لموافقة أي هوًى يريدون.
ويمكنهم في هذه المرحلة تضعيف ما ثبت من أحاديث؛ لأن الذين نقلوا هذه الأحاديث هم العلماء الذي تم تجريحُهم منذ قليل.
وسيقوم دعاة التنوير بإنكار ما أجمعت عليه الأمة، وسيُهاجمون ثوابت هذا الدين ولا أحد يعترض؛ لأن الذين قرَّروا هذه الثوابت هم العلماء الذين سقطت قيمتهم في قلب الشاب المسلم والفتاة المسلمة منذ قليل.
إذن الغاية في الأخير هي العبثُ في دين الله بدون ضابط، وليس هناك أهل علم ترجع إليهم فكلهم مُجرَّحون.
فإذا سقط أهل العلم في نظر الناس، هنا سيقوم التنويري بتفسير الدين وَفْق ما يرى.
وساعتها من البديهي أن يضيع الدين على أيديهم، وتضيع العقيدة.
ودائمًا يدخل التنويري على المسلم بطريقةٍ لطيفةٍ فيقول له: أنا مشروعي تنقية التراث، وتنقيح الكتب السابقة، فهدفي أن ننتشل المسلمين من الجهل، وأن ننهض، وأنا أريد أن أقدّم الإسلام للغرب دون أن يأخذوا علينا شيئًا، فأنا أريد أن أُجدد الخطاب الديني.
وهذا كلام ظاهره جميل: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون: 4].
لكنه بعد قليل!
سيُنكر الأحاديث النبوية.
لأن هذه الأحاديث لا يقبلها عقل المواطن الغربي اليوم.
وبعدها: سيُكَذِّب بثوابت هذه الشريعة، بدعوى تقديم الإسلام للغرب.
ولا مانع أن يُسقط أمورًا مُتفقًا عليها حتى يُنقي الدين بزعمه، ويُنقِّح كتب التراث.
إذن فالتنويري أثناء حديثك معه ودون أن تدري: يزرع لك قنابل موقوتة في قلبك، وفي عقيدتك، وفي أصل تسليمك لشرع الله، وفي أصل اعتزازك بثوابت الدين.
فهو يزرع هذه القنابل بمنتهى الدهاء.
وبعد أيام أو شهور تعود إلى نفسك، فتجد الشبهات قد اجتاحت حياتَك، إن لم تكن ألحدتَ.
فالتنويري قام بتشكيكك في أصول وثوابت شرعية لم تختلف عليها الأُمَّة عبر كل تاريخها.
واستطاع أن يهُزَّ ثقتك في أهل العلم، وعليه قام بتكذيب ما صحَّ من دين الله.
فتبدأ تفقد خشوعك في صلاتِك، ثم تفقد لذة الطاعة، ثم قد تفقد الصلاة والإيمان وكل شيء!
يقول التنويري حسن حنفي معترفًا بكل هذا: "التنوير هو شُغل حرب عصابات، ازرع قنابل موقوتة في أماكن متعددة، وستنفجر"().
التنوير شغل حرب عصابات!
ازرع الشبهات بحجة تنقيح التراث، وتنقية الخطاب الديني.
وأنكِر الحديث النبوي الصحيح، وأنكِر المعلوم من الدين بالضرورة، بحُجة الرغبة في نهضة هذه الأمة.
وبعد أن تتمَّ زراعة قنابل الشبهات في قلبك، وفي إيمانك، سيقول لك: أنا أكره الملحدين، وأخاف على الإسلام، وأحترم النبيَّ محمد.
فالتنويري يعبث بإيمانك وهو يرتدي عباءة المسلم؛ ولذلك هو أخطر بألف مرة من الملحد الصريح؛ لأنه يعمل من داخل المنظومة الإسلامية لتوليد الطرح الإلحادي.
فهو يغزل الإلحاد في مصنع الإسلام.
وهذا من أخطر ما يكون.
هذا أخطر ما يهدد الشباب الذين لا يفهمون هذا المكر الذي يُحاك لهم، ويُحاك لدينهم ولعقيدتهم، ولأصل تسليمهم بشرع الله عز وجل .
فالتنويري يعمل على تأويل النص الشرعي من داخل المنظومة الإسلامية حتى يتوافق هذا التأويل مع أي هوًى.
والتنويري لن يقول لك: إنَّ الخمر حلال.
هو سيقوم بتأويل النص الشرعي حتى يجعل الخمر حلالًا.
وهذا هو الفرق بين التنويري والملحد:
فالملحد يقول: الخمر لا مشكلة فيها.
أما التنويري فيقول: سأقوم بتأويل النص الشرعي حتى أثبت لك أن الخمر حلالٌ.
فالتنويري يعمل من داخل المنظومة الإسلامية؛ لتوليد الطرح الإلحادي الكفري.
وبطبيعة الحال فالتنويري يكفر بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، ويُنكر ما أجمعت عليه الأُمَّة عبر كل تاريخها، ويجعل كل ما اتُفق عليه مختلفًا عليه.
ويُبرِّر لإنكاره ثوابت الشريعة بأنَّ هذه الثوابت مسائلُ عفا عليها الزمن... فهو يجعل بديهيات شرعية أمورًا فيها نظر بأي حجة، وبأي طريق.
إذن فهدف التنويري في الأخير تفريغ الدين من أصوله وثوابته، وجَعْل المسلمين: حُفَالَةً كَحُفَالَةِ التَّمْرِ والشَّعِيرِ بلا وزنٍ ولا قيمةٍ.
حين أخبر القرآن الكريم في أول سورة البقرة عن الكافرين تحدَّث عنهم في آيتَينِ اثنتَينِ:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 6- 7].
ثم تأتي بعد ذلك ثلاث عشرة آية في بيان أساليب المنافقين، وبيان حيلهم ومكرهم وخدعهم التي يدخلون بها على المسلمين.
فالمنافقون الذين يَظهرون بمظهر الذي يريد الإصلاح، وتنقيح التراث، وتقديم الإسلام للغرب، ونهضة الأمة، هم في حقيقة الأمر يريدون إفسادًا في الأرض... يريدون أن يُضيعوا على الناس آخرتهم... يريدون محاربة دين الله وإضلال المسلمين وفتنتهم عن دينهم بكل السبل.
قال الله عز وجل واصفًا حال هؤلاء:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8].
لا عَلاقة لهم بالإيمان.
{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9].
يخادعون الله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإبطان الكفر، وهم في الحقيقة يخدعون أنفسهم فقط.
{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10].
في قلوبهم شك، لكذبهم على الله وعلى الناس، وتكذيبهم بما يرون من دلائل هذا الدين، فزادهم الله شكًّا، ولهم عذاب شديد.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11].
وإذا نُهوا عن الإفساد قالوا: نحن مصلحون... نحن نريد تنقيح كتب التراث... نحن نريد تنوير هذه الأمة.
{أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12].
هم أصحاب الإفساد.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13].
وإذا قيل لهم: آمِنوا كما آمن سلف هذه الأمة... آمِنوا بما أجمعت عليه الأمة، قالوا أنؤمنُ كإيمان خِفافِ العقول؟
والحقُّ أنهم هم السفهاء، ولكنهم يجهلون ذلك.
{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14].
وإذا التقوا بالمؤمنين قالوا: نحن مثلكم مؤمنون.
وإذا انصرفوا عن المؤمنين إلى حزبهم قالوا: إنا معكم.
{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15].
الله يستهزئ بهم في مقابلة استهزائهم بالمؤمنين، فيُملي لهم؛ ليتمادَوا في ضلالهم وطغيانهم، فيبقون حائرين تائهين().
ثلاث عشرة آية من أول سورة البقرة تكشف أساليب هؤلاء الذي يسرقون آخرة الناس باسم التنوير.
فهؤلاء دعاة على أبواب جهنم من بني جلدتنا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أصله في الصحيحين: "تكونُ دعاةٌ على أبوابِ جهنمَ، مَنْ أجابَهم إليها قذفوه فيها، هم قومٌ مِنْ جِلْدَتِنا، يَتَكَلَّمُونَ بألسنتِنا، فإِنْ لم تَكُنْ جماعَةٌ ولَا إمامٌ، فاعتزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّها، ولَو أنْ تَعَضَّ بأصلِ شجَرَةٍ حتى يُدْرِكَكَ الموتُ وأنتَ كذلِكَ"().
فالزمْ جماعَةَ المسلمينَ وإمامَهم: الزْم ما اتَّفقت عليه هذه الأمة... الزمْ دين الله وشريعته... الزمِ المنهج الذي سار عليه سلف هذه الأمة... الزمِ الدعاة الصادقين إلى الله في زمنك.
فإِنْ لم تَكُنْ جماعَةٌ ولَا إمامٌ، فاعتزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّها، ولَو أنْ تَعَضَّ بأصلِ شجَرَةٍ حتى يُدْرِكَكَ الموتُ وأنتَ كذلِكَ: اعتزل الدنيا كلَّها المهم ألَّا تُفتن عن دينك.
قال الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153].
وقال عزَّ من قائل: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ: يترك ما اتفقت عليه هذه الأمة، فيُنكر السُّنة، ويُنكر الإجماع، ويَتبع كل هوًى، فهذا ممن يتبع غير سبيل المؤمنين.
{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159].
فَرَّقُوا دِينَهُمْ: جعلوا ما اتفقت عليه الأمة مُختلفًا فيه، فهؤلاء لستَ منهم في شيء.
ذاتَ يومٍ ذَكَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم شيئًا، فقالَ: ذاكَ عندَ أوانِ ذَهابِ العِلمِ، قال راوي الحديث زياد بن لبيد: يا رسولَ اللَّهِ، وَكَيفَ يَذهبُ العلمُ، ونحنُ نَقرأُ القرآنَ، ونقرئُهُ أبناءَنا، ويُقرئُهُ أبناؤُنا أبناءَهُم إلى يومِ القيامةِ؟ فقالَ صلى الله عليه وسلم : ثَكِلتكَ أمُّكَ زيادُ، إن كُنتُ لأراكَ مِن أفقَهِ رجلٍ بالمدينةِ، أوليسَ هذِهِ اليَهودُ والنَّصارَى يقرؤونَ التَّوراةَ والإنجيلَ لا يعمَلونَ بشيءٍ مِمَّا فيهِما().
يقرؤونَ التَّوراةَ والإنجيلَ لا يعمَلونَ بشيءٍ مِمَّا فيهِما: فليست القضية بأن تقرأ القرآن أو يكون القرآن في بيتك وسيارتك وعلى مكتبك، المهم أن تفهم القرآن فهمًا صحيحًا، وأن تعمل بما فيه، وألَّا تُخرجه عن معناه وسياقِه.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر باليوم الذي يذهب فيه العلم، حين يكون القرآن بين أيدينا ونتلوه، لكن لا نعمل بشيءٍ مما فيه.
والله المستعان.
فلا نجاة إلا بالالتزام بما شرع ربُنا، والتسليم للنص الشرعي.
وأنْ تُقصِّر في ألف طاعة خيرٌ من أن تنكر حرفًا مما أجمعت عليه هذه الأُمة، وسار عليه سلف هذه الأمة.
وإياك أن ترى أنَّ فلانًا يُدرك واقع الأمة اليوم؛ ولذلك فهو سيُضطر لإنكار ما أجمعت عليه الأمة؛ لأنَّ الوضع اختلف الآن، أنت بهذا وكأنك تقول: إنَّ الله لا يعلم الغيب، فهو سبحانه أنزل شرعَه في كتابه وسُنة نبيه، وأخبر أنَّ شرعه يُصلِح كل زمان ومكان، ويَصلُحُ لكل زمان ومكان، لكن أنت ترى أنَّ الوضع اختلف الآن، ويجب تغيير ما أجمعت الأمة عليه بحجة تغيُّر الزمن، فهذا إلحاد في دين الله.
قال عمر بن عبد العزيز: "قِفْ حيث وقف القومُ، وقُلْ كما قالوا، واسكُتْ عمَّا سكتوا؛ فإنَّهم عن عِلمٍ وقَفوا، وببصرٍ نافذٍ كَفُّوا"().
وإذا رأيتَ هوًى متَّبعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيهِ، فعليكَ بخاصَّةِ نفسِكَ، وَدَعْ عنكَ أمرَ العوامِّ().
أصلِحْ نفسَك، واتَّقِ ربَّك حتى تلقى الله وأنت كذلك، ولا تشغل نفسَك بمن سقط في هذه الفتن، وأجر الصابر في وقت الفتن عظيمٌ عند الله عز وجل .
أجره بأجر خمسين من الصحابة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم** ()**.
فهذا الأجر العظيم: لعظمة تلك الفتن، وتزيُّن الدنيا على أشُدها.
فاصبرْ نفسك، والتزمْ بشرع ربك، وحافِظْ على القرآن بتدبُّرٍ.
والزمْ ما كان عليه سلف هذه الأمة.
فلو فعلتَ فقد نجوتَ، وأنعِمْ بأجرك عند ربك.
نعود لسمات دعاة التنوير:
من سمات دعاة التنوير الذين يتبعون غير سبيل المؤمنين، أنهم دائمًا يؤكدون أنَّ أيَّ إنسان على خُلُقٍ حسنٍ فهو من أهل الجنة -باعتبار أنهم يؤمنون بالجنة أصلًا- حتى ولو كان نصرانيًّا أو يهوديًّا وَرَدَّ على الله وحيه، حتى ولو كان يعبد الأحجار، فطالما أنه مُهذب فهو من أهل الجنة.
فهم يرفعون مقام صاحب الخلق الكريم أيًّا كان دينه، ويعطوه صكًّا بالجنة.
وهذه فكرة خبيثة تُسمَّى الديانة الإنسانوية Humanism وهي تعني تعظيمَ حق الإنسان على حق الله، فلو اعتديت على حق الله في عبادته فلا مشكلة، المهم ألَّا تعتدي على حق الإنسان.
وقد ظهرت الديانة الإنسانوية؛ لأنَّه لا وجود لله في قلوبهم، فهم لا يعنيهم اعتداؤك على الدين، وكفرُك بربك، المهم لا تؤذي إنسانًا.
فلو آذيت إنسانًا فهذا غير مقبول، أما لو أضعت على إنسانٍ آخرته، ونشرت الشبهاتِ بين الناس، وحرَّضتهم على الكفر بالله، فهذه حرية تعبير، ولا يحقُّ لأحدٍ أن يمنعك.
فتضييع الآخرة الأبدية لا مشكلة فيها؛ لماذا؟ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة ابتداءً.
فهذه هي عقيدة الديانة الإنسانوية، والتي تعني الإيمان بالإنسان بديلًا عن الإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر.
فالديانة الإنسانوية هي جزء لا يتجزَّأ من حركة التنوير.
وأنا لا أدري كيف يؤمنون بحقوق الإنسان في عالم مادي، ينكرون فيه الخالق والغيب واليوم الآخر؟
كيف لهم الإيمان بالإنسان في عالمٍ كهذا؟
كلمة إنسان كما قلت من قبل هي كلمة ميتافيزيقية أصلًا.
كلمة تستمدُّ معناها من عالمٍ آخر.
فلا يوجد إنسان في العالم المادي الإلحادي.
يوجد في الإلحاد حيوان متطور لا فرق بينه وبين الطفيليات المعوية، كما يقول فرانسيس فوكوياما().
أما "إنسان" فلا وجود له في عالم الإلحاد.
فحين يكفر الإنسان بخالقه فإنه يكفر في الوقت نفسه بإنسانيته: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130].
فمن يرغب عن الدين يسفه نفسه، ويصبح لا فرق بينه وبين الطفيل المعوي.
أيضًا من سمات دعاة التنوير أنهم: يهتمون دائمًا بشخصياتٍ مارقةٍ ظهرت في التاريخ الإسلامي، ويقدمونهم باعتبارهم مفكرين حتى يوهنوا قيمة السلف في قلب الشاب المعاصر.
أيضًا سمة أخرى عند هؤلاء، وهي: إثارة القوميات في كل بلد.
فهم يُشعلون الضغائن بين المسلمين الأمازيغ وإخوانِهم من غير الأمازيغ في المغرب.
ويشعلون الضغائن بين المسلمين الأكراد وإخوانِهم في الشام وهكذا.
هم يجيدون اللعب على ملف العصبيات والقوميات باحترافيةٍ.
أيضًا من سمات دعاة التنوير: التقرُّب جدًّا من الملحدين ومن الخطاب الإلحادي.
فهم دائمًا يمتدحون الملاحدة، ويَعرضون في كثير من القضايا نفس تصوُّراتِهم؛ لأنهم ببساطة منهم.
ومن السمات البارزة عند دعاة التنوير إلى جانب ما سبق: التسامح مع أية فكرة، وأي مذهب، وأي تصوُّر، وأي خرافة، ولو كانت عبادة حشرات، فلا مشكلة عندهم من التسامح مع أكلة لحوم البشر، بل هم يتسامحون مع النازية الجديدة، لكنهم في الوقت نفسه هم أشدُّ الناس عداءً وكراهيةً وبُغضًا وإقصاءً لدعاة المسلمين وعلماء المسلمين وشيوخ المسلمين.
فهم يُبغضون كل ما ينتمي للإسلام، حتى تَشعر من خطابهم أنَّ جهنم ليس فيها إلا علماء السلف، وأن الجنة أغلب مَن فيها ملاحدة.
إذن لا بد للمسلم أن يعرف سمات دعاة التنوير حتى يَحذر منهم؛ لأنهم أصبحوا منتشرين في القنوات والفضائيات ومواقع التواصل.
فسماتُهم باختصار:
1- تأويل النص الشرعي بما يخرجه عن معناه، وعن مراد الشرع تمامًا.
2- إنكار السُّنة النبوية، والهجوم على علم الحديث.
3- الهجوم على علماء السلف والتنقُّص منهم.
4- تبني الديانة الإنسانوية، وتقديم حق البشر على حق الله.
5- إثارة القوميات والنعرات.
6- الاصطفاف مع الملحدين والحرب على المؤمنين.
التنوير الظلامي ظهر في أوروبا قبل قرنين تقريبًا بالمصطلحات نفسها، والأهداف نفسها، والأسلوب نفسه، وانتهى كما قُلتُ بإلحاد أوروبا، وتمَّت علمنة كل أوجه الحياة.
وكانت البداية هي تهاوُن الناس في التعامل مع دعاة التنوير، فقد استحى الناس من نقد حركة التنوير، وكشف مكرها بدعوى حرية التعبير وحرية الرأي.
فانتشر الإلحاد انتشار النار في الهشيم.
فهذا النوع أخطر من الإلحاد الصريح بألف ألف مرة لو تُرك دون مواجهة مباشرة مع أهم ما يقوم عليه من أفكار، فيجب تفنيد وتعرية وكشف قبح هذا المذهب.
يريد دعاة التنوير في بلادنا أن يعيدوا الكرَّة نفسها التي حصلت في أوروبا.
ولذلك لا بد أن يعلم الناس حقيقة حركة التنوير، ويعلموا خطرها ليس فقط على دينهم، وإنما على دنياهم أيضًا.
فحركات التنوير في أوروبا نشأت في كنفها كل عصابات الإبادة الجماعية.
فالستالينية في الاتحاد السوفيتي كانت تنويرية Stalinist Enlightenment.
والماوية في الصين كانت تنويرية.
والنازية في ألمانيا كانت تنويرية.

فمصطلح التنوير يقبل أية فكرة إبادية، وسيُسمي مشروع الإبادة الذي يقوم به مشروعًا تنويريًّا!
وهتلر على سبيل المثال كان يُسمِّي إبادة الأعراق البشرية الأدنى بـ: "دُش تطهير الألمان من الأوساخ العالقة بهم".
باعتبار أن الأعراق الأدنى أوساخٌ عالقة بالعرق الآري الألماني.

