الباب الثاني عشر: حقيقة العبودية لله

1 - ما هي حقيقةُ العبادة وأركانُها؟

ج: حقيقة العبادة تتمثَّل في: الخضوع والتذلُّل وإظهار العجز والذل لرب العالمين.

فأنت تخضع لله، وتتذلل وتتضرع لخالقك ورازقك والممتنِّ عليك بكل مِنَّةٍ ونعمةٍ وهدايةٍ... تخضع وتتضرَّع لمالك يوم الدين رب العالمين.

{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55].

{وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} [الأعراف: 25].

فالخوف والتضرُّع لله والانكسار بين يديه هو حقيقة العبادة لله: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} [المؤمنون: 57].

ومع هذا الخوف والتضرُّع لله عز وجل تحبُّهُ سبحانه.

تحبُّ مناجاته، وتحبُّ القرب منه، وتحب أن تختلي بنفسك ساعةً تذكره فيها، أو تقرأ القرآن بتدبُّرٍ، أو تصلي بخشوع {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165].

فعبادتك لربك تشمل: الخشوع والتذلل مع المحبة في الوقت نفسه: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90].

رغبًا ورهبًا: رغبة ورهبة.

فالمسلم يعبد الله عز وجل عبادة خشية ومحبة وتعظيم له سبحانه، فيُحقق بهذا حقيقة العبادة التي أرادها الله منه، ويتمثَّل العبودية الحقَّة التي خُلق من أجلها.

2 - ما هي شروط العبادة؟ أو: ما هي الشروط التي يقبل الله بها العبادة؟

ج: العبادة لا تكون صحيحة إلا إذا توافر فيها شرطانِ:

الشرط الأول: الإخلاص، وهو أن يَقصد العبدُ بعبادته وجه الله تعالى دون سواه.

قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البيِّنة: 5].

جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقالَ: أرأيتَ رجلًا غزا يلتمسُ الأجرَ والذِّكرَ، ما لَهُ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : لا شيءَ لَهُ، فأعادَها ثلاثَ مرَّاتٍ، يقولُ لَهُ رسولُ اللَّهِ: لا شيءَ لَهُ، ثمَّ قالَ: إنَّ اللَّهَ لا يقبلُ منَ العملِ إلَّا ما كانَ لَهُ خالصًا، وابتُغيَ بِهِ وجهُهُ().

يلتمسُ الأجرَ والذِّكرَ، أي: يلتمس الأجر من الله، والذِّكر بين الناس: بالمديح والشهرة، فهذا عمله مردودٌ؛ إذ لا بد من إخلاص العبادة لله، وهذا هو الشرط الأول لقبول العبادة.

أما الشرط الثاني: فهو شرط المتابعة.

ومعنى المتابعة أن تعبد الله بما شرَع، فعندما شرع الله الظُّهر أربع ركعات، إذنْ تصليه أربع ركعات، ولا تقول: أجعلُ الظهر ست ركعات، فهذا أكثر عبادة، لا... هذا إفساد للعبادة.

فالمتابعة هي أن تفعل العبادة كما أمرك الله بها، وكما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31].

فأنت تتبع الشرع الإلهي في طريقة أداء العبادة، ولا تبتدع من عند نفسك.

قال النبي صلى الله عليه وسلم : "مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ"().

فأنت تُخلص لله، وتفعلُ ما أمرك الله به.

3 - ما هي ثمراتُ عبادةِ الله سبحانه وتعالى ؟

ج: الإنسان بفطرته لا يعرف ذاتَهُ، ولا تطمئن روحُهُ، ولا تهدأ وحشةُ قلبه إلا بعبادة الله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

فبالعبادة يطمئنُّ الصدر: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ} [الحِجر: 97- 99].

اعْبُدْ رَبَّكَ: فيطمئنَّ صدرُك.

ولذلك ركعتان بخشوع وتدبُّر تفعلانِ في النفس الإنسانية ما لا تفعل ساعاتٌ من جلسات التهدئة النفسية.

فالعبادة فيها طُمأنينة النفس الإنسانية، وكلُّ بعيدٍ عن ذكر الله يضيق صدره، فتجده دائمًا يتلهفُّ على الدنيا، فلا هو يشبع ولا يطمئن: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124].

ومهما كان الإنسان في سعةٍ من الرزق إلا أنَّه بدون الإيمان يحيا في ضنْكٍ، وفي سباق محمومٍ لا ينتهي مع المجهول فتراه دائمًا قلِقًا.

قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من كانت الدُّنيا همَّهُ، فرَّق اللهُ عليه أمرَهُ، وجعل فقرَهُ بين عينَيْه، ولم يأتِهِ من الدُّنيا إلَّا ما كُتِب له، ومن كانت الآخرةُ نيَّتَهُ جمع اللهُ له أمرَهُ، وجعل غِناهُ في قلبِهِ، وأتتْهُ الدُّنيا وهي راغمةٌ"().

فالعبادة تحرر المسلم من الخضوع للدنيا، وتجعله حُرًّا.

ولذلك المسلم الذي يعبد الله بحقٍّ هو إنسان فَهِم معنى الحياة، وفهم قيمة الدنيا، وفهم غاية وجوده في هذا العالم، وفَهِم أنَّه في هذا العالم؛ ليُختبر، وليعبد ربه حقَّ العبادة، وليس ليعيش في قلق بلا طائل تحته، قال ربنا سبحانه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [المُلك: 2].

4 - ما هي مظاهر التسليم لله تعالى؟ أو بصيغةٍ أخرى: كيف تعرف أنك مستسلمٌ لله استسلامًا كاملًا؟

ج: عبودية الاستسلام تعني أن: يُسْلم العبد نفسه لله، فيخضع لله، وينقاد له بالطاعة، ويُذعن لخالقه ومولاه.

قال الله تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان:22].

تُسلم وجهك لله، أي: تنقاد له، فهو الذي رزقك، وتفضَّل عليك، فقد رزقك الله وأنت في بطن أُمك بما يقويك ويُنمي أنسجتك بلا نقص ولا زيادة، وأنت بلا حول ولا قوة.

وهو سبحانه يرزق النبات، مع أنَّ النبات في مكانه لا يغادره، ومع ذلك يأتيه رزقه بمقدارٍ.

وهو عز وجل يرزق الدواب والطير، ويُدبر أمر كل هذا العالم بكل ما فيه منذ خلقه، ويُدبر أمرك، ويُدبر كل شيء، وله مُلك كلِّ شيء.

فالعالم كلُّه مستسلمٌ لله مِلك لله، وكل شيء في العالم يسير وَفْق النواميس التي أودعها الله فيه.

اقرأ هذه الآية: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83].

فالكون كله مُسلِمٌ لله خاضعٌ له سبحانه.

والإنسان خُلِق ووُجد في هذا العالم؛ ليُكلف ويُختبر ويُمتحن، هل يخضع لله كما خضعَ له وأسلَمَ كلُّ شيء، أم سيعاند ويستكبر؟

فمعنى الاستسلام لله: الخضوع التام له وحده، بهذا يكون الإنسان مسلمًا لله ككلِّ ما حوله من الكائنات.

لكن الذي يميز الإنسان عما حوله، أنَّ كل ما حوله مسلمٌ بلا إرادةٍ منه، فالحجر والشجر والدواب الكلُّ مسلمٌ لله بغير إرادة، أما أنت فمسلمٌ لله بإرادتك.

فكل شيءٍ خاضعٌ مستسلمٌ لله، منقادٌ لذي الجبروت والإنعام سبحانه، فكن أنت أيضًا مستسلمًا منقادًا لله.

لا تجعل الأحجار والجبال والدواب أفضَلَ منك عند الله.

لو أنت استسلمت لله كنت أفضل ما في خلقه؛ لأنك أسلمت لله بإرادتك.

ولو لم تستسلم لله لصارت الأحجار والصخور والحشرات والحيوانات أفضَلَ منك عند الله، فهي كلها مسلمة خاضعة له.

فلا تكن أنت الكائن الوحيد الجاحد المتمرد في كونٍ كله خاضعٌ لله.

وعلامات الاستسلام لله تعالى أربع وهي:

أولًا: العبودية لله في كل صغيرة وكبيرة في حياتك، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162- 163].

صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: كل شيء أفعله لله، فأنا أصلي لله، وأطيع والديَّ لله، وأذاكر وأتعلم حتى أنفع الناس لله، وأنام حتى أكون أقوى في الغد على فِعل ما أمرني الله به.

فهي عبودية لله في كل عمل، وهذه أُولى مظاهر وعلامات التسليم لله.

العلامة الثانية حتى تكون مستسلمًا لله تمام الاستسلام: هي اتباع ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه، قال ربنا سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20].