فإبادة المعاقين والضعفاء والأعراق البشرية الأدنى -أدنى من وجهة نظر إلحادية- هذا شيء طبيعي في الفلسفة التنويرية.
لأن الفلسفة التنويرية في الأساس فلسفة إلحادية تؤمن بالتطوُّر والمادية، وأنَّ الإنسان مجرد خبط عشواء في الطبيعة بلا قيمة، وبالتالي فلا عزاء للضعفاء ولا المرضى ولا المعاقين.
لقد أدَّى التنوير إلى وصول أوروبا إلى العبثية والعدمية، ووصل الناس إلى أعلى معدلات انتحار في تاريخ أوروبا، وتاريخ العالم، وفقد الناس معنى الحياة.
ويُراد لنا اليوم أنْ نسير وَفْق نفس هذه الأجندة التنويرية.
{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32].
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].
2 - ما هو التنوير المطلوب؟
ج: هناك تنوير حقيقي في هذا العالم في مقابل مشروع التنوير الظلامي الذي يقوده دعاة التنوير، أَلَا وهو تنوير الوحي الإلهي.
فنور الشرع الذي رفع اللهُ به قدْر الإنسان، وقدَّر به أنَّ الإنسان في مركز هذا العالم، وأنه خُلق لحكمة، وأنَّه كريم على الله، هذا هو النور الحقيقي الذي أنار الله به العالم، وصَلُحَ به حال الإنسان.
وهذا هو التنوير الحقيقي الأوحد: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174].
إنه نور الوحي: {وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد: 28].
{وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52].
فلا نور حقيقي ولا تنوير إلا بنور الوحي الإلهي: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:40].
فبدون الوحي الإلهي يعيش الإنسان في عمًى كامل: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد: 19].
فنور الوحي هو طريق الهداية الأوحد، والنور الأوحد للإنسانية.
وحتى نصل لنور الوحي نحتاج إلى تجديد حقيقي للدين، لكنه قطعًا ليس التجديد الإلحادي التنويري، وإنما نحتاج للتجديد الذي حضَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، والذي يكون بتنقية الدين وتصفيته عما اعتراه وشابه من الاجتهادات الخاطئة، وجهالات العوام، وإعادته للنقاء الأول.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا النوع من التجديد فقال: "إنَّ اللهَ يبعثُ لهذه الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سنةٍ من يُجدِّدُ لها دينَها"().
فعلى رأس كل مائة سنةٍ سيأتي مَن يُعيد نقاء الدين على النقاء الأول، وهو النقاء الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته.
وهذا هو التجديد الذي أخرج الله به من الهباء أمةً عظيمةً، واستبقى على القرون جيلًا من الناس ما كانوا ليدخلوا التاريخ لولا هذا الوحي النقي.
ولن تصل الأمة لنهضتها وصلاح حالها إلا بعودتها لدين ربها، ونهج سلف هذه الأمة وعقيدتهم، فلن يَصلُحَ آخرُ هذه الأمة إلا بما صَلُحَ به أولها، كما قال الإمام مالك رحمه الله .
قال الشاطبي في الاعتصام: "ولن يأتي آخِرُ هذه الأمة بأهْدى ممن كان عليها أولها"().
{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90].
3 - مَن هم منكرو السُّنة؟
ج: منكرو الأحاديث... منكرو المصدر الثاني للتشريع، هم فئة ازداد ظهورها مؤخرًا، وأغلبهم من تحت عباءة التنوير.
وقد خرجوا على الأمة الإسلامية بقولهم: نحن نكفر ببعض سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو كلِّها.
هذا مُلخَّص فكرة هذه الطائفة.
وهم مختلفون فيما بينهم: فبعضُهم يكفر بكل الأحاديث، وكل الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وثانٍ يكفر بأحاديث الآحاد، ويؤمن بالمتواتر.
وثالثٌ يكفُرُ بالسُّنة القولية للنبي صلى الله عليه وسلم ، ويؤمن بالسُّنة الفعلية.
لكن في الجملة أغلب السُّنة آحاد، وأغلب السُّنة قولية، ففي الأخير هم يكفرون بأغلب الشريعة... يكفرون بما لا حصر له من المعلوم من دين الله بالضرورة.
وبعض منكري السُّنة يُسمون أنفسهم بـ: "القرآنيون".
وهم أبعدُ الناس عن القرآن، فلو كانوا قرآنيين حقًّا لما أنكروا ما أوجب الله اتباعه في القرآن من سُنة النبي صلى الله عليه وسلم ، واتباع سبيل المؤمنين، وضرورة التسليم لدين الله قرآنًا وسُنةً.
فقد أجمعت الأمة على وجوب العمل بالسُّنة، وأجمعت على اعتبارها المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن.
والسنة محفوظة كالقرآن، قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحِجر:9].
قال ابن حزم رحمه الله : "ودعوى أنَّ الذِّكرَ المحفوظَ هو القرآنُ وحدهُ، هذه دعوى كاذبة، وتخصيصٌ بلا دليل، فالذِّكر هو: اسمٌ واقعٌ على كل ما أنزل الله على نبيه من قرآنٍ أو سُنةٍ"().
وقال رحمه الله : "ولو أنَّ امرأً قال: لا نأخذ إلَّا ما وجدنا في القرآن لكان كافرًا بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلَّا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأُخرى عند الفجر، وقائل هذا كافرٌ مُشركٌ"().
ومن الغريب أنَّ منكري السنة هم من أجهل الناس بالشريعة، وحين ظهرت الفرق الضالَّة كالخوارج والجهمية وغيرهِم كان فيهم مَن درس الشريعة جيدًا، لكنهم كانوا يتأولون النصوص على غير وجهها فضلُّوا، أما منكرو السنة فلا يعرفون شيئًا في علوم الشريعة، فتراهم كلهم كلهم كلهم بلا استثناءٍ واحدٍ ليسوا علماء حديث، وليسوا علماء شريعة.
فهم بعيدون كل البعد عن ذلك.
وتراهم دائمًا يستخدمون كلمات براقة مثل: "البحث الأكاديمي" و"احترام العقل" و"البحث الحر" و"نهضة الأمة" و" التخلص من الجهل" و"التنوير".
مصطلحات مُستهلَكة لا يملكون منها شيئًا، ولا يرغبون بشيءٍ مما فيها.
منتهى ما يفعله منكرو السنة أنهم ينشرون شبهات سطحية مكررة عن السنة، ينقلونها عن المستشرقين... ينقلونها عن أعداء الإسلام.
وإنكار السُّنة هو قنطرة الإلحاد الأولى بلا منازع.
وأغلب مَن انتهى به الحال إلى الإلحاد والمروق من الإسلام كانت بدايته أنَّه أنكر بعض الأحاديث الصحيحة، وقدَّم الهوى العقلي عليها... قدَّم النظرة الغربية على بعض الأحاديث الصحيحة... قدَّم تصوُّرات تَوهَّمها على السنة، فانتهى به الحال إلى الطعن في الحديث والسُّنة والتراث وكتب الفقهاء، ثم قام بتأويل القرآن تأويلًا يخرجه عن معناه؛ ليوافق هذه الأهواء فكانت نهايته الإلحاد.
فهذا خط سير طبيعي ومتوقع.
والأغرب من هذا والذي يبين خطورة إنكار السنة أنَّ هناك فئةً من الملاحدة استغلَّت هذه البوابة، بوابة إنكار السنة فدخلوا منها وفرَّخوا لهم فيها أتباعًا.
فالملحد يَظهر بصورة منكر السُّنة، لكنَّه بعد ذلك سيستخدم هذا المدخل لنشر الإلحاد في الدين.
فإذا تم إنكار السنة لن تستطيع أن تواجه أيَّ إلحادٍ في دين الله.
وهذا بالضبط المشروع التنويري، فالتنويري يتزعم إنكار السُّنة لكن هدفه الإلحاد في دين الله.
وحين يتم إنكار السنة يُصبح النص القرآني عُرضةً لأي تأويلٍ وفق أي هوًى، فلا حديث نبوي يعصم عن الفهم الخاطئ للقرآن، ولا إجماع يعود إليه منكر السُّنة؛ ليفهم مراد النص الشرعي؛ لأنه لا يؤمن بالإجماع، ولا فهم لسلف هذه الأمة ينصلح به نظره في مراد الشرع.
فالنتيجة الأخيرة هي: العبث في دين الله كما يريدون.
فغاية الملحد التنويري الذي يدعي أنه فقط منكر للسنة هي أن: يُضعف تسليمَك للنص الشرعي، فيجعلك تشكُّ في معاني القرآن، فتبدأ في تقبُّل الإلحاد شيئًا فشيئًا.
وإنكار السنة في الواقع يعني التطاول على قدسية النبي صلى الله عليه وسلم حيث يتمُّ رد كل حديث نبوي، وبالتالي تضعف حُرمة هذا الدين إلى أن يتلاشى بالكلية من القلب مع الوقت.
فإذا ضاعت السُّنة، وأصبح كل ما يَرِدُ على ذهنك من معاني القرآن قد يكون المعنى بخلافه، فمن الطبيعي أن تضيع قيمة النص، وبالتالي يفقد المسلمُ هيبةَ النص الشرعي، ومن ثَم يفقد التسليمَ لظاهر النص، فماذا نتوقَّع بعد هذا إلا الانسلاخ الكامل من الدين والجري خلف غرور الإلحاد الذي يغازل الإنسان مع كل شهوة.
فما أن سَمَحَ نُفاة السُّنة لأنفسهم بالتطاول على حديث للنبي صلى الله عليه وسلم ، أجمع المسلمون عبر القرون على قبوله والعمل به، إلا وقد وضعوا أولى خطوات التمرُّد على قداسة وعِظم قدر النبوة.
فهم يستحقُّون أن يزدادوا بُعدًا عن دين الله، وأن يزداد فتنةً.
ومشروع منكري السنة متداخلٌ بطبيعة الحال مع مشروع دعاة التنوير، حيث يبدأ منكرو السنة برمي علماء السلف بالجهل أو التزوير أو التبعية لمصالحهم الشخصية، ورمي الدعاة المسلمين بالجمود والدروشة، وهذه أولى خطوات زراعة الشك.
ويقومون بالتوازي بتضخيم صنم القيم الغربية، وتأول نصوص القرآن بحيث تتفق مع صنم هذه القيم.
فمَن يفعل ذلك تحديدًا هم تنويريون بزي منكري السُّنة.
وما هي النتيجة لمن يتَّبعهم؟
لن يبقى من شيء إلا غرور الإلحاد.
ففكرة منكري السنة من التنويريين تقوم على: جعل الدين في قفص الاتهام، وحتى يستطيع الدين أن ينجو من هذه التهم فعليه أن يضع التأويلات التي يتفق بها مع أي هوًى سائد، وإلا ما خرج من قفص الاتهام.
وأول طريق لرفع التهمة عن الدين هو إنكار النصوص.
فيتم إنكار الحديث وتأويل القرآن.
فيُصبح الدين عند منكري السنة مطالَبًا باتباع أية ثقافة سائدة مهما كان انحلالها، وليس أن يقوم الدين بتعديل هذه الثقافة وتعبيد الناس لرب العالمين المليك المقتدر.
بل إنَّ الدين ينزل من السماء، ويأتي النبي، وينزل الشرع، حتى يتوافق مع أية ثقافة.
إذا كان الأمر بهذه الصورة، فما فائدة الدين إذن؟
إذا كان الدين في الأخير مجرد تابع لأي ثقافة، فما قيمته، وما الغاية منه ابتداءً؟
تقديمُ دينِ الله في القلب على أية ثقافة مهما كانت... هذه أولى عرى الإيمان وليس وراءها مثقالُ حبةِ خردلٍ من إيمان.
وإذا رأى إنسان أنَّ أية ثقافة أفضل من الإسلام، وتشريع الإسلام، فهذه ردَّة لا يختلف فيها مسلمانِ.
ودين الله سيبقى شامخًا، والسُّنةُ المطهرة ستبقى شامخة محفوظة بحفظ الله إلى قيام الساعة محفوظة كالقرآن.
فالسُّنة هي الشارحة للقرآن، والمبيِّنة للقرآن، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك في العديد من الآيات: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19].
فقد تكفَّل الله ببيان القرآن، ولا يمكن تطبيق القرآن تطبيقًا صحيحًا، ولا يمكن بيانه إلا بالسُنَّة؛ لذلك ستبقى السنة محفوظة كالقرآن.
فلا يمكن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت إلا بالسُنَّة.
ولذلك قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ: بالسُّنة.
فبيان القرآن إنما يكون بالسُّنة.
والصحابة رضي الله عنهم هم أقربُ الناس للقرآن والسنة، وهم الذين شهدوا تنزُّل القرآن والسُّنة، وصحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وجاهدوا معه، وزكَّاهم القرآن الكريم.
والصحابة أيضًا هم أعلم الناسِ بلغةِ القرآن، ومعاني القرآن؛ لذلك كان فهمهم للقرآن والسُّنة مُقدَّم على غيرهم، قال الله تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} [البقرة:137].
فأصلح إيمانٍ، وأنقى إيمانٍ، وأعلم إيمانٍ بعد الأنبياء هو إيمان الصحابة رضي الله عنهم .
وهو الإيمان الأقرب لمعاني القرآن، وتطبيق القرآن؛ لذلك كان منهج أهل الحديث هو الإيمان بالقرآن والسُّنة بفهم سلف هذه الأمة، وهو المنهج المعصوم... المنهج الذي أجمع أهل السنة والجماعة على الأخذ به.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "تفترقُ أُمَّتي على ثلاثٍ وسبعينَ ملَّةً، كلُّهم في النَّارِ إلَّا ملَّةً واحِدةً، قالوا: مَن هيَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ما أَنا علَيهِ وأَصحابي"().
فإيمان الصحابة وطريقِهم هو طريق النجاة، يكفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"().
فقرْنُ الصحابة هو أفضل قرنٍ إيمانًا وعملًا وفهمًا للدين.
وقال صلى الله عليه وسلم : "أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي"().
فالصحابة: صمام أمانٍ لهذه الأُمَّة، وبهم تنحسم البدع والضلالات.
4 - ما هي منزلة السُّنة في الإسلام؟
ج: السُّنة سُنة قولية، وسُنة فعلية، وسُنة تقريرية.
السُّنة القولية هي: الأحاديث التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم في مختلف الأغراض والمناسبات، مثل قوله: صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات"().
والسُّنة الفعلية هي: الأعمال التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل: أداء الصلاة، وأداء شعائر الحج، وقضائه، وغير ذلك.
والسُّنة التقريرية هي: أن يُقِرَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا حصل أمامه، أو في عصره وعَلِم به.
واتباع السُّنة هو عقيدة أهل السنة؛ ولذلك نحن نُسمى: "أهل السنة والجماعة".
لأننا أَتباع السُّنة.
في المقابل نُفاة السنة هم ليسوا بالبداهة من أهل السنة؛ لأنهم غير مؤمنين بالسنة ابتداءً، فكيف يكونون من أهل السنة.
وهم أيضًا خالفوا جماعة المسلمين بإنكارهم السُّنة.
فهم ليسوا من أهل السنة ولا الجماعة.
والسُّنة هي جوهر الإسلام كالقرآن.
ولا يُطبَّق القرآن إلا بالسُّنة.
فالسُّنة مبيِّنة للقرآن:
قال الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43].
فتأتي السُّنة لتُبين لنا كيف نُقيم الصلاة، وما هي صفة الصلاة، وما عددُ الركعات، وكيفية السجود، وأذكار الصلاة، وعدد الصلوات.
فالقرآن في قول الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43] لا يُطبَّق إلا بالسُّنة، فلا تُقام الصلاة، ولا يُعرف ما معنى إقامة الصلاة إلا بالسنة، فالسُّنة مُبينة للقرآن.
ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم صلُّوا كما في القرآن، وإنما قال: "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي"().
إذن فالسُّنة تبين كيف نُقيم الصلاة، وبالتالي فهي وحيٌ إلهيٌّ؛ لأنه لا يمكن إقامة الصلاة إلا بتطبيق الكيفية التي صلى بها النبي صلى الله عليه وسلم .
والسُّنة أيضًا مُخصِّصة للقرآن:
قال الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3].
لكن تأتي السُّنة لتبيح من الميتة: السمك.
فأكل السمك الميت حلالٌ بالسُّنة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أُحلَّت لَكُم ميتتانِ ودَمانِ، فأمَّا الميتَتانِ: فالحوتُ والجرادُ، وأمَّا الدَّمانِ: فالكبِدُ والطحالُ"().
وقال صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطَّهورُ ماؤهُ، الحلُّ مَيتتُه"().
فالسُّنة تُخصص العام.
العامُّ هو: تحريم الميتة.
لكن مِن هذا العام تمَّ تخصيص: السمك.
وهذا التخصيص بالسُّنة.
وهنا لنا أن نسأل نفاة السنة: هل تُحرِّمونَ أكْلَ السمك؟
أيضًا السُّنة تُقيِّد المُطلَقَ:
قال الله تعالى في حد السرقة: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38].
لكن كيف يكون القطع، وما هو نِصاب السرقة الذي تُقطع به اليد؟
كل هذا تُحدده السُّنة.
فالسنة تُقيد المطلق في القرآن.
أيضًا السُّنة لها تشريعٌ مستقلٌّ:
مثال على ذلك: تحريم الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها.
فتحريم الجمع بين المرأة وخالتها والمرأة وعمتها إنما ورد في السُّنة ولم يرد في القرآن.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لَا يُجْمَعُ بيْنَ المَرْأَةِ وعَمَّتِها، ولا بيْنَ المَرْأَةِ وخالَتِها"().
لكل ما سبق، فالحاجة للسُّنة كالحاجة للقرآن، والاستغناء عن السُّنة كالاستغناء عن القرآن.
لذلك كان من بديهيات الإسلام: الأمر باتباع السُّنة؛ لأنها الإسلام!
وقد وردت في هذا آيات كثيرة منها:
{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34].
آيَاتِ اللَّـهِ: هي القرآن.
وَالْحِكْمَةِ: هي السُّنة باتفاق المفسرين.
وقال الله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113].
وَالْحِكْمَةُ: هي السُّنة النبوية.
قال ابن القيم رحمه الله : "الإيمان بالسُّنة هذا أصل مُتَّفَق عليه بين أهل الإسلام، لا ينكره إلا مَن ليس منهم"().
فهذا شيء بديهيٌّ.
قال ربنا سبحانه: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: 54].
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ: ضرورة اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا).
فهل طاعته تكون بإنكار كل أمر ونهي صادر عنه؟
هل هذه طاعة له؟
وقال عزَّ من قائل: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 51- 52].
وقال سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
فقد أمر الله عز وجل باتباع كل ما يصدُرُ عن النبي صلى الله عليه وسلم دون تفريق بين سُنة قولية، وسُنة فعلية، وكل هذه التقسيمات.
فكل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم مُلزِمٌ: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
وهذا الالتزام بالسُّنة هو ما فهمته الأمة عبر تاريخها.
في البخاري عَنْ عبدِ اللَّهِ بن مسعود، قالَ: لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ والمُوتَشِمَاتِ، والمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّه.
فَبَلَغَ ذلكَ امْرَأَةً مِن بَنِي أسَدٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ، فَجَاءَتْ فَقالَتْ: إنَّه بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وكَيْتَ، فَقالَ: وَمَا لِي لَا ألْعَنُ مَن لَعَنَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، ومَن هو في كِتَابِ اللَّهِ؟
فَقالَتْ: لقَدْ قَرَأْتُ ما بيْنَ اللَّوْحَيْنِ، فَما وجَدْتُ فيه ما تَقُولُ، قالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لقَدْ وجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]؟ قالَتْ: بَلَى، قالَ: فإنَّه قدْ نَهَى عنْهُ().
فكل أمر في السُّنة هو أمرٌ في القرآن.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 24].
وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64].
ما أرسل الله الرسل إلا لتُطاع.
وانظر للآية التي تليها مباشرةً: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
}لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ(: وبعد أن يُحكموك (يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) لحُكمك.
وهذه القضية التي حكم فيها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية هي قضية الزبير رضي الله عنه ، والنبي صلى الله عليه وسلم حكم فيها بحُكمٍ ليس في القرآن، ومع ذلك أخبر القرآن أنَّ: الإنسان لا يُعَدُّ مؤمنًا لو لم يخضع لقضاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فقضاؤه وحيٌ من الله واجبُ الاتباع.
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
التسليم التام لأمره صلى الله عليه وسلم .
وقال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب:21].
إذا كنت ترجو الله واليوم الآخر؛ فاقتدِ برسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولا يكون الاقتداءُ إلا باتباع سُنته.
قال ربنا عز وجل : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران:31].
تريد أن يحبك الله؟ إذن اتَّبِعْ رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد أخبر الله عز وجل أن طاعة الرسول من طاعة الله: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80].
وانظر لهذه الآية: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59].
الردُّ إلى الله: بالنظر في كتابه.
والردُّ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم : بالنظر في سُنته().
إذن فسُنة الرسول صلى الله عليه وسلم هي وحي إلهي: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3].
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أَلَا إنِّي أُوتيتُ القُرآنَ ومِثْلَهُ معه"().
فهو صلى الله عليه وسلم أُوتي الكتاب ومثله معه وهي السُّنة.
فيكون في وجوب العمل بالسنة: ولزوم قبولها كوجوب العمل بالكتاب: ولزوم قبوله كما قال القرطبي().
وقال صلى الله عليه وسلم : "تركتُ فيكم أَمْرَيْنِ لن تَضِلُّوا ما تَمَسَّكْتُمْ بهما: كتابَ اللهِ وسُنَّةَ نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم "().
وقال صلى الله عليه وسلم : "عليكم بسُنَّتِي"().
وقال صلى الله عليه وسلم لمُعاذٍ رضي الله عنه : كيفَ تقضي؟ قالَ: بكتابِ اللهِ. قالَ: فإنْ لمْ تجدْ في كتابِ اللهِ. قالَ: فبسُنةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم** ()**.
وقال صلى الله عليه وسلم : "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي"().
وقال: "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فإنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتي هذِه"().
فإذا أردت الحج، فلن تعرف كيف تحجُّ إلا منه صلى الله عليه وسلم .
وقال صلى الله عليه وسلم : "فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني"().
وهناك نصوصٌ كثيرةٌ في ضرورة اتباع سنته صلى الله عليه وسلم .
وانظر لهذا الحديث المعجز في صحيح سنن أبي داود قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أَلَا إنِّي أوتيتُ الكتابَ ومثلَهُ معهُ، لا يُوشِكُ رجُلٌ شبعانٌ على أريكتِهِ يقولُ: عليكُم بِهذَا القُرآنِ، فما وجدتُم فيهِ مِن حَلالٍ فأحلُّوه، وما وَجدتُم فيهِ مِن حرامٍ فحرِّمُوه"().
رجُلٌ شبعانٌ على أريكتِهِ: كناية عن التَّرَف، وكأنه صلى الله عليه وسلم يُخبر أن بعض المترفين سيظهرون في آخر الزمان لينكروا السُّنة.
على أريكتِهِ: كناية عن أنَّه لم يغادر منزله لطلب العلم الشرعي، فهو ملازم لأريكته.
وهذا حال منكري السُّنة، سبحان الله.
يقولُ: عليكُم بِهذَا القُرآنِ، فما وجدتُم فيهِ مِن حَلالٍ فأحلُّوه، وما وَجدتُم فيهِ مِن حرامٍ فحرِّمُوه: يكتفون بالقرآن.
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر مبينًا أنَّ سُنته وحيٌ يوحى، وليست من عند نفسه: "ما أُعْطِيكُمْ ولَا أَمْنَعُكُمْ، إنَّما أَنَا قَاسِمٌ، أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ"().
ولأن السُّنة بهذا القدر العظيم، فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ سُنته للناس فقال: "نضَّر اللهُ امرأً سمِع منَّا حديثًا فحفِظَه حتى يُبَلِّغَهُ، فرُبَّ مُبلَّغٍ أحفظُ له من سامعٍ"().
فرُبَّ مُبلَّغٍ أحفظُ له من سامعٍ: فيه دليل على أنَّ السُّنة فيها فقه يُستنبط ويُطبَّق.
وفي كل هذه الأحاديث دليلٌ على أنَّ: أمر النبي صلى الله عليه وسلم ونهيَهُ مثل أمرِ القرآن ونهيِه في الاحتجاج وضرورة الإيمان والعمل والتصديق.
أما الاقتصار على القرآن فحسبُ، فكما قال الشاطبي رحمه الله : "هو رأيُ قومٍ لا خلاق لهم، خارجين عن السُّنة؛ اطَّرحوا أحكامَ السُّنة، فأداهم ذلك إلى الانخلاعِ عن الجماعة، وتأويلِ القرآن على غير ما أنزل الله"().
في قول الشاطبي: "فأداهم ذلك إلى الانخلاعِ عن الجماعة، وتأويلِ القرآن على غير ما أنزل الله"، دليلٌ على أنَّ مَن أنكر السنة سيتأوَّل في المرحلة التالية القرآن على غير وجهه.
فالسُّنة ضرورة وحصن للإسلام، وسدٌّ مَنيعٌ ضد من يريد العبث بالإسلام.
ولا ينكرُها إلا مفتون: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا} [المائدة: 92].
وَاحْذَرُوا.
5 - هل السُّنة كلُّها مكتوبة؟
ج: نعم!
كل السنة مكتوبة وموثَّقة تمامًا.
ذكر الطبراني في الكبير: "إنَّا لم نسمع منه صلى الله عليه وسلم شيئًا إلا وهو عندنا في كتاب"().
فكل شيء في سُنته صلى الله عليه وسلم مُدوَّنٌ، حتى سكتات النبي صلى الله عليه وسلم : سكتاته محفوظة مُدوَّنةٌ.
كانَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْكُتُ بيْنَ التَّكْبِيرِ وبيْنَ القِرَاءَةِ إسْكَاتَةً().
بل ونقل الصحابة أنَّه صلى الله عليه وسلم سَعَلَ سَعْلةً في صلاته: "أخَذَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سَعْلَةٌ فَرَكَعَ"().
فقد نقلوا كلَّ سنتِهِ واجتهدوا أشدَّ اجتهاد في حفظها، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنَّ سُنته ستُنقل عبر الأجيال فقال: "تَسمعونَ، ويُسمعُ منْكم، ويسمعُ مِمَّن سمعَ منْكم"().
فالصحابة سيسمعون الحديث وينقلونه للتابعين، والتابعون سينقلونه لتابعي التابعين، وهذا ما حصل فقد نُقلت السُّنة من الصحابة للتابعين، ثم لتابعي التابعين.
وهنا يأتي السؤال: هل هذا يعني أن السُّنة نُقلت فقط نقل شِفاهٍ أم أيضًا كانت مكتوبة؟
والجواب: السُّنة نقلت نقل شفاهٍ، وكانت مكتوبة، فكُتُب الحديث موجودة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وجرت الكتابة للحديث بين يديه صلى الله عليه وسلم ، وعندنا اثنان وخمسون صحابيًّا من كُتَّاب الحديث النبوي.
وفي كتاب عبد الله بن عمرو بن العاص أكثرُ من ألف حديث، وهناك كتاب أنس بن مالك، وكتاب سعد بن عُبادة... كتب كثيرة للصحابة في الحديث().
فالسنة محفوظة في الصدور ومكتوبة.
وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنوات بدأت مرحلة جمع الأحاديث في كتابٍ واحد، وهذا ما يُعرف بالتدوين.
فالتدوين غير الكتابة:
أما الكتابة فهي كما قلنا منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه.
بينما التدوين فهو: جمع كل الأحاديث في مكانٍ واحدٍ.
والتابعون وتابعو التابعين اجتهدوا في التدوين اجتهادًا عظيمًا عجيبًا، فجمعوا الأحاديث بالأسانيد المتعددة؛ ولذلك قد يأتي حديث من مائة طريق وأكثر.
فجمعوا كل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بطرقها، وصنَّفوا كتبًا في أسماء الرواة وضبط الرواة، حتى يُضبط كل حديث بحرفِهِ الذي خرج به من فم النبي صلى الله عليه وسلم ، وصنَّفوا في علوم الرجال، وصنَّفوا في الجرح والتعديل، وصنَّفوا المسانيد والجوامع والمستدركات والمستخرجات والزوائد والأجزاء، وصنَّفوا في شروح الحديث، وفي علوم الإسناد والمتن.
لذلك كانت درجة أي حديث صحيح أعلى من درجة توثيق كل كتب التاريخ في كل الحضارات مجتمعة، فشروط ضبط الحديث أعلى بألف مرة من وثوقية أي مصدر تاريخي تتخيَّلهُ.
بل إنَّ درجة توثيق الحديث الضعيف أعلى من درجة توثيق كتب أهل الديانات السابقة.
فلو حصل انقطاع في سند الحديث في طبقة واحدة، أي: أنْ يفتقد سند الحديث لراوٍ واحدٍ، أو أنْ يكون الراوي مجهولًا لا نعرفه، ففي هذه الحالة يُحكم على الحديث بالضعف.
بينما نجد أنَّ الكتب السابقة تصل درجة الانقطاع فيها لمئات السنين.
فنقلة السُّنة كانوا أغيرَ الناس على ضبط كل حرفٍ خرج من فمه صلى الله عليه وسلم .
في الحديث المتفق على صحته، أخبر عبد الله بن عمر: "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بُنِيَ الإسْلامُ علَى خَمْسَةٍ: علَى أنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وصِيامِ رَمَضانَ، والْحَجِّ. فَقالَ رَجُلٌ: الحَجُّ، وصِيامُ رَمَضانَ؟ قالَ: لا، صِيامُ رَمَضانَ، والْحَجُّ. هَكَذا سَمِعْتُهُ مِن رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم "().
فهذا يعني حرص الصحابة على أدق التفاصيل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي حديثٍ آخر: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدُّبَّاءِ والمُزفَّت أن يُنتبذ فيه، فقيل لسفيان: أن يُنبذ فيه؟ فقال: لا.. يُنتبذ فيه().
يحرصون على الحرف من فمه صلى الله عليه وسلم .
لقد هيَّأ الله برحمته لهذه الأُمَّة الأسباب التي حُفِظت بها سُنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد حمل سنة النبي صلى الله عليه وسلم جيلٌ كانت فِطرتهم سليمة، وسَلِيقَتهم قويمة، وتَمَرَّسوا على قوة الحفظ عبر الزمن، فقد حَفِظوا تاريخهم، ونَقَلُوا أشعارَهم، فكانت عندهم ملكة الحفظ عجيبة، فلما جاء الإسلام وكانوا أشدَّ الناس غَيرةً على سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن أن يدخل فيها أيُّ شيء غير صحيح، لهذا ضبطوا نقل كل حديثٍ خرج من فمه صلى الله عليه وسلم ، وكل شيء أقرَّه أو فَعله... ضبطوا سُنَّته صلى الله عليه وسلم أعجب ضبطٍ.
ومَن عُلِم أنَّه يخطئ أو يتعمَّد الكذب من التابعين أو تابعي التابعين كانوا يفضحونه على رؤوس الأشهاد.
فهم يغارون على سُنته صلى الله عليه وسلم أشد غيرةً.
وما كانوا يستحون؛ لأن الأمر دينٌ، فالسُّنة يتوقَّف عليها العمل الشرعي.
لذلك لو كَذَب أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المغرب، لأصبح مفضوحًا في المشرق.
ما كانوا يستحون أبدًا.
مثال على هذا الأمر:()
عندنا حديث للنبي صلى الله عليه وسلم : "اللَّهمَّ أنْجِ عَيَّاشَ بنَ أبي رَبيعةَ"().
وعَيَّاشُ كان من كبار المهاجرين رضي الله عنه ، لكن حفيد عيَّاش والذي اسمه: أبان بن أبي عياش، كان يكذب في رواية الحديث مع أنَّه من كبار القُرَّاء، لكن لما يروي حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُوثق في روايته.
فهل السلف تركوا أبان لمقام عياش جده أو سكتوا عنه لسِنه أو لكونه من كبار القراء؟
والله هذا مستحيل، بل إنَّ السلف فضحوه.
وكان شعبة بن الحجاج يمشي في الأسواق ويقول: أيُّها الناس! أبان بن أبي عياش كذَّاب.
يمشي بين الناس ويُحذر منه حتى ذهب حماد بن زيد إلى شُعبة فقال له: أمسِكْ عن الرجل.
فالرجل مُسِنٌّ، وعائلته كبيرة، وجدُّه من كبار المهاجرين، وقد علم الناس بحاله، وأنه يكذب في الحديث، فلا داعي لأن يُفضح في كل مجلس.
بعد أيام، وكانوا في جِنازةٍ فرأى شعبة أبان، فصرخ بأعلى صوته: يا أبا إسماعيل -يقصد: حماد بن زيد- رجعت عن قولي، أيُّها الناس! أبان كذَّاب.
ثم قال: مَا أَرَانِي يَسعُني السُّكُوتُ عَنهُ().
فالأمر دينٌ.
بل وقد نقل الإمام أحمد بن حنبل عن شُعبة بن الحجاج قولَه: "لأن أزني أحبُّ إليَّ من أن أروي عن أبان بن أبي عياش".
هل يجرؤ أحد في مجتمع كهذا أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
إذا تبيَّن أنَّ أحدًا يتعمَّد الكذب فضحوه.
أما لو أخطأ في روايةٍ دون تعمُّد الكذب يصبح واهيًا في الحديث، ويُترَك.
وقد كانت هناك اختبارات بصفة دورية لكل راوٍ، بحيث لو أخطأ الراوي في أحد هذه الاختبارات ولو كان أعبد أهل الأرض حكموا على رواياته بالضعف.
فلم يكن هناك تساهُل مع سُنة النبي صلى الله عليه وسلم .
وانظر في حال أشهر الزُّهَّاد في تاريخ الإسلام، الإمام الحسن البصري التابعي الشهير تلميذ الصحابة.
هل يجادل مسلم في علم وتقوى وعبادة الحسن البصري؟
كان الحسن البصري إمام الزهد، من أشهر العُبَّاد، وكان مفتيًا للمسلمين، وقد تربَّى في كنف أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعا له عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال: اللهم فقِّهْه في الدين وحبِّبْه إلى الناس.
تتلمذ الحسن البصري على يد ابن عباس وكثير من كبار الصحابة.
وعلى علو قدر الحسن البصري في العبادة والفقه، وعلى زُهده الشديد وورعه لو روى حديثًا عن صحابي فقال حدثني ابن عباس مثلًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا لصحَّ حديثه، لكن لو روى الحديث مباشرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر اسم الصحابي الذي سمع منه الحديث، فحديثه مرسل لا يُعتدُّ به، ويُصنَّف في قسم الحديث الضعيف.
تخيل! يُرَدُّ حديث الحسن البصري لو روى مباشرةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
هذا حال السلف مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعلى عُلوّ قدر الحسن البصري، لكن هناك عقيدة تُؤخذ من الحديث، إذنْ يلزم ضبط كل حرف بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
بل والأعجب من هذا:
انظُرْ في حال الإمام حفص الذي يقرأ أهل الأرض القرآنَ بقراءته: حفص عن عاصم.
الإمام حفص الذي ضَبَطَ طريقة تدوير كل حرف في القرآن، ومخرج كل حرف في القرآن من فم النبي صلى الله عليه وسلم .
الإمام حفص والذي هو مُنتهى علم القراءات هو في الحديث ضعيف!
لك أنْ تتعجَّب!
الإمام حفص إمامُ الدنيا في القرآن، لكنه لما انشغل بالقراءاتِ، وتعمَّق فيها، وصارت تملك كلَّ وقتِهِ، قَلَّ ضبطه لألفاظ الحديث النبوي؛ لذلك فهو في الحديث ضعيفٌ.
ولو ورد اسم حفص في سند حديث حُكِمَ بضعف الحديث.
فالسلف كانوا لا يخجلون أمام ضبط الحديث النبوي، ولا هَيْبة لأحد أمام ضبط الحديث النبوي، ولا يستحون من تضعيف أحدٍ مهما علا قدرُه في الإسلام.
وفي وقت تدوين السُّنة ظهرت فتنة اسمها فتنة: "خلْق القرآن" وهي فتنة مشهورة زمن الخليفة المأمون، حاول أن تتخيَّل لو امتلك الخليفة المأمون حديثًا واحدًا يدعم موقفه في القول بخلق القرآن!
سينتهي الأمر.
كان مع المأمون السُّلطان والسجن والقتل -قُتل بعض العلماء في هذه الفتنة- لو استطاع المأمون أن يأتي بحديثٍ واحدٍ لانتهى الموضوع.
لكن مَن كان يجرؤ على صناعة حديث للقول بخلق القرآن؟()
لا يجرؤ حتى المأمون نفسه.
لم يستطيعوا أن يُقحِموا حديثًا واحدًا ينسبوه للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع؛ لأنه بدراسة سند الحديث سيفتضح أيُّ وضَّاع، وسيُصبح مَن وضع هذا الحديث عارًا عبر التاريخ.
فعِلم الحديث له ضوابط حادَّة، وشروط قاسية، يفتضح من خلالها أيُّ شخص يحاول التلاعب بحرفٍ واحدٍ في أي حديثٍ.
فعِلم الحديث هو علم حقيقي متكامل له ضوابط.
والضوابط الستَّة المشهورة للحديث النبوي هي:
1- اتصال السند.
2- عدالة الراوي.
3- ضبط الراوي.
4- السلامة من الشذوذ.
5- السلامة من العلَّة القادحة.
6- وجود العاضد عند الاحتياج إليه().
واتصال السند يعني: وجود سند متصل للحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يوجد فيه انقطاع.
فلو كانت هناك حلقة مفقودة في السند حُكم على الحديث بالضعف، ولو كان بقية الرواة في السند أعدل أهل الأرض.
أما عدالة الراوي فمعناها: أنْ يكون راوي الحديث معلومًا بدينه وخُلقِه وصدقِه وأمانتِه.
أما ضبط الراوي فمعناه: أنْ يكون راوي الحديث حافظًا متقنًا.
وكانت هناك اختبارات كما قُلتُ تجري بانتظام في حياة كل راوٍ، فيأتي شخص ممتحِن بصورة طالب علم، فيُسمِّع على الراوي أحاديثه فيُدخل في الأحاديث حديثًا ليس من طريقه، وينظر هل سينتبه الراوي أم لا؟
كانت اختبارات منتظمة متكررة في جنبات العالم الإسلامي؛ لضبط الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلا يُقبل الْحَدِيثُ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ إسناد نظيف معروفٌ كل راوٍ فيه.
فالله تعالى بلطيف عنايتِهِ أقام لعلم الحديث رجالًا نُقَّادًا تفرَّغوا له، وأفنَوْا أعمارهم في تحصيله، وفي البحث عن رجاله، ومعرفةِ مراتبِهم في القوة واللين().
فقد أتقنوا ضبط الحديث بصورةٍ عجيبةٍ.
قال عبد الرحمن بن مهدي: "يحرُمُ على الرجل أنْ يروِيَ حديثًا في أمر الدِّينِ حتى يُتقِنَهُ ويَحفظَهُ كالآية من القرآن، وكاسم الرجل، والمستحب له أن يورد الأحاديث بألفاظها؛ لأن ذلك أسلمُ له"().
وكان سلف هذه الأمة آية في الحفظ.
فالإمام ابن شهاب الزُّهري راوٍ، وهو مِن أوَّل مَن دوَّن الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، وهو شيخ الإمام مالك يقول عن نفسه: "ما استعدْتُ حديثًا قطُّ، ولا شككتُ في حديثٍ إلَّا حديثًا واحدًا، فسألتُ صاحبي فإذا هو كما حفظتُ"().
أما قتادة فقد قال الإمام أحمد: "قُرِئَ على قتادة صحيفةُ جابرٍ مرةً واحدةً فحَفِظَها"().
وصحيفة جابر بن عبد الله الصحابي الجليل صحيفةٌ معروفةُ، فقد كان له كتاب في الحديث.
قال قتادةُ لسعيد بن أبي عَرُوبَة: أمسِكْ عليَّ المُصحف، فقرأ البقرة فلم يخطئ حرفًا، فقال: يا أبا النضر! لأنا لصحيفة جابرٍ أحفظُ مني لسورة البقرة().
أما الإمام جوهرة الحُفاظ البخاري، فكان كما يقول عن نفسه يحفظ مائة ألف حديث صحيح، ويحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح().
وذات يوم كان البخاري يَحضُرُ درسًا في علم الحديث، ومازال صبيًّا لم يبلغ أحد عشر عامًا، فقال الشيخ عن سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم. فقال له البخاري: أبو الزبير لم يروِ عن إبراهيم. فتعجَّب الشيخ ثم قال: إذنْ مَن هو؟ قال: ليس أبو الزبير عن إبراهيم، وإنما الزبير بن عَدي عن إبراهيم. فراجع الشيخ درسه، فقال: صدقتَ().
كان هؤلاء الأئمة هبةً من ربِّ الأرض والسماوات؛ لِحِفظِ دينِهِ، وسُنَّةِ نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم .
تخيل أنَّ الشافعي حفظ موطأ مالك وهو ابن عشر سنين().
والكلام عن حفظهم لا ينتهي، ولم يكتفوا فقط بالموهبة، بل عانوا وجاهدوا حتى وصلوا لما وصلوا إليه.
كان الرجل منهم يُسافر في ضبط صحة الحديث الواحد شهرًا.
رحل جابر بن عبد الله ﭭ الصحابي الجليل مسيرةَ شهرٍ إلى عبد الله بن أُنيس في طلب حديثٍ واحدٍ().
وأبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه رحل من المدينة إلى مصر؛ ليسأل عقبة بن عامر عن حديثٍ سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فلما حدَّثه، ركب أبو أيوب راحلته وانصرف عائدًا إلى المدينة، وما حلَّ رحله.
وقال مكحول: طُفتُ الأرضَ كلها في طلب العلم().
وسافر بَقِيُّ بنُ مَخْلَدِ في طلب الحديث رحلتينِ: الأولى عشرين عامًا، والثانية أربعة عشر عامًا، وقد مشى على قدمه ولم يركب دابة أربعًا وثلاثين سنة.
فقد خرج من الأندلس سيرًا على الأقدام إلى بغداد، وتَنقَّلَ بين بلاد المسلمين؛ لينقل الحديث، ويضبط الرواية.
لا تُعرف أُمة جرَّحت وعدَّلت نفسها مثل أمة الإسلام، حيث جاءت وتكلَّمت عن نفسها، ونقدت نفسها، ونقَّحت نفسها.
فهذا راوٍ ثقةٌ، وهذا كذَّاب، وهذه رواية بلا وزن، وهذه رواية متواترة.
لا توجد أمة جرَّدت نفسها لكل حرفٍ من فم نبيها كما فعلت هذه الأمة.
فقد ضبطت النقل وأتقنته، فحفظت شريعة ربها قرآنًا وسُنةً.
والإسناد عند هذه الأمة من الدين؛ لأن به حفظ الدين.
نَقل الإمام مسلم عن عبد الله بن المبارك قوله: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء"().
فجزى الله سلف هذه الأمة خيرًا وتجاوز عن خلفها. آمين.
6 - هل تأخَّر تدوين السُّنة النبوية لـ 200 سنة كاملة حتى جاء البخاري؟
7 - هل تم تدوين السُّنة النبوية بعد مائتي عام من وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ؟
8 - هل ظلت السُّنة شفاهية قرنين كاملين من الزمان وبعد ذلك تم تدوينُها؟
ج: أتخيَّل لو أنَّ طارح مثل هذه الشبهة ذهب لمجلس الإمام البخاري الذي كان يحضره عشرون ألفًا من عباقرة هذا العلم، ثم قال للإمام: كيف لك أن تجمع الأحاديث بعد مائتي عام من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ؟
ربما لأصبح هذا الحدث أشهر خبر من أخبار الحمقى والمغفلين على مر العصور.
إن المتقدمين ما تركوا شبهة إلا وبيَّنوها للناس.
ولا أعرف أحدًا من المتقدمين تعرَّض لهذه الشبهة -شبهة تأخُّر كتابة الحديث النبوي مائتي سنة- لأنَّ هذه ليست شبهة، بل هي دليل جهل شديد بالإسلام.
فالسُّنة كانت مكتوبة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم .
وكتاب الصدقات والدِّيات والفرائض والسنن لعمرو بن حزم، هو كتاب أحاديث نبوية تمَّت كتابته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم** ()**.
وكتاب عبد الله بن عمرو بن العاص هو أيضًا كتاب أحاديث نبوية مكتوب في عصر النبوة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ومجموع أحاديث هذا الكتاب ألف حديثٍ، وكان يُسمِّيه عبد الله بن عمرو بـ: "الصحيفة الصادقة"، وهذا الكتاب انتقل إلى حفيده عمرو بن شعيب، وروى الإمام أحمد في مسنده جُزءًا كبيرًا منه؛ وروى كذلك البخاري ومسلم بعضًا منه، وتناقَلَه أولادُه وذريَّتُه من بعده، ونال الرعاية والحِفظ والتداوُل والنَّقْل عبر الزمن.
وكتاب أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه كُتب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم .
وكتاب سعد بن عُبادة رضي الله عنه كتب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم .
وكتاب الإمام علي، وما كُتب عام فتح مكة بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم لأبي شاه اليمني().
كتب أحاديث كثيرة كُتبت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم** ()**.
فهناك كما قلت اثنان وخمسون صحابيًّا من كُتَّاب الحديث النبوي زمن النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم جاء التابعون ونقلوا عنهم ما كتبوا، ونقوا عنهم ما حفظوا.
فأبو هريرة رضي الله وحده نقل عنه ثمانمائة تابعي، وبعضهم ينقل الأحاديث شفاهةً والبعض الآخر كتابةً.
وقد كان في جيل التابعين تلاميذ الصحابة المئات من كُتاب الحديث النبوي، ومن أشهرهم همام بن مُنبِّه، صاحب الصحيفة التي وصلتنا كاملةً، فكتاب همام بن مُنبِّه وصلنا كاملًا، وهذا الكتاب كتاب أحاديث نبوية كُتب في السنوات التالية مباشرةً لوفاة النبي صلى الله عليه وسلم .
فهناك الكثير من كُتَّاب الحديث من التابعين.
وكان يكتب عن جابر بن عبد الله الصحابي الجليل أربعة عشر تابعيًّا.
وكان يكتب عن ابن عباس تسعة من التابعين، وكانت كتب ابن عباس وَقْرَ بَعِيرٍ.
وبالمناسبة: همام بن مُنبِّه صاحب الصحيفة الشهيرة، هذه الصحيفة ما زالت بين أيدينا حتى الساعة، ومنها نسخة في مكتبة دمشق، ونسخة أخرى في مكتبة برلين.
ونُقلت الصحيفة كاملة في مسند الإمام أحمد.
وصحيفة تعني: كتاب.
كان عدد كُتاب السُّنة في عهد التابعين 252 تابعيًّا().
فكتابة الحديث بدأت منذ عصر الرسالة، وكَتب الصحابةُ الأحاديث النبوية، وكَتب التابعون الأحاديث النبوية.
ومن أشهر تلاميذ ابن عباس من التابعين: سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وكان لكل واحدٍ منهما كتابُ حديثٍ فأصبحت عندنا: صحيفة سعيد بن جبير، وصحيفة مجاهد بن جبر.
ونشِط أيضًا أبو الزبير محمد بن مسلم المكي أحد أشهر وأضْبط تلاميذ جابر بن عبدالله، فكتب عنه صحيفةً عُرِفَت باسمه، وعندنا صحيفة أيوب السَّخْتيانِي، وصحيفة عروة بن الزبير، وصحيفة خالد بن مَعْدان، وصحيفة أبي قِلابة، وصحيفة الحسن البصري، كل هؤلاء تلاميذ الصحابة كتبوا الأحاديث النبوية.
فالكتابة للحديث النبوي متصلة وموجودة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم .
لكن يا تُرى: مَن أول مَن فكَّر في جمع كل الأحاديث النبوية في كتابٍ واحدٍ؟
والجواب: فكرة جمع كل الأحاديث النبوية في كتابٍ واحدٍ والتي تُسمَّى بالتدوين، كانت في ذِهن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقد فكَّر في جمع الأحاديث كما تمَّ جمع القرآن، واستشار كبار الصحابة في ذلك فوافقوه على ذلك، لكنه تراجع حتى يتمكَّن القرآن في قلوب الناس، ولا يختلط بالسُّنة؛ لأن عهد الناس بالقرآن حديث جدًّا، فأغلب المسلمين على وجه الأرض في ذاك الوقت لم يسلموا إلا قريبًا.
فقرَّر عمر أن يتأنَّى بالناس حتى يتمكَّن القرآن من قلوبهم.
والسُّنة محفوظة ومنقولة ومكتوبة فلا خوف عليها، لكن لو جُمعت في كتابٍ واحدٍ، ووُّزعت على الأمصار بالتوازي مع القرآن لزاحمت القرآن، ولم يُؤمَن أن تلتبس به.
فأجَّل عمر رضي الله عنه فكرة تدوين السُّنة في كتابٍ واحدٍ.
وظلَّ الأمر على ذلك إلى أن أتى زمن تلميذ عمر بن الخطاب: كثير بن مُرَّة، وقد أدرك كثير بن مُرَّة سبعين بَدْريًّا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أيضًا تلميذُ ، ، ، ، ، ، ، وعدد كبير من كبار الصحابة فقد تتلمذ على أيديهم جميعًا.
ففي زمن كثير بن مُرَّة بدأ مشروع تدوين السُّنة، فقام هو بجمع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم .
ومشروع كثير بن مرة كان مشروعًا عملاقًا، وجاء بأمر من التابعي الجليل: عبد العزيز بن مروان، والذي كان حاكمًا على مصر طيلة 20 سنة.
وبعد عبد العزيز بن مروان جاء ابنه: عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، والذي أمر أبا بكر بن حزم، وابن شِهاب الزُّهري بإكمال مشروع كثير بن مُرَّة.
إذنْ فتدوين الحديث كان في مرحلة مبكرة جدًّا.
أما كتابة الحديث فكانت منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما فصَّلنا، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بكتابتها بين يديه، وقال: اكْتُبُوا لأبِي شَاهٍ().
ولما توقَّف عبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ عن كتابة السُّنة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم : اكتُبْ؛ فوالَّذي نفْسي بيدِهِ، ما يَخْرُجُ منه إلَّا حقٌّ().
وكان أبو هريرة يخصص ثلث الليل؛ ليحفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فالسُّنة كانت تُكتب وتُحفظ بين يديه صلى الله عليه وسلم .
وفي الحديث الصحيح عندما سُئل عبدُ الله بنُ عمرو بن العاص: أيُّ المدينتين تُفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بِصُنْدُوقٍ لَهُ حَلَقٌ قَالَ: فَأَخْرَجَ مِنْهُ كِتَابًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَكْتُبُ، إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا يَعْنِي: قُسْطَنْطِينِيَّةَ.
وانظر لقول عبد الله بن عمرو بن العاص: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَكْتُبُ، فقضية أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يكتبون الأحاديث بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قضية بديهية.
لكن هنا قد يقول قائل: ما أجمل لو دُوِّنَتِ السُّنة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرةً!
والجواب: بعض الناس ربما يتخيَّل لو دُونت السُّنة من أول يوم في كتابٍ واحدٍ لانقطعت ألسنة المغرضين من نفاة السنة.
وهذا كلام غير صحيح؛ لأن الكتابة ليست من لوازم الحُجية، ولا يتوقَّف عندها صيانة الحجة،
بل إنَّ الكتابة لا تفيد القطع عند العرب كما يفيد الحفظ!
ونحن ما عرفنا الشعر الجاهلي إلا بالحفظ.
ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكتابة كيفية الصلاة أو أوقاتِها، ولو كانت الكتابة من لوازم الحجية لأمر بكتابة كيفية الصلاة بكل حركةٍ وكلمةٍ وذِكرٍ.
أيضًا حجية القرآن ليست في أنه كُتِب.
فالناس حتى الساعة يتلقَّون القرآن بالسماع.
فالقرآن كتاب صوتيٌّ، وليس كتابًا ورقيًّا، فكل حرف في القرآن نُقلت طريقة نطقِهِ نقل شِفاهٍ من فم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنت تأخذ القرآن من فم شيخك، ولا تستطيع أن تحصل على إجازة في القرآن دون النقل الشِّفاهي لكل حرف فيه، وشيخك حصل على الإجازة من فم شيخه، وهكذا وصولًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
ولا تتمُّ طباعة المصحف حتى الساعة في أية دولة إسلامية إلا بعد أن يقوم بمراجعته أهلُ الأسانيد، ممن تلقَّوهُ نقل الشِّفاه من فم النبي صلى الله عليه وسلم .
إذن حجية القرآن في نقل الشفاه، وليست في أنه دُوِّنَ.
ولذلك عندنا مقولة: لا يؤخذ القرآن من مصحفيٍّ.
فالقرآن يؤخذ ممن يتلقَّاه مشافهةً في سلاسل من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرِنا هذا.
فالاعتمـاد فـي نقـل القـرآن علـى حفـظ القلـوب، لا علـى حفـظ المصـاحف().
فالقرآن في الأصل كتاب صوتي، وكذلك الحديث رواية صوتية.
الحديث منقول بالسماع عن النبي صلى الله عليه وسلم في كل طبقة.
وكما أنَّ القرآن مُدوَّن ومحفوظ في الصدور، كذلك السُّنة مُدوَّنة ومحفوظة في الصدور.
وحجية حفظ الصدور هي الأساس في نقل القرآن والحديث، وليس مجرد التدوين.
ولذلك لما دُوِّن القرآن زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، لم يكن عندنا سوى ست نسخ من القرآن في كل الأمة الإسلامية.
نسخة المصحف الإمام عند عثمان، ونسخة لليمن، ونسخة للشام، ونسخة للعراق، ونسخة لمصر، ونسخة لمكة.
والناس يتناقلون القرآن سماعًا، وظل نقل القرآن السماعي عبر القرون وحتى يومنا هذا، وسيبقى هكذا إلى أن تقوم الساعة.
الأمر نفسه بالنسبة للحديث، فقد كُتِب الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، لكنه في الأساس نُقل بالسند الصحيح المتصل نقْل صدور ونقْل شفاه.
إذنْ فحجية القرآن لم تأتِ مِن تدوينه، وإنما حجية القرآن من حفظه في الصدور، ونقله على مرِّ العصور، كذلك السُّنة.
لكن لماذا لا تُثبِت الكتابةُ حجيةَ النقل؟
والجواب: إذا تعارَضَ حديثٌ مسموع مع مكتوب، أَخذ أهلُ العلم بالمسموع.
قال الآمدي: رواية السماع أوْلى لبُعدها عن تطرُّق التصحيف والغلط().
فالنقل المتقن الضابط العدل أقوى وأعلى حجية من الكتابة؛ لأن النقل الصوتي أبعدُ عن التصحيف والغلط.
فالحافظ أتقنُ لما يقول، وأعرف لمعنى ما يقول، وأضبطُ لمقصود ما يقول، خاصَّةً من قومٍ عُرفوا بقوة الحفظ، ونَقلوا تاريخهم بقوة الحفظ، فاعتمادُهم على ذاكرتهِم هو أساس الحجية.
ومشكلة الكتابة أنها لا تنضبط بها الذاكرة؛ لأن الذي يكتُبُ ينسى، فيأتي احتمال تطرُّق الخطأ، ثم إنَّ عدم ضبط المكتوب قد يُغير المعنى بالكلية بتصحيفٍ واحدٍ في حرفٍ واحدٍ من الحديث، بينما الذي يقرأ من حفظه يُوَلِّد عندك اطمئنانًا عجيبًا.
تخيل عندما يُستفتى مُفتٍ في مسألةٍ شرعيةٍ، فيجيب بالأدلَّة من السُّنة من حفظه، أليس هذا أوثَقَ عندك، وأكثَرَ طمأنينة لفؤادك ممن ينقل لك الفتيا من الكتب؟
فالحفظ يزيد اطمئنانك لمعرفة الحافظ بدلالة الحديث ومعناه وفقهه.
والحفظ سجيَّةُ العرب فلم يكن بالشيء المرهق لهم، فهم يحفظون مُعلَّقاتهم، وكان منهم مَن يحفظ ألف بيت شعرٍ، كذلك القرآن بقِي في عهد النبوة محفوظًا في الصدور.
واعتمدوا في نقل المعرفة على حفظ الصدور، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُرسِل مَن يُعلّم الناس دينهم، ويحكم بينهم، ويقضي بينهم، لا بكتابٍ وإنما بحفظ الصدور وفقه القلوب.
وساعد العربَ على قوة الحفظ بساطةُ المعيشة، والجوُّ الهادئ، وقلَّة الشواغل، وحدَّة الذكاء، وسَعة الخبرة باللسان العربي.
وكانوا مطبوعين على الحفظ، فابن عباس حَفِظ قصيدة عمرو بن أبي ربيعة من 75 بيتًا من أول مرةٍ سمعها، وكان كذلك الزُّهْري والشَّعبي، حتى يقول الزهري: ما دخل أُذني شيءٌ نسيتُهُ.
فالحفظ أيسَرُ على العرب، وهو أسلم بكثير وأضبط، والحفظ لا يكون إلا بالفهم وإدراك المعنى والتحقُّق منه.
لذلك ولَّد حفظ سُنة النبي صلى الله عليه وسلم في الصدور "مَلَكَة الفقه العجيبة" التي ظهرت في سلف هذه الأمة، وفي كل مَن يعتني بالحفظ في كل زمنٍ.
فهذا الميراث الفقهي المدهش الذي تم استنباطه من القرآن والسُّنة مصدرُهُ حفظ الصدور، وإتقان المعنى.
فالحفظ ولَّد الفقه.
فتجد أحدَهم يسترسل في ضبط الأحكام الشرعية، وكأن مكتبة ضخمة مفتوحة أمامه ينهَلُ منها ما يريد في أي لحظة.
وتجد ابن القيم يكتب زاد المعاد كاملًا في أحد أسفاره دون العودة لكتبٍ.
ويُملي السَّرَخسِيُّ على تلاميذه وهو محبوس في بئرٍ كتابَ "المبسوط" وهو موسوعة ضخمة من خمسة عشر مجلدًا.
وشرَح القرطبيُّ "صحيحَ مسلم" وهو على ظهر سفينة، وشرْحه وقع في خمسة عشر مجلدًا إملاءً من خاطره من غير مطالعةٍ، ولا مراجعةٍ، ولا تعليقٍ.
فالحفظ ولَّد هذه الملَكة العجيبة عند هذه الأمة.
أما مَن يعتمد فقط على الكتابة فقد لا يفقهُ.
لذلك لم يكن العرب يثقون بالكتابة إلا بشروطٍ كثيرةٍ، فلا بد أن يحمل المكتوب سندًا وخَتمًا حتى يوثق بأن كاتبه هو فلان.
وقد يقع في الكتابة التصحيفُ.
فلن تُقدِّم لنا الكتابة شيئًا إضافيًّا للأمة لو تمَّ تدوين السُّنة -جمع كل الأحاديث في مكان واحد- من أول يوم، بل قد يُفوّت هذا الأمرُ فرصةَ توليد هذه الملكات الفقهية العجيبة التي ولَّدها الحفظ.
ولربما حصلت مع الكتابة إشكالاتُ وقوع الظن في معنى ما كُتب، وإشكالات التصحيف، فربما تتغيَّر نقطة واحدة على حرفٍ واحدٍ؛ فتؤدي لتغيير معنى الحديث بالكلية.
ومن اعتمد على الكتابة تضعُف ملكة الحفظ عنده، وبالتالي ينسى المعنى المقصود، وينسى ضَبْط ما كَتب.
فمِن رحمة الله بهذه الأمة أن قدَّر لها أن تحفظ سُنة نبيها حفظ صدور، كما حفظت القرآن حفظ صدور فتولَّد هذا الفقه العظيم لدين الله عند السلف.
وهذا من عجيب حكمة الله وفضله على هذه الأمة.
وسبحان الله حتى الفلاسفة عبر التاريخ كانوا يستشعرون بعبء الكتابة، وكانوا يُؤكّدون أنَّ الذي يعتمد على الكتابة دون الحفظ يضعُفُ ذهنه مع الوقت، من أجل ذلك كان أفلاطون يهجو الكتابة بشدةٍ، ويؤكد أن الكتابة تؤدي لضياع المعنى، وفتور النفس().
وسوف تبقى السُّنة محفوظة بحفظ الله للقرآن، محفوظة إلى قيام الساعة، فهي بيان القرآن، والمصدر الثاني للتشريع باتفاق كل مسلم.
ولا يُخالف في كونها المصدر الثاني للتشريع، وبيان القرآن إلَّا مَنْ لا حظَّ له في دين الإسلام، كما قال الشوكاني رحمه الله** ()**.
9 - لماذا يهاجم دعاة حركة التنوير الصحابة؟
ج: لأنهم ببساطة لا يجرؤون على القدح في الإسلام.
فمَن هي الحلقة التي لو هاجمها التنويري لما انتقده الناس، وفي الوقت نفسه سيسهل عليه بعدها الهجوم على الإسلام؟
إنها حلقة الصحابة.
وبعد أن يُسقط التنويري قيمة الصحابة من قلبك، سيسهُلُ عليه بعدها تأويل أي نص شرعي وفقًا لأي هوًى.
وبهذا يُبطل التنويريون أحكامَ الدين القطعية، وينكروا ما عُلم من الدين بالضرورة بكل بساطة، ولو بيَّنت لهم أنَّ فهمهم مخالفٌ لما أجمعت عليه الأمة، ومناقضٌ لظاهر وصريح النص الشرعي والمعني اللغوي، فلن يهتمُّوا بما تقول؛ لأنهم منذ قليل أسقطوا قدوة هذه الأمة، أسقطوا الصحابة، أسقطوا أكثر الناس معرفةً بمعاني التنزيل، فلن يوقفهم شيء عن تأويل أي نصٍّ شرعيٍّ وفقًا لأي هوًى، فالهجوم على الصحابة هو طريق سهل وذكي للهجوم على الإسلام.
قال أبو زُرعة الرازي: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاعلم أنه زنديقٌ؛ لأن الرسول عندنا حقٌّ، والقرآن حقٌّ، وإنما أدَّى إلينا هذا القرآن والسُّنة أصحابُ الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإنما يريد القوم أن يُجرِّحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسُّنة"().
فهم يعرفون جيدًا أنَّ الحائط في مواجهة التلاعب في دين الله هم الصحابة؛ لأن فهمهم أقربُ وأصلحُ فهم لمعاني التنزيل.
فالصحابة أقرب الناس للرسالة، وشَهِدوا تنزُّل القرآن والسُّنة، وهم أعرف الناس بالعربية، وأدْرى الناس بمراد الشرع.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتي ما يُوعَدُونَ"().
فالصحابة أمانٌ لهذه الأمة، وأمانٌ للفهم الصحيح للكتاب والسُّنة.
ودعاة حركة التنوير يعرفون قدر الصحابة؛ لذلك هم يريدون أن يُسقطوا أمنة هذه الأمة، يريدون أن يُسقِطوا هذا الحائط؛ ليسهل عليهم بعد ذلك الهجوم على القرآن والسُّنة كما يحبون.
لما سئل أبو عبد الرحمن النسائي صاحب "السنن الكبرى" عن معاوية، قال: "الإسلام دار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام"().
فمن فقه النسائي عَلِم أن الهجوم على معاوية يُراد به شيءٌ آخر.
فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام.
والسلف كانوا يعرفون أنَّ مدخل من أراد الهجوم على الإسلام هو: الصحابة.
لذلك قال البربهاري: "واعلم أن مَن تَناول أحدًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إنما أراد محمدًا صلى الله عليه وسلم "().
فشأنُ الصحابة شأنٌ عظيمٌ، وسبيلهم هو سبيل المؤمنين، قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ: مَن اتبع غير سبيل المؤمنين مِن الصحابة فمَن بعدهم، ضلَّ سعيُهُ.
وقال صلى الله عليه وسلم : "إِنَّ اللهَ تعالى لا يجمَعُ أمتي على ضلالَةٍ، ويدُ اللهِ على الجماعَةِ"().
فإجماع الصحابة معصوم، وسبيلهم هو النجاة، فهؤلاء عاصروا النبوة، وأخذوا عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطةٍ، وعاينوا النبي صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله، في حله وترحاله، فكان النبي صلى الله عليه وسلم مُعلمهم.
ولذلك كانوا أصلح الناس قلوبًا.
قال ابن مسعود رضي الله عنه : "فإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا، وَأَحْسَنَهَا حَالًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"().
أَعْمَقَهَا عِلْمًا: أكثر هذه الأمة فهمًا وإدراكًا، فهم كتبوا الوحي بأيديهم وقت تنزُّله، وحضروا أسباب نزوله.
قال الشاطبي: هم القدوة في فهم الشريعة والجري على مقاصدها.
وقد زكَّاهم الله في كتابه فقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].
وقد احتجَّ العلماء بهذه الآية على وجوب اتباع الصحابة، واستحقاقهم أن يكونوا أئمَّة متبوعين يُقتدى بهم، وتؤخذ أقوالهم.
لأن الآية تقول: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ. فالآية تتضمَّن المدح لكل من اتبع الصحابة.
وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
روى ابن جرير بسنده عن الضحاك، قال: هُمْ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال تعالى: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 88- 89].
وقال سبحانه: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 18].
وقال عز وجل : {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29].
وقال سبحانه: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 8- 9].
وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ: المدينة المنورة.
وَالْإِيمَانَ، أي: تشرَّبوا الإيمان في قلوبهم.
كل هذه تزكيات في كتاب الله لمجتمع الصحابة.
وانظر لهذا الخطاب الإلهي: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} [البقرة: 137].
مَن آمن مِن الناس بمِثل ما آمن به الصحابة فقد اهتدى.
ولذلك حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم أشدَّ التحذير من التعرُّض لمجتمع الصحابة، فهم أطْهر وأسْمى وأنْقى وأصلح وأسلمُ مجتمع في الدنيا بعد الأنبياء... مجتمع صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
لذلك قال صلى الله عليه وسلم : "لا تَسُبُّوا أصْحابِي، لا تَسُبُّوا أصْحابِي، فَوالذي نَفْسِي بيَدِهِ لو أنَّ أحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِمْ، ولا نَصِيفَهُ"().
وقال صلى الله عليه وسلم : "أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتي ما يُوعَدُونَ"().
فذهاب الصحابة وذهاب هَدْي الصحابة هو إيذان بمجيء الفتن.
فعصر الصحابة هو أعظم عصور هذه الأمة؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي"().
فقرن الصحابة هو أفضل قرن في تاريخ هذه الأمة في كل فضيلة وكل علم وعمل وقصد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "وكلُّ مَن له لسانَ صدق مِن مشهورٍ بعلمٍ أو دينٍ معترفٌ بأنَّ خير هذه الأمة هم الصحابة"().
وقال الإمام أحمد: "أصولُ السُّنَّةِ عندنا: التمسُّك بما كان عليه أصحابُ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، والاقتداءُ بهم"().
ومذهب الإمام مالك يقوم على ترجيح عمل أهل المدينة؛ لأنهم أقربُ الناس لتطبيق القرآن والسُّنة.
فهذا قدْر الصحابة الذي لا بد أن يُنزلهم إياه كل مسلم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتي وَسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ"().
فما اجتهد فيه الخلفاء الراشدون من الصحابة كان حُجَّةً بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ويكفيك قولُ النبي صلى الله عليه وسلم : "تفترقُ أُمَّتي على ثلاثٍ وسبعينَ ملَّةً، كلُّهم في النَّارِ إلَّا ملَّةً واحِدةً، قالوا: مَن هيَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ما أَنا علَيهِ وأَصْحابي"().
فالفرقة الناجية هي ما كان عليه عقيدة الصحابة، وفهم الصحابة، وفقه الصحابة.
فالواجب علينا أن نُحب صحابةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لثناء الله عليهم، ولإيمانهم به، ولتصديقهم بنبيه، ونصرتهم له، ولما نفعنا الله به من جهادهم في سبيل نصرة هذا الدين ووصوله إلينا.
فنحن نحبهم، ونتبع هَديهم، وندافع عنهم، ولا نقبل بموجة الهجوم عليهم، ونُعرِّف الناسَ حقَّهم.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "إنَّ اللهَ نظَرَ في قلوبِ العِبادِ؛ فوجَدَ قلبَ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خيرَ قلوبِ العِبادِ، فاصطَفاه لنفْسِهِ، فابْتعَثَه برِسالتِه، ثُمَّ نظَرَ في قلوبِ العِبادِ بعدَ قلبِ محمَّدٍ؛ فوجَدَ قلوبَ أصحابِه خيرَ قلوبِ العِبادِ، فجعَلَهم وُزَراءَ نبيِّه، يُقاتِلونَ على دينِه، فما رَأى المُسلمونَ حَسنًا؛ فهو عندَ اللهِ حَسنٌ، وما رأَوا سيِّئًا؛ فهو عندَ اللهِ سيِّئٌ"().
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﭭ في مناظرته الشهيرة للخوارج: "أتيتُكُمْ من عند أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم المهاجرين والأنصارِ، ومن عندِ ابنِ عمِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم وصهرِهِ، وعليهم نزل القرآنُ. فهم أعلمُ بتأويلِهِ منكم"().
فالصحابة هم أعلمُ الناس بفقه هذا الدين.
فاتباع الصحابة يقطع مادَّة الابتداع في الدين؛ لأنك تتبع المنهج الأول قبل ظهور الفتن.
ولو نحَّينا فقه الصحابة، ومنهج الصحابة، وفهم الصحابة، لتأول الناس القرآن بإخراجه عن معناه، وعن مراد الشرع.
ولذلك كان الهجوم على الصحابة هو مشروع التنويريين لإفساد دين الناس.
ومن أجل هذا عدَّ العلماءُ الطعنَ في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علامةَ أهل البدع والنفاق، الذين يريدون إبطال الشريعة بجَرْح رواتها.
عن عبد الله ابن الإمام أحمد قال: "سألت أبي عن الرجل شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . فقال: ما أراه على الإسلام"().
وقال الإمام مالك: "من انتقص أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فليس له في هذا الفيء حقٌّ، قد قسم الله الفيء في ثلاثة أصناف فقال:
لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ: وهذا هو الفيء الأول.
وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ: هذا هو الفيء الثاني.
وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ: وهذا هو الفيء الثالث"().
والفيء الثالث هم أتباع منهج الصحابة.
ولا يوجد فيءٌ رابعٌ.
فمن لم يتبع منهج الصحابة فليس له في هذا الفيء حقٌّ.
والصحابة كلهم عُدولٌ.
قال الإمام النووي: الصحابة كلهم عدول، مَن لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يُعتد به().
ولا يوجد أحد يطعن في عدالتهم إلا ويَضعف إيمانه وتصديقه بالنصوص بقدر ما يطعن في الصحابة.
قال ابن الصلاح: "إن الأُمَّة مُجمعة على تعديل جميع الصحابة. ومن لابس الفتن منهم: فكذلك؛ بإجماع العلماء الذين يُعتد بهم في الإجماع، إحسانًا للظن بهم، ونظرًا إلى ما تمهَّد لهم من المآثر، وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك؛ لكونهم نقلةَ الشريعةِ"().
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "واللَّهِ لا تزالونَ بخَيرٍ ما دامَ فيكُم مَن رأى مَن رآني، وصاحبَ مَن صاحَبَني"().
اللهم ارزقنا حبَّهم ونُصرتهم آمين.
10 - ما معنى حديث الآحاد، وما الفرق بينه وبين الحديث المتواتر؟
ج: حديث الآحاد هو كلُّ حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عددٌ من الرواة في كل طبقة لا يصل إلى حد التواتر.
فلو أنَّ حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه صحابيٌّ واحدٌ إلى عشرة من التابعين، ثم انتشر بين الناس، فهذا يُسمَّى حديث آحاد.
والحديث الذي رواه صحابيَّانِ إلى مائة تابعي، ثم انتشر بين الناس، يُسمَّى أيضًا: حديث آحاد.
والحديث الذي يرويه ثلاثةٌ من الصحابة إلى مئات التابعين، يُسمَّى حديث آحاد.
فمثلًا حديث: "الْمُسْلِمُ مَن سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ ويَدِهِ"().
هذا حديث رواه ثلاثة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدد كبير من التابعين.
ومع ذلك اسمه: حديث آحاد.
والحديث الذي رواه أربعة من الصحابة إلى مئات التابعين، اسمه: حديث آحاد.
أما الحديث المتواتر فهو: كل حديث رواه جمعٌ كبيرٌ من الصحابة إلى جمع كبير من التابعين.
بحيث يكون هناك جمع كبير من الرواة في كل طبقة من السند، وهذا الذي يُسمَّى بالمتواتر.
والتفريق بين الحديث الآحاد والحديث المتواتر هو تفريق اصطلاحي حديثي فقط.
فالسلف لا يُفرقون بين متواتر وآحاد.
فطالما صحَّ الحديث، وثبَت عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب العملُ به؛ سواءً رواه صحابيٌ واحدٌ أو صحابيَّانِ أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة، طالما صحَّ الحديث وَجَبَ العمل به في العقائد والأحكام والتشريعات.
فهذا التقسيم: آحادٌ ومتواترٌ، هو تقسيم اصطلاحي لطلاب علم الحديث.
فالكل يتفق ولا يشذُّ عالمٌ واحدٌ من علماء الحديث على أنَّ: الحديث آحادًا كان أو متواترًا طالما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب العمل به.
فالعبرة في الأخير بصِدق الخبر وصحته، وليس بعدد من أخبرك الخبر.
فقد يصحُّ حديث من راوٍ صادقٍ ثَبْتٍ، ولا يصحُّ من أكثر من راوٍ مجهولٍ.
فطالما اتصل السند، وثبَتت عدالة الراوي وضبطُهُ، وسَلِم الحديث من الشذوذ والعلَّة صار صحيحًا، ووجب العمل به؛ سواءً جاء من طريقٍ أو مائةٍ.
والآحاد حجة عقلية في قبول الحُكم؛ إذ لو أتاك شخصٌ واحدٌ ثقةٌ صدوق، ونقل لك خبرًا رآه بعينه فهذا يُولِّد عندك العلم الضروري، بينما لو أتاك أكثر من شخص مجهول لا تعرفهم وأخبروك خبرًا فقد لا يطمئن قلبُك لما قالوا.
فالعبرة ليست بالعدد، وإنما بالخبر الصادق.
والشريعة تقوم على حجية خبر الآحاد، وأنه يُلزِم بالعلم والعمل معًا.
قال الله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].
مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ: والطائفة تشمل ما دون المتواتر، وبها يقع العلم والحُجة.
وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُرسِلُ رُسُلَهُ آحادًا، ويُرْسِلُ كُتُبَهُ مع الآحاد، ولم يكن المُرْسَلُ إليهم يقولون: لا نقبله؛ لأنَّه خبر واحد.
والأنبياء أتوا فُرادى إلى أقوامهم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "نَضَّرَ اللَّهُ امرأً سمعَ منَّا حديثًا فحفظَهُ حتَّى يُبلِّغَهُ فربَّ حاملِ فقْهٍ إلى مَنْ هوَ أفقَهُ منْهُ"().
وهذا الحديث دليلٌ على حجية خبر الواحد، فالواحد الثقة الضابط للحديث حجة.
فالحديث يحمله الواحد، ويُبلِّغه الواحد، وتقوم الحجة بالواحد.
وحديث: "مَن يَأْتِينَا بخَبَرِ القَوْمِ؟ فَقالَ الزُّبَيْرُ: أنَا"().
وكان هذا يوم الأحزاب، فهنا اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم خبر الزبير، وهو خبر الواحد.
وحديث: "بَيْنَما نحنُ بمِنًى إذا عليُّ بنُ أبي طالبٍ على جَملٍ وهو يقولُ: إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: إنَّ هذه أيَّامُ طُعْمٍ وشُربٍ، فلا يَصومَنَّ أحَدٌ، فأَسمَع النَّاسَ"().
وهنا اتبع الناسُ أمْرَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهذا فيه حجية خبر الواحد، وقيام العلم والعمل بخبره.
وأنت تُصدِّق المؤذنَ، وتعمل بخبره في أهم شعيرة في دينك: الصلاة.
وهذا خبر آحاد.
والأدلَّة في هذا لا تُحصى.
والنبي صلى الله عليه وسلم كما قُلتُ كان يرسل الواحد من صحابته في تنفيذ أمره، أو إمارة الناس، نيابةً عنه أو قبض الزكاة، أو غير ذلك.
فالأمة مجمِعةٌ على قبول خبر الواحد والعمل بخبره.
وانظر لحديث: "بيْنَما النَّاسُ في صَلَاةِ الصُّبْحِ بقُبَاءٍ، إذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقالَ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قدْ أُنْزِلَ عليه اللَّيْلَةَ، وقدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إلى القِبْلَةِ"().
فالصحابة عملوا بخبر الواحد واستداروا وهم في صلاتهم.
فمتى جاء الثقة بالخبر: حصل العلم، ووجب العمل.
وحديث أنس: "كُنْتُ أسْقِي أبا عُبَيْدَةَ، وأَبا طَلْحَةَ، وأُبَيَّ بنَ كَعْبٍ مِن فَضِيخِ زَهْوٍ وتَمْرٍ، (يشربون الخمر) فَجاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إنَّ الخَمْرَ قدْ حُرِّمَتْ، فقالَ أبو طَلْحَةَ: قُمْ يا أنَسُ فأهْرِقْها، فأهْرَقْتُها"().
جاءَهُمْ آتٍ: شخص واحد ثقة حصل به العلم، وأهرقوا الخمر.
قال الشافعي: خبر الواحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُنتهى إليه، ويُفتى به، ويَقبلُهُ كل أحد().
وعلى العمل بخبر الواحد التابعون كافة، ولم ينكر أحدٌ ذلك، ولا اعترض عليه().
قال شيخ الإسلام: "ما يرويه الواحد العدل يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأولين والآخرين، والسلف لم يكن بينهم في ذلك نزاع"().
فلم يظهر التكلم في حجية خبر الواحد إلا بين المبتدعة().
وأهل السُّنة والجماعة لا يُفرِّقون بين الحديث المتواتر وبين خبر الآحاد، ويحتجُّون بالمتواتر والآحاد في العقائد والأحكام على حدٍّ سواءٍ.
قال ابن حزم رحمه الله : "فإنَّ جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم "().
وقال السَّمْعَاني رحمه الله : "إنَّ الخبر إذا صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه الثِّقاتُ والأئِمَّة، وأسندَه خَلَفُهم عن سَلَفِهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتلقَّته الأُمَّة بالقبول؛ فإنه يوجب العِلْمَ، وأما من قال لا بد من طريق التواتر، فقائل ذلك يريد ردَّ الأخبار"().
فلم يظهر إنكار حجية خبر الآحاد كما قلت إلا بين المبتدعة وهدفهم من هذا ردُّ السنة.
وهنا قد يسأل سائل: لماذا يريد المبتدعة أن يهجروا السنَّة؟
والجواب: لأنَّه إذا هُجرت السنَّة وجد المبتدعة ميدانًا للكلام في نصوص الشرع وتأويلها وَفْق أهوائهم.
فالتسليم بكل خبرٍ صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا قاطعٌ لمادة البدعة، وحاسمٌ لكل من يريد العبث في دين الله.
فالسُّنة تقمع البدعة.
ولا يَعرف أهل البدع أنَّ التنكُّر لأخبار الآحاد هو بدعة إضافية، فالتشكيك في حجية خبر الآحاد هو قول مُبتدَع مُحْدَث، لا أصل له في الشريعة.
وفي الحديث المتفق على صحته: مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ().
فإنكار حجية خبر الآحاد بدعة، و "كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النارِ"().
فهذه بدعة إضافية عند المبتدعة.
لكن قد يقول قائل: خبر الآحاد يفيد الظن؛ لذلك ما نأخذ به في العقيدة.
والجواب: الظن الذي لا يُعتد به عقليًّا هو الظن المَرْجُوح، أو الظن الذي لا يُفيد عِلْمًا.
وليست أحاديث الآحاد من ذلك في شيء.
فهذا الظن المرجوح أو الذي لا يفيد علمًا، لا يُؤخذ به لا في الأحكام ولا في العقائد، أما خبر الواحد الصحيح الثابت فهذا قرين اليقين، فأحاديث الآحاد ليست من الظن المرجوح، وإنما من الظن الذي هو قرين اليقين؛ ولذلك ورد في القرآن التعبير عن اليقين بالظن من هذا النوع الذي هو قرين اليقين في قوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} [الحاقة: 20].
وقوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} [التوبة: 118].
إذن فالقول بالأخذ بخبر الآحاد في باب الأحكام وتركه في باب العقائد، هو قول بدعيٌّ سقيمٌ، ثم من أين لهم بهذا التقسيم؟
أين الدليل الذي يُعْتَدُّ به على تَرْك العمل بحديث الآحاد في العقيدة؟
هل ثبَت ذلك بآية قرآنية أو حديث نبوي صحيح؟!
وهل ثبَت عن الصحابة رضي الله عنهم العمل بذلك أو التصريح به؟!
وهل ثبَت عن أحدٍ من الصحابة ردُّ ما أخبره به أحدُهم من أحاديثَ نبوية، تتضمن أمورًا عقائدية؟
وهل فعل ذلك أحد من أئمة التابعين ومن بعدهم؟
ما من أحدٍ من الصحابة أو التابعين، أو أئمة الهُدى رَدَّ خبر الواحد الذي يتضمَّن أمورًا عقائدية؛ كانوا يتقبَّلون الخبر بالقَبول واليقين، طالما ثبَتتْ صحته.
وهذا ورد في نصوص كثيرة كأحاديث الرؤية -رؤية الله يوم القيامة- وتكليم الله، ونزوله في ثلث الليل الأخير كل ليلة.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً"().
فمن الذي يُبلغ الآية؟
شخصٌ واحدٌ هو مَن يقوم بالتبليغ، وتقوم به الحجَّة على المُبَلَّغ، ويحصُلُ للمُبَلَّغ بذلك العلم، وادّعاء أنَّ العلم والحجة لا تقوم بإخبار المبلِّغ الواحد، فهذا يعني أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه ليس له معنًى.
فلو لم تقم الحجة بخبر الواحد لما أمر صلى الله عليه وسلم بذلك.
وقد أرسل صلى الله عليه وسلم عليًّا، ومعاذًا، وأبا موسى رضي الله عنهم في أوقات مختلفة إلى اليمن؛ يُبلّغُون عنه؛ ويُعلِّمُون الناس الدين والعقيدة والأحكام.
وهذا دليلٌ قاطِعٌ على أنَّ العقيدة تَثْبُت بخبر الواحد، وتقوم به الحُجَّة على الناس، وإلا ما اكتفى صلى الله عليه وسلم بِشخصٍ بمُفْرَدِهِ، ولأرسل معه من يَتواتر به النقل.
ولذلك السلف أجمعوا على قَبول أحاديث الآحاد في العقائد، وإثبات صفات الرب تعالى، والأمور الغيبية بخبر الواحد.
ثم ما الفرق بين تسليمك لخبر الآحاد في الأحكام، ورفضه في باب العقائد؟
الذين نقلوا هذا هم الذين نقلوا هذا.
قال ابن القيم رحمه الله : "ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بحديث الآحاد؛ كما لا يمتنع إثبات الأحكام الشرعية بها، فما الفرق بين باب الشرع وباب الخبر، بحيث يُحتجُّ بها في أحدهما دون الآخر، وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة، فإنها لم تَزَل تَحتجُّ بهذه الأحاديث في الخَبَرِيَّاتِ، كما تَحتجُّ بها في أبواب الفقه، ولم يزل الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، وأهل الحديث والسُّنة يحتجُّون بهذه الأخبار في مسائل الصفات، والقدر، والأسماء، والأحكام، ولم يُنقل عن أحد منهم ألبتة أنه جَوَّز الاحتجاج بخبر الآحاد في مسائل الأحكام دون الأخبار عن الله وأسمائه وصفاته، فأين سلف المفرقين بين البابين؟"().
وتَرْكُ العمل بأحاديث الآحاد في العقائد هو تخطئةٌ للسلف في اعتقادها، واتخاذها دينًا، وتخطئةٌ لإجماع الأمة، ومخالفةٌ لسبيل المؤمنين، ويكفي بذلك فتنة في الدين.
{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
فالأدلَّة لا تُحصى من الكتاب والسُّنة، وإجماع الصحابة وسلف الأمة، تدلُّ دلالة قاطعة على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في كل أبواب الشريعة، سواءً أكان في الأمور الاعتقادية أو الأمور العملية، وأما التفريقُ بينهما فبدعةٌ أحدثها أهل الأهواء من المبتدعة؛ ليردوا الأدلة التي تنقض بدعهم، ولم يُنقل عن أحد من سلف هذه الأمة أنه جوَّز الاحتجاج بحديث الآحاد في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته، بل لا يُعرف خلاف في هذه المسألة عن أحد ممن يُعتدُّ به من أهل العلم.
قال الإمام ابن عبد البر في كتابه التمهيد: "وكلُّهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده، على ذلك جميع أهل السُنَّة"().
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله : "وَأَمَّا الْمَقَامُ الثَّامِنُ: وَهُوَ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ الْمَعْلُومِ الْمُتَيَقَّنِ عَلَى قَبُولِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَإِثْبَاتِ صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى بِهَا، فَهَذَا لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ لَهُ أَقَلُّ خِبْرَةٍ بِالْمَنْقُولِ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ هُمُ الَّذِينَ رَوَوْا هَذَهِ الْأَحَادِيثَ وَتَلَقَّاهَا بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِالْقَبُولِ وَلَمْ يُنْكِرْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى مَنْ رَوَاهَا، ثُمَّ تَلَقَّاهَا عَنْهُمْ جَمِيعُ التَّابِعِينَ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، وَمَنْ سَمِعَهَا مِنْهُمْ تَلَقَّاهَا بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ لَهُمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنْهُمْ تَلَقَّاهَا عَنِ التَّابِعِينَ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ تَابِعُ التَّابِعِينَ مَعَ التَّابِعِينَ"().
وفي الواقع: فالقول بأن حديث الآحاد لا تثبُتُ به عقيدة، هو قول في حد ذاته عقيدة، فما هو الدليل على صحته؟
فإما أن يأتوا بالدليل القاطع المتواتر على صحة هذا القول، وإلا فهم مُتناقضون.
وبناءً على ذلك: فإنَّ ردَّ خبر الآحاد في العقائد منهجٌ بدعيٌّ يخالف إجماع أهل السنة والجماعة، وهو: "خرق لإجماع الصحابة المعلوم بالضرورة وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام"().
11 - ما هي الإشكالات العقلية التي تواجه منكري السُّنة؟
ج: هناك عدَّة إشكالات تواجه منكري السُّنة، وهي إشكالات تُبيّن سخافة هذا الفكر ومخالفته لبديهيات القرآن، ولقطعيات عقليةٍ تُفهم من دين الإسلام.
الإشكال الأول:
كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته يُصلُّون إلى بيت المقدس لسنوات طويلة؟
فقد كانت قبلة المسلمين لسنوات طويلة نحو بيت المقدس، وهذا الأمر لم يَرِدْ في القرآن.
لم يرد في أي آية الأمرُ بالصلاة نحو بيت المقدس.
فلم تكن الصلاة نحو بيت المقدس إلا أمرًا نبويًّا.
ولم يخبر القرآن في هذا الخصوص إلا بقصة تحوُّل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.
إذن السؤال لكل مُنكِر للسنة... لكل متجاهل للخبر النبوي... لكل مُشكِّك في قيمة الحديث النبوي التشريعية: على أيِّ أساس كان الصحابة يُصلُّون لبيت المقدس؟
ولا يوجد جواب إلا: على أساس الأمر النبوي، وهو الجواب الوحيد الصحيح.
فالصحابة كلهم صلَّوا نحو بيت المقدس بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس بأمرٍ وَرَدَ في القرآن.
فالقرآن تحدَّث فقط عن تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142].
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ: السفهاء سيتعجَّبون لماذا تحوَّل المسلمون عن قبلتهم التي كانوا عليها، لماذا تحوَّلوا عن بيت المقدس.
وانظرْ للآية التالية مباشرةً وتدَبَّرْها جيدًا:
{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة:143].
وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا: قبلة بيت المقدس.
{إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} : فالقبلة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم كانت واجبةَ الاتباع.
وهذه القبلة كانت تمييزًا لمن يتَّبِع الرسول... يتبع السُّنة، عمن ينقلب على عقبيه.
إذن كل منكر للسنة، ومنكر لكون الحديث النبوي تشريعًا مستقلًّا، هو منقلب على عقبيه بصريح هذه الآية.
{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة:143].
يقول تعالى: إنما شرعنا لك -يا محمد- التوجُّه أولًا إلى بيت المقدس، ثم صرفْناك عنها إلى الكعبة، ليظهر حالُ من يَتَّبعك ويُطيعك ويستقبل معك حيثما توجَّهتَ مِمَّن ينقلب على عَقبَيْه، أي: مُرْتَدًّا عن دينه().
أيُّ تحذير إلهي أكثر من هذا لمن يرفض السُّنة، ولا يعتبرها وحيًا إلهيًّا؟
وتُختم الآية بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143].
فلن يُضيِّع الله إيمان مَن كان يصلي نحو بيت المقدس، ولم تقل الآية: وما كان الله ليضيع صلاتكم، وإنما قالت: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143].
فاتباع النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة نحو بيت المقدس هو إيمانٌ.
الإشكال الثاني:
من آيات القرآن التي تقطع بضلال مذهب مُنكري السُّنة، قول الله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر: 5].
لم يأذن الله عز وجل في آية واحدة من القرآن بقطع لينة -نخلة- أو تركها.
فالذي أَذِنَ بقطع النخيل في غزوة بني النضير هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وحين شقَّ على اليهود قطعُ النخيل، أخبر الله عز وجل أنه ما قُطعت من نخلة أو تركت فبإذن الله... بأمر الله: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر: 5].
إذن البديهة القطعية المستفادة من هذه الآية أنَّ: الأمر النبوي بقطع النخيل في هذه الغزوة هو أمر إلهيٌّ: {فَبِإِذْنِ اللَّهِ} .
فالأمر النبوي هو وحيٌ إلهيٌّ.
الإشكال الثالث:
حَكَمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في كثير من القضايا بالحديث النبوي، وألزم الناس بالحديث النبوي، ووجبت طاعته بالحديث النبوي، وعقوبة المخالفة كانت لمن خالف الحديث النبوي.
قال الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
والذي قضى به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية لم يكن تنفيذًا لحكمٍ شرعيٍّ موجود في القرآن، وإنما الحُكم كان من السُّنة النبوية في قضية سُقيا الزبير للماء.
وأخبر القرآن أن الإنسان لا يعد مؤمنًا لو لم يخضع لقضاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وقضاؤه كان بالسُّنة وليس بالقرآن: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
فلا بد من التسليم التام للحديث النبوي والرضا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وإلا ما حصَّلوا الإيمان.
فإنكار السُّنة فكرة شاذَّة ليس لها عَلاقة بالقرآن، ولا بدين الإسلام.
الإشكال الرابع:
القرآن الكريم يُطلق الأمر بالتأسّي بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يَستثنِ أو يُقيِّد أو يُخصِّص هذا التأسي، بل هو مطلق التأسي، ومطلق الطاعة، ومطلق الاتباع، ومطلق التحذير من مخالفته صلى الله عليه وسلم .
فلو كانت طاعة الله هي الطاعة الواجبة فقط، لقُيِّد التأسي، وقُيد الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم بما يوافق فقط القرآن.
وبما أنَّ القرآن هو الرسالة الوحيدة التي بين أيدي مُنكري السُّنة، إذن لا بد أن يُوضح القرآن بصورة قاطعة لا تحتمل الشك تقييدَ طاعة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث لا يُطاع إلا فيما يأتي به القرآن الكريم... لا يُطاع إلا فيما وافق القرآن.
لكن المدهش أنَّ عكس ذلك تمامًا في القرآن الكريم.
فقي القرآن مُطلق الأمر بالطاعة للنبي صلى الله عليه وسلم ، ومطلق الأمر بالتأسي به وبلا تقييد.
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21].
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:31].
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64].
والآيات في هذا كثيرة.
الإشكال الخامس:
مِن المعلوم يقينًا أنَّ الله عز وجل لم ينُصَّ على كل جزئية من جزئيات الشريعة في القرآن.
وإنما القرآن مُبيِّن للأصول والقواعد العامة.
فأركان الصلاة، وواجباتها، وسننها، وعدد الركعات، وعدد الصلوات نفسها، ومواقيت الصلوات الخمس، وطريقة الصلاة، كلُّ هذا لا وجود له في القرآن الكريم!
ثم أين في القرآن صيغةُ الأذان؟
وأين في القرآن أنصبةُ الزكاة؟
وأين في القرآن تفصيلُ مناسك الحج؟
هناك آلاف الأحكام في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق لا وجود لها تفصيليٌّ في كتاب الله.
فالسُّنة ضرورة لتفصيل الأحكام ببديهة القرآن.
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].
فالنبي صلى الله عليه وسلم يُبين الذِّكر... بماذا؟ بالسُّنة.
فالسنة بيان وتفصيل وتشريع ببديهة فهم القرآن، وضرورة تطبيق القرآن، وضرورة إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج وغير ذلك من أبواب العبادات والمعاملات.
السُّنة ضرورة لفهم القرآن وتطبيقِهِ.
الإشكال السادس:
واقع الأمة مُطبِق على أن السُنَّة وحيٌ إلهيٌّ، فهذا واقع الأمة عبر كل تاريخها، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم كان يُخاطِب الناس باعتبار أنَّ السُّنة وحي إلهيٌّ، وهذا كان حال الصحابة مع السُّنة فهم يعتبرونها وحيًا إلهيًّا، وكان هذا حال الأمة عبر كل تاريخها مع السنة.
ولذلك أوصى صلى الله عليه وسلم بتبليغ سُنته للناس: "نضَّر اللهُ امرأً سَمِع منَّا حديثًا فحفِظَه حتى يُبَلِّغَهُ فرُبَّ مُبلَّغٍ أحفظُ له من سامعٍ"().
فلماذا يأمُرُ صلى الله عليه وسلم بتبليغ سُنته للناس.
ولماذا يقول: رُبَّ مُبلَّغٍ أحفظُ له من سامعٍ.
أليس في هذا دليل أن السُّنة فيها فقه سيُستنبط ويُطبق.
وهذا لا يكون إلا لو كانت السُّنة حُجة شرعية تَثبُتُ بها الأحكام وفقه الدين.
ثم السؤال الثاني: لماذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُكرر الحديث "ولا يَسرُدُهُ سَردًا"().
كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك حتى يُساعد الصحابة على حفظ الحديث، وضبط لفظ الحديث.
ثم السؤال الثالث: لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب الأمثلة في شرحه؟
لماذا كان يستعمل الوسائل التوضيحية مثل: تشبيك الأصابع، والإقران بين السبَّابة والوسطى، والرسم، لبيان المعاني الشرعية؟
لماذا يفعل كل هذا إذا كان الحديث النبوي ليست له قيمة تشريعية؟
لماذا كان الصحابة يحفظون الحديث زمن النبي صلى الله عليه وسلم ؟
قال أنس بن مالك رضي الله عنه : "كنا نكون عند النبي صلى الله عليه وسلم فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه"().
وكان أبو هريرة رضي الله عنه يُخصِّص ثُلُث الليل؛ لحفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
لماذا هذا الحرص على حفظ الحديث؟
ثم سؤال آخر: لماذا حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر من الكذب عليه، فقال: "مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"؟()
وهذا الحديث متواترٌ، رواه مائتا صحابي، فلماذا النبي صلى الله عليه وسلم يحذر أُمَّته أشدَّ التحذير من الكذب عليه؟
لماذا يُحذِّر أمته من افتراء أي حديث عليه؟
لماذا طالما أنَّ السُّنة ليست لها حُجية، لماذا هذا التحذير الشديد والوعيد بالنار؟
ثم كيف تشتمل كثير من الأحاديث على أمور غيبية: أحاديث تتكلَّم عن أمور غيبية؟
ورود أمور غيبية في الأحاديث دليل أن السُّنة وحيٌ يوحى، وإلا فكيف علم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأمور الغيبية إن لم تكن وحيًا من الله؟
فإنكار السنة يطرح إشكالاتٍ لا حصر لها.
الإشكال السابع:
كيف أجمعت الأُمَّة عبر كل تاريخها على بديهة اعتبار الحديث هو المصدر الثاني للتشريع، فحرصت الأمة على نقل الحرف من فمه صلى الله عليه وسلم ، حرصت على ضبط كل حرف خرج من فمه الشريف؟
كيف أطبقت الأمة على العمل بالسُّنة والقطع بحُجيتها، ولم يشِذَّ في هذا شخص واحد من سلف هذه الأمة، ولم يشذَّ في هذا صحابي واحد، أو تابعي واحد، أو أحد من تابعي التابعين، فالكل مُطبِق على كون السُّنة هي المصدر الثاني للتشريع؟
كيف يُطبِق سلف هذه الأمة على هذه البديهة؟
كيف يُطبِق خير هذه الأمة: الصحابة على اعتبار السُّنة المصدر الثاني للتشريع وهم الذين زكَّاهم الله في كتابه؟
الصحابة هم أفهم الناس لدين الله، وأعلمهم بمراد الشرع، وأتقاهم لله، كيف أطبقوا على التسليم بكون الحديث هو المصدر الثاني للتشريع؟
والآن سؤالي: ما هو الفرق بين مُنكِر السنة الذي لا يريد أن يسمع شيئًا من النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول: عندي القرآن وكفى، وبين المنافقين في عهد النبوَّة؟
المنافقون كذلك لم يكونوا يريدون الاستماع للنبي صلى الله عليه وسلم : {قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} [المائدة:41].
لَمْ يَأْتُوكَ: لا يأتون للنبي صلى الله عليه وسلم .
هم لا يحتاجونه.
فالسؤال: ما الفرق بين مُنكِر السنة وبين المنافق الذي يرفض المجيء للنبي صلى الله عليه وسلم ؟
فالمنافق يزعم أنه يطيع الإسلام بلسانه، لكنها في الواقع طاعة كاذبة: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} [النور: 53].
الله يقول لهم: {لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} فهذه طاعة باللسان فقط، وليست بالقلب... طاعة منافق، وليس طاعة مسلم.
لكن من باب الإنصاف نقول: إنَّ المنافق أكثر توقيرًا للسُّنة من منكر السُّنة.
وَأَقْسَمُوا بِاللَّـهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ: لئن أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأي أمر سينفذون أمره.
لكن منكر السنة سيقول للنبي صلى الله عليه وسلم : لا أُسلِّم بحديثك، وليس لك عليَّ أمر.
فالمنافق أكثر احترامًا للسُّنة، وأكثر توقيرًا للنبي صلى الله عليه وسلم من مُنكر السُّنة.
وهنا لو انتبهت في الآية السابقة ستجد أن اتباع السنة بديهة واجبة عند كل مَن يزعم أنه مسلم: (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ) فهذا مقتضى حال المسلم، وبديهة من بديهيات تسليمه بنبوَّة النبي صلى الله عليه وسلم .
الإشكال الثامن:
المشكلة الأكبر في إنكار السنة أنَّها بوَّابة الإلحاد في الدين.
فلو افترضنا أنَّ شخصًا قال: الصلاة هي أن تتصل بالله بمجرد النظر للسماء، وليس هناك ركوع، ولا سجود، ولا فروض، ولا ظُهر، ولا عصر، ولا مغرب.
هنا لن يجد منكر السنة أمام هذا الإلحاد في الدين أيَّ نقدٍ أو ردٍّ.
لأنه لن يملك دليلًا على تخطئة هذا الإلحاد.
ولن يجد في القرآن ما يُسعفه من رد هذا الإلحاد.
لذلك فإنكار السنة هو بوَّابة النفاق والإلحاد، وهو بنفسه يؤدي إلى النفاق والإلحاد، وهو مدخل المنافقين والملحدين في الدين.
سلَّم الله شبابَ أُمتنا من هذا الزيغ والضلال.
12 - لكن الله عز وجل يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] فالقرآن فيه كل شيء، فما حاجتنا للسُّنة؟
ج: دعنا نقرأ الآية كاملةً: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38].
الكتاب بنص الآية هو: "اللوح المحفوظ"، فاللوح المحفوظ فيه خبر كل دابة، وكل مخلوق، فهل في القرآن خبر كل دابة وكل مخلوق؟
الجواب: لا.
فـ"الكتاب" في الآية هو: اللوح المحفوظ.
لكن قد يسأل سائل ويقول: وماذا عن قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]؟
والجواب: القرآن دستور كامل يأتي بالقواعد الكلية، أما التفاصيل لهذه القواعد فيُحال فيها للحديث.
وهناك بديهة يعرفها المشرِّعون عبر العالم، وهي أنَّ: الدستور قواعد، وليس قوانين.
يقول المشرعون: لا يصحُّ أن يكون في الدستور مواد مفسِّرة.
فالتفسير يكون في كتب القانون.
ولكلام الله المثل الأعلى، فهذا حال الكتاب والسُّنة فـ: القرآن دستور، والسُّنة مُفسِّرة للقواعد الكلية في القرآن.
ثم إنَّه من المعلوم يقينًا أنَّ: القرآن لم ترد فيه كلُّ جزئية من جزئيات الشريعة.
فليس في القرآن من أحكام الصلاة إلا تقريرُ وجوبها، والأمر بحسن أدائها.
وليس في القرآن من أحكام الزكاة إلا الأمرُ بأدائها، وبيان مصارفها.
والكلام نفسه بالنسبة للحج والصيام.
أما كيفية إقامة الصلاة، وأركان الصلاة، وواجباتها، وسُننها، وعدد الركعات، وعدد الصلوات، ومواقيت الصلوات، وكيفية السجود والركوع، فكل هذه الأمور لا وجود لها في القرآن الكريم، وإنما هي في السُّنة فقط.
وقل الشيء نفسه في أركان الإسلام الأخرى.
فكل الأحكام التي عليها مدارُ الدين يُبيِّن فيها القرآنُ الأصولَ والقواعد العامة، بينما التفاصيل تكون في السُّنة النبوية.
والقرآن تبيان لكل شيء من وجهٍ آخر، فهو تبيان للقواعد العامة، وفي الوقت نفسه تبيان لطريق الإحالة لفهم هذه القواعد وتطبيقها:
تبيان للقواعد العامة: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 110].
وتبيان لطريق الإحالة لفهم وتطبيق وتفسير كيف نقيم الصلاة: بالإحالة إلى الطريق الذي تُعرف به تفاصيل الأحكام.
فهو يُحيل إلى السُّنة لمعرفة تفاصيل الأحكام: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
فالقرآن يحيل إلى السنة المبيِّنَة.
فالقرآن يأمرك بإقامة الصلاة، ويحيلك للسُّنة حتى تعرف تفاصيل وكيفية إقامة الصلاة.
إذن بهذا يكون القرآن تبيانًا لكل شيء فهو: تبيان للقواعد العامة، وتبيان لطريق الإحالة الذي تفهم به كيف تقيم الصلاة.
وكما قال جابر بن عبد الله ﭭ: "ورَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعليه يَنْزِلُ القُرْآنُ، وَهو يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَما عَمِلَ به مِن شيءٍ عَمِلْنَا بهِ"().
فهو صلى الله عليه وسلم يبين لهم التطبيق العملي: (يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ) في مناسك هذا الدين.
إذن فالقرآن يحيل للسُّنة التي فيها تفصيل القواعد.
وهنا قد يُطرح سؤال في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51]، فيقول السائل: إذن فالقرآن كافٍ؟
والجواب: لنقرأ الآية والآية التي قبلها: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 50].
كان الكفار يريدون آيةً على صدق نبوَّتِهِ صلى الله عليه وسلم ، فأخبرهم الله عز وجل بأعظم آية، وهي هذا الكتاب -القرآن الكريم- ألا يكيفهم هذا الكتاب المعجز بتشريعاته ومعناه وقصصه، والمعجز بلفظه، والمعجز بدقائق أخباره، والمعجز بلهفة القلوب إليه، والمعجز بخطابه لوجدانِ كل إنسان على حدةٍ بحسب همه وما يشغله، ألم يكفهم هذا القرآن الذي نزل على رجل أُمي يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة، ألم يكفهم كآية على صحة هذا الدين؟
فهذا هو تفسير الآية، وليس أنَّ القرآن يغني عن السُّنة.
13 - كيف تؤمنون بعذاب القبر وعذاب القبر لم يرد في القرآن؟
ج: أولًا: السُّنة كما فصَّلنا هي تشريعٌ مستقلٌّ كالقرآن.
فقد يرد في السُّنة النبوية حكم شرعي مستقلٌّ ليس في القرآن.
وعذاب القبر ونعيمه وردت فيه أحاديث متواترة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأما أحاديثُ ، ومسألة مُنكَر ونكير، فكثيرة متواترة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم** ()**.
ومثال ذلك ما في الصحيحين:
مَرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بحَائِطٍ فَسَمِعَ صَوْتَ إنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ في قُبُورِهِمَا، فَقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم : يُعَذَّبَانِ، وما يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ().
وفي صحيح مسلم: إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ مِن أَرْبَعٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ().
وفي صحيح مسلمٍ أيضًا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فَلَوْلَا أَنْ لا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِن عَذَابِ القَبْرِ الذي أَسْمَعُ منه ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بوَجْهِهِ، فَقالَ: تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِن عَذَابِ النَّارِ، قالوا: نَعُوذُ باللَّهِ مِن عَذَابِ النَّارِ، فَقالَ: تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِن عَذَابِ القَبْرِ، قالوا: نَعُوذُ باللَّهِ مِن عَذَابِ القَبْرِ().
فقد تواترت الأخبارُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوتِ عذاب القبر ونعيمه، فيجب اعتقادُ ذلك، والإيمان به، ولا نتكلَّم عن كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوفٌ على كيفيتِه؛ لكونه لا عهدَ له في هذه الدار().
وكلُّ مَن مات وهو مستحقٌّ للعذاب يُعذَّب، سواءً دُفن أو لم يُدفن.
فعذاب القبر ونعيمه حقٌّ.
ثانيًا: عذاب القبر لم يثبت فقط بالسُّنة المتواترة بل هو ثابتٌ أيضًا بالقرآن الكريم.
قال الله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46].
فهذا عذابٌ حاصلٌ قبل يوم القيامة بظاهر الآية بلا شك.
ومن الأدلة أيضًا قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الطور: 45- 47].
روى الطبري عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ} [الطور: 47] قال: هو عذابُ القبر قبل عذابِ يومِ القيامة.
وهنا قد يسأل سائل فيقول: لكن الله عز وجل يخبر عن الكافرين يوم القيامة أنهم سيقولون: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يس: 52].
الجواب: وهل نحن أنكرنا أننا سنُبعث يوم القيامة من مرقدنا؟
هذا لا ينفي عذاب القبر.
وعذاب القبر بالنسبة لأهوال القيامة كأنه راحة... كأنه مرقدٌ.
أيضًا لا ننسى أننا بين النفختين سنرقد.
سترقد كل مخلوقات الله عز وجل قبل أن تُبعث يوم القيامة.
فإذا نُفخ النفخة الثانية خرج الجميع إلى محشرهم.
وهنا أودُّ أن أُبشِّر المؤمنين بأن حياة المؤمن في قبره ستمُرُّ سريعًا، كما سيمُرُّ عليه يوم القيامة سريعًا، قال الله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان:24].
فالحساب ينقضي في نصف نهار قبل وقت المقيل.
قبل وقت القيلولة سيكون أهل الجنة على سُرُرهم متقابلين.
نسأل الله أن يجعلنا معهم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "يومُ القيامَةِ على المؤمنينَ كقَدْرِ ما بينَ الظُّهرِ والعصرِ"().
14 - ما سرُّ الأحاديث الكثيرة التي رواها أبو هريرة؟
ج: أبو هريرة رضي الله عنه كان رأسًا في القرآن والسُّنة كما يقول الذهبي.
قال الذهبي: "أبو هريرة سيد الحُفاظ الأثبات... أين مثل أبي هريرة في حفظه، وسَعَة علمه.
إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأدائه بحروفه"().
وقال عنه الشافعي: أبو هريرة أحفظُ مَن روى الحديث في دهره.
وكان لسَعةِ علمه ينزل الحسين بن علي ﭭ عند رأيه().
والسرُّ في فقه أبي هريرة وحفظِهِ لهذا العدد من الأحاديث أنه كان ألزَمَ الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت يدُهُ مع يدِهِ يدور معه حيث دار، إلى أن مات صلى الله عليه وسلم ولذلك كثُر حديثه.
قال عبد الله بن عمر بن الخطاب كما ورد في صحيح سنن الترمذي: "يا أبا هُرَيرةَ، أنتَ كُنْتَ ألزَمَنا لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وأحفَظَنا لحديثِه"().
فهذا شهادة من الصحابي الجليل عبد الله بن عمر في حق أبي هريرة ﭭ.
ففي السنوات الأربع الأخيرة للنبي صلى الله عليه وسلم كان أبو هريرة ملازمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ملازمةً تامَّةً، كما يقول ابن حجر: "كان يدور معه، ويدخل بيته، ويحج ويغزو معه، يرافقه في حله وترحاله، في ليله ونهاره حتى حمل عنه العلم الغزير، وصار مرجع الناس، ومرجع الصحابة في الفتيا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم "().
وقد رَوى عن أبي هريرة حوالي ثمانية وعشرين صحابيًّا؛ وهذا لثقتهم في علمه، وقُربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد روى عنه زيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأُبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعائشة، وغيرهُمُ الكثير رضي الله عنهم ، كما روى عنه وتتلمذ عليه مئات من التابعين، فقد روى عنه من التابعين حوالي ثمانمائة تابعي.
قال البخاري: روى عنه ثمانمائة نفس أو أكثر().
وأيضًا ما ميَّز أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه تأخرت وفاته، واحتاج الناس إلى علمه، حيث إنَّه عاش إلى ما بعد الخمسين من الهجرة، فأقبل عليه طلاب العلم.
وما ميَّزه أيضًا قُوَّة حفظه.
وقوة حفظ أبي هريرة كانت ببركة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال أبو هريرة: "قُلْتُ: يَا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي أسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أنْسَاهُ؟ قَالَ: ابْسُطْ رِدَاءَكَ فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ضُمَّهُ فَضَمَمْتُهُ، فَما نَسِيتُ شيئًا بَعْدَهُ"().
وذات يومٍ دعا أبو هريرة ربَّه قائلًا: أسألُك عِلمًا لا يُنسَى، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم: آمين().
فكان رضي الله عنه أحفظَ الناس لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يُخصِّص ثُلُث الليل لحفظ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم .
وهنا السؤال المهم: كم عدد الأحاديث التي رواها أبو هريرة رضي الله عنه ؟
والجواب: عدد الأحاديث التي رواها أبو هريرة بغير المكرر هي: 1336 حديثًا.
وهذا لا يصعُبُ على إنسان حفظه.
بل هذا العدد من الأحاديث يحفظه طالب العلم في ستة أشهر.
وكثير من طلاب العلم اليوم يحفظون بلوغ المرام، وعدد أحاديث بلوغ المرام أكبر من هذا العدد.
والسؤال الأهم: كم عدد الأحاديث التي انفرد أبو هريرة بروايتها؟
والجواب: انفرد أبو هريرة رضي الله عنه برواية 42 حديثًا فقط!
تخيل!
كل الهجمة على أبي هريرة من أجل 42 حديثًا!
طبعا مَن يهاجمون أبا هريرة لا يعرفون هذه المعلومات، ولا يعرفون إلا الهجوم على الدين، فيأخذون أبا هريرة طريقًا للهجوم على الإسلام والسُّنة.
فأبو هريرة صار رمزًا لرواية الحديث.
ولما أرادوا الهجوم على الحديث بحثوا عن الرمز، فذهبوا لأبي هريرة.
وإلا فلو كانوا يعرفون أن أبا هريرة لم ينفرد إلا باثنين وأربعين حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستحوا من كذبهم.
ذات يوم قعد محمد بن عُمارة بن عمرو بن حزم الأنصاري في مجلس فيه أبي هريرة رضي الله عنه وكان المجلس يضمُّ كبار الصحابة، فجعل أبو هريرة يُحدِّثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث، فلا يعرفه بعضهم ثم يتراجعون فيه فيعرفه بعضهم، حتى فعل ذلك مرارًا.
قال محمد بن عُمارة: فعرفت يومئذ أنه أحفظُ الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم** ()**.
وأراد مروان ابن الحكم أن يختبر قوة حفظ أبي هريرة فدعاه وأقعد كاتبه خلف السرير، وجعل يسأل أبا هريرة في الأحاديث، وأبو هريرة يجيب، والكاتب يكتب، حتى إذا كان عند رأس الحول -بعد مضي عام- دعاه مرةً أخرى، فسأله الأسئلة نفسها. يقول الكاتب: فما زاد أبو هريرة ولا نقص ولا قدَّم ولا أخَّر().
فأبو هريرة رضي الله عنه إمام الحديث من الصحابة، وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحببه الله إلى المؤمنين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هذا، وَأُمَّهُ إلى عِبَادِكَ المُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إلَيْهِمِ المُؤْمِنِينَ".
يقول أبو هريرة: فَما خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بي وَلَا يَرَانِي إلَّا أَحَبَّنِي().
فحب أبي هريرة علامة أهل الإيمان.
نُشهد الله على حبه.
رضي الله عنه وأرضاه.
15 - هل هناك أحاديث تفرَّد البخاري بها في صحيحه؟
ج: هذا كلامٌ لا يقوله إنسان يعرف شيئًا في علم الحديث.
وللأسف هذه الأسئلة المضحكة تنتشر بين نُفاة السنة.
فالبخاري جمع أغلب ما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وهو فقط قام بتوثيق نقل كل حرف خرج من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قام بتوثيق الروايات، ووضع لذلك شروطًا قاسيةً بحيث يصبح كتابه أدقَّ كتاب على وجه الأرض بعد كتاب الله.
فهو جمع الأحاديث بضبط وتوثيق الرواية لأبعد مدًى.
كان هذا مشروع البخاري.
فقد جمع هذه الأحاديث ثم رتَّبها وقسَّمها وطرَّزها بعناوينه الفقهية، وأثبَتَ طُرُقَها المتصلة منه إلى الرسول .
وطبعًا كل حديث في البخاري بالبداهة مكتوبٌ ومحفوظٌ منذ زمن الصحابة.
فكل حديث في البخاري تستطيع أن تعرف مصدره ومرجعه ورواته، لكن البخاري جمع أغلب ما صحَّ من أقوى الطرق، وضَبَط الرواية، وبوَّب الأبواب.
وأغلب ما في موطأ مالك على سبيل المثال موجودٌ في صحيح البخاري، والموطأ يروي فيه مالك بعض أحاديثه عن نافع عن ابن عمر.
فبين نافع الذي ينقل عنه مالك وبين النبي صلى الله عليه وسلم عبدُ الله بن عمر الصحابي الجليل.
فالموطأ ذلك الكتاب عظيم الشأنِ، القريب العهد بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم موجودٌ أغلبه في البخاري.
وما في البخاري موجود أيضًا عند ابن جُريج، وابن أبي عَروبة، وعند معمر بن راشد، وعبدِ الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، والأوزاعي، والثوري، وحماد بن سلمة بن دينار، والإمام الزُّهْري شيخ مالك، فما في البخاري موجود عند هؤلاء وكل هؤلاء دوَّنوا الحديث قبل البخاري.
إذن لا يوجد حديث عند البخاري إلا ويمكنك أن تعرف سنده من غير طريق البخاري.
قال الإمام مسلم يومًا للبخاري: "لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلُك، وقال له بعد أن قبَّل ما بين عينيه: دَعْني أُقَبِّلُ رِجْلَيْكَ يا طبِيبَ الحديثِ في عِلَلِهِ، ويا أُستاذَ الأُستَاذِينَ، ويا سَيِّدَ الـمُحدِّثينَ"().
فالبخاري هو أمير المؤمنين في الحديث، وقد اختار أقوى الطرق لأغلب ما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث، فبعد أن أتقَنَ كل الأحاديث أخرج صحيحه، قال الحافظ أبو العباس الفضل بن العباس: جَهَدْتُ كلَّ الجَهْدِ على أنْ آتيَ بحديثٍ لا يعرفه البخاريُّ، فما أمكنني().
وقال الإمام ابن خزيمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلَمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفَظَ له مِن محمد بن إسماعيل().
ولما سمع أهل بغداد بحِفظ البخاري ودقَّتِهِ، أرادوا امتحانَهُ، فعمدوا إلى مائة حديثٍ، فقلبوا متونها وأسانيدَها، وجعلوا متنَ هذا لإسناد هذا، وإسنادَ هذا لمتن ذاك... مائة حديث قَلَبوا أسانيدها، فصار سند الحديث الرابع مثلًا مكان سند الحديث الخامس عشر وسند الحديث الثالث والأربعين مكان سند الحديث التاسع والخمسين وهكذا.
ودفعوا إلى كلِّ واحدٍ عشرةَ أحاديث ليُلْقوها عليه في المجلس.
فجاء الطلاب، واجتمع الناس، وبدأ الطالب الأول يقرأ السند، ثم قرأ الحديث فقال البخاري: لا أعرفه.
ثم قرأ الثاني، وقال البخاري: لا أعرفه.
وهكذا في كل حديث.
فتعجَّب الناس!
أنه لا يعرف أيَّ حديث!
لكن الفقهاء الذي قاموا بالاختبار التفت بعضهم لبعض وقالوا: الرجل فَهِمَ -أدرك الحيلة.
فلما فرغ الطلاب من إلقاء المائة حديثٍ، والبخاري يقول لكل حديث: لا أعرفه.
بعد انتهائهم التفت البخاريُّ إلى الأول، فقال: "أمَّا حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني كذا... إلى آخر العشرة؛ فردَّ كلَّ متنٍ إلى إسناده، وفعل بالثاني مثلَ ذلك إلى أن فرغ"، فأقرَّ له الناسُ بالحفظ والضَّبط والإتقان.
لقد قام البخاري بآية عجيبة في هذا المجلس؛ إذ ردَّ كل سندٍ لكل حديث بترتيبه.
فقال للأول على سبيل المثال: حديث الأول سنده عند الحديث الثامن والثلاثين، وحديثك الثاني سنده عند الحديث الرابع والأربعين، وهكذا إلى تمام المئة.
قال الحافظ ابن حجر في هذه الواقعة العجيبة: "ليس العجب من ردِّهِ الخطأ إلى الصواب؛ فإنه كان حافظًا، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقَوْهُ عليه من مرة واحدة"().
لقد كان البخاري آيةً من الله عز وجل .
قال رجاء بن مُرَجَّى: "هو آية من آيات الله يمشي على الأرض"().
الفصل الثاني
الهجوم على المرأة في الإسلام
16 - أيهما أكرَمَ المرأةَ: الإسلام أم الإلحاد؟
ج: قال تشارلز داروين بالحرف الواحد: "الفارق الفكري الكبير لصالح الرجل على المرأة يجعله دومًا في مكانه أعلى من المرأة"().
وقال في موضعٍ آخر من كتابه نشأة الإنسان: "الرجل في نهاية المطاف متفوق تمامًا على المرأة... أعلى من المرأة"().
فهذا هو تأصيل صورة المرأة في الإلحاد، وهي الصورة التي لا يعرف عنها الملاحدةُ الكثير.
وهنا قد يقول قائل: لما تُلزِم الملحدين بكلام داروين؟
والحُجة ليست في داروين، الحجة في أنَّ هذه هي النظرة الإلحادية للمرأة؛ سواءً صدرت عن داروين أو غير داروين أو حتى لم يقلها ملحد.
فالمرأة والرجل في الإلحاد هما عبارة عن حيواناتٍ ظهرت على شجرة التطوُّر، فهل هذا ينكره ملحد؟
والمرأة إلحاديًّا تُطابق الغوريلا، وأنا أعتذر عن هذا الكلام العنصري الوقح، لكنها الرؤية الإلحادية للمرأة، وينقل هذه الرؤية الملحد التطوري الشهير ستيفن جاي جولد، والذي يُعد أشهرَ منظِّري نظرية التطور في القرن العشرين.
ينقل ستيفن جاي جولد عن منظرين آخرين للنظرية أنَّ: "المرأة تطابق الغوريلا على العكس من الرجل، هي في مرحلة أدنى تطوريًّا من الرجل، إنَّ دونية المرأة لا مجال للجدال فيها، لكن الجدال في درجة هذه الدونية"().
يتحدَّث عن دونية المرأة.
تخيَّل!
ويعتبر أنَّ دونية المرأة شيء بديهي في الإلحاد، لكن الجدال فقط هو في درجة هذه الدونية.
فهذه هي النظرة الإلحادية للمرأة.
والمرأة على شجرة التطوُّر لها تصنيف كحيوان مختلف عن تصنيف الرجل().
لقد تحوَّلت المرأة في الإلحاد من إنسان مميز إلى حيوان جميل().
وإذا أصبحت المرأة عجوزًا فهي إلحاديًّا أقلُّ شيء نحتاج إليه في هذا العالم؛ لذلك إلحاديًّا لا مانع من قتلها، كما أنَّه لا مانع من قتل المرضى والمعاقين.

وقد حدث هذا الكلام بحرفِهِ قبل أقلَّ من ثمانين عامًا في معسكر أكشن تي فور.
حيث قُتل 300 ألف إنسان؛ لأنهم بلا قيمة، ولا فائدة.

فهذه الأفواه التي تأكل ولا تعمل Useless Eaters يجب التخلُّص منها سريعًا في العالم الإلحادي المادي، وقد شمل قرار القتل: كبار السن، والمرضى، والمعاقين.

لقد أقام الإلحادُ معسكراتِ إبادة لكل مَن لا نحتاج إليهم.
هذا هو الإلحاد حين كان يُطبَّق على أرض الواقع.

وبالمناسبة: ما زالت فكرةُ قتل المرضى وكبار السن من الرجال والنساء مسيطرةً على العقل الغربي حتى اليوم، وكل فترة نسمع عن مُمرضة قتلت مجموعة من المرضى في المستشفيات.
فالفكرة إلحاديَّة ماديَّة تُطبَّق في أي وقت خفتت فيه بقايا النبوات في الغرب.
أما على الجانب الآخر، ففي الإسلام تمثل المرأة رمزًا، وكائنًا ذا قيمة غير عادية، فهي تُعامَل بخجل واحترام وتوقير غير طبيعي.
تخيل أن الجنة تحت أقدامهـا!
أتى رجل ليجاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : "وَيْحَكَ أَحَيَّةٌ أمُّكَ؟ قال الرجل: قُلتُ: نَعَمْ يا رَسولَ اللَّهِ، قَالَ: وَيْحَكَ الزَمْ رِجْلَهَا فَثَمَّ الجنَّةُ"().
لقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم ألَّا يترُكَ هذه المسكينة وحدها في الحياة، ثم يذهب ليجاهد، فإذا أراد الجنة بجهاده، فالجنة عند رجلها.
وفي الإسلام: ثلاثة أرباع الاهتمام يكون للمرأة، والربع للرجل.
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قالَ: أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أبُوكَ().
والعَلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام عَلاقة عَهْدٍ، سيُسأل عنه الرجل لو قصَّر فيه، قال الله تعالى: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21].
فالنساء أخذن من الرجال عهدًا شديدًا بالقيام بحقوقهنَّ والرعاية والحماية والإحاطة من كل سوء.
وقال الله تعالى مؤكدًا على حق المرأة في العشرة الطيبة الكريمة: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].
والعشرة بالمعروف تشمل: المعاشرة القولية والفعلية، وكفَّ الأذى، وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، والنفقة والكسوة().
وفي حال حصلت كراهية طبيعية بين الرجل وامرأته، فإن الله سبحانه يوصي الرجل بالإمساك بزوجته، فربما تزول الكراهية وتخلفها المحبة، وربما رُزق منها ولدًا صالحًا().
{فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
فالإسلام يعلمنا احترام الزوجة، والصبر عليها.
ويَدفع الإسلام نحو الاستقرار، واستدامة المودة.
وقال الله تعالى في حال انتهت الأمور إلى الطلاق: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228].
تنتظر المطلقة ثلاثة شهور، فربما عواطف تَظهر أو مودَّة تعود.
كل هذا لمصلحة البيت ولنفسية المرأة واستقرارها.
وقال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : "خيرُكُم خَيرُكُم لأَهْلِهِ، وأَنا خيرُكُم لأَهْلي"().
فخيرُكُم الذي يفي بحق أهله.
وقال صلى الله عليه وسلم : "إنَّما النِّساءُ شقائِقُ الرِّجالِ"().
من شُؤم الإلحاد العربي أنه اصطدم بالإسلام، فلم يجدْ فيه ما يجعله ينفر المرأة من هذا الدين القويم، فصنع الإلحاد الأكاذيب حول الإسلام، وتعلَّل ببعض حالات ظلمٍ وقعت للمرأة، واستغلَّ الإلحاد هذه الحالات وأظهرها على أنها الإسلام.
فهذه لُعبة سخيفة يضحك بها الإلحاد على من تُرِدْنَ الكفر فقط.
أما أيَّة امرأة تَحتكم إلى نصوص الشرع مباشرةً، فلن تجد فيه إلا العدلَ كلَّه والرحمة كلَّها.
انظر ماذا كان يحصل قبل أن يُشرِّف الله الإنسانية بالإسلام، كان يجتمع مجموعة من الرجال "فَيَدْخُلُونَ علَى المَرْأَةِ".
حيث "يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ ما دُونَ العَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ علَى المَرْأَةِ، كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا"().
وكانت المرأة تُورَث كما يُورَث المتاع، وكانت بعض الأطعمة تُمنع النساء من أكلها، ويختصُّ بأكلها الرجال فقط: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} [الأنعام: 139].
حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحديث المتفق على صحته واصفًا حال المرأة قبل الإسلام: "واللَّهِ إنْ كُنَّا في الجَاهِلِيَّةِ ما نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أمْرًا، حتَّى أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ ما أنْزَلَ، وقَسَمَ لهنَّ ما قَسَمَ"().
فلم يكن لهنَّ قيمة.
وكانت مصيبة الرجل في الجاهلية أن تُنجب زوجته أنثى!
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 58].
يقول صَعصَعة بن نَاجية: "جاء الإسلام، وقد فديت ثلاثمائة موءودة"().
وبالمناسبة مازالت فكرة قتل الأجنَّة منتشرة في الغرب حتى اليوم، فالغرب يعيش حالة من الجاهلية الأولى.
واليوم يحق قانونيًّا للأم أن تقتل جنينها خاصةً إذا كانت أنثى.

وهناك مئات الملايين من الأجنة قُتلت في الأعوام القليلة الماضية منذ مطلع الألفية الثالثة فقط، كما فصَّلت قبل ذلك().
ففي هذا العالم الحالك السواد قديمًا وحديثًا ظَهَرَ نورُ الإسلام، وأنزل الله كتابه؛ ليُصحِّح كل هذا الفساد والظلم والفجور... ليصحح كل هذا الأذى بحق الطفلة المسكينة التي يتمُّ قتلها؛ لأنها غير مرغوب فيها، والظلم والأذى بحق الفتاة البالغة التي تتمُّ المتاجرة بجسدها.
لقد أصبحت المتاجرة بأجساد الفتيات البالغات قاعدةً ثابتةً في الغرب اليوم، فمِن جاهلية نكاح الاستبضاع إلى جاهلية الغرب اليوم الذي يتمُّ فيه تسليط الكاميرات على كل تفصيلة في جسد المرأة من أجل الترويج لسلعة أو ماكينة حلاقة أو عبوة شاي أو سيارة، فيتمُّ استخدام جسدها في حالة من الرخص والاحتقار لقيمة المرأة لم يحصل لها مثيل حتى في زمن الجاهلية الأول.
فالإسلام أتى ليحفظ الأنثى جنينًا وفتاةً وبالغةً وعجوزًا، وأتى ليمنع أن تؤذى المرأة ولو بكلمة، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58].
وقال سبحانه: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} [النور: 33].
وقال صلى الله عليه وسلم : "شَرُّ الكَسْبِ مَهْرُ البَغِيِّ"().
فشر الكسب أن تتمَّ المتاجرة بجسدها.
ثم إنَّ الإسلام يقول للمرأة تحجَّبي حتى يكون عقلُك هو المتحدث الرسمي عنك وليس الجسد، قال الله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31].
فهذه عفَّة وستر لكيان المرأة عن أن يُبتذل رخيصًا.
والإسلام حفظ المرأة وهي زوجة فقال الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:228].
للمرأة ما للرجل من حقوقٍ وواجباتٍ: (لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ).
وأصبح للمرأة في الإسلام ذمَّة مالية مستقلَّة عن الرجل، فهي تستطيع أن تبيع وتشتري وتتاجر ويكون المال باسمها، وهذا يحصل لأول مرة في الإسلام، ولم يحصل هذا الأمر في أوروبا إلا سنة 1938 ميلادية.
فلم يكن للمرأة الحقُّ في حيازة المال باسمها حتى عام 1938 ميلادية.
والمرأة في الإسلام لها ميراث من المال كما للرجل ميراث من المال: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7].
لقد ظهرت هذه الحقوق للمرأة في وقتٍ لم يكن لهن أي قدْر.
والإسلام حفظ الأنثى يتيمةً، فكانت اليتيمة تُورَّث بمالها لمن يُربيها، وكان الرجل يتزوجُها ولا يدفع لها مهرًا؛ لأنها يتيمة، فنزل قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3].
{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} : إن خفتم ألَّا تعدلوا مع اليتيمة.
{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} : إن خفت أن تظلم اليتيمة فلا تعطيها حقَّها، فانكح غيرها كما تحبُّ، مثنى وثلاث ورباع، واترك هذه لمن يعطيها حقها كاملًا... اتركها لمن يُكرمها.
والمرأة في الإسلام لها قيمة كاملة، فلها ما للرجل من الحقوق، وعليها ما على الرجل من التكليفات، ولها ما للرجل من الأجر: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].
وقال الله تعالى: {لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 195].
فهُمْ متساوون في التكليف، وفي الأجر!
فالإسلام جاء بإكرام الأنثى جنينًا، وبالغةً، ويتيمةً، وأُمًّا، وزوجةً، وعجوزًا.
فنظرة المسلم للمرأة نظرة سويَّة نفسيًّا، وسويَّة أخلاقيًّا.
أما النظرة الإلحادية المادية للمرأة فهي كما فصَّلنا تتعامل معها كحيوان جميل لا أكثر.
ولذلك كانت أعلى معدلات اغتصاب في العالم في أكثر الدول ماديةً وإلحادًا، حيث تنظر للمرأة كجسد مادي للمتعة المجردة.

ووصلت معدلات التحرُّش في المواصلات في بلد ينتشر فيها الإلحاد بشدة كفرنسا إلى 100%.

فلما نظروا للمرأة نظرة مادية، فقدت قيمتها وأصبحت سلعة ولُعبة.
والمادية المُلحدة أغرت المرأة بأن تفعل ما يُطلب منها من أجل زيادة رصيدها البنكي، ففقدت المرأة خصوصيتها، وتحوَّلت مع الوقت لسلعة!
إذا تمكن دعاة الإلحاد من المرأة فسد المجتمع.
فالمرأة شئْنا أو أبيْنا هي التي تُرضع ابنها القِيَم أو الضياع.
المشكلة أنَّ دعاة الإلحاد يشتغلون على المرأة منذ سنوات، وهم يتصورون لنظرتهم المادية العنصرية أنَّ المرأة ضعيفة، وأنَّ مخها ضعيف، وبالتالي سوف تستسلم بسهولة.
ولا يعرفون أنَّ المرأة هي من أصعب الحلقات التي تستعصي على الفلسفات الكفرية.
ولذلك فأقل نسب إلحاد في العالم الإسلامي كمثال موجودة بين النساء.
فالمرأة ليس عندها اندفاعية الرجل في التحوُّلات الفكرية المفاجأة، وهي تجد الأمان في الحقوق التي يكفلها الدين، في حين أنها تفقد الأمان تمامًا مع عبثية وعدمية النظرة الإلحادية للعالم؛ لذلك يقلُّ التحوُّل للإلحاد في مجتمع النساء.
فالإلحاد يطلب ضريبة لا تستطيع المرأة أن تدفعها؛ لأن أول قسط من هذه الضريبة هو فقدان الأمان للأبد، وفقدان الغاية، وفقدان الفطرة التي فطرت عليها... فطرة أننا مكلفون، وأنَّ لتكليفنا غايةً ومصيرًا ونتيجةً، تلك الفطرة التي فُطرنا عليها جميعًا، فطرة التكليف، وفطرة اللجوء إلى الله وطلب المدد والأمان من عنايته وحفظه سبحانه.
فهل هناك دين أو فلسفة أو فِكر يحقق للمرأة كيانها كالإسلام؟
هل هناك دين كالإسلام يحثُّ النساء على طلب العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
هل هناك دين أو فلسفة أو فكر يحفظ المرأة من كل فكرة شاذة في خاطر الرجل؟
هل هناك دين أو فلسفة أو فكر غير الإسلام يحفظ المرأة جنينًا وطفلةً وبالغةً ويتيمةً وأُمًّا وزوجةً وعجوزًا؟
لا والله لا يوجد!
انظر لجبر خاطر المرأة في الإسلام وصل لأي مدى، قال الله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 236].
فمن طَلَّق امرأةً قبل أنْ يمسَّها وقبل أن يفرض لها المهر، فعليه أن يعطيها من المال ما يجبر به خاطرها.
مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ: فكما تسبَّبتَ في اشتياقها إليك، فعليك أن تجبر خاطرها!
هذه دقائق في حق المرأة لا يغفُلُ عنها وحي الله إلى البشر.
وانظر لحفظ قيمة البنت من قضية حب الوالدين للولد على البنت، فتجد في الإسلام أنَّه لا يصحُّ أن تقول: بالرِّفاء والبنين.
لأنَّ هذا قولٌ من أقوال الجاهلية الذين كانوا يُفضّلون البنين على البنات.
فالإسلام عدلٌ كله، ورحمةٌ كله، وحكمةٌ كله، ولم يضعف انتشار الإسلام إلا بكثرة معاصي المنتسبين له، وعدم تطبيقهم لجمالية هذا الدين في حياتهم الخاصَّة والعامَّة.
17 - ما معنى قوامة الرجل على المرأة في قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34]، وهل هي تَحَكُّمٌ في المرأة كما يدعي الملاحدة؟
ج: يستغلُّ دعاة الإلحاد القوامة، هذا الحقُّ الشرعي الفطري الثابت في تأليب النساء، وحثِّهِنَّ على التمرُّد، وهذا أسلوب في منتهى اللانزاهة.
لأن القوامة في الأصل من: فلان قائمٌ على العمل، أي: أنَّه هو المُطالب بإتمامه وإصلاحه، فالرجل قوامتُهُ تكليفٌ وليست تشريفًا.
فقوامته جعلها الله لمصلحة المرأة، فهو مسؤول عن حمايتها، وحفظ حقوقها، والدفاع عنها().
فما أعجبَ حال الملاحدة حين يجعلون قضية فيها عزٌّ للمرأة وسندٌ للمرأة شبهةً!
ويستغلُّ الملاحدة حالات خاصة لزوجٍ يُسيء قوامته، وثانٍ يظلم زوجته، وثالث يسيء وِلايته على أبنائه، ورابع يأكل حقوق أخواته، فيستغلُّون هذه الحالات ويضخمونها، ثم يقومون بعملية ربط زور بين هذه الحالات وبين حق القوامة الذي شرعه الله.
ولا يعرف دعاة الإلحاد أنَّه في الإسلام: مَن تعسَّف في استعمال حقٍ شرعيٍّ في غير ما أَذِن الله عز وجل فيه، يُنزَع منه هذا الحقُّ ويؤدَّب، فقد يَنزِع الإسلام حقَّ الوِلاية من الأب لما أساء استخدامها، ويعطيها القاضي لمن دونه لعمها أو لخالها وهكذا.
فكمال الرجولة، وكمال المروءة في الإسلام أن يحافظ الرجل على المرأة.
بل ويُقاتِل الرجل، ويُقتل من أجل حفظ المرأة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "ومن قاتل دونَ أهلِهِ، فهو شهيدٌ"().
فالقوامة مسؤولية وحِفظ ورعاية، شرعها الله بحكمته وعلمه ورحمته.
فالله يعلم حال الرجل، وحال المرأة، وطبيعة الرجل، وطبيعة المرأة، ويعلم سبحانه ما يُصلح أحوال الناس.
فالولاية مسؤولية من الرجل تجاه المرأة، ومثال ذلك:
الولاية في النكاح: حيث لا يجوز للفتاة أن تُزوِّج نفسها بغير إذن وليها، وهنا يُصور الملحد هذه المسألة كنوع من التضييق على المرأة، في حين أنَّ الأمر في حقيقته مسؤوليةٌ مُلقاة على عاتق الولي، حيث يحميها من ابتزاز شخص عديم الرجولة يريد أن يتزوجها في السر بدون علم أهلها، ثم يلقيها في الطرقات بعد أن ينال حظَّه منها، والولاية في النكاح كذلك؛ ليحميها الولي من أن يضيع حقُّها بعاطفتها، فيحفظ لها حقَّها الذي هي قد تغفل عنه لعاطفتها، فهي ربما تقبل التنازل عن كل حقوقها المالية من الزوج؛ لفرط تعلُّقها به، فوليُّها يحفظ حقها، ويضمن عدم استغلال الخاطب لها.
ولو نظر الملحد للولاية نظرة صحيحة عادلة لعلم أنها تضييقٌ على الرجل... تضييق على الخاطب، وليست تضييقًا على المرأة.
فوليُّها يضمن حقَّها، والخاطب يُلزَم من ولي الزوجة بأداء الحقوق لها، فالتضييق في الواقع على الرجل -على الخاطب- وليس على المرأة.
ثم إن المرأة في الإسلام لا تتزوَّج إلا بمن ترضى به، وإلا لانفسخ العقد، فأين التقييد في ولاية النكاح؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حتَّى تُسْتَأْذَنَ"().
فوليُّها يُشرف ويُتابع حتى تصل حقوقها إليها.
فهل هذا تقييد أم زيادة صيانة لحقوق المرأة؟
ولو زوَّجها الولي بغير رضاها ينفسخ عقد الزواج فورًا، وكأنه لم يكن.
جاءَتْ فَتاةٌ إلى النَّبِيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ، فقالَت: إنَّ أبي زوَّجَني ابنَ أخيهِ؛ ليرفعُ بي خسيستَهُ، فجعَلَ الأمرَ إليها، فقالَت: قد أجَزتُ ما صنَعَ أبي، ولَكِن أردتُ أن تعلَمَ النِّساءُ أن ليسَ للآباءِ منَ الأمرِ شيءٌ().
فما تُمضيه الفتاة يمضي، وما تفسخه يُفسَخ.
فوِلاية النكاح هي لحفظ حقوقها؛ ولضمان أن تُؤدَّى إليها الحقوق.
فهل في هذا ما يلام؟
وهنا قد يأتي سؤال: هل للرجل ولاية على مال المرأة؟
والجواب: هذه القضية لا وجود لها في الإسلام، فليس لرجلٍ على وجه الأرض وِلايةٌ على أموال المرأة، لا زوج، ولا أب، ولا أخ، ولا أحد.
فللمرأة مُطلق الحرية في أموالها تتصرَّف فيها حيث شاءت.
وقد جعل الله وِلاية الرجل على المرأة في نطاق الأمور التي تحتاج فيها المرأة للرجل، فأيُّ رحمةٍ هذه: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [المُلك: 14].
ويجب أن تنتبه المرأة المسلمة لألاعيب ناشري الشبهات؛ لئلا تلتبس بشبهة، أو تكره شيئًا مما أنزل الله فيحبَط عملُها، قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9].
فنحن عبيدٌ لله، خاضعون لشرعه، خاضعون لأمره: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].
فهذا حال المسلم مع شرع ربه: التسليم التام، والرضا التام، والقبول التام، قال الله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51].
وقال عزَّ من قائل: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
فما قدَّر الله وما شرع إلا ما هو خير وحكمة وعدل وكمال لكِ ولقلبكِ ولنفسكِ ولبيتكِ ولمستقبلكِ الدنيوي والأخروي.
إذن النطاق الذي تشمله قوامة الرجل لا يمسُّ كيان المرأة، ولا يمس كرامة المرأة، وإنما القوامة هي القيام بما في مقدور الرجل، وليس في مقدور المرأة أو تستحي منه المرأة.
أيضًا من صور القِوامة أن: يُؤَمِّن الوليُّ سفرَ المرأة؛ لئلا يؤذيها متحرش.
أيضًا من صور القوامة: قوامة النفقة، وهذه أساس القوامة، قال الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34].
فهو يقوم عليها بالنفقة، أبًا وزوجًا، فالأب يكِدُّ ويسعى ويكافح من أجل توفير لقمة عيش كريمة لابنته، والزوج لزوجته.
أما المرأة فلا يلزمها من ذلك شيء، بل هي تعيش في بيتها كريمة عزيزة.
ولو لم يستطع أن ينفق عليها فهي شرعًا مُخيَّرةٌ بين أن تصبر عليه، وتتقي الله فيه، وبين أن تفارقه().
لقد كُلِّف الرجل بالقوامة حتى يحصُلَ للمرأة على حقها.
إذن فحيّز نطاق القوامة كما قلت هو في تحصيل الجوانب التي تعجز المرأة في الغالب عن تحصيلها بطبيعتها وضعفها.
فعَلاقة الرجل بالمرأة في الإسلام عَلاقة تكاملية فطرية طبيعية تراحمية.
لكن الثقافة الغربية الممسوخة جعلت العَلاقة بين الرجل والمرأة عَلاقة صراع، وعَلاقة تثوير للمرأة على الرجل، وعَلاقة تؤجَّج لإثبات دور المرأة في المجتمع، وكأن نجاح المرأة سيكون على حساب الرجل، أو أنَّ المكاسب التي تُحققها المرأة ستكون على حساب مكاسب الرجل، وهذا فهم بدائي مُتخلف لطبيعة العَلاقة بين الرجل والمرأة، فنجاح المرأة في غير ما حرَّم الله هو في الإسلام نجاح للرجل، وفرحة للرجل، وبهجة للرجل السوي.
فنجاح المرأة في غير ما حرَّم الله هو نصر للرجل، وخير للناس.
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].
وكما أوجب الله على الرجل من الواجبات في حق المرأة ما أوجب: من النفقة، ومن الحفظ، ومن جلب حقوقها، ومن إحاطتها بالرعاية.
فقد أوجب الله في الناحية الأخرى على المرأة واجباتٍ: فعلى المرأة أن تُطيع زوجَها.
فهذا واجب شرعي على المرأة، أن تطيع زوجها، فهو رأس البيت.
فالمرأة مطيعة لربِها، مطيعة لزوجِها: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ} [النساء:34].
فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ: مطيعات لله، حافظات لأزواجهن.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا صلَّتِ المرأةُ خَمْسَها، وصامَت شهرَها، وحصَّنَتْ فرجَها، وأطاعَت زوجَها، قيلَ لها: ادخُلي الجنَّةَ مِن أيِّ أبوابِ الجنَّةِ شِئتِ"().
يُنادَى عليها من أبوابِ الجنَّةِ الثَّمانِيَةِ: تَكريًما وتَشريفًا.
فطاعة المرأة لزوجها في غير معصية الله واجبة.
هذا واجب شرعي.
وزوجها هو جنَّتُها ونارها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "انظري أين أنتِ منه؟ فإنَّما هو جنتُكِ ونارُكِ"().
فلو أدت حقَّه فهو سبب في دخولها الجنة، ولو لم تؤدِّ حقه فهو سبب في دخولها النار.
فللمرأة حقوق على الرجل.
وللرجل حقوق على المرأة.
وإذا أدَّى كل ذي حقٍّ حقَّه شاع الوئام والألفة والسكينة والاستقرار النفسي والأمان الأسري.
فالمجتمع رجل وامرأة، والمجتمع لا يُقسَّم ولا يُؤلَّب الرجل فيه على المرأة، ولا المرأة على الرجل، فهي عَلاقة تكاملية وليست صراعًا كما يحاول أن يفرض الغرب.
فالغرب والثقافة العلمانية الغربية تحاول أن تجعل العَلاقة بين الرجل والمرأة عَلاقة صراع وتثوير.
والذي أدَّى لمشاكل المرأة في العالم الإسلامي بجانب التأثُّر بالثقافة الغربية: انغماس بعض الرجال في الشهوات؛ ما أضعف من شخصيتهم، فظهرت حركات النسوية المتأسلمة، وظهرت حركات التمرُّد على القِوامة، وظهرت حركات التمرد على الوِلاية، وما ظهرت هذه الحركات الضالَّة إلا لضعف شخصية الرجل، وضعف قيادتِه.
فحين تعرف المرأة أن الرجل عبدٌ لشهواته وفواحشه التي يرتكبها، يصغُرُ في عينيها، فتبدأ في التمرُّد لو كان إيمانها ضعيفًا، وتبدأ في المطالبة ليس بحقوقها كما هو مفترض وإنما تبدأ في المطالبة بالتمرد الكامل.
وهذه هي المشكلة التي لا يفهمها كثير من الرجال: عندما يكون الرجل شهوانيًّا خاضعًا للفواحش، ولا ينشغل إلا بمصالحه، وعندما لا يوفّي للمرأة حقها، تبدأ المرأة -لو كان في دينها ضعف- في التمرد على كل شيء، فتحصل الفتنة والفساد العظيم.
فالنسوية ليست حركة تطالب بالحقوق، وإنما هي مشروع تمرُّد تام مكتمل الأركان، وهذا ظاهر من المطالبات النسوية، فهي تمثل تمردًا على كل شيء.
فضعفُ قيادة الرجل، وقلة رحمة الرجل، وبحث الرجل عن الفواحش، هذا يؤدي إلى تمرُّد المرأة، وإلى فساد المجتمع فعلًا.
فتمرُّد المرأة مصدره: ضعفُ قِوامة الرجل، وقلة إيمان المرأة.
لو عاد الرجل لكلكم راعٍ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم : "كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ؛ والرَّجُلُ في أهْلِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وهي مَسْؤُولَةٌ عن رَعِيَّتِهَا"().
ولو علم الرجل أنَّ الله سائلٌ كلَّ إنسان عن رعيته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاهُ، أحَفِظَ أمْ ضيَّعَ؟ حتى يُسألَ الرجلُ عن أهلِ بيتِه"().
لو عاد الرجل لِما أوجب الله عليه من حقوقٍ، وعادت المرأة لما أوجب الله عليها من حقوقٍ لصلح حال الأمة، ولشعرت المرأة بأنوثتها الحقيقية.
فكمال أنوثة المرأة في قيام الرجل بحقوقه نحوها، وقيامها بحقوقها نحوه، هنا تشعر بكمال أنوثتها، فهذه فطرتُها التي جُبلَت عليها.
لو قام الناس بما أوجب الله عليهم، لاستقرت الدنيا، ولنام الجميع مطمئنين هانئين.
للأسف اختفى في كثيرٍ من البيوت: حُسن الخلق، وحسن المعاشرة، وحسن الاحتواء، والمودة والرحمة واللين والتغافل عن بعض الأمور: لَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ().
فما نحتاجه هو: الرجولة الحقيقية، والقِوامة الصحيحة، وغضُّ البصر عن النساء في الطرقات وفي الخلوات، فرجولة غض البصر هي درجة من درجات القِوامة.
فغضُّ البصر، والترفع عن المعاصي هذا يجعل منك رجلًا قيّمًا.
والرجل مِفتاح المرأة، ولو لم يَفِ الرجل بما عليه، ما استطاع أن يفهم المرأة ولما رضيت هي عنه.
وفي الناحية الثانية: فعلى المرأة أنْ تتحلَّى بالصبر على الرجل، فالفتن كثُرت على الرجال، وضغوط الحياة صارت صعبة، فلتغفر المرأة لزوجها، ولتصبر عليه، ولتكثر من نصحه وتذكيره بالله، والدعاء له.
ولتتقرَّب إلى الله بالعمل الصالح؛ لعل الله يصلح بيتَها، ويهدي أهلَها.
وليحذر الرجل من قلة الغَيْرة على أهل بيته، فلو قلَّت النخوة والمروءة والغَيرة وقلَّ اهتمام الرجل بأهله استرجلت المرأة وفُتنت لو كان في إيمانها ضَعف.
وإذا استرجلت النساء وإذا فتنَّ فكبِّرْ على الأمة أربعًا.
وما وجد الملاحدة ولا وجدت النسويات ثغرةً لشبهة يدخلون منها على بيوتنا بالإفساد، ونشر الخراب والفتن والشهوات، والتمرد على شرع الله، إلا باختفاء قوامة الرجل، وعدم أداء المرأة لحقوقها.
ما وجدوا الثغرة إلا بتقصيرنا، وما وجدوا الشبهة إلا بعدم تطبيقنا للقوامة بصورتها الصحيحة، وما تسلَّطوا علينا إلا ببُعدنا عن ديننا، وتعلُّقِ بعضِنا بثقافات وسلوكيات غربية لا تنتمي بشيء إلى دين ربنا.
ودعاة الكفر والنسوية والضلال لا يريدون تحرير المرأة، وإنما هم يريدون تحرير شهوات المرأة: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27].
لقد أدَّى الإلحاد والنسوية إلى خراب منظومة الأسرة في الغرب، وهم يتوجَّهون الآن إلينا بقوة، يتوجَّهون إلينا بما هم فيه من خراب أخلاقي مرعب، يكفيك أن تعلم أنَّ احتمالية قتل الجنين في الغرب اليوم تصل إلى 50% لأنَّها أجنَّة غير مرغوب فيها، والدساتير الغربية كما قلت تُشرِّع ذلك ولا تمنع منه.
والأطفال الذين ينجون من القتل يُعاني أغلبهم بعد الولادة من فقدان الأب؛ لأنهم أبناءُ غير شرعيين.

فعلى المستوى الأسرى والعائلي يعيش الغرب اليوم بسبب النظرة المادية الإلحادية والنسوية أتعسَ أيام حياته.
فما ترك الناس من أمر الله شيئًا إلا أحوجهم الله إليه، وعانَوا ولم يجدوا طريقًا إلا بالرجوع إليه.
18 - لماذا لم يُحرِّمِ الله تعدُّد الزوجات؟
ج: ليس هناك تشريع سماوي... ليس هناك دين مُنَزَّلٌ من رب العالمين، وأيضًا ليس هناك تشريع أرضي... تشريع وضعي... تشريع مادي يمنع من التعدُّد، فيستحيل أن تجد ذلك.
لم يوجد، ولن تجد، ولن يوجد.
الفرق بين التشريع السماوي الذي ارتضاه الله لعباده، وبين التشريعات الأرضية الوضعية الفاسدة هو في صورة التعدُّد: هل هو تعدُّد زوجات برباط شرعي مسؤول بين رجل وامرأة، وواجبات على الرجل تجاه المرأة مدى الحياة، أم هو تعدُّد خيانات وخليلات وعلاقات حيوانية غير مسؤولة كما في التشريعات الأرضية الفاسدة؟
هذا هو الفرق، لكن لن تجد تشريعًا واحدًا عبر تاريخ البشر يمنع كل صور التعدُّد.
فالكتب السماوية كلُّها لن تجد فيها نصًّا واحدًا لا في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن، ولا في غيرهم من الكتب السماوية يمنع من التعدد.
أما في التشريعات الوضعية الأرضية: فالتشريعات الوضعية القديمة كانت تسمح؛ إما بتعدُّد الزوجات أو الخليلات أو السرايا.
والتشريعات الوضعية الحديثة الفاسدة في الغرب تبيح بكل أريحية تعدد الخليلات ولو ألف عشيقة، فلو ارتكب إنسان الفاحشة مع ألف امرأة فلا مادة في أي دستور علماني تُجرِّم ذلك أو تمنع منه.
إذن كما قلت: لا يوجد تشريع يمنع من التعدد، لكن التعدد إما أن يكون تعددًا مسؤولًا برباطٍ شرعيٍّ مقدس، وإما أن يكون تعددًا شهوانيًّا حيوانيًّا غير مسؤول، تُستخدم فيه المرأة كلُعبة جنس.
ونظرًا لالتزامات التعدد في الشرع الإلهي... نظرًا للالتزامات التي على الرجل، والحقوق التي عليه في الإسلام، فأقل أمم العالم في التعدُّد على الإطلاق هي الأمة الإسلامية... أقل أُمَّة في العالم يُعدِّد فيها الرجال أكثر من امرأة هي أمة المسلمين.
ولن تجد إنسانًا في الغرب إلا وهو يُعدد العشرات، بل والله والمئات من النساء، إن لم يكن الآلاف في رحلة حياته، وقلّ بين المسلمين مَن يتخذ امرأتينِ؛ لأن تعدُّد المسلمين تعدُّد بشرع إلهي، فهو تعدُّد مسؤول وزواج ونفقة وحفظ وحماية ورعاية للمرأة، ومع كل هذا نحن فقط الذين نُلام على التعدد.
ولا يأتي التركيز في قضية التعدُّد إلا على المسلمين.
أمر عجيب!
فالتعدد الشهواني الحيواني العلماني الغربي اللامسؤول مقبولٌ عند الملحد تمامًا، بينما الزواج المسؤول والرباط الشرعي والتزام الرجل مدى الحياة مع المرأة هو ما يثير مشكلة وشبهة!
لقد ولَّد التعدد العلماني الغربي أكبَرَ أزمة أخلاقية في تاريخ الجنس البشري، وهي أزمة قتل الأجنَّة التي تحدثت عنها قبل قليل.
وفي أمريكا وحدها يُقتل أكثر من مليون جنين سنويًّا().
{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 140].
وإذا سِرتَ في شوارع أوروبا وأمريكا؛ ونظرًا للتعدد اللامسؤول، فسوف تجد أمامك مثل هذه الصناديق، والتي تقول لك: بدلًا من أن تلقي ابنك في القمامة حتى يموت ضعْهُ هنا في هذا الصندوق.
أمريكا وحدها بها عشرات الآلاف من هذه الصناديق.


فنحن أمام أكبر مهزلة أخلاقية في التاريخ.
نحن أمام نازية جديدة مرعبة، وإبادة جماعية يومية لم يشهد لها البشر مثيلًا.
لذلك فقد أتى الإسلام وتعامَل مع حاجة الرجل الطبيعية الفطرية الغريزية للتعدُّد... تعامل معها بوحي إلهي حكيم.
فحرَّم العلاقات الشهوانية الحيوانية: ولذلك ففاحشة الزنا تُعد من أكبر الكبائر في الإسلام: {وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 68 - 70].
فالزنا جريمة كبرى في الإسلام.
أيضًا يُعد قتل الأجنة بعد نفْخ الروح فيها من أكبر الكبائر في الإسلام: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8- 9].
فقتل الجنين بعد نفخ الروح هو قتل نفس بالإجماع().
قال الله تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].
فالإسلام يُجرِّم العلاقات الحيوانية، وما يتبع هذه العلاقات من كوارث.
الإسلام يقول لك: من أراد أن يُعدد فليتزوج زواجًا طاهرًا عفيفًا بالتزامات وواجبات وحقوقٍ، فهو رباط شرعي مسؤول بين الرجل والمرأة في النور، حيث يُلزَم الرجل أمام المجتمع طيلة عمره تُجاه هذه المرأة مسؤولية ونفقة ورعاية وحفظًا وتأسيس بيت، ورعاية ذرية، ونفقة عليهم.
وفي حال عَجَزَ الشخص عن كل هذه الالتزامات، فليصبرْ وليتقَّ الله.
وهنا السؤال: في حال عدم قدرة الرجل على الوفاء بهذه الالتزامات، فلا يُعدد ولا يُسمح له بأن يُعدد؟
والجواب: لأول مرة في كل التشريعات السماوية والأرضية، يُنَصُّ على الاكتفاء بزوجة واحدة: {فَوَاحِدَةً} [النساء: 3].
لأول مرة: يُمنع الرجل من التعدُّد طالما لن يفي بهذه الالتزامات، فزوجة واحدة تكفيه، وليصبرْ وليتقَّ الله فهذا أقرب من أن يُعدِّد ثم يُضيِّع الحقوق: {فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3].
{ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} : ذلك أقرب ألَّا تجوروا وتظلموا().
فالاقتصار على واحدة أقربُ لأداء الحقوق وعدم الظلم().
أما من استطاع أن يفي بالحقوق والالتزامات للزوجة الثانية ولأولادِها، واستطاع أن يقوم على الحفظ والنفقة والرعاية والمودة والرحمة، فهذا يجوز له أن يعدد بزواجٍ طاهرٍ عفيفٍ، وما أحلَّه الله لا يُحرمه إنسان، فعدِّد كما تُحب: مثنى وثلاث ورباع، وليس لأحد من البشر أن يحرمك مما أحلَّ الله.
فالرجل يحتاج لأكثر من امرأة، وهذا أمر يتفق عليه كل البشر عبْر كل دساتيرهم كما فصَّلنا، فهذا إجماع غريزي إنساني، أضفْ إلى هذا أنَّ نصف حياة المرأة عوارض طبيعية من حيض ونفاس وقيود حمل، فهناك قيود كثيرة، وأضِفْ إلى كل ما سبق أنَّ غريزة الرجل الـ Sex Drive أعلى بشدة مما عند المرأة، وهذا أمر يُقرره أيُّ مرجع طبي متخصص.

فحاجة الرجل قد لا توفيها المرأة حتى في حالتها الطبيعية، أيضًا أغلب حال الرجل أنه يسافر ويغترب ويهاجر وقليلًا ما يكون مستقرًّا، وقبل هذا وذاك فالرجل بطبيعته يستطيع قلبه أن يُعدِّد.
ومن أجل كل هذا أجمع البشر عبْر كل دساتيرهم على إباحة التعدد.
والإسلام لم يأتِ لأبطال أسطورية ملحمية، وإنما أتى للبشر، وأتى ليُطبق، وأتى ليكون منهج حياة، والبشر لو لم يجدوا تعدُّد زوجات لعدَّدوا الخليلات وأظهروا الفواحش.
فالرجل قد يحتاج لأكثر من امرأة لدواعٍ لا يمكن حصرُها، وفي كل الأحوال البشر كانوا يُعددون وسوف يعددون!
والتعدد في الإسلام هو: أمثل وأحكم وأعلم نموذج... إنه دينُ رب العالمين.
وهنا قد يظهر سؤال: لماذا إذا كان التعدد في الإسلام أمثل وأحكم وأعلم نموذج... لماذا نحن الذين نُلام في موضوع التعدد؟
لماذا إذا ذُكر التعدُّد ذُكر المسلمون؟
ثم لماذا تكره المرأة المسلمة أن يُعدِّد زوجُها؟
ثم السؤال الأخطر: كيف أصبح هناك شِبه رفض مجتمعي للتعدد في بلادنا؟
والجواب: للأسف أصبحت نظرة المجتمع للتعدد نظرة خاطئة تمامًا، وأصبح أغلب الناس يتعاملون مع هذا الموضوع بصورة سخيفة... يتعاملون معه تعاملًا هزليًّا، فرسَّخوا في الأذهان تصوُّرات فاسدة عن التعدد، وفتحوا مجالًا للعلمانيين والملحدين أن يهاجموا التعدد عندنا.
فنحن عندنا أخطاء كثيرة في طريقة التعامل مع التعدد منها:
أولًا: أخطأ الرجل الذي جعل مسألة الزوجة الثانية موضوعًا للتهكُّم أمام زوجتِه فيقول لها بمناسبة وبدون مناسبة: أنا سأتزوَّج عليكِ.
وكأنه تهديد لها.
هذا الرجل بهذا الأسلوب يُرسِّخ في ذهن المرأة، وفي ذهن الناس من حوله، ودون أن يدري، أنَّ الزواج الثاني إيذاء للزوجة الأولى، فطالما أنه يهددها بالزواج الثاني، إذن فالزواج الثاني أمرٌ خطيرٌ عليها.
فهذا أسلوب غير صحيح بالكلية، وهو بهذا يشوه مسألة ليس فيها أيُّ خطر، ولا أيُّ تهديد، بل فيها حل لكثير من المشاكل كما سأوضح.
الخطأ الثاني: المجتمع بثقافته التي تبتعد عن روح الإسلام كلما تَقَارب الزمان، أعطى المرأة شعورًا بأن الزواج الثاني يعني فقدان الزوجة الأولى للأمان، ويعني حرمان الزوجة الأولى، ويعني تقصيرًا سيحصل في حق الزوجة الأولى ولا بُدَّ.
أصبحت للأسف هذه ثقافة المجتمع عن الزواج الثاني.
وللأسف كثير من تجارب الزواج الثاني كرَّست لهذه التصوُّرات الفاسدة.
فيأتي شخص ظالم جاهل يتزوَّج بزوجة ثانية، فيُهمِل الأولى أو يُضيعها!
فنحن شركاء بتصرُّفاتنا في تشويه هذا النموذج النقي الأمثل.
ونحن مَن نعطي العلماني الغربي الذي يعيش حياة بهيمية أن يسخر من الزواج المسؤول عندنا.
الخطأ الثالث: ما أن يُعدد الرجل حتى يظُنَّ الناس أن هذا لِعيبٍ في زوجته الأولى، أو لمشكلة حصلت مع الأولى، فتصبح وكأنها في موضع المتَّهم، أو في موضع مَن كانت سببًا في أن يتزوج زوجُها عليها.
وبعض النساء بالفعل تفقد الثقة في نفسها بمجرد زواج زوجها؛ لأنها تظن أنها السبب في زواجه لتقصيرها معه.
وهي قد ترى نظرات اللوم في عيون الآخرين، يلومونها أنه تزوج عليها، وهذا خطأ شديد، فالرجل قد يحتاج لزوجة ثانية دون أي تقصير من الأولى.
لقد تجرَّأ العلمانيون علينا ووجدوا مدخلًا للشبهة في قلوب بعض النساء في مسألة التعدد؛ نتيجةً للفهم الخاطئ للتعدد، والممارسات السيئة المرتبطة به من البعض.
وللأسف عَزَفَ الرجال عن الحلال حتى يستريحوا من نظرة المجتمع حال التعدد، فوقع بعضُهم في الحرام.
فلما حرَّموا على أنفسهم ما أحل اللهُ لهم وقعوا في المصائب.
إذن لا بد أن تكون هناك ثقافة مجتمعية تسعي لتصحيح هذه التصوُّرات الفاسدة والسلوكيات الخاطئة، وعلى الرجل أن يُصلح من نفسه، وأنْ يَعرف أنَّ الزواج الثاني ليس تهديدًا للزوجة الأولى، أو إشعارًا لها بأن ظلمًا سيقع عليها لو تزوَّج، بل هو مَن سيتحمل مسؤولية مضاعفة لا هي.
فحقُّ الزوجة الأولى كما هو لا يُنقص منه شيء... حقُّها في الإحاطة والرعاية وشعور الأمان والنفقة يوفره لها كما هو.
ويحافظ عليها ويدافع عنها بدمه: "ومَن قاتل دونَ أهلِهِ، فهو شهيدٌ"().
فلا يُقصِّر في شيء من حقها ويرعاها ويحفظ ذريتها ويرعاهم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ؛ والرَّجُلُ في أهْلِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ"().
فالنساء أخذن على الرجال عهدًا شديدًا بالرعاية والحفظ: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21].
وأمر الله بعشرتهن بالمعروف: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].
فحقوقُها يُوفّيها إليها كما هي.
يُضاف إلى كل ذلك بالقدر والقيمة والمعنى أنفسهم: حقوق الزوجة الثانية.
فالرجل هو مَن سيتحمل المسؤولية مضاعفة.
ولا يجوز له أن يميل لواحدةٍ على حساب الأخرى.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من كان له امرأتانِ، يميلُ لإحداهُما على الأُخرى، جاء يومَ القيامةِ، أحدُ شقيْهِ مائلٌ"().
جاء يومَ القيامةِ، أحدُ شقيْهِ مائلٌ: يأتي مائِلًا بحيثُ يَراه أهلُ العَرَصاتِ؛ لِيَكونَ هذا زيادةً في التَّعذيبِ.
فالرجل لا بد أن يعرف كلَّ هذا، ويعرف ما عليه، ولو لم يكن من أهل الوفاء بالحقوق فليكتفِ بواحدة فهذا أصلحُ لدينه: {فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء:3].
في الجهة الثانية: لا بد أن تعي المرأة أنَّ زواج الرجل ليس بسبب عَيبٍ فيها.
ولا بد أنْ تعي أنَّ التعدُّد تشريعٌ إلهيٌّ، ووحي إلهيٌّ، أحلَّه الله عز وجل .
ولتحذر أن تكره شيئًا من شرع الله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد:9].
من الممكن للمرأة أن ترفض زواج زوجها عليها بدافع الغيرة والغريزة، لكن لا ترفض التعدد كتشريع إلهي أحلَّه الله.
فدافع الغيرة والغريزة هذا أمر جِبلِّيٌّ لا شيء فيه، أما رفضُ التعدد وكراهيةُ ما أنزل الله فهذا مُحبط للعمل.
وهنا نعود لجواب السؤال السابق: لماذا ترفض المرأة التعدد؟
والجواب لثلاثة أسباب:
فأما الأول: فلثقافة المجتمع في نظرته للزواج الثاني، كما فصلنا.
وحلُّ هذه المشكلة بتغيير نظرة المجتمع للزواج الثاني كما قلنا قبل قليل.
وثاني الأسباب التي تجعل المرأة ترفض التعدد هو: حسابات بعض النساء المادية، حيث تبخل المرأة بما عند زوجها من مال أن تشاركها فيه غيرها، وهذا جهل؛ لأن الله هو الرزَّاق، وقد قسَّم سبحانه الرزق بين عباده بحكمته، وقد يغتني مَن يُعدد، وقد يُفلس مَن لم يتزوج بعد.
{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ} [الذاريات: 58].
والنبي صلى الله عليه وسلم حذَّر من هذه الحسابات المادية عند بعض النساء، فقال: "ولَا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ ما في إنَائِهَا"().
فلا تَطلُبُ المرأةُ مِن زَوجِها أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها لِتَستأثِرَ بِخَيرِ زَوجِها وحْدَها هذا جهلٌ.
فالله هو مقدر الأرزاق سبحانه.
وفي الحديث الآخر لتأكيد المعنى نفسه: "فإنَّ لها ما قُدِّرَ لَها"().
فرزقُها مقسومٌ مقدرٌ قبل أن تولد، ولن يقل رزقها بزواج زوجها: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} [الذاريات: 22- 23].
أما ثالث الأسباب التي تجعل الزوجة ترفض التعدد فهو: قضية الغيرة وهذا أمر فطري طبيعي جبلِّي، وهذه إحدى الفتن وإحدى البلاءات، فالشرع لن ينزل مفصلًا على أهوائِنا، وإلا ما كان تكليفًا.
فالله عز وجل يبتلي بأشياء قد تَشقُّ على النفس فقدَّر سبحانه الغيرة على المرأة.
وقدَّر على الرجل أشياء مثل: صلاة الجماعة، والقتال تحت ظل السيوف، والنفقة، وأمور كثيرة، وليس على المرأة شيءٌ منها.
فما شقَّ على الرجل أو المرأة نفسيهما صبَرا عليه واستعانا بالله عز وجل فهو سبحانه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ} [المُلك: 2].
فنحن في دار تمحيص بالفتن والبلاء.
وما قدَّر الله من شيء إلا لحكمة.
فقدَّر سبحانه زيادة غريزة الرجل نحو النساء، وهذه الغريزة الزائدة تجعل الرجل يحفر في الصخر، ويشقى طيلة عمره حتى يظفر بامرأةٍ يسعد معها، وهو مستعدٌّ أنْ يكِدَّ يومَه كلَّه، وامرأتُه في المقابل تنام هانئة مطمئنة، لا مشكلة لديه في ذلك.
فمِن حِكَم الغريزة القوية أنَّ: الرجل يصبر على كفاح العمر كلِّهِ بلا كلل.
ومن حكم خلقِ اللهِ للغَيرة عند المرأة: حتى تحافظ على بيتها، وتحافظ على زوجها من أن يُفتَن بالنساء.
وهنا قد يرد سؤال: لماذا لا تُعدد المرأة؟
والجواب: لدى المرأة عاطفة أُحادية، فالطبيعة النفسية للمرأة هي بأن تُخلص لرجلٍ واحدٍ، وهذا أيضًا له حِكم كثيرة، منها: استقرار البيت، وحِفْظ الأسرة.
فالله عز وجل يُقدِّر بحكمته كل ذرة في هذا الكون، ولا توجد ذرة في الكون إلا وهي تسير بعلم الله وحكمته وتقديره وإرادته ومشيئته وقدرته.
وما شرع الله عز وجل التعدد إلا للخير للرجل والمرأة على حدٍّ سواءٍ.
وكم من المشاكل للرجل والمرأة يقوم بحلِّها التعدد الصحيح بنموذجه الإسلامي النقي.
فهناك مشاكل مجتمعية رهيبة يقوم التعدد بحلها منها: مشكلة العنوسة، ومشكلة الخيانات الزوجية، ومشكلة الجوع العاطفي، ومشكلة التفسُّخ الأخلاقي، وكثير من المشاكل تُحَلُّ بهذا التشريع الرباني.
وكم من المجتمعات المسلمة عبر الزمن عدَّدت وما زالت تُعدد بلا أي مشاكل، ولا أي ضغط نفسي على الزوجة الأولى، وما ظهرت المشاكل والضغط النفسي إلا بفساد النظرة المجتمعية للتعدد.
فنحن نحتاج لإعادة النظرة الصحيحة، ونحتاج ليتعلم الرجال حقوق التعدد والتزاماته، ونحتاج ليتعلم الناس حِكَم شرع الله عز وجل .
ونحتاج قبل كل هذا لأن نَرضى بشرع الله، وأن نعملَ بما شرع.
19 - لماذا لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم بزواج عليٍّ على ابنته فاطمة؟
ج: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "واللَّهِ لا تَجْتَمِعُ بنْتُ رَسولِ اللَّهِ وبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ واحِدٍ أبدًا"().
فقد منعَ صلى الله عليه وسلم عليًّا مِن أنْ يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل عند رجلٍ واحدٍ، وفي بيتٍ واحد، فهذه علَّة النهي.
وهنا أيضًا قضية مهمة، وهي أنَّ: فاطمة رضي الله عنها حالة خاصة، وكذلك خديجة رضي الله عنها أيضًا حالة خاصة.
فاطمة امرأة كاملة.
فقد ثَبت أنَّ فاطمة رضي الله عنها أكملُ النساء على الإطلاق().
فأنت أمام إنسان كامل... أنت أمام فاطمة رضي الله عنها .
كذلك خديجة رضي الله عنها إنسانة كاملة... كَمُلت.
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج من النساء أحدًا مع خديجة، فهي ظلت معه 24 سنة وستة أشهر، ولم يتزوج معها أحدًا، فهي امرأة كاملة، تُغنيه عن غيرها، وفيها من البركة، وفيها من الحكمة، وحُسن التبعُّل ما تغني عن غيرها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "حسبُكَ مِن نساءِ العالَمينَ: مَريمُ بِنتُ عِمرانَ، وخَديجةُ بِنتُ خوَيْلدٍ، وفاطمةُ بِنتُ محمَّدٍ، وآسيةُ امرأةُ فِرعَونَ"().
حسبُكَ مِن نساءِ العالَمينَ هؤلاء الأربع .
20 - هل المرأة عورة في الإسلام؟
ج: عورة تعني: شيءٌ عُرضةٌ لإلحاق الضرر به، فيجب الحفاظ عليه.
وهذا مثلُ قولهِ تعالى: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} [الأحزاب: 13].
بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ: نريد أن نذهب لحمايتها.
إذن عورة تعني: أنها عُرضة لإلحاق الأذى بها، وكَون المرأة عورةً فهذا تكليف للرجل بالحفاظ عليها وحمايتِها من المتربصين.
فالرجل مُكلَّف في الإسلام بحماية المرأة: "ومَن قاتل دونَ أهلِهِ، فهو شهيدٌ"().
والمرأة الأجنبية عن الرجل المسلم هو مُكلَّف شرعًا بأن يغُضَّ من بصره أمامها: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30].
وهي مُكلَّفة شرعًا بالحجاب أمامه: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31].
وبهذا يكون المجتمع سَوِيًّا.
ولا ينزعج من هذه القواعد والضوابط إلا دُعاة الإلحاد ممن يريدون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا.
21 - ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أمْرَهُمُ امْرَأَةً"؟
ج: لَمَّا بَلَغَ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنَّ أهْلَ فارِسَ قدْ مَلَّكُوا عليهم بنْتَ كِسْرَى، قالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أمْرَهُمُ امْرَأَةً().
والسؤال: لماذا لن يفلح قوم وَلَّوْا أمرهم امرأة؟
والجواب: المرأة بعاطفتها قلَّما تنجح في إدارة أمور الناس، فهي في الوَلاية العامة قليلًا ما تنجح، وهذا أمرٌ لا يعيبهُا في شيء.
فعاطفتُها تأسِرُها.
وقد خلقها الله بهذه العاطفة الجيَّاشة لتتحمَّل الولد، وتحنو عليه، وتصبر عليه، وتسهر الليلَ كلَّه وهي سعيدة راضية، فهذه رحمة من الله.
وهناك أسباب أخرى كثيرة غير موضوع العاطفة: فالتقلُّبات النفسية للمرأة التي تحصُل بوتيرة شبه ثابتة شهريًّا، هذه التقلبات النفسية يكون لها تأثير حقيقي على اتخاذ القرار.
وهذا أمر يقرره علماء النفس.

وهناك أسباب أخرى كثيرة.
فلما كانت هذه الأسباب، ولما كانت عاطفتُها وحنوُّها يأسرانِها، كانت قلما تنجح في إدارة أمور الناس العامة، وقلما استطاعت أن تقدِّم الحزم على العاطفة، فهذا يشقُّ عليها لفطرتها.
ولذلك لَمَّا بَلَغَ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنَّ أهْلَ فارِسَ قدْ مَلَّكُوا عليهم بنْتَ كِسْرَى قالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ ولَّوْا أمْرَهُمُ امْرَأَةً().
وسبحان الله من عجيب الآيات أنَّ ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حصل.
فقد مَلكت بنْتَ كِسْرَى سنة واحدة، ولما كان عندها من العاطفة الزائدة ما عندها، وَزَّعت أموال الإمبراطورية الفارسية على الجند، وتوقفَّت عن جمع الأموال من الشعب، وقسَّمت الأموال التي جمعها الملوك السابقون فانهار ملكُها سريعًا().
لكن هل من الممكن أنَّ امرأة تتولَّى الوَلاية العامة وتنجح؟
والجواب: هذا قليلٌ نادرٌ، ويحتاج لجَلدٍ شديد من المرأة، وقد ذكر القرآن ملكة سبأ كمثال على ذلك، فهي ملكة قوية حازمة، لكن في المجمل هذا قليلٌ نادرٌ؛ ولذلك فأمريكا في كل تاريخها لم تصل امرأة واحدة فيها للحكم.
فالنادر لا حُكم له، والتشريع يتأسَّس على الأعم الأغلب، وليس على النادر.
22 - ما تفسير قوله تعالى: {وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34]؟
ج: قال الله تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34].
في قوله تعالى: (وَاضْرِبُوهُنَّ} يطرح الملحد شبهته بأسلوبٍ ماكرٍ؛ إذ يستحضر حالات لرجال يبطشون بنسائهم... رجال ظلمة فَسدة، فيأتي الملحد ويربط بين هذه الحالات التي فيها ظُلم بَيِّن للمرأة وفساد ظاهر وبين الآية الكريمة.
فالملاحدة يتاجرون بظلم وفساد بعض الأزواج.
فالآية الكريمة: (وَاضْرِبُوهُنَّ} هي في حالة واحدة، ولها تطبيق واحد فقط.
الآية في حالة الناشز، وهي الحالة الوحيدة: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ}.
والناشز هي: التي تعصي زوجها، ولا تطيعه، وتؤذيه بلسانها أو بيدها.
وهذه هي الحالة الوحيدة.
إذن ما هي طريقة التعامل مع هذه الحالة؟
والجواب: التطبيق الوحيد للتعامل مع هذه الحالة بعد النصيحة والهجر في الفراش: (فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} يتبقَّى بعد هذه الأمور ليس الإيلام الجسدي فضلًا عن التعذيب أو هذه المفاسد، وإنما المقصود من قوله تعالى: (وَاضْرِبُوهُنَّ} هو: إظهار حق الرجل بالطاعة، وإظهار أنَّ له حقوقًا على زوجته().
إذن ليس المقصود في قوله تعالى: (وَاضْرِبُوهُنَّ} الإيلام الجسدي، وإنما إظهار حق الرجل بالطاعة؛ ولذلك عامة مفسري السلف كابن عباس وعطاء يقولون: "الضرب بالسواك وشبهه".
قال ابن عباس: بالسواك ونحوِه"().
فالضرب بالسواك لا يؤلم الصبي فضلًا عن غيره، فليس المقصود: الإيلام الجسدي، وإنما المقصود هو فقط كما قلنا: إظهار حق الرجل بالطاعة.
فإذا عادت المرأة عن نشوزها وصَلُح حالُها: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} .
الله عَليٌّ كبيرٌ، فإياك أن تظلمها، وفي هذا تحذير للزوج لئلا يستخدم قوته مع المرأة أو يؤذيها.
ومن يلجأ لضرب زوجته فهو ليس من خيار المسلمين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "ليسَ أولئِكَ بخيارِكُم"().
فخيارُكم مَنْ لا يَضْرِبون نِساءَهُم.
وفي هذا بيانُ فضيلةِ مُعامَلةِ النِّساءِ بالحُسْنى، والصَّبرِ عليهنَّ.
ولذلك كما في حديث مسلم: "ما ضَرَبَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شيئًا قَطُّ بيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا"().
وقال صلى الله عليه وسلم : "إنَّ مِن أكملِ المؤمنينَ إيمانًا أحسنَهم خُلقًا وألطفَهم بأهلِهِ"().
وقال صلى الله عليه وسلم : "خيارُكُم خيارُكُم لنسائِهِم"().
فليصبرِ الرجل على زوجته، وليتعاملْ مع أذاها بالحسنى والنصيحة قدر استطاعته: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].
فإن ظلَّت على نشوزها بعد النصيحة والموعظة والصبر يهجرها في الفراش، فإن أصرَّت على النشوز والتعدّي عليه، تأتي المرحلة الثالثة: (وَاضْرِبُوهُنَّ} والمقصود ليس الإيلام الجسدي، فضرب السواك لا يؤلم الطفل، وإنما المقصود كما قلنا إثبات حقِّهِ في الطاعة.
23 - لماذا شهادة المرأة على النصف من الرجل؟
ج: لأن طبيعة المرأة أنَّها بعيدة عن أحوال التجارة، وأسعار السوق، وأحوال عقود البيع والشراء والبضائع، فلا تذكُر هذه التفاصيل.
فالمرأة في الغالب بعيدةٌ عن هذه الأمور.
فمن رحمة الإسلام بها أنْ انضمَّت لها شهادة امرأة أخرى حتى تُذكِّرها إذا نسيت: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282].
فما المشكلة في هذا؟
وهنا قد يقول ملحد: مشكلة النسيان موجودة عند مَن لا يحضر التجارات كرجال البادية، فهل تُقبل شهادة البدوي، وتبقى المرأة على النصف من شهادته؟
والجواب: قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "لا تَجوزُ شَهادةُ بدويٍّ على صاحبِ قريةٍ"().
فشهادة البدوي ليست ضِعف شهادة المرأة، ولا مثل شهادة المرأة، بل هي لا يُعتدُّ بها أصلًا.
فالمرأة في القرى والمدن قد تشهد العقود؛ فلذلك شهادتها على النصف من شهادة الرجل، بينما البدوي لا يشهد العقود أصلًا فليست له شهادة.
فالموضوع ليس رجلًا وامرأةً، وإنما الموضوع عدل وتشريع.
فهذا تشريع إلهي لا يخضع لإرضاء الأهواء والمذاقات الغربية على حساب طبيعة وفطرة البشر وظروفِ حياتهم.
فطبيعة المرأة أنها تنشغل أكثر بالأمور الخاصة بالنساء، كمسائل الرضاع.
وهنا في هذه المسائل كمثال تُقبل شهادة المرأة وتُرَدُّ شهادة الرجل.
فشهادة الرجل في الرضاع لا يُعتدُّ بها؛ لأنه لا يحضر هذه الأمور.
إذن فالموضوع ميزان عدل وقسط، وليس إرضاءً للفلسفة النسوية.
الغرب يتقبَّل ما هو ضد الفطرة، وضد طبيعة البشر حتى يقال أنَّه يعطي النساء حقوقهنَّ، فأهلك النساء وأهلك البشر.
أما الدين فلم يأتِ لإرضاء الأهواء على حساب الحق: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ} [يونس: 109].
فأنت أيها الإنسان! اتَّبِع الوحي الإلهي، ولا تنشغل بالمبطلين: {وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60].
24 - هل ميراث المرأة على النصف من ميراث الرجل؟
ج: قال الله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11].
الرجل في الإسلام هو المسؤول عن كل النفقات، وهو مسؤول عن المهر، ومسؤول عن النفقة على المرأة والأولاد، ومسؤول عن كسوتهم، والمرأة ليس عليها شيءٌ من ذلك.
فمن يطرح شبهة: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] هو يتجاهل نظام الأموال في الإسلام، فنظام الأموال في الإسلام بناءٌ متكاملٌ وليس حالةً واحدةً، ففي الإسلام: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] وفيه أيضًا لا تُلزم المرأة بنفقة نفسها ولا أولادهِا، والذي يُلزَم بذلك هو وليُّها؛ سواءً الأب أو الزوج، وهو من ينفق عليها، ولا تَدفع المرأة شيئًا من مهرها ولو تنقلت بين الأزواج.
إذن فالمرأة لا تُلزم بأية نفقة في أي وقت، بل يُلزَم الرجل في كل وقت بالنفقة عليها.
لذلك فتركيز مَن يطرحون الشبهات على حالةٍ واحدةٍ في بناءٍ متكاملٍ هو أمر غير نزيهٍ إطلاقًا؛ لأننا إذا أخرجنا هذه الحالة الواحدة: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} عن البناء (النظام المالي في الإسلام) لاستغرب الناس، أما لو نظرنا لهذه الحالة داخل البناء لوجدناها مُنتهى العدل مع المرأة وزيادة؛ لأنها غير مُكلَّفة بنفقة على أي أحد بعكس الرجل.
ومَن ينشر الشبهات بإخراج حالةٍ واحدةٍ، ويرفض النظر للبناء المالي في مجمله، هو بهذا الأسلوب كالذي يستلُّ شامة من وجهٍ حسنٍ ليُثبِت تجاعيد الوجه، فناشر الشبهات يعمل على تكبير هذه الشامة وجعلها كالليل العريض، ثم يقوم بتضخيم الأبواق عليها حتى يستقرَّ في الأذهانِ قبح الوجه().
لو نظر الملحد فيما كُلِّف به الرجل في الإسلام، وفي كدِّ الرجل وسعيه طيلة عمره من أجل طلب الرزق للمرأة، لتبيَّن أنه مخطئ في طرحه للشبهة.
لكن هنا قد يردُ سؤال: المرأة الكبيرة في السن قد تحتاج لمزيد نفقةٍ، فهي بحاجة لعلاج، أو ترغب في الصدقة، أو أن تُهدي أبناءَها، فكيف تكون على النصف من الرجل في الميراث؟
والجواب: هنا سبحان الله! نجد أنَّ ميراث الأم في التركة مثل ميراث الأب، فليس للذكر في هذه الحالة مثل حظ الأُنثيين، كلا!
بل يكون في هذه الحالة ميراثُ الأم هو نفس ميراث الأب.
وهذا الكلام من الآية نفسها التي ظنَّ الملحد أن فيها شبهة، ففي الآية نفسها: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: 11].
للأب السدس، وللأم السدس.
وهناك حالات كثيرة يكون فيها الذكر مثل الأنثى كما في الآية التالية مباشرةً:
{وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 12].
فالأخ الذي ترك أخًا وأختًا: يكون لأخيه السدس ولأخته السدس.
فهنا شرَع الله للرجل مثل ما للأنثى من ميراث في هذه الحالات، لأنَّه في السن الكبيرة تزداد متطلبات المرأة فتجد ميراثها أعلى.
إذن قاعدة: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ) ليست في كل الحالات، وإنما هي فقط في جيل الأبناء؛ لأنَّ جيل الأبناء يلتزم فيه الابن بنفقات كثيرة، وهو الملزَم بالصداق، وتجهيز الشقة، وتكاليف العُرس وكل شيء، أما البنت فمتطلَّباتُها أقلُّ، ووليُّها مُلزَم بالنفقة عليها.
لو تدبَّرْنا شريعتنا في ضبط وتنظيم كل تفاصيل الحياة، وأعملناها على وجهها؛ لسُدنا الأرض، فهي كلها خير وحكمة من لدن حكيم خبير: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [المُلك: 14].
25 - لماذا تقطع المرأةُ والكلبُ والحمارُ الصلاة؟
ج: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يَقْطَعُ الصَّلاةَ: المَرْأَةُ والْحِمارُ والْكَلْبُ، ويَقِي ذلكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ"().
فهنا سؤال قد يُطرح: كيف يتمُّ الجمع بين المرأة والكلب والحمار؟
والجواب: لو وجدتُ لافتةً على الطريق مكتوبٌ عليها: ممنوع عبور الأطفال والحيوانات.

فهل هذا يعني أنَّ الدولة تجمع بين الأطفال والحيوانات؟
فالمرأة تقطع الصلاة؛ لأنها تشغلك، حيث إنَّ القلب ينشغل بها لو مرَّت أمامك، وهذه الحيوانات تقطع الصلاة؛ لأنها غير طاهرة ومؤذية، فهي تزعجك وتُروعك.
فتنقص الصلاة لانشغال القلب بهذه الأمور؛ لذلك يَتخذ المسلم سُترة لئلا يَمُرَّ أمام المصلي ما يشغله: (ويَقِي ذلكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ).
الفصل الثالث
النسوية
26 - ما هي النسوية Feminism وهل تُصادِم الشرع؟
ج: النسوية هي فلسفةٌ؛ لتثوير المرأة على الرجل، وقد اكتوى بهذه الفلسفة النساء قبل الرجال.
وفي العام الماضي خرجت إيمي ماسترين Amy Mastrine وهي نسوية أمريكية مُتعصبة خرجت لتقول معترفةً: "نظام سيادة الرجل على المجتمع يحمي المرأة أكثر من نظام النسوية".

وتُقرر ماسترين أنها كانت نسويةً متعصبة وداعية لتحطيم منظومة سيادة الرجل على المجتمع، ونتيجةً لتعصُّبها للنسوية تركت مدينتها الصغيرة، وذهبت إلى سان فرانسيسكو حيث عاصمة النسوية.

وهناك في سان فرانسيسكو تكتشف ماسترين المفارقة العجيبة:
نظام سيادة الرجل الذي تركته خلفها لم يكن يُهين المرأة، وإنما كان يحميها.
تقول: اكتشفْتُ في سان فرانسيسكو أنَّه لا يوجد حماية، ليس هناك غطاءٌ من الرجال الصالحين للدفاع عني، فالجريمة هنا في كل مكان.
وبالمناسبة سان فرانسيسكو هي: عاصمة الجريمةِ.

في سان فرانسيسكو جرائمُ في كل مكان، وكل إنسان يدافع عن نفسه بقوته العضلية.
وتعترف ماسترين: "بما أنَّ المرأة في طبيعتها أضعف جسديًّا من الرجل، فكان الاعتداء علينا سهل جدًّا في كل مكان، ولا توجد امرأة قابلتها لم يتمَّ الاعتداء عليها، وهنا تذكرتُ المقولة التي تقول: لا يحميك من الرجل السيئ إلا الرجل الصالح".

تقول ماسترين في نظام سيادة الرجل ذاك النظام الذي أرادت أن تحطمه: في هذا النظام يشعر الرجل بالمسؤولية تجاه حماية المرأة والأطفال.
نظام سيادة الرجل يعني: حماية المرأة والطفل.

ثم تختم كلامها فتقول: نظام سيادة الرجل يُعطي المرأة حرية أكثر من النسوية.
في النظام النسوي أنتِ مضطرَّة للنظر خلفك في كل لحظة.

احتاجت ماسترين أن تسافر ثلاثة آلاف ميل؛ لتكتشف أنَّ نظام سيادة الرجل أفضلُ لها من النسوية.

عادت ماسترين لبلدتها سريعًا، وعادت للشعور بالأمان في ظل نظام سيادة الرجل الذي يحمي المرأة ويحرص عليها.
وبإمكان ماسترين الآن النومُ مطمئنةً في وجود رجال طيبين دائمًا من حولنا.
مشكلة النسوية أنها فلسفة مليئة بالإشكالات والكوارث، ولا يعي هذه الكوارث إلا مَن اكتوى بنارها، ثم صار صادقًا مع نفسه.
فالفيمينزم Feminism أو النسوية هي أيديولوجيا كاملة، ولا عَلاقة لها بمناصَرة حقوق المرأة، فهي أيديولوجيا تعطي تصورًا كاملًا للوجود من منظور نِسوي.
وكلمة الفيمينزم Feminism: هذه اللاحقة "ism" هي لاحقة تأتي في آخر الكلمة لتعني: "أيديولوجيا".
فالنسوية تريد رؤية شمولية للعالم، بل هي إعادة رؤية العالم وَفْق نظرتها هي.
لذلك فهي أيديولوجية متكاملة كالشيوعية والنازية والداروينية، إنها تريد إعادة رسم العالم، ورسم الاقتصاد، ورسم السياسة، ورسم التعليم، ورسم الثقافة، ورسم كل شيء وَفْقًا للأيديولوجيا الخاصة بها!
إنها تريد مركزية النسوية في قراءة كل شيء.
إذن أُولى الحقائق التي لا بد أن نعرفها عن النسوية، أنَّ النسوية هي: أيديولوجيا مكتملة الأركان.
أما الحقيقة الثانية في النسوية، فهي أنَّها: لا تعني الانتصار لمفهوم الأنوثة.
بل في الواقع أن النسوية لا عَلاقة لها بالأنوثة.
إن النسوية على العكس تمامًا من الأنوثة.
فحتى تُحقق النسوية أيديولوجيَّتها المستقلَّة: جعلت ما يحققه الرجل هو مرادُها.
فانظر لهذه المفارقة العجيبة: يظن الناس أنَّ النسوية هي تحقيق لمفهوم الأنوثة، لكنها في الواقع تجعل معيار النجاح هو تحقيق ما يُحققه الرجل.
فأصل النسوية وأصل الفيمينزم يقوم على الإعجاب بالذكورة واحتقار الأنوثة.
غاية الفيمينزم: تحقيق ما حقَّق الرجل.
فالفيمينزم ليست مناصِرةً لحقوق المرأة، بل هي: كبْت للمرأة، وإخفاء لمعالم المرأة، واعتراف بعلو القِيم الذكورية.
فهذه من أعجب المفارقات أن يكون تيار الفيمينزم في حقيقته مجرد تيَّار يدعو لإلغاء المرأة لصالح الرجل، ولصالح القيم الذكورية، والنجاحات الذكورية، والانتصارات الذكورية.
وكأن تيار الفيمينزم استقرَّ في وعيه أن المرأة كائن ضعيف، وحتى ينصلح هذا الكائن الضعيف لا بد أن يكون رجلًا.
فلا بد أن تتقمَّص النسوية الشخصية الذكورية، وأن تُحقق النجاح الذكوري.
فالنسوية هي تيار يدعو ظاهريًّا للهجوم على الرجل، وكراهية الرجل، لكنها في الواقع تَنشُدُ كلَّ ما حقَّق الرجل.
النسوية تريد أن تمحو كل خصائص المرأة، وأن تمحو كل ما يميز المرأة، وأن تمحو طبيعة المرأة، وأن تمسخ خِلقة المرأة، وأن تمسخ فطرة المرأة، وأن تمسخ نفسية المرأة، حتى تصبح المرأة في الأخير: رجلًا بجسد أنثى!
فمَن تدبَّر حال النسوية سيجد أنها تدعو المرأة لتكفر بالأنثى، وتكفر بما استقرَّ في فطرتها كأنثى!
فهي تدعو المرأة لتصبح رجلًا بطموحات الرجل، وأمنيات الرجل، وقيم الرجل، وهذه قمة الفيمينزم.
النسويات يُرِدْنَ من المرأة أن تعيش بقلبٍ ذكوري، وبطموحاتٍ ذكورية.
بل ووصل الأمر ببعضهن أنهنَّ يُردن من المرأة أن تعيش حتى بطبيعة الجسد الذكورية، فبعضهن ترفض وضع المكياج والتجمُّل، وبعضهن وصل بهن الحال إلى رفض إزالة الشعر من الجسد وصِرن يدعون لذلك.
فالذكورية مُضخَّمة في الفيمنيزم تضخُّمًا غريبًا، فعندهن احتقار غير طبيعي للأنوثة!
وتقوم فلسفة النسوية على مقدمة أنَّ: الذكر أقوى من الأنثى، وأن الذكر متميز عن الأنثى، وأن الذكر أفضل من الأنثى، وبالتالي فحقوق الرجل، وعمل الرجل، وطريقة تفكير الرجل، وميادين عمل الرجل هي المعيار الذي تريد أن تصل إليه الفيمينزم.
فالفيمينزم تجعل الرجل هو السوبر مان، والغاية أن تصير مثله!
إنَّ الرجل في الفيمينزم هو: النموذج المذهل.
فانتصار الفيمينزم يكون بالقدر الذي تقترب فيه من الرجل، ويكون بإلغاء المرأة لصالح الرجل.
وهذا في الحقيقة: مسخ للمرأة، وليس انتصارًا لها... هذا تدمير لغريزة المرأة وطبيعة المرأة.
وهذا التصوُّر في الواقع يؤدي إلى قهر المرأة، ويدفعها لترتدي ثوبًا غير ثوبِها.
والنهاية تدمير نفسيتها.

فالنسوية تجعل المرأة بائسةً، كما تقول سوزان فنكر Suzanne Venker، فهي تجعل الفتاة في النهاية تكره نفسها وتكره كونها أنثى.
وكلما تعمَّقت الفتاة في النسوية استشعرت الدونية، واحتقرت جسدها، واحتقرت نفسها.

فعندما يكون معيار نجاحِك، ومعيار انتصاركِ، ومعيار تقدمكِ هو أن تَصلي إلى ما وصل إليه الرجل، فإنَّ هذا يعني أنك تمارسين ضمنيًّا التمييز ضد الأنثى، واحتقار الأنثى، وكأنك تُقررين دونية الأنثى.
لذلك فالنسوية تؤدي لتدمير نفسية المرأة، وتشويه نفسية من يعتنقها مع الوقت.
إذن الحقيقة الثانية في النسوية أنها: تمييز ضد الأنثى.
أما الحقيقة الثالثة في النسوية فهي أنَّها: تُرسخ في أذهان النساء أنَّ الذكور يتآمرون عليهنَّ عبر التاريخ، حتى يكونَ كلُّ شيءٍ ذكوريًّا.
فالرجال يتآمرون على الأنثى.
وهذه الفكرة فكرة التآمر، وأنَّ الناس مِن حول الفتاة أباها وأخاها وكلَّ رجل مِن حولها يتآمر عليها، هذه الفكرة في الأصل هي: اضطراب عقلي يُسمَّى البارانويا Paranoia أو الذُّهان أو جنون الارتياب.
وهذا مرض معروف في الطب النفسي، فهو نمط تفكير يَشعر فيه المريض بأنَّ المحيطين به يتآمرون عليه، ويقوم المريض بتحليل كل تصرُّف من تصرُّفاتهم بناءً على هذا النمط التفكيري.
فالرجل يفعل كذا وكذا حتى تَسود قِيمه الذكورية.
والرجل يقنعني أنه يحبني حتى يفرض سيطرته.
وهذه الفكرة التآمرية هي أحد الأمراض النفسية الشهيرة.
فالنسوية تريد من كل الفتيات أن تصبحن مريضات نفسيًّا بمرض البارانويا.
فالنسوية تطلب من الأنثى أن تفقد الثقة في المحيطين بها تمامًا، والنسوية تنعت الرجل بـ: الكاذب والخائن والغادر، بينما المرأة هي في كل الحالات ودائمًا هي: الصادقة والبريئة والمضطهدة.
إنَّ النسوية تستخدم هذا الأسلوب حتى تتكوَّن حالة التمرُّد لدى الفتاة، فتثور على الرجل، ثم تنزع طاعة ولي أمرها، ثم تتمرَّد على أسرتها، ثم تثور على كل شيء.
والآن دعونا نستعرض أعراض مرض البارانويا، وسوف تجد كلُّ نسوية أن كل هذه الأعراض تعاني منها:
أعراض البارانويا:
1- الارتياب والشك من أفعال المحيطين: فهي تستشعر أنَّ المحيطين بها يتآمرون عليها؛ لتسود قيمهم هم.
2- عدم الوثوق بالآخرين.
3- تتحوَّل مع الوقت إلى شخصية عدائية.
4- سهولة الشعور بالإهانة: فهي تتحسَّس دائمًا لأية كلمة تصدر من الرجل.
5- تعتقد دائمًا أنها على صواب.
6- لا تقبل المسامحة: صِدامية.
7- تعتقد بوجود معانٍ خفية وراء التصرُّفات العادية.
8- العزلة عن المحيطين بها.
هذه أعراض البارانويا في الطب النفسي الحديث.
فهل يوجد عَرَضٌ واحدٌ من هذه الأعراض ليس عند النسويات؟

فالنسوية تُولِّد شخصيات ذهانية، حيث تعيش عالمًا تآمريًّا، فتنخرط الفتاة المتأثرة بالخطاب النسوي مع الوقت في العزلة التامة، والعدائية الشديدة للرجل.
إذن الحقيقة الثالثة في النسوية أنها: حالة ذُهانية تعيش بارانويا ارتيابية منفصلة تمامًا عن العالم.
الحقيقة الرابعة في النسوية أن: النسوية ليست لمجرد تحقيق مكاسب المرأة، وإنما الهدف المباشر منها هو توسيع رقعة الخلاف بينها وبين الرجل، ثم في مرحلة تالية إقصاء الرجل تمامًا من الساحة.
فهدف النسوية: تثوير المرأة على الرجل

فالنسوية هي فلسفة إقصائية تُثير فئةً من الناس ضد فئةٍ أخرى؛ لتحل محلها لا أكثر.
وهذه عادة الفلسفات الشمولية والأيديولوجيات التي نشأت في مِظلة العلمانية، أنها فلسفات إقصائية.
فالشيوعية إقصائية لأصحاب رأس المال لتحلَّ محلهم.
والنازية إقصائية للأعراق الأدنى لتحلَّ محلهم.
والنسوية كذلك إقصائية للرجال لتحلَّ محلهم.
فالنسوية تهدف إلى تحقيق ما قام الرجل بتحقيقه، ومن ثَمَّ إزاحته من الساحة تمامًا.
فهي فلسفة إقصائية.
إنَّ تثوير المرأة على الرجل هو شيء مُدمر لنفسية الرجل والمرأة.
هذا التثوير يُحوِّل المرأة لكائن عدائي كاره مُنفِّر، تَلعن الرجل صباح مساء.
فالنسوية تُشوِّه صورة الرجل في أذهان المراهقات، وتحطم القدوة في حياتهن.
والنسوية تُخوِّن أولياء الأمور.
إنَّ غرس كراهية الرجل في ذهن الفتيات يجعلهن مع الوقت يتمرَّدن بسهولة على كل القيم، وعلى كل شيء.
ليس من السهل أبدًا تدمير قيمة الرجل في ذهن الفتاة... تدمير قيمة الأب... تدمير قيمة المُربي... تدمير قيمة الأخ... تدمير قيمة العالِم... تدمير قيمة ولي الأمر... تدمير قيمة الدعاة إلى الله، هذا الأمر ليس بيسير ولا هيِّن على الإطلاق لا عند الله، ولا على الفتاة، هذا الأمر يُدمِّر نفسية الفتاة، وأخلاق الفتاة، ويؤدي للكفر بالله.
فتدمير قيمة الرجل في ذهن الفتاة هو تدمير حقيقيٌّ للرجل والمرأة على حدٍّ سواءٍ، ويكتوي بنار هذا التدمير كل أحد.
إذن الحقيقة الرابعة في النسوية أنها: فلسفة إقصائية، تُقصي الرجل وتُخوِّن الرجل، وتُدمِّر نموذج القدوة، وتهدم نفسية الفتاة وقيمها.
الحقيقة الخامسة في النسوية، وهي أخطر حقيقة على الإطلاق، وأهمُّ إشكالية في النسوية على الإطلاق، ألا وهي أنَّ: النسوية تستلزم الردَّة عن دين الله عز وجل ، وتستلزم الكفر بالإسلام، وتستلزم الإلحاد.
وهذه من تَبِعات النسوية ولا بدَّ.
فالنسوية إما أنها تتخذ مرجعيَّتها من الأنثى، أو تتخذ مرجعيَّتها من الدين والقرآن والنبي والوحي الإلهي.
ليس هناك بديل آخر.
فإما أن تكون مرجعية النسوية: الأنثى، وإما أن تكون مرجعيتها: الدين والإسلام!
فأيهما تختار؟
لو كانت مرجعيتها الأنثى، فهي حكمت بنفسِها على نفسِها أن دينَها هو: النسوية، ولو كان مرجعُها: الوحي الإلهي فهذه ليست بنِسوية، ولا عَلاقة لها بالنسوية.
فالنسوية لا تكون نسوية إلا بجعل المرجعية هي: الأنثى.
فالأنثى هي مرجع النسوية في القيمة، وفي السلوك، وفي التصوُّر.
وبالتالي تصير النسوية دينًا.
قال الله عز وجل : {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31].
النصارى لا يعبدون أحبارهم، ولا يعبدون رهبانهم، لكنهم لما جعلوا أحبارهم مصدرًا للقيمة، ومصدرًا للتصوُّر، وما أحلُّوه صار حلالًا، وما حرَّموه صار حرامًا، فتلك أصبحت عبادتهم إياهم.
وهذا هو تفسير الآية بإجماع المفسرين.
فما تجيزه النسوية صار جائزًا عند النسويات، وما تمنعه صار ممنوعًا، فهذا هو الدين.
فإما أنْ تتخذي الدين مرجعيتُك، والنص الإلهي مرجعك، وإما أن تتخذي النسوية مرجعك.
فمن كان النص الشرعي مرجعه فهو الوحيد المُسلم: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].
وقال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].
فهل النسوية تُسلِّم لشرع الله في كل ما أمرٍ ونهيٍ؟
النسوية لا تقوم أصلًا إلا على ما تراه هي لنفسها.
ولذلك لا يوجد شيء يُسمَّى "نسوية مسلمة"، كما أنه لا يوجد شيء يُسمَّى "ماركسية مسلمة"، أو "إلحاد إسلامي".
فالإسلام دين، والنسوية دين آخر تمامًا.
النسوية تُحِلُّ ما حرَّم الله، وتُحل إسقاط الولاية: ولاية الرجل في الزواج وفي غيره، وتُحل الشذوذ، وتُحل التبرُّج، وتُحل الفواحش، وتُحل كثيرًا من المحرمات المعلوم من الدين بالضرورة تحريمها.
وهي كذلك تُحرِّم كثيرًا مما أحلَّ الله كـ: التعدُّد للرجل وغير ذلك.
فالنسوية لا تكون أصلًا نسوية إلا لو أحلَّت بعض ما حرَّم الله، وكرهت بعض ما أنزل الله، وهذا ليس له مُسمًّى في الإسلام إلا: الردَّة عن دين الله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9].
إذن فالحقيقة الخامسة في النسوية هي أنَّها: لا تكون نسوية إلا بكراهية بعض ما أنزل الله، وتحليل بعض ما حرَّم الله وهي بهذا إلحاد، وكفرٌ أكبرُ، وردَّة عن دين الإسلام.
فالنسوية إلحاد.
الحقيقة السادسة أنَّ: الإنسان خُلِقَ مكلَّفًا، وخُلق ليُختبَر، ثم يموت ويُحاسَب على كل ما قدَّم، هكذا فُطِر الإنسان، وبهذا كُلِّف، وعلى هذا أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وأقام البينات.
فمعيار نجاح الإنسان هو: التقوى، وليس المصلحة المادية أو المكاسب الدنيوية.
معيار النجاح الحقيقي هو: التسليم للأحكام الشرعية، والتسليم التامُّ لله في كل ما أمر ونَهى.
وهذا هو المفترض أن يكون حال الإنسان.
لكن النسوية لم يكن هذا همَّها يومًا ما.
فالنسوية جعلت النجاحات الدنيوية هي: غاية الوجود، ومنتهى المراد.
إنَّ منتهى الطرح النسوي هو: تحقيق مصالح دنيوية؛ سواءً اتفقنا مع هذه المصالح أو اختلفنا معها، لكن في الأخير تبقى غاية النسوية هي: الدنيا.
لكن هذا معيار نجاح تافه، وبلا قيمة، فماذا يستفيد الإنسان إذا ربح العالم وخسر دينه؟
هذا معيار نجاح، لا وزن له عند الله.
فمعيار النجاح للرجل والمرأة ليس عمارة الدنيا، وليس تحقيق مصالح دنيوية، وإنما معيار النجاح كما قُلتُ هو تحقيق الاستخلاف في الأرض، واستخلاف العبودية لله، واستخلاف التزكية الإيمانية لكل مناحي الحياة: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41].
وليست عمارة الدنيا، وليس النجاح المادي ممدوحًا في ذاته أو غايةً في ذاته، وإنما فقط يُمدح النجاح الدنيوي بقدر تزكيته بالوحي الإلهي، وبقدر تطبيق الدين فيه، وبقدر انتفاعكِ به أخرويًّا، وبقدر ما تستخدمينه في نفع الناس وصلاح أحوالهم لله.
المشكلة أنَّ نظرة النسوية، وغاية النسوية هي نظرة مادية مجرَّدة خالية من أية غاية إيمانية أو تزكية أخلاقية.
فالنسوية في الواقع هي: فلسفة مادية مَصلحية دون وضع أي اعتبار للقيم الإيمانية.
وهذه هي الحقيقة السادسة في النسوية أنها: مذهب مصلحيٌّ نفعيٌّ ماديٌّ بلا أية تزكية إيمانية.
الحقيقة السابعة في النسوية أنَّها: تحالفت مع الشيطان، وتحالفت مع كل تعاليم الشيطان.
فهي تحالفت مع المثلية الجنسية، وأصبحت اليوم مشغولةً بشدَّةٍ بموضوع الشذوذ الجنسي، والشواذ جنسيًّا، وهي لا بد أن تنشغل بهذا الموضوع.
فالشذوذ الجنسي في المثلية ليس قضية هامشية، بل هو لُبُّ النسوية.
لأن من تبِعات تثوير المرأة على الرجل، ومن تبعات إقصاء الرجل من حياة المرأة، ومن تبعات التركيز فقط على المرأة، من تبعات كل ذلك أن يتمَّ: إيجاد بديل للرجل.
فيصير الشذوذ الجنسي هو البديل المتاح.
بل والنسوية أيضًا تُحرِّض الرجال على الشذوذ حتى يستغنوا عن الأنثى.
والنسوية ترى أن الشذوذ أمرٌ حلالٌ، وليس فيه أي مشكلة، وهذا الأمر بحد ذاته ردَّة عن الإسلام.
فاعتقاد الفتاة النسوية أن الشذوذ الجنسي أمرٌ حلالٌ هذه ردَّة عن الإسلام، وكفر بالله عز وجل .
والنسوية دائمًا مهمومة بالهُوية الجنسية والجندر.
فالنسوية تحالفت وآزرت الهوية الجنسية والجندر.
والنسوية تحالفت مع الإجهاض، ودائمًا تخرج المسيرات من النسويات في الغرب لمنع تجريم الإجهاض.
وتحمل المتظاهرات لافتات: الإجهاض حقٌّ.
هذا جسدك أنتِ، هذا اختيارك أنتِ.

فالنسوية قامت بتحويل المرأة إلى آلة قتل باردة.
تقتل جنينها بدمٍ باردٍ.
وهذا منطق إلحادي... منطق القوي يقتُلُ الضعيف، فهنا الجنين الضعيف لا يملك القوة التي يدافع بها عن حقه في الحياة فيُقتل طالما كان غير مرغوبٍ فيه.
والنسوية تحالفت مع التحرُّر الجنسي بكل صوره.
والنسوية تُحارب الأمومة، وتطالب بتحرير المرأة من الأمومة.
والنسوية تُشرعِنُ قضايا الرحم الصناعي، والنيابة في الحمل.
كل هذه الأمور تعرفها كل نسوية جيدًا.
وهذه والله كلُّها أمور ليست في مصلحتها، فحتى على المستوى الدنيوي هذه الأمور تُدمر المرأة، وتُدمر طبيعة المرأة، وتجعلها سلعة مُستغلَّة في يد الرأسمالية الغربية، وأسواق الإباحية العالمية.

النسوية تؤدي إلى اختفاء مفهوم الأنثى!
إذن الحقيقة السابعة في النسوية أنها: تحالفت مع كل صور الشذوذ والفاحشة، وبرَّرت لها، وبرَّرت لقتل الأجنة بدم بارد.
والخلاصة أن النسوية تُبرر لـ:
1- القتل: قتل الأجنة.
2- الفاحشة: كل صور الزنا والشذوذ.
3- الكفر: تحليل ما حرم الله.
وهذا مثلث الشيطان الذي هو مُنتهى طموح الشيطان من الإنسان.
ماذا يريد الشيطان أكثر من هذا من ابن آدم؟

النسوية هي دينُ الشيطان، تم التبرير له بأنَّه مذهب يريد نصرة المرأة المضطهدة، والشيطان يقف بعيدًا يضحك.
لا يجتمع إسلام ونسوية في قلب امرأة مسلمة.
في القضايا العَقدية الأمرُ دينٌ، ولا يحتمل التنازلات.
إما إيمان أو كفر... إما جنَّة أو نار.
إما تسليم لشرع الله ورضًا بوحيّه، أو كفر وردَّة وتمرُّد على دين الله.
الإسلام يعني: التمركز حول التسليم لشرع الله.
النسوية تعني: التمركز حول الأنثى.
فاختاري بين الديانتَينِ... اختاري بين العقيدتَينِ.
النسوية هي دين الشيطان بمثلث الردَّة، وإباحة القتل، والفواحش.
النسوية حوَّلت البيوت الهادئة إلى حلبة صراع بين الرجل والمرأة.
النسوية فلسفة يُراد لها أن تنتشر بين بناتنا بصور مختلفة خبيثة كصورة: النسوية المتأسلمة، وتعتمد النسوية في هذه الحالة على تضخيم حالات اضطهاد وإيذاء وظلمٍ تحصل لبعض النساء، وهي حالات يُحاربها الرجل قبل المرأة، فتستغلُّ النسوية هذه الحالات لتنشر أفكارها الكفرية بين البنات.
لا بد أن نعي خطورة هذه الحركة، وإجرام هذه الحركة، وتبعات هذه الحركة.
الإسلام قيَّد العلاقات الجنسية، وهذا ضد هوى الرجل.
الإسلام حمَّل الرجل مسؤولية النفقة.
الإسلام أوجب أن يكون شرط الزواج هو: الاستقرار، وهذا ضد هوى الرجل.
الإسلام حمَّل الرجل المسؤولية تجاه المرأة طيلة عمره بعقد الزواج، وهذا ضد هوى الرجل.
الإسلام جعل الجنة تحت أقدام المرأة.
أتى رجل ليجاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : "وَيْحَكَ أَحَيَّةٌ أمُّكَ؟ قال الرجل: قُلتُ: نَعَمْ يا رَسولَ اللَّهِ، قَالَ: وَيْحَكَ الزَمْ رِجلَها فثمَّ الجنَّةُ"().
في الإسلام: ثلاثة أرباع الاهتمام يكون بالمرأة، والربع للرجل.
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله، مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قالَ: أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أبُوكَ().
عَلاقة الرجل بالمرأة في الإسلام ليست عَلاقة نزوةٍ عابرةٍ، تُترك المرأة بعدها محطَّمة، وإنما هي عَلاقة عهدٍ من الرجل للمرأة طيلة عمره، وميثاق غليظ سيُسأل عنه لو قصَّر فيه: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21].
فالنساء أخذن من الرجال عهدًا شديدًا بالقيام بحقوقهن والرعاية والحماية والإحاطة من كل سوء.
وقال الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].
بل إن درجة الشهادة ينالُها الرجل لو دافع عن المرأة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "وَمَنْ قاتَلَ دونَ أهلِهِ، فهو شهيدٌ"().
و "مِن أكملِ المؤمنينَ إيمانًا أحسنُهم خُلقًا وألطفُهم بأهلِهِ"().
وقال صلى الله عليه وسلم : "خيارُكُم خيارُكُم لنسائِهِم"().
الفصل الرابع
الشذوذ الجنسي
27 - ما هي حقيقة المثلية الجنسية، وكيف انتشرت مؤخرًا بهذه الصورة؟
ج: تقوم المثلية الجنسية على عدَّة دعاوى، سنقوم بتفكيك هذه الدعاوى واحدةً بعد أخرى إن شاء الله.
وأُولى هذه الدعاوي هي أنَّ: هناك سلوكًا جنسيًّا مثليًّا في الحيوانات:
والواقع أنَّ السلوك المثلي في الحيوانات، والذي هو قضية نادرة، لا يُمارَس بدافع الشهوة أو الرغبة الجنسية.
فالسلوك المثلي عند هذه الحيوانات هو: إما إعلان سيطرةٍ، كما يحصل مع قردة البونوبو، حيث إنَّ التنافس على الطعام يؤدي إلى السلوك المثلي عند هذه الحيوانات().
أو يكون بسبب مشكلة في حاسة الشم، وعدم التعرُّف على الأنثى.
وحاسةُ الشم هي المسؤولة عن التقاط الرسائل الجنسية في تحديد الأنثى مِن الذكر، واضطراب هذه الحاسة؛ نتيجةً لمبيدات أو ملوثات، قد يحدث في بعض الحيوانات.
وفي دراسة شهيرة نُشرت في المجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم PNAS، لاحظ الباحثون أنَّ مادة الأترازين Atrazine وهي مادة تدخل في تركيب المبيدات، لاحظوا أنها تؤدي لسلوك مثلي عند الضفادع، حيث تؤدي هذه المادة لإحداث خلل هرموني في بعض الذكور، فتتحوَّل هذه الذكور لشكل عام أنثوي، وهذا يحصل في 10% من الذكور الذين يتعرَّضون لهذه المادة، وهنا تحصل المثلية الجنسية.

فهناك أسباب متنوعة تؤدي لسلوك مثلي عند بعض الحيوانات.
لكن لا عَلاقة لهذه الأسباب بكونها سلوكًا مثليًّا فعليًّا، وإنما كما قلتُ هي: إما إعلان سيطرةٍ، أو خلل في حاسة الشم، أو خلل عام في وظائف الجسم؛ نتيجةً للتعرُّض للمبيدات.
فلا توجد مثلية جنسية في الحيوانات بالمعنى الذي يفهمه البشر من المثلية.
لكن الأهم من كل هذا: منذ متى يستخدم البشر حُجة أنَّ سلوكًا معينًا عند الحيوان يُبرر لنا ممارسة نفس هذا السلوك؟
ما هذه الحُجة الحيوانية العجيبة؟
بما أن نسبة نادرة من الحيوانات تمارس المثلية، إذن يجوز للبشر أن يصيروا مثليين!
إنَّ السلوك الحيواني لا يُقاس عليه أبدًا السلوك البشري.
وإلا فبعض إناث العناكب تأكل الذكور أحياءً.
تتناول أنثى العناكب أزواجَها كوجبة عَشاءٍ، فهل هذا يجيز لنا أن نأكل لحوم البشر أحياءً؟
هل هذا يجيز للمرأة أن تقتل زوجها؟

وبعض الحيوانات تقتل البعض الآخر من الفصيلة نفسها، فهل هذا يجيز
للبشر أن يقتلوا بعضَهم البعض بحجة أنَّ الحيوانات تقوم بنفس هذا السلوك؟
بل إنَّ كثيرًا من الحيوانات تقتل أولادها، فهل يجوز لمجرمٍ قام بقتل ابنه أن يترافع أمام قاضٍ بأنَّ جريمته تقوم بها بعض الحيوانات؟
سيتمُّ تحويل المجرم لمستشفى الأمراض العقلية فورًا.
لأن هذه حُجَّة لا يستخدمها إلا مجنون.

فلا يُجيز وجود سلوك مثلي نادر في 500 نوع من الحيوانات من أصل 3 ملايين نوع أن نمارس نحن هذا الأمر.
ثم السؤال الأهم الذي أطرحُهُ على مروّجي الشذوذ الجنسي: لا يخفى على أحد أنَّ الحيوانات تمارس تعدُّد الزوجات، وهذا موجود في كل أنواع الحيوانات تقريبًا.
بل إنَّ البشر أنفُسَهم يحملون بصمة تعدُّد الزوجات بيولوجيًّا، ومسألة الزوجة الواحدة بالنسبة للإنسان هي أمر غير طبيعي بالمرة Unnatural، فالسؤال هنا: لماذا يتمُّ منع تعدد الزوجات في الغرب إذا كان الأمر كذلك؟

فإباحة الشذوذ الجنسي بدعوى وجوده في الحيوانات، وتجريم تعدُّد الزوجات في المقابل، هو دليل أن القضية هوًى ونزوة ومِزاج لا أكثر.
إنَّ المثلية الجنسية يُراد فرضُها بالقوة، ويُراد التطبيع معها، وبالتالي يتمُّ نسج أية دعاوى مهما كانت سخيفة لتبرير التطبيع معها.
بل إن الضغط الذي تمارسه لوبيات الشذوذ اليوم في الغرب صار غير طبيعي.
وعلى موقع إلكتروني للشواذ وتحت مقال بعنوان: "رفع الحظر عن الشذوذ الجنسي من قِبل الجمعية الأمريكية للطب النفسي"، يقرر الموقع أنَّ: الرابطة الأمريكية للطب النفسي APA أزالت الشذوذ الجنسي من تشخيصها الرسمي للاضطرابات العقلية DSM في عام 1973م؛ نتيجةً للاحتجاجات التي تُطالب بحقوق الشواذ في أمريكا، وليس بدافع علمي أو طبي.

فالرابطة الأمريكية للطب النفسي أُجبرت على حذف الشذوذ الجنسي من الأمراض العقلية.
ولم يتوقَّف ضغط اللوبيات عند هذا الحد، بل إنَّها اليوم تحارب من أجل منع أي علاج للمثلية. نعم كما قرأتم!
هناك محاولات لمنع علاج الشذوذ الجنسي، وطبقًا لهيئة الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا NHS والتي يعمل بها أكثر من مليون شخص، وتُقدِّم علاجًا معرفيًّا وعلاجًا سلوكيًّا للشواذ منذ سنوات، وكثير من حالات الشذوذ الجنسي تتعافى في الهيئة، طبقًا للهيئة فإن هناك محاولاتٍ لمنع وتجريم علاج الشذوذ الجنسي.

فهدف لوبيات الشذوذ الجنسي تجريمُ علاج الشواذ، وبالتالي تزداد أعدادهم، ويتمُّ التعامل معهم بطريقة طبيعية.
العجيب في الأمر أنَّ الرئيس السابق للرابطة الأمريكية للطب النفسي APA، والذي قاد عملية إزالة الشذوذ من دليل الاضطرابات العقلية سنة 1973 اعترف بعد أربعين سنةً أنَّ: الشذوذ الجنسي يمكن أن يُعالَج، فالمثلي من الممكن أن يعود إنسانًا طبيعيًّا.
بل ويقرر الرئيس السابق نفسه للرابطة الأمريكية للطب النفسي أنَّ: 20% من الشواذ الذين كان يعالجهم تغيَّروا.

فالضغط لإلغاء علاج الشذوذ الجنسي ليس ضغطًا علميًّا أو ضغطًا بحثيًّا، بل هو ضغط لوبيات عملاقة للشواذ في الغرب اليوم.
أما ثاني الدعاوى التي تقوم عليها المثلية الجنسية، فهي أنَّ: هناك عوامل جينية تؤدي للمثلية!
ومن العجيب أنَّ المجلة العلمية الأشهر في العالم Nature نشرَت قبل أقل من عامين ورقة علمية، وأنا أتصوَّر أنَّ هذه الورقة أكبر صدمة في تاريخ الشواذ.
وهذه الورقة قد صدرت بعد دراسة نصف مليون إنسانٍ.
صدرت الورقة لتقول: لا يوجد جينٌ للمثليين NO GAY GENE.

مثَّلت الورقةُ صدمةً كبيرةً لمجتمع المثليين.
وقبل هذه الورقة بسنواتٍ قليلةٍ أُجريت ثماني دراسات مُوسَّعة على التوائم المتماثلة، التي تتطابق جيناتها، وقد أُجريت هذه الدراسات في أمريكا وأوروبا وأستراليا، وتبيَّن أنَّ التوأم المتماثل قد يكون طبيعيًّا وتوأمه شاذًّا جنسيًّا.
فإذا كانت الجينات متطابقة في التوأم المتماثل، وكان الشذوذ قضية جينية، فمن البديهي أن تتطابق سلوكيات التوأم، لكن لم تكن هذه أبدًا نتيجة الدراسات.
فقد كانت هذه الدراسات دليلًا قويًّا على أن القضية لا عَلاقة لها بالجينات.

وعلى كل حال، فورقةُ مجلة نيتشر كانت كافيةً في بيان سخافة هذه الدعوى.
لكن لو افترضنا جدلًا أن هناك جيناتٍ لها عَلاقة بالمثلية، فهل هذا يبرر المثلية؟
هناك جينات لها عَلاقة باشتهاء الأطفال Pedophilia فهل بهذا يصير اشتهاء الأطفال مباحًا؟

وهناك أيضًا جينات لها عَلاقة بإدمان المواد الكحولية، فهناك جين يُدعى: "جين إدمان الكحوليات"، فهل هذا يبرر عدم الأخذ على يد مَن يَشرب الخمور؟
هل هذا يبرر عدم مؤاخذة المدمن قانونيًّا؟

أنا كمسلم ما اشتهيت شُرب الخمور في حياتي؛ لأنَّ شرب الخمور ليس في ثقافتنا، وقد يكون جين إدمان الكحوليات جاهزًا في شفرتي الوراثية بدرجة كافية.
ومع ذلك لم أشتهِ شرب الخمور في حياتي، ولا أُبالي بها أصلًا.
لكن في حال لا قدَّر الله تم التطبيع مع شرب الخمور في بيئتي، وأصبح شرب الخمور جزءًا من ثقافة مدينتي، وصارت تخرج المظاهرات أمام بيتي تطالب بحرية الإدمان، ساعتها قد تشتعلُ عندي هذه الشهوة، وينشط هذا الجين في شفرتي الوراثية بدرجة كافية، فأبدأ في الحاجة لمقاومة هذه الشهوة.
وهذا بالضبط ما يحصُلُ مع ملف المثلية الجنسية، فالتطبيع مع المثلية والكلام الكثير عنها، والزيادة من مشاهد المثلية في الإعلام، كل هذا يُولِّد حب تجربة المثلية عند أشخاصٍ ربما ما خطرت المثلية على بالهم ولو للحظةٍ، فالحديث كثيرًا عن الشذوذ هو أحدُ أسباب انتشاره.
وهناك محاولات من مجتمع الشواذ لنشر ثقافة الشذوذ الجنسي حتى بين الأطفال، وهذه جريمة كبرى، فالطفل قد يُجرّب الانتحار لمجرد أنَّه سمع به كثيرًا، أو شاهده في إحدى اللعب الإلكترونية، وقد يُجرّب ارتكاب جريمة من باب المحاكاة، فالحديث عن المثلية أمام الأطفال هو جريمة بالفعل؛ ولأجل هذا هناك قوانينُ صارمة اليوم بخصوص المحتوى المُقدَّم للطفل، وصارت هناك قوانين تُجرِّم الحديث عن المثلية الجنسية أمام الأطفال في عدد من المناطق في أمريكا وإنجلترا().
وأنا على يقين من أنَّ هناك محاولاتٍ من مجتمع الشواذ لإلغاء هذه القوانين، بل ومُحاكمة مَن قام بسنّها.
فكرة الشذوذ الجنسي ليست مجرد ثقافة منحلة، أو خلل في تصوير العَلاقة بين الرجل والرجل، والمرأة والمرأة، إنها أبعد وأخطر من ذلك بكثير، فهي بالإضافة إلى أنَّها إحدى أكبر الكبائر في شريعة رب العالمين، وبالإضافة إلى أنَّها تمرُّد ظاهر، وخلل أخلاقي على كل المستويات، إلا أنَّها أيضًا تمثل خطرًا على الإنسانية ككل.
هل تعلم أنَّ: ثلاثة أرباع حالات مرض الإيدز هي بين الشواذ جنسيًّا؟
بل إنَّ الإيدز طبيًّا هو: مرض المثلية Gay-related immune deficiency، وقد كان يُسمَّى فيما قبل بـ"طاعون المثلية Gay Plague ".

هل تعلم أنَّ: نسبة الإصابة بالإيدز بين الشواذ هي: اثنان وعشرون ضعف الطبيعي؟()
هل تعلم أنَّ: 83% من حالات الزُّهْري بين الشواذ جنسيًّا؟


هل تعلم أنَّ: سرطان الشَّرَج بين الشواذ هو سبع عشرة مرة ضعف الطبيعي؟
بل إنَّ هناك أزمات طبيَّة تحصل في كثير من المدن الأمريكية بسبب انتشار الشذوذ فيها.
فالترويج للشذوذ ليس حربًا على شرع رب العالمين فحسبُ، بل هو حرب على الإنسان.
وقبل أنْ أُغلق الحديث عن قضية الجينات، ومحاولة ربطها بالشذوذ الجنسي، أودُّ أنْ أقول إنهم اكتشفوا جينًا له عَلاقة بالسلوك الإجرامي عند البشر حتى أسْموه: "جين الإجرام"، ويكون هذا الجين نشطًا عند مَن لديهم نزعة إجرامية، فهل هذا يبرر ارتكاب الجرائم؟
هل هناك محكمة في العالم تأخذ نشاط هذا الجين ذريعةً لإسقاط عقوبة عن مجرم؟

فلا أدري لماذا استخدم الشواذُّ حجة الجينات مع الشذوذ الجنسي!
لا يوجد في الطب، ولا في العقل، ولا في الشرع تبريرٌ لجريمة لكونها نتيجةً لنشاط جيني معين.
وليس هناك جين يجعل منك صالحًا، أو آخر يجعل منك فاسدًا.

وليس هناك جين يجعلك مجرمًا أو مدمنًا أو شاذًّا جنسيًّا أو إمامًا.
الجين في الأساس هو: مجموعة من الحروف التي تمثل قواعد نيتروجينية داخل الشفرة الوراثية، وحيث يتمُّ فك جزء من هذا الجين، فإن البروتينات الوظيفية تبدأ في الظهور.
والجين محايد تمامًا.
بينما أنا بسلوكياتي أقوم بتنشيط جين معين، وإيقاف جين آخر.
فالعَلاقة بين الجين وبين السلوكيات هي عَلاقة تزامنية، وليست عَلاقة مسبِّبية.
وهذه النقطة مَن يستوعبها، يتفهَّم أُكذوبة حجة الجينات تمامًا.
فحتى لو افترضنا أنَّ هناك عَلاقةً بين الجينات وبين الشذوذ الجنسي، فهي ستكون: عَلاقة تزامنية، وليست عَلاقة مسبِّبية.
فمع السلوك الشاذ جنسيًّا، ومع التهييج الإعلامي لقضايا الشذوذ، ينشط جين معين، وليس أنَّ نشاط هذا الجين هو الذي أدَّى للسلوك الجنسي!
فالعَلاقة تزامنية، وليست مسبِّبية.
حيث يحصُلُ بالتزامن مع سلوك معين نشاطٌ في أحد الجينات، وليس أنَّ نشاط هذا الجين كان سببًا في هذا السلوك!
وليس هناك عاقل اليوم يقول إنَّ الجينات تُولِّد بذاتها سلوكًا.
وهناك علم كامل اليوم يقوم في أحد فروعه بدراسة العَلاقة بين الجينات وبين السلوك البشري، ويُسمَّى بعلم الـ Epigenetics ومن أحد أسس هذا العلم أنَّ نشاط الجين يُبنى على سلوكك أنت().
فالجين ينشط بنشاط السلوك، وليس العكس.
فجين الشذوذ لو افترضنا وجوده ينشط بالتحفيز للشذوذ.
إذن فالفاحشة صناعة هوًى.
والإدمان صناعة هوًى.
والشذوذ الجنسي صناعة هوًى.
فنوازع النفس البشرية هي المسؤولة عن سلوكك، وليس جيناتك.
فالإنسان مسؤول بإرادته الكاملة عن كل ما يفعل.
وليس للجينات أو حتى التربية أو البيئة دورٌ في اتخاذ القرارات الأخلاقية أو اللاأخلاقية عند الإنسان المكلَّف().
وثقافة الشذوذ الجنسي في الغرب اليوم لم تعُدْ مجرد محاولة ارتكاب فاحشة الشذوذ، وإنما صارت فلسفة حياة، فهي تعيد رؤية الوجود، وتعيد رسم الحياة في نظر الشاذ جنسيًّا، فتتغيَّر عنده القيم والمعاني الأخلاقية، وتتغيَّر عنده الكثير من المفاهيم، فلا يتوقَّف الأمر على مجرد الشذوذ، وإنما يتمدَّد لنطاقات أخلاقيةٍ لا حصر لها تتسمَّم بها كثير من المعاني بسبب ثقافة الشذوذ الجنسي.
لكن قد يقول قائل: أنا أشعر أني مدفوع نحو الشذوذ الجنسي، في حين أنَّ الشذوذ ليس في ثقافتنا، فهذا مثال لا يستقيم مع ما قلت!
والجواب: نعم!
هناك حالات لديها بالفعل ميول للشذوذ الجنسي وهذا أمر لا ننكره.
لكن هذا لا يُبرر ارتكاب فاحشة الشذوذ الجنسي.
وأغلب الرجال لديهم ميول للزنا، فهل هذا يبرر ارتكاب هذه الكبيرة؟
فالميول هي أهواء النفس الإنسانية، وقد تزداد بتأثير الثقافة المحيطة، وقد تظهر ذاتيًّا كهوى نفس، لكن في كل الأحوال لا يجري الإنسان خلف هذا الميول ويُصدقها إلا بإرادته الكاملة، فالإنسان يميل لكنه يستطيع إيقاف هذا الميل، أو الاسترسال معه.
وفي الإسلام دينِ رب العالمين لا يُؤاخَذ الإنسان بمجرد الميول، بل إنَّ مقاومة هذه الميول فيه الأجر الكبير من الله عز وجل .
أما المؤاخذة في الإسلام فهي للفعل ذاته.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "ملعونٌ مَنْ عَمِلَ بعمَلِ قومِ لوطٍ"().
وقال صلى الله عليه وسلم : "مَن وجدتموه يعملُ عملَ قومِ لوطٍ، فاقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به"().
فهذه فاحشة تستحق المقت الإلهي: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ} [الأعراف: 81].
والنتيجة: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [الحِجر: 74].
فمجرد الميول لا شيء فيها، أما تصديق الميول، وارتكاب الفاحشة، فهذه كبيرة من أكبر الكبائر.
والطب النفسي الحديث يتعامل مع هذه الميول، وهناك علاجات معرفية وسلوكية تقوم بتغيير المسار للمُبتلى بالشذوذ الجنسي، فهناك علاج تنفيري، حيث يتمُّ ربط الارتباطات الشَّرطية بين المثير الشاذ وبين الشعور باللذة بشيءٍ مُنفِّر كلسعة كهرباءٍ، أو ضربة مؤلمة، أو إلزام مالي يدفعه المُبتلى بهذه الميول مع كل شعور باللذة؛ نتيجة مثير جنسي شاذ وهكذا.
فهذا الأمر مع الوقت يُولِّد نفرة من المثير الشاذ.
ويتمُّ بالتوازي تعزيز معنى الذكورة والأنوثة، وتعزيز التمايز بينهما في ذهن الإنسان.
فهناك كثير من العلاجات المتاحة اليوم إلى أن يصل المبتلى بالميول الشاذة لحالة من السلام النفسي والصبر على هذه الميول حتى يتجاوزها إن شاء الله.
والإنسان في كل الأحوال قادرٌ على إيقاف شيطانه في أية لحظة يريد.
وكل إنسان مسؤول تمامًا عن كل ما يُرتكب، ويستطيع أن يوقِف الدوافع الأولية التي توصله في مرحلة تالية للاندفاع الشديد نحو الفاحشة، فكل إنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.
{بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 14- 15].
وكل إنسان حر تمامًا، وكل إنسان مكلَّف، والحرية مع التكليف هما جوهر القضاء، والحكم في كل دساتير العالم، وهما جوهر الحساب الأخروي بين يدي الله عز وجل .
{فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37- 41].
لكن لنفترضْ أنَّ إنسانًا سوَّلت له نفسه ارتكاب هذه الفاحشة، فهل توقَّفت الدنيا؟
لا والله!
فباب التوبة لن يُغلق إلا بطلوع الشمس من مغربها.
المهم أنْ تكون توبةً صادقة عاجلة وعزمًا أكيدًا على عدم الرجوع إلى الذنب.
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 135- 136].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ بذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللَّهُ عليه"().
إذن فهناك ميول للشذوذ لا ننكرها، وهناك ضعف بشري: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7- 10].
وليس ثمَّة إنسان على وجه الأرض ليست عنده ميول للمعصية.
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2].
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [المُلك: 2].
لكن الميول لا تبرر للإنسان أن يفعل المعصية، "ومَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ"().
فالمسلم يتعامل مع الميول الشاذة كما يتعامل أي إنسان مع أية شهوة: بالمقاومة والصبر والتجاهل وسوف تنتهي.
ما تُريده لوبيات الشذوذ في الغرب أن يتعامل الإنسان مع ميوله كالحيوان، فكلما اشتهى فَعَل.
بينما الدينُ يقول لك: لن تعرف أنك إنسان، ولن ترتقي في سُلم الإيمان، إلا بضبط نفسك، وتمحيص قلبك، والتزام ذاتك داخل دائرة: قال الله... قال رسوله.
أما خارجَ هذه الدائرة، فلن تجد إلا قيم الحيوانات: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40].
فالإنسان ليس على طراز الطبيعة.
فقد دخل الإنسان إلى هذه الطبيعة برأس مال أخلاقي مبدئي هائل، كما يقول علي عزت بيجوفيتش رحمه الله** ()**.
فالإنسان دخل إلى هذا العالم مُكلفًا، وتلك هي اللحظة التي صنعت عصرًا جديدًا.
لذلك فالإنسان لا يستطيع أن يكون حيوانًا حتى ولو تمنَّى ذلك من كل قلبه.
خياره الوحيد أن يكون إنسانًا أو لا إنسان().
فالحيوان بريء من الناحية الأخلاقية، فلا يوجد حيوان خيِّر، وحيوان شرير، لكن الإنسان ليس هكذا.
وأرقى الكائنات تطورًا وفقًا لنظرية التطور لو صحَّت، لا يحمل ولو صورة بدائية للقيم الأخلاقية أو المعنى أو الغاية، بل هو يدور في دائرة الغريزة والاستجابة.
أما الإنسان فهو يحمل: كل القيم الأخلاقية منذ اللحظة الأولى.
والقيم الأخلاقية عند الإنسان مطلقة، فالخير خير عن الخيِّر والشرير.
والشر شرٌّ عند الخيِّر والشرير.
فالقيم الأخلاقية لا تنتمي للطبيعة ولا لعالم الحيوان، ولكنها فقط تنتمي للتكليف الإلهي.
وأشد الناس إلحادًا لا ينكر أنَّ بداخله معاني الخير والشر، ويعلم أن بداخله شعورًا تكليفيًّا بفعل الخير وترك الشر.
فهو يستشعر وخز الضمير الأخلاقي.
فالإنسان ليس مفصلًا على طراز داروين().
ولا طريق لإنقاذ الإنسان، وإنقاذ قيم الإنسان سوى عودته لإنسانيته، ولا طريق لذلك إلا بالدين.
أما بدون الوحي الإلهي فلن تجد إلا أفعال قردة البونوبو.
وفي الأخير أقول لمن يعاني من ميول مثلية: ابدأ في العلاج فورًا عند مُتخصص.
وابدأ في مشروع تزكية إيمانية وارتقاء إيماني مع الله عز وجل فورًا.
حافظْ على صلاتك بخشوع.
حافظْ على القرآن بتدبر.
حافظْ على الأعمال الصالحة.
أقلعْ عن أي ذنب.
حافظْ على توبة نصوح لله عز وجل بعد كل ذنب.
وأقول لمن يدعم نشر الإلحاد وإشاعة الفاحشة والشذوذ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42].
28 - هل المخ يُشرِّع القيمة والمعنى؟
ج: المخُّ هو مجموعة من الأسلاك العصبية متجمعة، وكل ما يجري في المخ هو تبادل لأيونات الصوديوم والبوتاسيوم على جدران الخلايا العصبية؛ لنقل النبضات لا أكثر.
فالمخ مهما تعقَّد سيبقى مجرد أسلاك عصبية، ونواقل كيميائية، وتبادُل أيونات، هذا كل ما يجري في المخ.
فالمخ هو: مجرد جهاز عصبي تنفيذي يقوم من خلال أنشطة كهربية بتنفيذ مهام عصبية معقدة.
إذن فالمخ جهاز تنفيذي، وليس جهازًا تشريعيًّا.
فالمخ لا يشرع القيمة، ولا المعنى، ولا يفرز الوعي.
وهذا الأمر جرى إثباته علميًّا بتجارب كثيرة منذ بدايات القرن الماضي، مثال على ذلك تجارب عالم الأعصاب الشهير: وِيلدر بنفيلد Wilder Penfield حين كان يضغط بإلكترود في يده على جزء محدَّد من مخ المريض الذي أمامه أثناء قيامه بجراحات المخ، فمثلًا يضغط بنفيلد على جزء تحريك اليد في مخ المريض فتتحرَّك يد المريض، حيث تخرج إشارة من المخ لتحريك يد المريض فتتحرَّك، فالمخ جهاز تنفيذي.
وهنا يطلب الدكتور بنفيلد من المريض أن يُوقِف يده عن الحركة أثناء الضغط بالإلكترود، وإذا بالمفاجأة الكبرى تحصل!
لا يستطيع المريض أنْ يوقف يده عن الحركة.
فطالما صدرت الإشارة من المخ بعد الضغط عليه بالإلكترود تتحرَّك يد المريض، ومهما حاول المريض أن يوقف حركة يده فلا يستطيع.
وهنا تظهر المفارقة المدهشة:
اتخذ المخ القرار، واتخذ المريض قرارًا آخر.
وهذا يعني أن الوعي والإرادة شيء، والمخ المادي شيءٌ آخر تمامًا.
فالقرار الذي يريده المريض شيء، والنشاط المخي شيء مختلف.
فالمخ مجرد جهاز تنفيذي، وليس مصدرًا للوعي أو الإرادة أو اتخاذ القرار.
وقد كَتَب بنفيلد كتابه "سرُّ العقل Mystery of the Mind" فأودع فيه نتائج تجاربه المدهشة تلك.

وعندما سُئل الملحد ليونارد ملودينوف الفيزيائي الذي اشترك مع ستيفن هاوكنج في كتابة كتاب "التصميم العظيم the Grand Design": هل يوجد تفسير مادي فيزيائي للوعي؟
أجاب: لا يوجد تفسير مادي فيزيائي للوعي().
فالوعي ليس نتاج ذراتٍ، ولا نتاج دماغ، ولا نتاج نشاط كهربي، ولا نتاج المخ.
وهنا قد يظهر سؤال: لماذا لو أُصيب الإنسان بصدمة في رأسه، أو تم تخديره، أو قام بتعاطي بعض العقاقير، فإنه يفقد الوعي أو يتغير وعيه؟
والجواب: المخ أشبه ما يكون بجهاز التلفاز، فهو مجرد مستقبِل للمعلومة، ومُعالِج لها، وحين يتمُّ قطع الأسلاك عن جهاز التلفاز، أو عن المخ، كما يحدث في الصدمات أو العمليات الجراحية أو التخدير أو تناول العقاقير المهلوسة، فإن الإرسال يتوقَّف، لكن التلفاز لا يخزن المعلومة ابتداءً، وإنما هو مجرد ناقل لها، كذلك مخك().
فالمخ جهاز تنفيذي يستقبل المعلومات، والعقل يستخدم المخ كآلة.
وهذا الكلام أكَّد عليه د. روجر سبري Roger Sperry الحائز على نوبل في وظائف المخ؛ إذ أكَّد على أنَّه لا عَلاقة بين الوعي والمخ.

ويحاول الملاحدة كثيرًا ربط الوعي بالمخ، وهم بهذا يهدفون إلى نفي حرية الإرادة عن الإنسان، وافتراض أنَّ الإنسان ليست له إرادة حرة، هذه فكرة سامة، كما شرحت في بابٍ سابقٍ، فهي فكرة تبرر لكل جريمة، ولأية جريمة، ونفي الإرادة الحرة لا يتفق وكرامة الإنسان، والإنسان بفطرته يعلم يقينًا أنه مكلَّف، وأنَّ لديه إرادة حرة، وبناءً على الإرادة الحرة هناك دستور وقانون وقضاء ومحاكم ومحاماة وأحكام وتشريع وعقوبة ومكافأة، فكل هذه الأمور مبنيَّة على أن للإنسان إرادة حرة.
ومبنيَّة على أنَّ الإنسان مُكلَّف ومسؤول عن قراراته.
لذلك فالإلحاد بتبنِّيه لنفي الإرادة الحرة لا يمكنه أن يحلل ظاهرة الإنسان.
29 - هل الحب والكراهية هي مجرد أمور هرمونية؟
ج: لو افترضنا أنَّ الأمر بهذه الصورة، فهل لو وضعنا هذه الهرمونات على ورقة ترشيح في معمل، هل ورقة الترشيح ستُحِبُّ أو ستَكرَهُ؟

عَلاقة العاطفة بكيمياء المخ هي عَلاقة تزامنية، وهذا الأمر قد أوضحناه قبل قليل.
فعندما يحب الإنسان شخصًا ما، فإن هرمون الإندورفين يُفرَز، وليس أنَّ هرمون الإندورفين يُفرز فيقع في حب فلان.
فالعَلاقة تزامنية، وليست سببية.
وعندما يتصل بك شخص تحبه، فإنَّ جسدك يفرز هرمون الحب الإندورفين.
بينما عندما ترى شخصًا تكرهه، فإن جسدك في المقابل يفرز هرمون الكورتيزول.
فعَلاقة النواقل العصبية بمشاعرك هي عَلاقة تزامنية، وليست عَلاقة سببية: ففي الزمن نفسه الذي أحببت فيه فلانًا ظهر هرمون الحب، وليس أنَّ هرمون الحب كان وراء تحابكما.
ولو كانت العَلاقة بين الهرمونات والمشاعر سببية، وكانت الهرمونات هي التي تؤدي للحب والبغض كما يصور الملاحدة، لاستطعنا بدولاراتٍ قليلةٍ أن نحقن هرمون الحب، ونوفق أي رأسين في الحلال.
الفصل الخامس
النباتية
30 - هل النباتية وتحريم أكل الحيوانات هي رحمة بالحيوان؟
ج: حاصلُ هذا القول تحريمُ ما أحل الله تعالى، فالله عز وجل أحلَّ أكل الحيوان، لكنَّ دعاة النباتية يحرمونه، قال الله عز وجل : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [المائدة: 4].
وقال سبحانه: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119].
وقال عزَّ من قائل: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأنعام: 142].
وقال عز وجل : {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14].
فما أحلَّه الله لا يحرمه إنسان قال الله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} [المائدة: 1].
ويقول سبحانه: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28].
ويقول عز وجل : {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج: 36].
فإباحةُ أكل لحوم الحيوانات التي أحلَّها الله هو من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة.
ومن اعتقد أنَّ الله تعالى أحلَّ شيئًا تترجح كِفَّة ضره على نفعه مطلقًا، فهو طاعنٌ على رب العالمين، وهو مُتَّهِمٌ لله سبحانه بالجهل أو الكذب، وهذا شرك في الربوبية والألوهية جميعًا، قال الله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157].
فما أحلَّه الله هو قطعًا من الطيبات.
ولا يجوز تحريم ما أحلَّ الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87].
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32].
فمَن هذا الذي يُحرم أكل الحيوانات التي أحلَّ الله أكلها؟ {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119].
فتحريم ما أحلَّ الله من الحيوان هو من أعمال الجاهلية: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 138].
{وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 144].
فما أحلَّه الله من لحوم الحيوان والطير والسمك لا يجوز تحريمه على الناس: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام:145].
والتحريم إن لم يقم عليه دليل من الشرع، فهو كذب على رب العالمين وافتراءٌ عليه: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 150].
ثم لنسأل النباتيين: لماذا تجيزون قتل النبات؟
وقد ثبت بالدليل العلمي أنَّ للنبات حياةً، وله إحساس وشعور إلى درجة أنَّ سويسرا سنَّت قوانين لتجريم إذلال النبات().
فبأي سلطانٍ استحللتم يا دعاة النباتية النبات، وحرَّمتم قتل الحيوان؟
غاية التفاوت بين النبات والحيوان، أنَّ الحيوان يتمتَّع بمخ وجهاز عصبي وحركة، لكن النبات لا يحتاج ما يحتاج إليه الحيوان، فالله سبحانه يمتنُّ على الكائن بما يحتاجه بحكمته وقدرته عز وجل ، فالكائن الحي الذي يتحرَّك ليحصل على الطعام، ويهرب من أعدائه، يتمتَّع ببنية تتناسب مع ما يحتاج.
وهذا ليس بمجرده دليلًا على أنَّ النبات لا يعي، أو أنَّه أدنى من الحيوان.
وهناك نباتات كنبتة الصبار ذات الفكين تقبض على الحشرة بمجرد وقوفها عليها.

بل تبيَّن أنَّ هناك نباتاتٍ تتعلَّم مع الوقت، فنبتةُ الميموزا Mimosa pudica التي تغلق أوراقها بمجرد تعرُّضها للمس أو الصدمة، تبيَّن للعلماء أنَّه لو تكرَّر اللمس أو تكرَّرت الصدمة بالقوة نفسها فإن النبتة لا تنكمش مجددًا.

فالشعور بما في الخارج من مؤثراتٍ، هذا يشترك فيه كل نبات وحيوان، ولا يلزم منه مخ ولا جهاز عصبي.
بل إنَّ الأميبا ذاك الكائن وحيد الخلية التي لا تملك مخًّا ولا جهازًا عصبيًّا، لديها وعيٌ فإذا اقتربت من طعام ساكن كحُبيبة نشا تقترب منها بغير حذر، بينما إذا كان طعامًا متحركًا تقترب منه بحذر.
وبعض النباتات آكلة الحشرات تحسب عدد الحشرات لتغلق فكَّيْها على أكبر عدد ممكن().

فقضية الوعي في النبات، وفي الكائنات وحيدة الخلية هي أمورٌ ثابتةٌ، وفي الإسلام كل الكائنات تُسبِّح: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44].
فتحريم أكل الحيوان؛ لأنَّه يعي، هذا يستتبع بالضرورة تحريم أكل النبات.
ثم إن مصدر الحديد الأساسي في جسم الإنسان هو لحوم الحيوانات، وليس النبات.
والحديد هو رئة الأنسجة والخلايا، فهو الذي يُحمَل على ذراته الأوكسجينُ لكل خلية من خلاياك.
أضفْ إلى ذلك أنَّ النباتيين يعانون من نقص فيتامين ب12 الذي يمثل غذاء الجهاز العصبي، فلا يوجد هذا الفيتامين الضروري جدًّا إلا في الغذاء الحيواني.
ومن المعلوم أنَّ فيتامين ب12 هو أكثر الفيتامينات وصفًا في مستشفيات العالم؛ لحاجة الناس باستمرار إليه، وهو لا يوجد إلا في الحيوانات.
مشكلة النباتيين أنهم تأخذهم شفقة مُبالَغ فيها في ذبح الحيوانات، والعلمانيون والملاحدة يجمعون بطبيعتهم الأفكار الشاذة فيُروجون لهذه القضية.
لكن لا يعلم النباتيون أنَّ شعور الحيوان يختلف تمامًا عمَّا نتصوَّر، فالحيوان يُساق للذبح في هدوءٍ وسكينةٍ حتى صارت سكينته لحظة الذبح مضرب المثل في الوداعة: "كشاةٍ تُساق للذبح".
وشكل الاستجابة للألم عند الحيوان هو شكل انقباضي آلي بسيط لا يحمل توجعًا شعوريًّا مستقبليًّا ولا تأملًا استرجاعيًّا للألم فيما بعد.
بل المدهش الذي كشفه لنا علم دراسة سلوك الحيوانات أنَّ افتراس الحيوانات بعضها لبعض غير مؤلم كما نتخيَّل، بالقياس على طبيعتنا نحن البشر.
تقول عالمة الأنثرولوجيا البريطانية جين غودال Jane Goodall إنَّ: افتراس الحيوانات الضارية للضحايا غير مؤلم كما نتخيَّل().
بل وتقطيع أجزاء ضخمة من سمك القرش أثناء اشتباكاته قد يكون لطيفًا وغير مؤلم بالمرة، وأغلبهم لا يعاني اضطرابًا يُذكر، ولا يدركون أنَّ خطرًا كبيرًا أصابهم().
فهذه حقيقة يُسجلها العلم، فالحيوان لا يُراكِم الألم، ولا يسترجعه، ولا يتأمله.
وألم الحيوان أيسَرُ بكثير مما نتخيَّل.
وتجارب الحيوان مع الألم آنيَّة وقتيَّة، لكنه يوفر إدراكًا لاشعوريًّا يسيرًا في ذاكرته، يجعله يتفادى التعرُّض للخطر في المستقبل().
لكن قد يقول قائل: إذا كان ألم الحيوان بسيطًا ويسيرًا فلماذا يتألم بالأساس؟
كما قلت: الألم البسيط هو شيء جوهري أودعه الله في الحيوان كآلية لتوليد إدراك شعوري يحميه مستقبلًا من تكرار الحادث نفسه، ومن تعريض نفسه للخطر.
فالحيوان الذي تلسعه النار لن يقترب منها مرَّةً أخرى، والذي يقع في حفرة سيكون حذرًا في المرات القادمة.
وهنا ننتقل لنقطة مهمة وهي: كيف يتعامل الإسلام مع الحيوان؟
جاء الإسلام ونادى بالرحمة مع الطير والحيوان والشجر والنبات.
فلا يجوز تعذيب الحيوان في الإسلام ولا تجويعه، ولا تكليفه ما لا يطيق، ولا يجوز اتخاذه هدفًا يُرمى عليه بالنبل أو الرصاص، بل وورد النص بتحريم لعن الحيوان، وهذه أمور لم ترقَ إليها البشرية في أي وقتٍ من الأوقات، ولا حتى في عصرنا الحاضر.
فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ شيء فيه الروح غرضًا؛ ليُتعلم فيه الرمي، عن عبد الله ابن عمر ﭭ قال: "إنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شيئًا فيه الرُّوحُ غَرَضًا"().
ومن رحمته صلى الله عليه وسلم أنَّه نهى أن يحول أحد بين حيوان أو طير وبين ولده، يقول عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه : "كنَّا معَ رسولِ اللَّهِ في سفَرٍ، فانطلقَ لحاجتِهِ، فرأَينا حُمَّرةً معَها فرخانِ، فأخَذنا فرخَيْها فجاءت تعرِشُ فجاءَ النَّبيُّ فقالَ: مَن فجعَ هذِهِ بولدِها؟ رُدُّوا ولدَها إليها. ورأى قريةَ نملٍ قد حرَّقْناها. فقالَ: مَن حرَّقَ هذِهِ؟ قُلنا: نحنُ، قالَ: إنَّهُ لا ينبَغي أن يُعذِّبَ بالنَّارِ إلَّا ربُّ النَّارِ"().
ونهى صلى الله عليه وسلم عن المُثْلة بالحيوان، وهو قطع جزء من أطرافه وهو حيٌّ، ولعَن من فعل ذلك، عن عبد الله بن عمر ﭭ قال: "لعَنَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مَن مَثَّل بالحيوانِ"().
بل لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قطع الشجر من غير حاجة، فقال: "من قطع سِدرةً صوب الله رأسه في النار"().
وقد حضَّ تشريع رب العالمين على رعاية الحيوان، وحذَّر أشدَّ التحذير من إيذاء الحيوان، فقد دخلت امرأة النار في هِرَّة أجاعتها، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حتَّى ماتَتْ، فَدَخَلَتْ فيها النَّارَ، لا هي أطْعَمَتْها ولا سَقَتْها، إذْ حَبَسَتْها، ولا هي تَرَكَتْها تَأْكُلُ مِن خَشاشِ الأرْضِ"().
وفي المقابل دخلت بَغيٌّ من بغايا بني إسرائيل الجنة في كلب سقتْهُ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ قدْ كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَها، فاسْتَقَتْ له به، فَسَقَتْهُ إيَّاهُ، فَغُفِرَ لها بهِ"().
ومن صور رحمة التشريع الإسلامي بالحيوان أنَّه أمر بالإحسان إلى البهيمة حال ذبحها، وأثنى على من فعل ذلك، بل ونهى أن تُحَدَّ آلة الذبح أمام الحيوان؛ لئلا تروعه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ علَى كُلِّ شيءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ"().
وعن معاوية بن قُرَّة عن أبيه رضي الله عنه : "أنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي لَأذبحُ الشَّاةَ وأنا أرحَمُها -أو قالَ: إنِّي لأرحَمُ الشَّاةَ أن أذبحَها- فقالَ: والشَّاةُ إن رحِمْتَها رحِمَكَ اللَّهُ"().
وعن ابن عباس ﭭ: "أنَّ رجلًا أضجَعَ شاةً وهوَ يُحِدُّ شَفرتَهُ، فقالَ النَّبيُّ: أتريدُ أن تُميتَها مَوتاتٍ؟ هلَّا أحدَدْتَ شَفرتَكَ قبلَ أن تُضجِعَها؟"().
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "مَن رَحِمَ ولو ذَبِيحةَ عُصْفُورٍ، رَحِمَهُ اللهُ يومَ القِيامةِ"().
فهذه رحمة تشريع رب العالمين بالكائنات الحية، فهي شريعة عدلٍ ورحمةٍ.
أما تشريع النباتيين فلا ينتمي لعقل، ولا بصيرة، ونهايته هلاك الحيوان والإنسان.
ولو سار الإنسان خلف هراء النباتيين فسيُحرِّم على نفسه كلَّ مأكولٍ؛ لأن كل مأكول نتاجُ حياة واعية، وسيحرم على نفسه التبرز؛ لئلا يقتل الطفيليات التي تموت بالتبرز؟
وسيحرم على نفسه الاغتسال؛ لئلا يقتل المستعمرات البكتيرية التي تحيا على جلده.
حين تخالف الدين الحقُّ ينهار عليك سقف العقل!
الفصل السادس
قانون الجذب والعلاج بالطاقة
31 - ما معنى قانون الجذب؟
قانون الجذب هو فكرة انتشرت في الغرب، وأصلُها ديانات شرق آسيا الوثنية.
وقانون الجذب يعني أن: تضبط ذبذبتك على ذبذبة ما تريد من الكون من حولك؛ فيأتيك -بزعمهم.
تطلب ما تريد من الكون، والكون يُلبي طلبك!
والطلب من الكون إن لم يكن شركًا أكبر فما هو الشرك؟
قال ربنا سبحانه: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22].
فأن تجعل لله ندًّا، وتَطلب منه، فهذا عين الكفر والجنون العقلي.
ولو قالوا إنَّ هذا ليس أكثر من أخذ بالأسباب، وأن هذه الطريقة -طريقة ضبط الذبذبة- هي طريقة فقط للأخذ بالأسباب التي قدَّرها الله؛ لاستجلاب المنافع، ودفع المضارّ، وكل شيء في الكون بإذن الله؛ لو قالوا ذلك، فهذا شرك أصغر يُسمَّى شرك الأسباب؛ لأن هذه الطريقة -قانون الجذب- ليست من جملة الأسباب التي جعلها الشارع أسبابًا.
فالشارع قدَّر الأسباب المشروعة والتي يجوز الأخذ بها، وهي على صنفين:
الصنف الأول: أسباب شرعية نصَّ عليها الشارع.
الصنف الثاني: أسباب قَدَريَّة كالتي ثبت نفعُها بالعلم التجريبي من جملة النواميس التي سخَّرها الله لعباده.
أما غير ذلك من الأسباب التي لم يُجِزْها الشرع نصًّا أو قدَرًا، فالأخذ بها شرك أصغر.
فالشارع لم يُخبر أن ضبط الذبذبة يجلب خيرًا أو يدفع ضُرًّا.
والعلم التجريبي ليس فيه هذا الهراء المسمَّى بـ"قانون الجذب"، يكفي أنَّ الباحث المتخصص في فضح العلوم الزائفة "مايكل شيرمر" كتب بحثًا مطولًا في مجلة "الأمريكي العلمي" Scientific American ينعى فيه هذه السخافة المسماة "قانون الجذب" وينعى دُعاتها بشدَّة، فهم أقرب للمخابيل().
والآن لنضرب مثالًا بسيطًا؛ لنفهم الفرق بين الأخذ بالأسباب، والشرك الأصغر، والشرك الأكبر:
لو أن شخصًا كان يعاني من أحد الأوجاع فقام بـ:
أ- عمل رُقية لنفسه ببعض الآيات القرآنية... هنا نقول: هذا أمر شرعه الله تعالى.
ب- تعاطى أقراصًا دوائية؛ لتخفيف الوجع... هنا نقول: الأقراص الدوائية جعلها الله سببًا، وقدَّرها لذلك، فلا حرج عليه في التداوي.
ج- قام برسم طِلَسْمات على موضع الألم للتداوي بها... هنا نقول: هذا من الشرك؛ لأنه تعلَّق بما لم يشرعه الله، ولم يُقدِّرْهُ كوسيلة علاج.
ولو ظن أنَّ هذا الطلسم مجرَّد سببٍ، والشفاء من الله، فهذا شرك أصغر يُسمَّى شرك الأسباب.
أما لو اعتقد أن هذا الطلسم يَشفي بذاته، فهنا وقع في الشرك الأكبر.
فهذا مثال للتفريق بين الأخذ بالأسباب، والشرك الأكبر، والشرك الأصغر.
إذن اعتقاد جلب النفع أو دفع الضر بضبط الذبذبة في قانون الجذب: هذا يدور بين الشرك الأكبر، والشرك الأصغر.
لكن للأسف دُعاة العلاج بالطاقة في بلادنا، ودعاة قانون الجذب يعطون هذه الممارسات "مَسْحَتينِ" حتى تدخل على العوام والجهلة: مسحة شرعية، ومسحة علمية.
أما المسحة الشرعية فيقولون إن: قانون الجذب هو من باب إحسان الظن بالله، ألم يقل الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي"؟
لكن تدليس هؤلاء هنا أنَّ قانون الجذب يعتمد على إحسان الظن بالطاقة الكونية لا بالله... إحسان الظن بقوة الطاقة التي تنطلق من البدن... إحسان الظن بقوة ونفع وصلاحية قانون الجذب.
فهل هذا من باب إحسان الظن بالله؟ أم من باب إحسان الظن بقانون الجذب الخرافي؟
ويستدلُّون أيضًا بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] ومن المعلوم أنَّ تغيير ما بنفسك يكون بصلاح العمل، وترك الكفر، وليس بضبط الذبذبة كما يفترون.
ويعتمدون على حديث للنبي صلى الله عليه وسلم يروون أنه قال: "تفاءلوا بالخير تجدوه"، وهو أثر موضوع مكذوب لا يصحُّ!
والدعوة للتفاؤل لا شيء فيها، فالتفاؤل يدفع للنشاط والأخذ بالأسباب، وليس أن مجرد التفاؤل يجذب النفع أو يدفع الضر!
ويعتمدون على قول النبي صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات"، ولا أدري ما عَلاقة الحديث بضبط الذبذبة؟
فالنية عمل قلبي، والثواب يكون بناءً على النية، هذا منطوق الحديث!
ويبدو أنَّه كما قال الذهبي رحمه الله : "من رام الجمع بين علم الأنبياء وعلم الدجاجلة خالف هؤلاء وهؤلاء"().
أما المسحة العلمية في قانون الجذب فهي أنَّهم يُروِّجون للأمر على أنَّه قضية علمية، وأنَّ الموضوع يخضع للفيزياء، وهذا من أكبر الدجل الذي ما سمعنا به من قبل، فقانون الجذب وضبط الذبذبة لا عَلاقة لهما بكل قوانين الفيزياء التي عرفها البشر عبر كل عصورهم.
بل والفيزياء دائمًا تشرح عكس قانون الجذب تمامًا، ففي الفيزياء حين تهتزُّ المادة فإنها لا يمكن أن تهتزَّ إلا وَفْق ترددات محددة تعتمد على كتلة ومرونة الجسم، وليس لك أن تزيد الاهتزاز أو تنقصه إلا وَفْق قوانين فيزيائية مثل أن: تُغير من كتلة المادة.
وهذه الاهتزازات التي تقوم بها المادة ليس لها خاصية الجذب أصلًا.
فلا يوجد ما يُعرف بالجذب من خلال الذبذبة، هذا دجل فيزيائي.
بل والمادة عند درجة الصفر المطلق لا تهتزُّ بأية صورة؛ لأن طاقة حركتها عند الصفر المطلق تكون مساوية للصفر.
ثم إن جسم الإنسان ليست له كتلة معتبرة تستطيع جذب أي شيء أصلًا.
والأعجب من ذلك أن شحنة الإنسان الكلية متعادلة، فلا هو يجذب شيئًا ولا يطرد.
إذن الدجل المسمى بـ"قانون الجذب" هو محض كذب علمي وهراء على أعلى مستوى.
فلا الذبذبات والاهتزازات لها خاصية الجذب، ولا الطاقة من خواصها الجذب، ولا كتلة الإنسان تسمح بأن يكون له خاصية جذب، وفوق ذلك شحنته الكهربية متعادلة فلا هو يجذب ولا يطرد.
والنية والتفكير والتركيز الشعوري في ضبط الذبذبة في قانون الجذب هذه الأمور لا تؤثر في العالم المادي على عكس ما يُروِّج دعاة قانون الجذب، ففي واحدة من الأبحاث العلمية لتأثير النية على العالم من حولنا، أجرى علماء من جامعة كورنِل الشهيرة Cornell University تجربة عن ارتباط النية والتفكير بإحداث تغيرات مادية، وتَبيَّن أن هذه الفكرة محض وهم().
وقد صنَّفت مجلة "لايف ساينس العلمية" قانونَ الجذب كأحد العلوم الزائفة المنتشرة في الثقافة الشعبية().
وللأسف ما زال هناك مَن يحاول في بلادنا تلبيس هذا القانون لبوس العلم؛ حتى يُدخلها على الجهلة والحمقى!
ومن مزيد بلايا هذا القانون "قانون الجذب" أنه يتهم المرضى والفقراء باعتبارهم متسببينَ في فقرهم ومرضهم؛ لأنهم يجذبون الفقر والمرض لأنفسهم؛ وهنا السؤال: الأنبياء الذين ابتُلوا، هل كانوا متسببينَ في ذلك؟
وهل كانوا لا يعرفون ضبط الذبذبة ليحصلوا على ما يريدون؟()
إن دعاة قانون الجذب إما أنهم عَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ الأنبياء أوْ أنهم مُفْتَتِحُو بَابِ ضَلَالَةٍ وكُفْرٍ!
والمضحك أنهم يسمونه قانونًا مع عدم إمكانية إثباته ولا نقضه تجريبيًّا، فهو لا عَلاقة له بأركان وشروط القانون علميًّا، لكن لا بد من المصطلحات العلمية حتى يَدخلوا على البسطاء.
ومن طوام هذا القانون الكفري "قانون الجذب" إضافةً إلى ما سبق أنه: يُعَظِّم الدنيا، ويجعل شهواتها منتهى الرغبات، وغاية الأماني، فمشروع قانون الجذب تحصيل رغبات الدنيا لا أكثر.
ومن بلاياه أيضًا: تقديس النفس الإنسانية باعتبارها إلهًا يحقق ما يريد، وليس للخالق سبحانه إرادة ولا قيومية -حاشاه سبحانه وتعالى - فهو يستجيب لك ما تطلب، ولا يميز بين ما تطلب، فالمهم هو أن تضبط ذبذبتك لتحصل على ما تطلب -تعالى الله عما يقولون.
{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا} [النحل: 73].
32 - لماذا دعاة قانون الجذب أشدُّ ضلالًا من فرقة القدرية؟
عقيدة أهل السنة والجماعة أنَّ الله خلق كل شيء، وكتب كل شيء، وعَلِم كل شيء، وقدَّر كل شيء.
وأن الله خلق أفعال العباد، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
هذه عقيدة أهل السنة والجماعة وسلف الأمة.
ثم بعد زمن ظهرت أول فرقة ضالَّة في الإسلام: "فرقة القدرية".
وقد قالت القدرية: إنَّ العباد يخلقون أقدار أنفسهم بالكسب، فما تفعله أنت هو قدَرك الذي أنت قدّرته لنفسك.
ثم جاء دعاة قانون الجذب فقالوا: إنَّ الإنسان لا يخلق قدَره هو فحسبُ، بل أقدار كل الوجود من حوله، حيث يعتقدون أن الفِكر يصنع الواقع، وأنَّ تركيزك وتأملك تستطيع بهما أنْ تُغير الكون من حولك.
وهذا القول بأن التركيز والتأمل يصنعانِ قدَر الكون أخطر من قول القَدرية، نُفاة القَدَر، فالقَدرية جعلوا منتهى قُدرة الإنسان خلق أفعال نفسه، أما هؤلاء فيجعلون الإنسان خالقًا لأقدَار ما حوله، فألَّهوا الإنسان، ووضعوه في منزلة الخالق -عياذًا بالله من الضلال.
33 - كيف جعل دعاة علوم الطاقة وقانون الجذب الإنسان إلهًا خالقًا؟
الإنسان عندهم يُغيِّر أقدار الكون كله من حوله، ويخلق هذه الأقدار بنفسه حرفيًّا.
وللأسف أصبحت الدعاية لهذه الأفكار الكفرية حتى في الأفلام الكارتونية؛ شاهدت فيلمًا كارتونيًّا هنديًّا مدبلجًا للعربية، وموجَّهًا لأطفالنا يُصور كيف أن الإنسان يتحوَّل بجلسات تأمل سكوني وتركيز إلى كائن آخر عملاق يتجاوز العالم المادي... كائن نوراني خالد يبدأ في تغيير أقدار العالم من حوله.
فهل في ذلك شيء من عقيدتنا التي تقرر أن الإنسان يولد عبدًا، ويموت عبدًا؟
يخضع لعبودية القهر والتسخير، وعبودية التأله لله سبحانه.
قال ربنا سبحانه: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93].
فالإنسان بطبيعته وأصله ضعيف، قال تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28].
وأصل الإيمان بالقضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة هو التسليم لله والرضا بقضائه، وأن الإنسان ضعيف، ولا يملك إلا الأخذ بالأسباب لا أكثر.
قال ربنا سبحانه: {وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان: 3].
فنحن لن نكون أسياد مصائرنا، والتسليم لله هو نهاية قصة المصير الإنساني، هذه عقيدتنا وهي أصل من أصول الإيمان الستة: "وتؤمن بالقدر خيره وشره"() ورُوي بزيادة "حُلوِهِ ومُرِّهِ".
والإنسان لا يعرف ما ينفعه ولا ما يضرُّه؛ لذلك شُرعت الاستخارة، وفيها: "واقدُرْ ليَ الخيرَ حيث كان، ثم أرضِني به"().
هذا هو أصل الإيمان بالقضاء والقدر.
ومن لم يؤمن بالقضاء والقدر فهو من أهل النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لو أنفقت مثل أحد ذهبًا في سبيل الله، ما قَبِلَهُ الله منك حتى تؤمنَ بالقدر، وتعلم: أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو متَّ على غير هذا لدخلتَ النار"().
فالإيمان بالقضاء والقدر هو دين المسلم!
أيضًا لا يجوز للإنسان الاعتماد على نفسه والتوكُّل عليها، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "ربِّ لا تكلْني إلى نفسي طرفةَ عينٍ"().
وقال صلى الله عليه وسلم : "مَن تعلَّق شيئًا وُكل إليه"().
هذه عقيدتنا، وهذا ديننا، فما بالنا نستورد سخافاتِ أفكار، ونريد من الناس أن يطبقوها؟
وإذا قلنا لهم: هذه أفكار وثنية هندوسية وبوذية شركية كفرية، قالوا لنا: أنتم لا تفهمون أبعاد هذه الأمور، ولا تقرؤون جيدًا ما نقصد.
دائمًا يتهموننا أننا لا نستوعب المعاني الرمزية في هذه الكفريات حتى يبقى لهم جمهور يستمعون إليهم، ويجني هؤلاء من ورائهم الأموال.
ومن أشهر دعاة علوم الطاقة وقانون الجذب في عصرنا ديباك شوبرا، وصلاح الراشد، وأحمد عمارة، ومريم نور، وروبرت شيلدراك Robert Sheldrake وغيرهم نسأل الله أن يهديهم.
وأود أنْ أنوِّه إلى أنَّ روبرت شيلدراك، وديباك شوبرا يُروِّجانِ بشدة لما يُعرف بالوعي الكلي؛ وليس المقصود بالوعي الكلي هنا نوعًا من الإدراك لدى الكائنات الحية، وإنما يريدون بذلك وحدة الوجود، وأنَّ كل ما في الوجود جوهرٌ واحدٌ.
34 - هل دعاة العلاج بالطاقة وقانون الجذب يبيعون بالفعل تمائم لاستجلاب الطاقة الكونية؟
نعم والله!
يأتون بأحجار كريمة، وأشكال هندسية، ورموز هندوسية وبوذية، ويقولون: هذه تجلب السعادة، وتجلب الرزق، وتلك تجلب الشريك، وتجلب الزوج.
تجارة التمائم والطلاسم والوثنيات تجارة رائجة في أزمنة ينتشر فيها الجهل، ويبتعد فيها الناس عن دين رب العالمين.
ومن أشهر تمائم دعاة العلاج بالطاقة عند هؤلاء:
أ- الضفدع ذو الأرجل الثلاث؛ لعلاج الفقر وجلب الثروة.
ب- زوج البط الخشبي؛ لجلب الحظ والحب.
ج- سوار الطاقة، وقلادة الطاقة، وقرص الطاقة الحيوي، وقلم الطاقة، وسلسلة الطاقة؛ لرفع مستوى الطاقة الإيجابية في منزلك ومكان عملك.
د- البندول.
هـ- الأشكال الهرمية؛ لزيادة الصحة.
و- الأحجار الكريمة.
ز- العلاج بالألوان: عبر عمل سلسلة من الفحوص الطبية -من باب التلفيق على المغفلين والحمقى- ثم تحديد اللون المناسب لزيادة صحتك، وبيع الحجر الكريم ذي اللون الأنسب لك.
عُدنا إلى الأوثان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تقومُ الساعةُ حتى تَلحقَ قبائلُ من أُمتي بالمشركينَ، وحتى تعبدَ قبائلُ من أمتي الأوثانِ"().
كيف عادت الأمة الإسلامية إلى عبادة الأوثان بهذه السهولة؟
عجيب هذا التردي في مُستنقع الوثنيات، عجيب اتقاء الشر، واستجلاب الخير بالأحجار والطلاسم في بلاد الموحدين بلاد المسلمين.
إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا وفي يده حلقةٌ من صُفْر فقال: ما هذا؟ قال: مِن الواهنةِ قال: (ما تَزيدُك إلَّا وَهْنًا، انبِذْها عنكَ؛ فإنَّكَ إنْ تمُتْ وهي عليك وُكِلْتَ عليها)().
وفي رواية: "فإنك لو متَّ وهي عليك ما أفلحت أبدًا"().
هذا في قلادة تدفع عنه الواهنة.
فكيف بمَن يزعم أن الطاقة الكونية تجلب كل شيء، وتدفع كل ضرٍّ، وتُلبَس القلائد؛ لاستجلابها، ويجلس الناس داخل أشكال هرمية للانتفاع بها، وتُشترى الأحجار الكريمة، والبندولات، والألوان الخاصة لتركيزها، وتُطبَّق ممارسات ورياضات من أجلها، وهي مصدر زيادة الصحة، ووفرة المال، ودفع الضر عنهم، فما توصيف كل هذا بالله عليكم؟
أليس هذا عين الكفر والوثنية والضلال والشرك الأكبر؟
قال ربنا سبحانه: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 56].
وقال سبحانه: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22].
وقال عزَّ من قائل: {بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} [الرعد: 31].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعنْتَ فاستعِنْ باللهِ"().
وقال صلى الله عليه وسلم : "إن الرقى والتمائم والتولة شركٌ"().
35 - ما معنى الطاقة السلبية والطاقة الإيجابية، وهل هي تُستجلب فعلًا؟
لا يوجد شيء في العلم المادي يُسمَّى طاقة إيجابية وطاقة سلبية.
والطاقة السالبة والطاقة الموجبة في الفيزياء المعاصرة لا عَلاقة بها بالسلبية أو الإيجابية، فهذا من أغرب ما سمعنا من تدليس!
فالسالب والموجب في الفيزياء هو تقسيم افتراضي؛ فلو قلنا: إن أيونات "س" هي أيونات موجبة، بينما أيونات "ص" هي أيونات سالبة، فهذا تقرير افتراضي في الفيزياء؛ لتسهيل المعادلات لا أكثر، ولو عكسنا هذا التقرير وقلنا: إن أيونات "س" هي السالبة، بينما أيونات "ص" هي الموجبة فلا إشكال، فالأمر فقط افتراضي للتمييز والتفريق وسَيْر المعادلة الفيزيائية().
وهنا أتى دعاة فلسفات العلاج بالطاقة وأعجبتهم الكلمة "سالب وموجب"، فقالوا بالطاقة السلبية والطاقة الإيجابية بمعناهما المادي، وقالوا إنَّ الفكر السيئ أو الضار يُطلِق طاقة سلبية، بينما الفكر الجيد أو النافع أو السلمي يطلق طاقة إيجابية.
وهذا تلفيق من أعجب العجب على العلم!
ثم منذ متى والفكر يفرز طاقات؟
وكيف قُمتم بتحديدها؟
ووفق أي تقسيم قلتم إن هذه سلبية وتلك إيجابية؟
وعلى أي أساس اعتبرتم أن السلبية تعني الخطأ؟
للأسف دائمًا يستخدمون التلفيق العلمي لأي مشترك لفظي، فيأخذون لفظة أيون سالب وأيون موجب في الفيزياء، ويقولون: ها هو العلم يتحدَّث عن المفاهيم السلبية والإيجابية.
المضحك أكثر مما سبق أنَّ بعضهم يقول لك: لا تجلس في مكان تشعر فيه بطاقة سلبية، فنقول لهؤلاء: لا يوجد شيء يُسمَّى مكان به طاقة سلبية، ومكان به طاقة إيجابية!
ويقول آخرون: إنَّ دور العبادة تمتلئ بالطاقة الإيجابية، والواقع أنَّ دور العبادة متعادلة الشحنة لا تفرز طاقة سالبة ولا طاقة موجبة.
فالأماكن متعادلة الشحنة لا يوجد مكان ممتلئ بالطاقة الإيجابية، ولا مكان ممتلئ بالطاقة السلبية.
والشحنة الموجبة أو الشحنة السالبة كما قلت لا تعنيان الفهم الذي يريدونه للإيجابية والسلبية.
الفصل السابع
علم الفيزياء الفلكية
36 - كيف نشأ علم الفيزياء الفلكية؟
ج: علم الفيزياء الفلكية نشأ للإجابة عن عدة أسئلة، مِن أهمها: كيف ظهر الكون؟
والمشكلة هنا أنَّ الإلحاد بدأ يستخدم بعض فرضيات هذا العلم؛ لتبرير بعض التصوُّرات الإلحادية.
وللإنسان أن يتعجَّب كيف لملحد يؤمن أنَّ الأحجار -الطبيعة- هي التي خلقت نفسها، ثم خلقت العالم، وهي التي خلقت الإنسان بسمعه وبصره وعقله وجوارحه، وهي التي قدَّرت أرزاقنا، وهي التي قدَّرت الموت والحياة، كيف له أنْ يستخدم فرضيات هذا العلم لتبرير هذا الجنون؟
الإلحاد الذي يحاول أنْ يقنعك بالمحالات، فلا وجود له إلا بالإيمان بالمحالات، يستخدم فرضيات علم الفيزياء الفلكية؛ لتبرير إيمانه بالمحالات.


لقد صار الإلحاد اليوم يتكلَّف أسخف صور الاستدلال في مقابل إيهامك بأنَّ له وجاهةً.
مثال على ذلك: يقرر الإلحاد طبقًا لفرضية أنَّ: مجموع الطاقة الموجبة والطاقة السالبة في الكون قريبة من الصفر، يقرر بناءً على ذلك أنَّه لا وجود لشيء.
حتى قال أحد الملحدين بالحرف: "الكون غير موجود"().
فتخيَّلْ إلى أي حدٍّ وصلوا!
وصلوا لإنكار وجود العالم الذي يعيشون فيه.
ونحن نستطيع قياسًا على قولهم أن نقول ما يلي: هناك أرض زراعية قام المهندسون بالأكل منها، ثم بهذه الطاقة التي حصلوا عليها بالأكل، قاموا بحفر المناجم لاستخراج المعادن، وصنعوا بهذه المعادن طائرة عملاقة.
فهل ننفي صانع الطائرة، وصناعة الطائرة، وعملية استخراج المعادن، وعملية تصميم المعدات التي استَخرجت المعادن وصَمَّمت الطائرة، وفيزياء أجهزة الطائرة، هل ننكر كل هذا الصنع والتصميم والإيجاد والتدبير لمجرد أنَّ: مجموع الطاقة التي أخرجها المهندسون في تصنيع الطائرة تساوي الطاقة التي حصلوا عليها من الأرض الزراعية؟
هل ننفي خَلق الكون وإبهار الحدود الحرجة التي بدأ بها لمجرد أنَّ مجموع الطاقة السالبة والموجبة قريب من الصفر؟
فالملاحدة كما ترى يستخدمون أيَّة فرضية، ويُلبسوها مُسوحًا عجيبة؛ ليروجوا لإلحادهم ولإيمانهم بالمحالات.
37 - ما هي مشكلة علم الفيزياء الفلكية، وهل هو علم أم دجل وهراء؟
ج: يقول الملحد اللاأدري الشهير برتراند راسل: "عقليًّا ليس هناك مانع أن يكون الكون قد ظهر منذ خمس دقائق، وبه آثار تدلُّ على ماضٍ سحيقٍ"().
فالآليات التي يرصد بها العلماء عمر الكون، أو حجم الكون، أو حتى التعقيد الكوني هي آليات في منتهى البدائية.
فأنت تتعامل مع نظام كوني مُعقَّد للغاية بآليات وأجهزة رصد في منتهى البساطة.
إنَّ نظام الكون مُعقَّد جدًّا جدًّا جدًّا، والآليات التي نستخدمها في رصده هي آليات بدائية جدًّا جدًّا جدًّا؛ ولذلك قال برتراند راسل ما قال، وبالمناسبة برتراند راسل هو عالم رياضيات ومنطق، فهو يحاول أن يشرح لنا قصور الفرضيات التي وصلنا لها في علم الفيزياء الفلكية؛ ولذلك قال أيضًا في موضع آخر: "لم يكن صراع جاليليو ومحاكم التفتيش صراعًا بين العلم والدين، وإنما صراع بين الاستقراء والاستنباط"().
فهنا يقرر برتراند راسل أنَّ منهج جاليليو كان منهجًا استقرائيًّا سطحيًّا ليس بهذه الوثوقية.
وحتى تعرف معنى الاستقراء: فلنفترض أنَّ هناك نباتًا غريبًا (س) بعد أن تناوله أحد الأشخاص أدَّى لظهور المرض (ص).
فهنا يقرر منهج الاستقراء أنَّ النبات (س) يؤدي للمرض (ص).
هذا هو منهج الاستقراء.
لكنَّ هذا منهج قاصر.
فهناك ألف سبب آخر ربما كان لهم دورٌ في ظهور المرض (ص)، فما الذي يدفعك للربط المباشر بين هذا النبات وبين ظهور هذا المرض.
ربما كان في هذا النبات مواد كيماوية تم رشها عليه، وهي التي أدَّت لظهور هذا المرض.
ربما حصل شيء بالتزامن مع تناول هذا النبات.
فمشكلة المنهج الاستقرائي أنه يتجاهل آلاف المُسببات الأخرى.
وهناك مُسببات خفية أو متغيرات خفية لا تُحصى ولا حصر لها Confounding variable.
فالمنهج الاستقرائي يؤدي لما يعرف بـ: "الارتباط الزائف" بين ظاهرة وأثر، فهو يتجاهل المسببات الخفية، والتي من الممكن أنْ يكون لها دور في ظهور المرض (ص) كمثال؛ لذلك قد يكون حُكم المنهج الاستقرائي حُكمًا بدائيًّا بناءً على ارتباطٍ زائفٍ.
وخير مثال واقعي على ذلك: الافتراض الشائع بين بعض أطباء جراحات المخ في ثمانينيات القرن الماضي من كون أورام معينة في المخ، لها دور في سلوكيات شاذة عند المصابين بهذه الأورام.
وقد اشتهر هذا الافتراض بعد أن بيَّنت النتائج المبدئية أنَّه بإزالة الورم في بعض المرضى اختفت هذه السلوكيات الشاذة.
فهل تصرُّفات الإنسان المُعقدة للغاية يتمُّ النظر لها بمنهج استقرائي أُحادي بدائي؟
أين آلاف المتغيرات والمُسبِّبات الخفية التي لا تُحصى؟
كيف يمكن تجاهُل ما لا حصر له من الأسباب الأخرى، والتي قد تكون أدَّت لتعديل سلوك الإنسان؟
فالإنسان ظاهرة مُعقدة جدًّا، ولا يمكن تحليل سلوكياته بهذه الرؤية البدائية.
فما المانع مثلًا أن يكون المريض قد استشعر اقتراب أجله، فتراجع عن ممارساته الشاذة؟
العجيب أنَّ هذا التصوُّر ظل شائعًا بين بعض أطباء جراحات المخ، حتى تم اكتشاف أنه لا توجد عَلاقة بين الورم في المخ وبين السلوك البشري أصلًا.

لكن لو كنَّا ندرك قصور المنهج الاستقرائي من البداية لما سقطنا في هذا الفخ، ولما احتجنا للتوكيد العلمي على خطأ هذا التصوُّر.
مثال آخر: يقول الملاحدة كيف تكون الشهب رجومًا للشياطين، في حين أننا نعرف القوانين الفيزيائية التي تسير بها الشهب؟
ومصدر هذه الشبهة أيضًا هو المنهج الاستقرائي في الرصد.
فنحن لا نرصد إلا مُتغيرًا واحدًا فقط، وهو قوانين الفيزياء التي تسير بها الشهب، لكن نحن نتجاهل كل المتغيرات الخفيَّة، والتي قد تكون لا حصر لها فعليًّا في عالم المحسوسات، فما بالك بعالم الغيب كعالم الجن والشياطين؟
إذا كنت في عالم المحسوسات منهجك الرصدي الاستقرائي في منتهى القصور، فما بالك بالعالم غير المدرَك... العالم الغيبي؟
لأجل كل هذا يقول كارل بوبر وهو فيلسوف العلوم الأشهر: "منهج الاستقراء لا يمكن أن يحقق الطمأنينة مهما كرَّرت التجربة، فلا بد وأنك ستعاني من ضعف الوثوقية؛ لأن هناك متغيرات خفية لا تحيط بها"().
ستبقى دومًا هناك جملة من المُسببات الخفية تثبت خطأ استنتاجك قد تظهر في أي وقت، وقد لا تظهر أبدًا.
ومن أجل هذا قام بوبر بتأسيس مبدأ عُرِف في فلسفة العلم بمبدأ: "القابلية للنفي Falsifiability"، فمهما كررت التجربة لن تستطيع أن تُثبِت صحة نظرية بالمنهج الاستقرائي.
لأنك لن تستطع أن تحيط بكل المُسببات الخفية، فكيف تضع حُكمًا شموليًّا من رصدٍ بسيطٍ لمتغيرٍ واحدٍ؟
ونحن هنا لا ننكر أهمية منهج الاستقراء، فهو على قصوره يُقدِّم خدماتٍ كثيرةً، فبتكرار التجربة نحاول أن نصل لأفضل تصور متاح بحدود قدراتنا البشرية، فنحن دائمًا نكرر التجارب؛ لنرصد أية متغيرات خفية، ونُعدِّل النتائج.
فهنا التكرار يفيد في زيادة الطمأنينة لنتائج التجربة، لكن لا بد أن نعلم أننا لن نصل للوثوقية التامة، ستبقى دائمًا نسبة شك، وهذه طبيعة البحث العلمي.
مشكلة علم فيزياء الفلك أنَّه أعقدُ من عالم الكائنات الحية بمراحل: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [غافر: 57].
فتعقيد عالم الفلك أكبر من تعقيد عالم الكائنات الحية، وهناك حواجز في طبيعة هذا الكون من المحال تجاوزها مهما انفتحت لنا من علوم، مثال على ذلك: جدران بلانك.
فأنت لن تستطيع أنْ تعرف ماذا كان قبل الثانية 10-46 من عمر الكون، فمهما أُوتيت من علم يستحيل أن تعرف.
فكيف إذن سننظر في كيفية ظهور الكون؟
ثم إنَّ قضية خلق السماوات والأرض لا تخضع لا للاستقراء ولا للاستنباط.
فهل سبق لأحد أن شهد بعينيه عملية خلق سماء وأرض حتى يقيس عليها خلق سمائِنا وأرضنا؟
{أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزُّخرُف: 19].
هل رأيت سماءً تُخلق، ثم تبدأ أنت في ممارسة المنهج الاستقرائي في كيفية ظهور كوننا؟
فكيف تقيس غائبًا والذي هو خلق السماوات والأرض على أي شيءٍ حاضرٍ؟
لذلك حتى يقوم الباحثون في علم الفيزياء الفلكية على دراسة كيفية ظهور الكون، فإنهم يعتمدون على منهج أقل دقة بكثير من المنهج الاستقرائي، ألا وهو منهج الاستنباط الافتراضي Hypothetico-Deductivism.
وطبقًا لمنهج الاستنباط الافتراضي فـ: الباحثون في علم الفلك يقومون بقياس غائب لم يشهدوه، والذي هو خلق السماوات والأرض على تأويلات في أذهانهم، يُحاكونها على مجموعة من النماذج الرياضية.
فهذا المنهج من أقل مناهج المعرفة العلمية وثوقيةً، ولا يفصل بينه وبين الشعوذة إلا شعرة البالطو الأبيض وشهادة الجامعة كما سأُبيِّن.
لكن الذي يتعجب له الإنسان: كيف لملحد أن يستخدم فرضيات بهذا الضعف في طرح تصوُّراته الإلحادية؟
إنها فرضيات لا تملك حتى مسحة دليل استقرائي واحد!
يقول ريتشارد داويد فيلسوف العلوم: كيف لهؤلاء الفيزيائيين الاعتقادُ في فرضيات لا يوجد دليل واحد يدعمها؟

ثم يأتي ملحد ليعتدي بهذه الفرضيات على الغيب والوحي الإلهي!
مَن يفرح بهذه الفرضيات ينطبق عليه قول الله تعالى: {فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} [الطور:12].
والنتيجة: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} [المعارج: 42].
انظر كمثال لـ: نظرية الأوتار الفائقة، تلك النظرية التي يشتغل عليها آلاف العلماء في العالم، وأُنفقت عليها مليارات الدولارات.
قوام هذه النظرية على أية أدلة؟
تقوم نظرية الأوتار الفائقة على مجرد تأويلات ذهنية، ونماذج رياضية لا أكثر!
وعندما تحدث ستيفن هاوكنج عن نظرية الأوتار الفائقة في آخر كتبه قال: "هذه النظرية تعطي خمس نظريات، وكل نظرية من هذه النظريات الخمس لها ملايين الحلول الرياضية"().
ويمكن من خلال التأويل الذهني لأي حل من هذه الملايين من الحلول التي تفترضها نظرية الأوتار الفائقة، أن يتم رسم عالم كامل من الخيالات والأوهام (فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ).
لن يعجز إنسان بهذه الملايين من الحلول أن يطرح أية فرضية من الفرضيات باختيار أي حل يعجبه، ويتصوَّر من خلاله أي هذيان في مقابل الوحي الإلهي.
والعجيب أنَّ نظرية الأوتار الفائقة نفسها لا يوجد عليها دليل واحد، ولا يوجد عالم فيزيائي مُعتبَر يستطيع أن يجزم بوجود أوتار فائقة في بِنية الذرة أصلًا!
فنظرية الأوتار الفائقة في مبناها تشبه علم الفيزياء الفلكية، كلاهما يقوم على التأويل الذهني، وبعض النماذج والمعادلات الرياضية.
يقول ستيفن هاوكنج في خاتمة كتابه موجز تاريخ الزمن: "نظرية الأوتار الفائقة تشبه نظرية الأرض التي تحملها سلحفاة، كلتا النظريتين: الأوتار الفائقة والأرض التي تحملها سلحفاة تفتقرانِ إلى دليل، فلم ير أحد قط سلحفاة ضخمة تحمل الأرض على ظهرها، ولم يروا كذلك وترًا فائقًا"().

تفترض نظرية الأوتار الفائقة 50010 كون، أي: مليارات الأكوان.
تتخيَّل هذه النظرية مليارات الأكوان حتى تضبط المعادلات الخاصة بها!
تخيل إلى أية درجة وصلت الفذلكة الرياضية.
والبعض ينبهر بهذا الإغراق الرياضي.
مجموعة من النماذج الرياضية والمعادلات التي يُراد بها تفسير كونِنا، تخرج لنا بمليارات مليارات التصوُّرات لأكوان أخرى؟
حتى تصح معادلتك تفترض لي مليارات مليارات الأكوان، ما هذه الضريبة الرهيبة؟
معادلات نظرية الأوتار الفائقة معادلات مُعقدة وصحيحة رياضيًّا تمامًا، لكنها لا تصف أي شيء على أرض الواقع!
للأسف عوام الناس لا يعرفون هذا الكلام، ولا يعرفون أنَّ علم الفيزياء الفلكية أصبح مرتعًا لتأويلات ذهنية تعادل بالضبط ما يمارسه المشعوذون!
دافعو الضرائب في الغرب لا يعرفون أن ملياراتهم تُنفَق في هراء باسم البحث العلمي، والتقدم البشري.
ثم يأتي ملحد ليقول لنا: هناك طاقة كانت موجودة قبل ظهور كوننا، بناءً على فرضية (س)!
لقد خرج ألكسندر فلنكن Alexander Vilenkin وهو من أشهر الباحثين في علم الفيزياء الفلكية، ويعمل مديرًا لمعهد علم الكونيات، خرج بعد 25 سنةً من البحث في فرضيات نشأة الكون، وأصل الكون، وهو يومًا ما كان واحدًا من رُوَّاد هذا المجال، خرج ليعترف أن كل هذه الفرضيات في نشأة الكون بلا قيمة، فهي مجرد تأويلات لا تعمل حتى على مستوى المعادلة الرياضية().
لقد خاضوا في الغيبيات بالتأويلات الذهنية والأوهام السخيفة، فضيَّعوا الأعمار في اللاشيء: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148].
فهو مجرد غرور بشري لتخيل الغيب المحض: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الروم: 29].
ومن فسد اعتقاده الديني فسدت كل تأويلاته الذهنية في عالم الغيب، وعاد بالخزي والفشل!
فالمرجعية الموضوعية الوحيدة Normative Reference التي يمكن الاعتماد عليها يقينًا في عالم الغيب هي: "الوحي الإلهي".
بالوحي الإلهي تعرف الحقيقة مطابقة للواقع.
وليس بديل الوحي الإلهي إلا زبالات التأويلات الذهنية التي يسمونها بـ: فرضيات أصل الكون.
فسماوات وأرض لا يتصورون كيف كان قيامُها أصلًا يدخلون فيها بالتخرُّصات الذهنية؟
شيء مما لا قياس له على عادتنا في هذا العالم، كيف يقومون بوضع التخيلات العقلية فيه؟ ويسمون هذه التخيلات علمًا؟
يتكلَّفون أسخف صور الاستدلال، وأوْهى أنواع الاستنباط، فيما لا سبيل للبشر إلى تحصيله أصلًا!()
نحن معاشر المسلمين نؤمن بأنَّ طريق معرفة الغيب مما لا سبيل للعلم التجريبي إليه، لا يكون إلا باكتساب العلم من الوحي الإلهي، وليس من تأويلات الذهن.
وبعيدًا عن قضية أصل الكون، فبقية فروع علم الفيزياء الفلكية كدراسة النجوم، هي وإن لم تكن بنفس سطحية الأدلة في فيزياء أصل الكون، لكنها أيضًا تعاني من عيوب القياس على غير مَقيسٍ.
فهي تعتمد على معلومات رصدية شحيحة باهتة بالنسبة لتعقيد النظام الكوني، فتؤسّس على هذه المعلومات الباهتة تصوُّرات كلية، وأكوامًا من الفرضيات والقياسات والتأويلات.
فإذا كان علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون لا يملك دليلًا، وأنَّى له الدليل في فرضياته التي يضعها، فإنَّ علم الفيزياء الفلكية في دراسة النجوم يملك أدلة، لكنها شحيحة للغاية، وباهتة بصورة مزعجة، فأنت لا تعرف حجم الأسباب الغيبية التي قدَّر الله بها خلق القوانين، ولا تعرف كم وتعقيد المسببات الخفية.
فأنت عندما ترصد الضوء الذي خرج من النجم، وتبدأ في تحليل كل مكونات النجم بناءً على طيفه الضوئي قياسًا على لون الشعلة الذي نراه في معاملنا، فهذا تحليل بدائي().
عندما تُقرر أن هذا الضوء الذي خرج من النجم منذ ثلاثة ملايين عام ووصلنا للتوّ، لم تحصل له متغيرات أو مسببات خفية تؤثر على قياساتك التي تتبنَّى من خلالها تصوُّر عمر النجوم، وعمر الكون فأنت عندك مشكلة!
فما المانع كما يقول برتراند راسل من أن يخرج الضوء منذ خمسة دقائق فقط، وبه آثار ومتغيرات خفية توحي بأن عمره ثلاثة ملايين عام؟()
فمنهج الاستنباط الافتراضي، والقياس على غير مقيسٍ، وتجاهل المتغيرات الخفية لا يعطي أية وثوقية في القياس.
ولذلك كان ستيفن هاوكنج يؤكد دائمًا أننا من الممكن في أية لحظة أن نكتشف أنَّ: كل نتائج قياساتنا في فيزياء الفلك هي مجرد خرافات أسطورية خاطئة().
إذن لو أردنا تقسيم البحث العلمي اليوم، فهو ينقسم إلى أربعة أنواع:
النوع الأول: البحث في الغيب المحض بالتأويلات الذهنية، كالبحث في أصل الكون.
وهذا النوع من البحث هراءٌ كله، ووهمٌ كله، وشعوذةٌ كله.
ولا أدري ما الذي ألجأ الباحثون في علم الفيزياء الفلكية إلى الدخول في الغيب المطلق وما وراء العالم؟
ألم يعترف العلم التجريبي أنه قاصرٌ على رصد الظواهر فقط في حدود الزمكان؟
فالعلم يرصد الظاهرة في حدود الزمان والمكان فقط!
أما ما وراء العالم، وما وراء الزمان والمكان، فهذا خارج نطاق النظر العلمي.
عندما دخل الباحثون في علم الفيزياء الفلكية إلى الغيب المحض ملأوا الأوراق بالتأويلات الذهنية، وأفسدوا مدرجات الجامعات بأكوام الفرضيات السخيفة!
إذن فهذا النوع من البحث كله هراءٌ ووهمٌ.
النوع الثاني وهو: النظر في النجوم بالاستنباط الافتراضي، وبناء فرضيات عملاقة على معطيات شحيحة باهتة، وهذا النوع من البحث العلم أغلبه فرضيات.
النوع الثالث وهو: النظر في المحسوسات بالمنهج الاستقرائي، وهو علم فيه نفع بقدر عمق البحث والإنفاق عليه وتكرار التجربة، لكن لا تصل فيه أبدًا للوثوقية الكاملة.
النوع الرابع من البحث العلمي وهو: القائم على الرصد المباشر للعينة التي تحت يدك وتحليلها تحليلًا تامًّا، وإقامة الحكم بناءً على تلك العينة وما يضاهيها في مادتها، وهذا أغلبه علمٌ نافعٌ، وهو وهو أصل منهج البحث العلمي عند علماء المسلمين في القرون المتقدمة.
وكل العلوم النافعة التي ننتفع بها اليوم تقوم على النوعينِ الثالث والرابع من البحث العلمي.
ولم ينتفع العلم بشيءٍ من كل أبحاث الفيزياء الفلكية، كما يعترف غير واحد من الباحثين في هذا المجال.
وقد بدأ كثير من علماء الغرب في التصريح ضمنًا في كتبهم بسخافة علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون، ولولا الخوف من الاتهام بالتخريف ومعاداة العلم، لكان لهم مع علم الفيزياء الفلكية شأنٌ آخرُ.
للأسف يتمُّ شن حملات سخرية ضد كل مَن ينتقد هذا العلم في الغرب: أنت عدو العلم!
أنت جاهل!
فهذا سوط يرفعه القائمون على علم الفيزياء الفلكية ضد كل مَن يُسخف فرضياتهم، أو يُبدي قلقه الزائد من الإنفاق المبالغ فيه على أبحاثهم.

عندما خرج بول فيرابند Paul Feyerabend وهو أحد أكبر فلاسفة العلم في القرن العشرين، وتلميذ كارل بوبر، وصاحب كتاب ضد المنهج، عندما خرج ليُشكك في معطيات علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون، تمَّ اتهامه بأنه عدو العلم، بل وتمَّ وصفه بـ "العدو الأسوأ للعلم".

فهناك سوط يُرفع دائمًا في وجه مَن يُشكك في هذا العلم.
ولذلك نصيحتي لكل مسلمة ومسلمة: الزموا النصَّ بفهمه الصحيح في مسائل الغيب، وقِفوا عنده.
فالعقائد في الغيب لا نتلقَّاها من تأويلات الفلكيين أو فرضيات النماذج الرياضية، وإنما نتلقَّاها بالوحي الحق من رب العالمين.
ومن استقام له الاعتقاد الغيبي بصحة الرسالة فلا يضرُّه ما تراكم في متاحف الجامعات من توهُّمات التأويل الذهني والنمذجة الرياضية والاستنباطات الافتراضية().
والآن دعونا نقترب من علم الفيزياء الفلكية أكثر وأكثر وننظر كيف يعمل هذا العلم.
علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون يقوم على مجموعة من الفرضيات، ولا وجود لهذا العلم بدون التسليم بصحة هذه الفرضيات.
ومن هذه الفرضيات:
فرضية الوتيرة الواحدة Uniformitarianism هذه الفرضية تقرر أنَّ: القوانين والآليات الطبيعية التي يعمل بها كونُنا اليوم، هي نفسها القوانين والآليات الطبيعية التي كان يعمل بها الكون قبل عشرة آلاف سنة، وقبل مليون سنة، وقبل مائة مليون سنة، وقبل مليار سنة، وقبل عشرة مليارات سنة، بل هي نفسها القوانين والآليات الطبيعية التي بدأ بها كونُنا.

لا قوام لعلم الفيزياء الفلكية إلا بهذه الفرضية.
فمن المستحيل أن تكون هناك فيزياء فلكية دون التسليم مسبقًا لصحة هذه الفرضية.
فالكون يعمل بالآلية والقوانين نفسيهما عبر مليارات السنين، بل وبدأ الـPlanck size بالآلية والقوانين نفسيهما.
لو لم تكن هذه الفرضية صحيحة فلا وجود لعلم الفيزياء الفلكية، فكيف للباحث في علم الفيزياء الفلكية أن يضع فرضياته في أصل الكون إن لم تكن بناءً على قياسات يقيسها اليوم، ويفترض أنها القياسات نفسها التي كانت لحظة ظهور الكون؟
لكن الإشكال الأكبر هنا: من أين لكم أن القياسات كما هي منذ لحظة ظهور الكون؟
فرضية الوتيرة الواحدة هي محض تخيُّل وافتراض!
فهي مجرد ادعاء لا يمكن إثباته assumption.
لكن الباحثين في علم الفيزياء الفلكية يضطرون لإثبات هذه الفرضية، وإلا لأصبح علمهم كله وهمًا.
فهم يكتبون المعادلات التي تصف حالة الكون قبل مليارات السنين، معتمدين على الآليات التي يرصدونها اليوم في الكون، فهم مُضطرون للتسليم بهذه الفرضية التخيلية ابتداءً.
والسؤال هنا: ما المانع أن تكون قد حصلت تغيرات في الآليات بمسببات خفية Confounding variable؟
إذا حصلت مثل هذه التغيرات، فبالتالي ستصبح كل المعادلات الموضوعة بلا معنًى؛ لأنها تضع قياسات غير صحيحة!
فأي تغير بأقل مقدار في قيمة أي قياس أو ثابت سيعني أن النموذج الرياضي الذي تم بناؤه لوصف نشأة الكون لا يصف كوننا.
فهو نموذج رياضي لا يعمل!
لأن هذا النموذج الرياضي اعتمد على قياسات اليوم، وهذه القياسات لم تكن بتلك الصورة عبر تاريخ الكون.
وقد ثبَت اليوم بالفعل وجود قياسات كثيرة تتغيَّر عبر الزمن.
مثال على ذلك: الثابت الكوني.
تبيَّن للعلماء أنَّ الثابت الكوني يتغيَّر مع الزمن.
إذن أية معادلة تصف كيف نشأ الكون ستكون فيها مشكلة خطيرة.
لأن الثابت الكوني الموجود في معادلات نشأة الكون هو غير ثابت أصلًا، بل هو متغير.

وبالتالي فعندما تضع لي قيمة الثابت الكوني بقياسه الحالي في معادلات نشأة الكون، فأنت بهذا لا تصف كوننا؛ لأن قيمة من قيم معادلتك غير صحيحة، وهي قيمة الثابت الكوني.
وبالتالي فنموذجك الرياضي ككل، ذلك النموذج الذي تخيَّلت به آلية نشأة الكون فيه مشكلة فعلية.
الأعجب من ذلك أن فرضية الوتيرة الواحدة لا تصحُّ حتى مكانيًّا.
فما يجري في قياساتنا على الأرض، وما نرصده بالقياسات، لا يلزم أن يكون هو الذي يجري في كل الكون بالقياسات نفسها.
فقد تختلف قيم القياسات من مكانٍ لآخَرَ في الكون، وهذا الأمر يُولِّد مشكلات أخطر في علم الفيزياء الفلكية.
فهذا الأمر يتخطَّى حتى علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون إلى علم الفيزياء الفلكية ككلٍّ.
إذن ففرضية الوتيرة الواحدة لا تستقيم حتى مكانيًّا، والقياسات قد تختلف من مكانٍ لآخر في هذا الكون، وهذا حقيقةً يُضعِف وضع نموذج رياضي كلي يصف الكون؛ لأن هذا النموذج في الواقع سيكون نموذجًا فيه مشكلة عميقة.
فالقياسات لا تصف إلا وصفًا مرتبطًا بزماننا ومكاننا في الكون، ولو غيَّرنا الزمان أو المكان ربما اختلفت القياسات تمامًا.
ولذلك عندما تطرح نموذجًا رياضيًّا كليًّا يصف لي آلية ظهور هذا الكون، أو عمر هذا الكون، وهذا النموذج الرياضي يُعاني من مشكلة في قيم القياسات الموضوعة فيه، فهذا يجعل نموذجك بلا قيمة.
والآن دعونا ننظر في كيفية وضع قيمة قياس الثابت الكوني:
مصدر قيمة الثابت الكوني الذي يُوضع في معادلات نشأة الكون، هو أرصاد الخلفية الكونية الـ CMB Cosmic Microwave Background.

فالثابت الكوني هو قيمة لمقدار معينٍ في معادلة المجال في النسبية العامة لأينشتاين، ومصدر هذه القيمة هو أرصاد الخلفية الكونية CMB.
أيُّ تغيير في قيمة هذا المقدار كما قلتُ سيجعلنا نخرج بنموذج رياضي مختلف تمامًا، أو بمعنى أدقَّ سنخرج بصورة كون غير كونِنا الذي نحن فيه أصلًا.
العجيب هنا أنَّ نظرية الحقل الكمومي Quantum Field Thoery تقول: إن قياسات الثابت الكوني هي قياسات مختلفة تمامًا.
فقياسات الثابت الكوني التي يقوم بها الكوزمولوجيون تختلف تمامًا عن قياسات الثابت الكوني في نظرية الحقل الكمومي.
فعندما درسَت نظرية الحقل الكمومي Quantum Field Thoery مقدار طاقة الفراغ... مقدار هذا الثابت الكوني بقياس الأطوال الموجية للذبذبات الكمومية، اكتشفت أن قيمة الثابت الكوني ليست بالقيمة الموجودة نفسها في معادلة المجال لأينشتاين.
إنَّ قيمة الثابت الكوني في نظرية الحقل الكمومي تساوي قيمة الثابت الكوني في معادلة المجال، مضروبة في واحدٍ وأمامه 120 صفرًا.
هذا شيء رهيب، وأمر لا يُتصوَّر.
فنحن أمام مليارات مليارات مليارات مليارات مليارات أضعاف القيمة.
فعلى أي قيمة نعتمد؟
قيمة الثابت الكوني في معادلة المجال، أم قيمته في نظرية الحقل الكمومي؟
والمشكلة حتى الآن ليست هنا، المشكلة أننا لا نعرف من فيهما الصحيح، وربما كلاهما خطأ!
إننا أمام ثابتٍ واحدٍ، لكن قيمته تختلف اختلافًا جذريًّا بين نظريتين، كلتا النظريتين يتلقَّاهما المجتمع العلمي بالقبول.
فأنت لا تستطيع أن تقول: إنَّ قيمة الثابت الكوني في هذه النظرية أصحُّ من قيمته في تلك، فكلتا النظريتين نظريات مقبولة في الفيزياء المعاصرة.
لو غيَّرت قيمة الثابت الكوني في معادلاتك بأقل تغييرٍ، فأنت أمام كون مختلف تمامًا، فما بالك وقيمته تختلف هذا الاختلاف المدهش؟
لذلك لا غرابة أن نقول: إن علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون يقوم على التخمين المحض: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} [النجم: 23].
والعجيب هنا في إشعاع الخلفية الكونية CMB Cosmic Microwave Background الذي يُعتبر مستندَ علم الفيزياء الفلكية في تصوُّر نشأة الكون في لحظاته الأولى، العجيب أنَّ هذا الإشعاع نفسه لا يعود أصلًا إلى لحظات الخلْق الأولى للكون، بل هو يعود إلى مئات الآلاف من الأعوام بعد ظهور الكون.
فمستند علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون في لحظات الخلْق الأولى للكون، على إشعاع الخلفية الكونية، والذي يعود إلى مئات الآلاف من الأعوام بعد نشأة الكون.
فلا هو إشعاع اللحظة الأولى، ولا هو ثابت في قياساته عبر الزمن.
الفرضية الثانية التي يقوم عليها علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون، ألا وهي: فرضية أنَّ ما تجيزه المعادلة الرياضية هو واقع أنطولوجي!
وحتى نفهم هذه الفرضية، فلنتصورْ أنني قمتُ بعمل مجموعة من المعادلات الرياضية الصحيحة تمامًا، فأثبت من خلالها أن هذا الكون شكله مقعَّر وليس مُحدَّب، وأنَّ الأرض ليست محدَّبة، وإنما هي مقعرة.
والسماوات كلها التي نراها تقبع داخل التقعُّر الأرضي!
أنا قمتُ بعمل المعادلات التي تقول بذلك.
هل بهذه المعادلات يكون الكون مقعرًا فعلًا، والأرض مقعرة؟
هل بهذه المعادلات تصبح السماوات كلها داخل فلك الأرض؟
لا إطلاقًا!
هذا لا يلزم حتى لو صحَّت المعادلات.
فما تجيزه المعادلة الرياضية حتى ولو كانت معادلة صحيحة لا يلزم على الإطلاق أن يكون هو الواقع على المستوى المادي... على المستوى الواقعي... على المستوى الطبيعي... على المستوى الأنطولوجي الوجودي، هذا لا يلزم على الإطلاق.
وهذا الأمر لا خلاف عليه فيما أعلم بين المتخصصين في الفيزياء!
فعندما تضع مجموعة من المعادلات، وتقول بأن الكون نشأ بهذه الصورة، أنت تعلم أنَّ هذه المعادلات هي محض تخيُّل... مجرد توصيف رياضي تخيلي تصف به لحظة ظهور الكون، فلا تُلزمني بالتسليم بأنَّ صورة نشأة الكون كانت بالتصوُّر نفسه التي تفترضه معادلاتك!
فتلك اللحظة الفريدة العجيبة التي نشأ فيها هذا العالم المدهش، تضع أنت مجموعة من المعادلات تصف بها هذه اللحظة الرهيبة، وتقول لي: هذه هي الآليات التي جرت لحظة ظهور الكون؟
مَن أعطاك هذا الحق أصلًا لتصف حدثًا فريدًا كلحظة ظهور الكون بمجموعة من المعادلات؟
ذاك الحدث الذي هو يقينًا من الغيب المحض!
{مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الكهف: 51].
فأنت تريد أن تصف هذا الحدث المميز جدًّا بتخرُّصات رياضية؟
من أعطاك هذا السلطان؟
تضع معادلاتٍ وتتخيَّل بناءً على هذه المعادلات هذه اللحظة الفريدة؟
إذا كنت أنت بنفسك تُقِرُّ أن ما تُتيحه المعادلة الرياضية لا يلزم تحقُّقه ماديًّا، فما بالك بتلك اللحظة المميزة؟
المعادلة الرياضية هي لغة رمزية تجريدية توصف بها الحقائق، لكن أيضًا توصف بها الأوهام، فهي كأية لغة رمزية أخرى.

فالمعادلة الرياضية هي مجرد لغة رمزية بمقدورها وصف الحقيقة، وبمقدورها وصف الخيال والدجل والشعوذة.
وخيرُ مثال على ذلك: معادلات النظرية إم M theory، فمعادلات هذه النظرية هي معادلات رياضية صحيحة، بل وهي غاية في الدقة والتعقيد والضبط، لكنها ماذا تصف؟
تصف عوالم خيالية Higher dimensions!
تصف أوهامًا.
أينشتاين نفسه كان يصف كثيرًا من المعادلات الصحيحة، بأنها من قبيل السحر الأسود().
فالمعادلات تصف الهذيان، وتصف الحقائق.
فبأي سلطان تقول لي: إنَّ الكون نشأ وَفْق هذه الفرضية أو تلك؟
من الذي أعطاك هذا السلطان لتقترح عليَّ الغيب المحض بمعادلاتك ونماذجك وفرضياتك؟
مثال آخر: معادلات نظرية الأوتار الفائقة، هذه المعادلات لها ملايين الحلول الرياضية كما قلتُ قبل قليل، وكلها صحيحة رياضيًّا، لكن كل هذه الملايين من الحلول في الوقت نفسه هي مجرد وهم؛ لأننا لا نحتاج في الأخير إلا إلى معادلة واحدة فقط من كل هذه المعادلات الصحيحة لتصف عالمنا، هذا في حال صحَّت نظرية الأوتار الفائقة ابتداءً().
فحتى لو صحَّت المعادلة هذا لا يلزم منه أن يكون ما تفترضه المعادلة هو الذي حصل بالفعل على أرض الواقع.
نعود لموضوع الكون المقعر، والأرض المقعرة مرةً أخرى!
هل تعلم أن هذه القصة حقيقية وليست خيالًا؟
بالفعل هناك دراسة علمية بمعادلات صحيحة مائة في المائة، وباستخدام النسبية العامة لأينشتاين... باستخدام معادلات المجال، أثبت العلماء أنَّ الكون مُقعر، وأنَّ الأرض مقعرة، وأنَّ كل السماوات موجودة داخل تقعُّر الأرض.
ومن خلال معادلات المجال لأينشتاين تبيَّن أن جميع الأشعة التي تصل لسطح الأرض منحنية في الأصل، فهي ليست مستقيمة، ونقطة مركز الأرض المقعرة هي نقطة تباطؤ لجميع الحركات بما فيها حركة الضوء، وبالتالي فالذي يرصد الفضاء يحصل تطاول عنده في المسافات توهمًا وليس حقيقةً.
فأنت عندما ترى النجوم فأنت تراها أبعدَ بكثير عن مكانها الحقيقي.
فمكان النجوم طبقًا لنموذج الأرض المقعرة قريب جدًّا من الأرض، لكن لتباطؤ جميع الحركات عند الاقتراب من الأرض يجعل المسافات تطول توهُّمًا؛ لذلك فأنت ترى الفضاء وكأنه لانهائي، وفي الواقع هو ليس كذلك، لكن لأن المسافات يحصل فيها تطاول وهمي كلما ابتعدت بالرصد عن مركز الكرة المقعرة، فتشعر وكأن الفضاء لانهائي.
وقد يقول قائل: لكن نحن نرى الأرض محدبة من الفضاء، أليس كذلك؟
والجواب: نحن نرى الأرض محدبة من خلال المراصد الفلكية ومن الطائرة؛ نتيجةً لانحناء موجة الضوء، وأنها ليست مستقيمة، لكن الأرض في الواقع مقعرة().
طبعًا نحن لا نعتقد هذا الكلام، فنحن لا نعتقد أنَّ الأرض مقعرة، أو أنَّ الكون مقعر، نحن لا نعتقد هذه الأمور.
لكن الشاهد من كلامي أنَّ: معادلات الأرض المقعرة هي معادلات علمية صحيحة معتبرة.
فالمعادلة تستطيع أن تصف لك أي شيء!
والكل يمكنه أن يقدم فرضياتٍ وتخرُّصاتٍ وخيالاتٍ بلا علمٍ ولا هُدًى ولا كتابٍ منيرٍ.
فعلم الفيزياء الفلكية في أصل الكون يقوم على التخمين المحض Pure Conjecture: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116].
فهذا العالَم العظيم المدهش بسماواته وأرضه وأفلاكه ونجومه وثوابته وقوانينه، لا يُتصوَّر كيف كان قيامُه أصلًا، ندخل نحن فيه بهذه الخيالات والتخرُّصات والأوهام والمعادلات المبنية على عشرات الفرْضيات؟
وهذا يضع فرضية وذاك يحذفها؟
ثم ندعي أنَّ الله خلق هذا العالم بهذه الطريقة، وغيرُنا يدعي أنَّه سبحانه خلقه بتلك الطريقة؟
قيام سماوات وأرض، هذا أمرٌ لا قياس له على عادتنا في هذا العالم، فنحن لم نر سماوات وأرضًا تُخلق أمامنا، فالبحث في أمر كهذا لا يخضع للنظر العلمي أصلًا، ولا يخضع للقياس.
فكيف نقوم بوضع التخيلات العقلية والفرضيات بمجموعة من المعادلات والنماذج الرياضية والتجريدات الهندسية، ثم نقوم بقياس بداية ظهور الكون عليها؟
هل سبق لأحد أن شهد بعينيه عملية خلْق سماء وأرض حتى يقيس عليها خلْقَ سمائنا وأرضنا بمجموعة من المعادلات والتخيلات والفرضيات؟
{أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزُّخرُف: 19].
ثم ماذا استفدنا من عشرات الفرضيات في أصل الكون؟
بماذا انتفع الناس من هذه الفرضيات؟
هل هذه الفرضيات أدَّت لاختراع مثلًا؟
كلها مجرد استغراق فلسفي، وغرور بشري؛ للمجيء بنموذج بديل للوحي الإلهي، هذه حقيقة الأمر.
طبعا أنا أُقدر أنَّ هناك من المشتغلين بهذا العلم مَن لديه غَيْرة على الوحي الإلهي، بل وقد يستخدم آليات هذا العلم للتأكيد على صدق النص الشرعي في كيفية ظهور الكون، وهناك مِن الغربيين ممن لديهم بقايا نبوات يستخدمون هذا العلم كمستنَد وحُجة في بيان أن لهذا الكون بداية، وأنه يدعم حقيقة الصنع المتقن، ويقطع بوجود دقيق الثوابت الفيزيائية والحدود الحرجة التي بدأ بها الكون.
نعم نحن نُقدر كل هذا، ونحترم كل هذه المشاريع.
لكن كل هذا لا يجعلنا نعمى عن حقيقة أن قوام هذا العلم على الفروض المحضة!
فليس معنى كون هذا العلم يقدم خدمة لحقائق دينية بالتخمينات الرياضية أن أُسلِّم له!
لا طبعًا!
التخمين سيبقى تخمينًا، والفرضيات ستبقى فرضياتٍ، ولن تصبح يقينيات لمجرد أنها تدعم قضيتي.
المسلم مُنصِف حتى في التعامل مع الأدلة التي تدعم موقفه.
ثم إن الدين فطرة بشرية، فالدين لا يحتاج إلى فرضيات لتدعمه.
وكُلُّ مَن نظر إلى آليات هذا العلم، والفرضيات التي يقوم عليها سيقطع بأنه علم وهميٌّ قوامه التخمين المحض، وكثير من علماء فلسفة العلم يقررون هذه الحقيقة؛ لئلا يظن ظانٌّ أن اتهامنا لهذا العلم هو شيء اخترعناه من عند أنفسنا!
كلا!
هناك الكثير من فلاسفة العلم ممَّن نظروا في حقيقة علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون يُقررون أن علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون ليس علمًا، ولا يُصنَّف باعتباره علمًا.
مثال على ذلك: توماس كون Thomas Kuhn.
وبول فايرابند .
ويلارد كواين Willard Quine.
وغيرهم الكثير.
فهذا العلم كلُّ مَن نظر فيه بتجرُّد خرج بالشك التام في كل معطياته!
المشكلة تكمُن فقط في تعصُّب القائمين عليه!
والآن هل تتخيَّل أنَّ: نموذج الكون المقعر والأرض المقعرة كما يقول مارتن جاردنر Martin Gardner هو نموذج لا يمكن نقضه فيزيائيًّا.
فنحن لا نستطيع أن نثبت خطأه من ناحية الفيزياء إطلاقًا كما يقول جاردنر().
فهو نموذج صحيح على مستوى المعادلة الرياضية.
ولم يتمَّ اعتماد هذا النموذج كما يقول جاردنر ليس لأنَّه غير صحيح... إطلاقًا.
وإنما لم يتمَّ اعتماده؛ لأن معادلاته أطول وأعقد بكثير من اللازم!
فمعادلات نموذج الأرض المقعرة، وانحناء شعاع الضوء هي معادلات طويلة وأعقدُ بكثير من المعادلات المعتمدة حاليًا والتي تصف الأرض بأنها محدبة.
لكنها تبقى في الأخير معادلات صحيحة معقدة عميقة تثبت أنَّ الأرض مقعرة!
لكنها نظرًا لتعقيدها لم يعتمد اعتمادها، فطبقا لشفرة أوكام: التعقيد لا ينبغي اللجوء إليه دون ضرورة؛ لذلك تم رفض نموذج الأرض المقعرة.
لكن ما المانع أن يسير العالم بالنظام الأكثر تعقيدًا؟
تخيل لو كنَّا افترضنا نموذج الأرض المقعرة، وأنَّ الأفلاك كلها في فلك الأرض، وصار هذا توجه الفيزياء الحديثة، ساعتها لم تكن ثمَّة مشكلة من ضبط الأرصاد والمشاهدات لنصرة هذا التوجه.
يقول مارتن جارندر: "الأفكار السائدة اليوم في الفيزياء، ليست سائدة؛ لأنها مطابقة للواقع، ولكن لأنها الأسهل والأيسر رياضيًّا"().
إنَّ اعتماد نموذج الأرض المقعرة يحتاج إلى كلفة باهظة لا تحتملها الفيزياء الحالية، ويحتاج تعديلات جوهرية في معادلات النسبية العامة.
وهنا لي وقفة مهمة: ينتقد بعض المعاصرين توجُّهًا لدى بعض أهل العلم من المسلمين ممَّن قالوا بثبات الأرض ودوران الشمس حولها.
وهذا من وجهة نظري لقلَّة اطلاع المعاصرين من المنتقدين على طبيعة علم الفيزياء الفلكية، فهل النماذج الرياضية تمنع ثبات الأرض ودوران الشمس حولها؟
إذا كانت هذه النماذج لا تمنع الأرض المقعرة، ولا تمنع الكون المقعر، هل ستمنع ثبات كرة الأرض، ودوران الشمس حولها؟
يمكن رياضيًّا إثبات أن كرة الأرض ثابتة والشمس تدور حولها، فهذا غير ممتنع فيزيائيًّا.
وسنواجه فقط مشكلة سرعات الأجرام فوق مستوًى معينٍ.
فنموذج ثبات الأرض ودوران الشمس حولها هو نموذجٌ لا تقبله النماذج الرياضية الحالية؛ لأن المشكلة في تحويلات لورنتز على النسبية الخاصة، لكن بحل هذه المشكلة يمكن رياضيًّا أن نخرج بنموذج رياضي جميل مقبول يقول لنا: إنَّ كرة الأرض ثابتة، وإن الشمس تدور حولها().
فالذي يهاجم القول بثبات الأرض هم غير علماء الرياضيات المدققين فيها.
والإنسان كلما تعمَّق في هذا العلم كلما بدا له قلة علمه، وقلة إحاطته، وبساطة تصوُّراته: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85].
فمن نحن في علم الله؟
وفي ملكوت الله؟
نحن على كل جامعتنا وإغراقنا الرياضي لا نجد نموذجًا رياضيًّا واحدًا لشكل العالم ينقذُنا من حيرتِنا الراهنة.
يُقرِّر ستيفن هاوكنج في آخر كتاب كتبه، وهو "التصميم العظيم The Grand Design " أنَّ: تغيُّر نظرتنا للكون قد يحصل في أية لحظة.
فقال في صفحة 63 من كتابه: "داخل حوض السمك، ترى الأسماكُ شعاعَ الضوء ليس بالصورة الإقليدية".

ثم عقَّب في صفحة 72 من الكتاب نفسه قائلًا: "من الممكن أن نكون نحن بالصورة نفسها، فتصل لنا الحقائق بآلية وصولها نفسها إلى داخل حوض السمك، لا مانع من ذلك".
فنموذج الأرض المقعرة غير مُستبعد، لكن تم رفضه؛ لأنه نموذج معقد وطويل المعادلات.
وأُكرر نحن لا نُصدق هذا النموذج ولا نعتقده، لكن نحن نحاكم هذا العلم إلى معطياته.
وهنا نأتي للفرضية الثالثة التي يقوم عليها علم الفيزياء الفلكية، أَلَا وهي فرضية أنَّه: كلما كانت المعادلة أقصر وأبسط كانت أكثر صحةً وقبولًا في المجتمع العلمي.
وهذه تُسمَّى بفرضية الاقتصاد في الافتراض Parsimony، حيث يكون النموذج الأيسر والمتناسق ذاتيًّا هو الأكثر قبولًا في الفيزياء بوجهٍ عامٍّ().
وخير مثال على ذلك قَبول نموذج الأرض المحدبة، ورفض نموذج الأرض المقعرة.
لكن السؤال: مَن أنت حتى تفترض أنَّ الكون يسير بالمعادلة الأقصر، أو المعادلة الأيسر وليس الأعقد؟
مَن أنت وبأي سلطان معرفي تزعم هذا الزعم؟
وهناك فروض أخرى كثيرة يقوم عليها علم الفيزياء الفلكية، ولا بد من التسليم بكل تلك الفروض مسبقَا ثم تُبني على هذه الفروض التخمينات العقلية.
فهناك فرضية الشكل الجمالي للمعادلة Aesthetic value!
فكثير من المعادلات تُقبل فقط لمجرد أنها جماليًّا أفضل من غيرها.
حتى يقول بول ديراك: "جمال المعادلة يثبت صحة النظرية أكثر من تجريبها"().
ونظرية هيرمان فايل Herman Weyl في القياس وُجد أنها لا تنطبق على الجاذبية، لكنها قُبلت لأنها جميلة.
وهنا قد يسأل سائل: لماذا أنا أقوم بوصف علم الفيزياء الفلكية بأنه علم قائم على الشعوذة، أليس الأليق أن نقول: إنَّ فرضيات هذا العلم هي فرضيات وتخمينات، فلماذا أنا أستخدم لفظة شعوذة؟
والجواب: لأن الفرضية في المنهج العلمي هي تخمين قد يتحوَّل لنظرية أو يظل فرضية أو يثبت خطؤه.
هذه طبيعة الفرضية في المنهج العلمي.
لكن هذا التوصيف يصحُّ في الأمور المشاهَدة، ويصحُّ في الأمور التي تخضع للتجربة والقياس، فأنت تقيس حدثًا على حدث، وتقوم بالتجربة؛ لتتأكَّد من صحة تخمينك.
لكن علم الفيزياء الفلكية هو مجرد تخمينات لا تخضع لا للتجربة، ولا للقياس؛ لطبيعة العلم نفسه. فحَدَث ظهور الكون لا يُقاس عليه شيء آخر، ولا يرصد بالتجربة بالبداهة، فأنت مهما وضعت من فرضيات وتخمينات ليس لديك أي سلطان معرفي للتمييز بين الباطل والصواب في الموضوع، وليس لديك لا آليات القياس، ولا آليات التجريب؛ لتتأكَّد من صحة فرضياتك أو بطلانها.
لأنَّ هذه الآليات تتغيَّر مع الزمن طبقًا لمبدأ الوتيرة الواحدة كما فصَّلنا.
وبالتالي ففرضيات علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون هي فرضيات لا تخضع للمنهج العلمي، ولا تخضع للقياس ولا التجريب، إذنْ فتوصيفها باعتبارها فرضيات، هذا شرعنة لها وصبغ لها بصبغة علمية، وهذا الصبغ لا تستحقه فهي ليست بعلم، ولا تخضع للمنهج العلمي.
فكل ما لا يملك دليلًا، ولا يمكن برهنته، ولا سبيل للتأكُّد من صحته، لا يمكن أن نُوصِّفهُ بتوصيفات المنهج العلمي، أو بتوصيفات "الفرضية والنظرية".
فالعلم المحترم هو العلم القائم على الدليل والبينة، وهو العلم الخاضع للرصد والنظر، وهو العلم الذي يمكن برهنته أو تكذيبه، هذا هو العلم.
أما التخرُّص والتخمين المحض فهذا ليس بعلمٍ، ولو قال به كل البشر.
المشكلة عند كثير من الناس، والتي تدفعهم لقبول هذا العلم واعتباره علمًا معتبرًا هي: التسليم للسائد.
وهذا خطأ تمامًا، وإلا لسلَّمنا لأصحاب الملل الباطلة؛ لكثرة عددهم.
نحن أتباع الحق بالدليل.
نحن أتباع الحق بالبينة.
ولسنا أتباع الحق بالتجمعات البشرية: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111].
فهذا هو معيارنا.
فالتسليم للسائد لمجرد أنه سائد هذا ما عاب الله عليه كفار الأرض: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزُّخرُف:23].
{فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} [الصافات: 70].
فالمسلم يتبع الحق بدليله... يتبع البرهان الظاهر وليس السائد.
{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116].
ولذلك فنحن نحترم فروع الفيزياء الأخرى، وأية نظريات فيزيائية مدعومة بالتجربة أو الرصد أو القياس.
وحتى الفرْضيات التي تحتمل الإثبات أو النفي، ينبغي أن تحظى ببعض الاحترام.
فالفرضية التي تحتمل أن تكون صحيحة أو خطأ، هذه تُحترم كفرضية طالما احتملت الإثبات أو النفي، أما إذا كان من غير الممكن أن نعرف صحة الفرضية أو خطأها، فهي بهذا ليست بعلم تجريبي، ولا يَنتظر منا أحد أن نحترمها.
قبل أعوام قليلة خرج عالم الرياضيات والفيزياء الفلكية روجر بنروز Roger Penrose والذي أنا أتصوَّر أنَّه أكبر عالم رياضيات اليوم، وهو حاصل على جائزة نوبل منذ عامين فقط، خرج ليقرر أنَّ أغلب علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون مجرد خيال.
مع أنَّه يومًا ما كان أحد أشهر واضعي النماذج الرياضية والفرضيات في هذا العلم.
لكنه خرج ليعترف مؤخرًا أنَّ أغلب هذا العلم وهمٌ.
فقد سُئل في حوار مع أحد المذيعين العلميين، فقال له المذيع: سير روجر يبدو أنَّ لديك حفنةً كاملةً من المشاكل مع الفيزياء الفلكية الحديثة، هل هذا صحيحٌ؟
فأجاب بنروز قائلًا: حسنًا!
يوجد العديد.. نعم!
أنا لا أوفق مع أغلبها!
المحاور: دعنا نتحدَّث عما لا تتفق معه، على سبيل المثال أنت تصف نظرية التضخم بأنها خيال "فنتازيا"؟
أجاب بنروز: حسنًا!
أنا أحاول كتابة كتاب من عشر سنوات لجامعة برنستون، بعنوان: "السائد والإيمان والخيال في الفيزياء الكونية المعاصرة".
والخيال بالتأكيد يعود لنظرية التضخُّم هذا صحيح().
فروجر بنروز لا يتفق مع أغلب هذا العلم بعد أنْ كان أحد أعمدته، وقد أصدر بالفعل بعد ذلك كتاب: "السائد والإيمان والخيال في الفيزياء الفلكية المعاصرة".

ومُلخَّص هذا الكتاب في سطرٍ واحدٍ: "أغلب علم الفيزياء الفلكية المعاصرة في أصل الكون لا يمكن أن يكون صحيحًا"().
روجر بنروز الحائز على نوبل في الفيزياء، لا يثق في أغلب علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون!
مع أنَّه كما قلتُ كان من أكبر المشتغلين فيه، وله أبحاث مطوَّلة مع هاوكنج، وفاز مع هاوكنج بجوائز عالمية، لكنه لم يعد يثق في هذا العلم.
وعندما سأل المذيعُ روجر بنروز مجددًا: هل نحن اليوم نحتاج إلى فيزياء جديدة؟
أجاب: نعم، نحن نحتاج إلى فيزياء جديدة، نعم بكل تأكيد().
للأسف بعض المسلمين اليوم اتَّجهوا إلى فريقينِ:
فريق ينكر العلوم المادية بالكلية، وينكر الفيزياء، ويُكذِّب البحث العلمي، ويقول بنظرية المؤامرة الشمولية، وفريق آخر يُصدِّق أية فذلكة رياضية لا تملك دليلًا لمجرد أنها مكتوبة في مجلة علمية أو صادرة عن عالم فيزياء فلكية.
فنحن نحتاج لعقلية إسلامية علمية نقدية، ونحتاج لكشف الإشكالات في العلوم المعاصرة بوضوح، وبلا مداهنة، أو خوف.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135].
ونحن لم نشهد خلْق السماوات والأرض، ولا نستطيع بالبداهة إجراءَ تجربة مشابهة، ولا نملك القياس.
فأنت ليس عندك: لا رصد، ولا تجربة، ولا قياس!
إذن فالآلية نفسها للبحث عن أدلة هي مفقودة من الأساس.
وأضف إلى ذلك أننا: لا نعرف قيم القياسات التي كان عليها الكون في بدايته.
إذن أنت لا تملك الآلية التي تبحث بها عن أدلَّة ترجح بها صحة نموذجك الرياضي، ولا تعرف قيم القياسات، فعن أي شيءٍ تبحث؟
وفي أي شيءٍ تخوض؟
من شهور قليلة أصدرت ناسا بيانًا تقول فيه إنَّ: أعداد المجرات هي أقلُّ بكثير مما كنا نعتقد، وهذا طبقًا لأحدث بيانات وصلت إلينا من المركبة الفضائية نيوهورايزنز.
يبدو أننا وحدنا في هذا الكون. والكلام لفوكس نيوز!

ببحثٍ بسيطٍ اختلفت كثير من النتائج السابقة بصورة جذرية.
نحن في الواقع نلعب بمعادلات بدائية في كونٍ مهيبٍ.
مشكلات علم الفيزياء الفلكية لا ينكرها باحث!
والشكل الأخير لمكاننا في العالم لم يقل العلم كلمته الأخيرة فيه بعدُ.
والنماذج الرياضية تتيح صورًا مختلفة، وتستطيع من خلال هذه النماذج أن تخرج حتى بنموذج الأرض المقعرة.
إنَّ كشف أحد العلوم الزائفة المتلبسة بالعلوم الحقيقية، هذا ليس ضد العلم، بل هو يُحسن من مسيرة العلم.
فالسكوت عن العلوم الزائفة؛ خوفًا من التهمة بعداوة العلم، هو أضرُّ شيء بالعلم التجريبي.
إنَّ السوط الذي يرفعه المدافعون عن العلوم الزائفة ضد مَن ينتقد هذه العلوم نقدًا علميًّا سيجعلنا في تبعية أبدًا إذا وجلنا منهم.