وقال عز وجل : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208].

فِي السِّلْمِ، أي: في الإسلام.

ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، أي: التزموا بكل ما أمر به الله، وانتهوا عما نهى عنه.

أمرني الله بشيء أفعله.... نهاني عن شيء أنتهي عنه، فهذا هو تمام الاستسلام والانقياد لله.

العلامة الثالثة على التسليم لله هي أن: نُسلِّم بتحكيم ما شرع الله، فنرضى بشرعه ونقبل به.

نقبل بكل تشريع إلهي، ولا ننكر مثلًا العقوبات التي شرعها الله، بل لا بد أن نرضى بشرع الله؛ لأنَّ الله يعلم ما يُصلِح خلقه، ويعلم أنَّ في هذه العقوبات طهارة للمجتمع: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [المُلك: 14].

وقال سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا} [المائدة: 50].

فالله هو الذي يعلم ما يصلح الناس في دنياهم وفي آخرتهم.

وتطبيق شرع الله يُطهر الناس، ويجعلهم يعيشون في أمان.

ذهب رجل يزعم أنه مؤمنٌ بالله وبما أُنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى كعب بن الأشرف اليهودي؛ ليحكم له في قضية من القضايا، بدلًا من أن يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ خوفًا من أن يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم بحكمٍ لا يعجبه، فذهب لليهودي أملًا في حكم يعجبه، فنزل قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60].

فإذا كنت مسلمًا منقادًا لله فعليك أن تلتزم بشرع الله، وأن تُسلِّم بحُكم الله ولو أتى حكمُ الله على غير هواك، لا أن تترك شرع الله وتذهب ليهودي؛ ليحكم لك في قضيتك من أجل أن يرضيك.

وقال الله عز وجل في الآيات التالية:

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64].

فالله لم يرسل الرسل حتى نتركهم ونحتكم إلى شرع غيرهم.

ثم يختم الله عز وجل الدرس من هذه الحادثة وأشباهها بآيةٍ مهمة تُبيّن ضرورة الخضوع للاحتكام لشرع الله، قال ربنا عز وجل : {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

لا بد من التسليم التام لما شرع الله، فالتسليم لشرع الله من علامات الانقياد للإسلام!

أما العلامة الرابعة على التسليم لله تعالى، فهي: التسليم لأقدار الله، فكل شيء قدَّره الله سبحانه بحكمته، وبالتالي فالمسلم يستسلم لله في كل أقداره... في الخير والشر.

إن أصابت المسلم سرَّاءُ شَكَرَ، وإن أصابته ضرَّاءُ صَبَرَ.

لو رزقك الله طعامًا أو رزقًا حسنًا أو بيتًا جميلًا أو نجاحًا في الدراسة أو صحةً في البدن أو أهلًا طيبين تشكر الله.

ولو أصابت المسلم ضرَّاءُ من مرض أو فقر أو خوف أو بلاء أو هَمٍّ، صَبَرَ على هذه الضراء واستعان بالله، فهذا حال المسلم المنقاد المستسلم لربه سبحانه.

فكل شيءٍ بتقدير الله عز وجل : الصحة والمرض والغنى والفقر... كل شيء بتقديره وحكمته، وعلى المسلم الرضا بالأقدار؛ لأن الله هو الذي يُقدِّرها.

قال ربنا سبحانه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].

وقال تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51].

لن يصيبنا إلا ما قدَّر الله لنا.

وقال عزَّ من قائلٍ: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 145].

الآجال قدَّرها الله.

وكل شيء يحصل في الكون، وكل ذرة تسير في العالم، وكل حادث يحدُثُ، إنما يَحدُثُ بعلم الله، ومشيئة الله، وبتقدير الله، وبحكمة الله، وبقدرة الله.

قال ربنا سبحانه: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2].

فهو سبحانه خلق كلَّ شيءٍ، وقدَّر كل شيءٍ، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

فأنا كمسلم مُطالبٌ بالتسليم بكل أقدار الله عز وجل .

وبهذا يصبح الإنسان مسلمًا لله.


وفي الختامِ

الإلحاد موقف عجيب...

فهو موقف يعتمد على إنكار البديهيات العقلية، كـ:

بديهة السببية: فهذا العالم بكل نواميسه، وبكل حدوده الحرجة ظهر فجأةً، إذن لا بد له من مُوجِد.

الإلحاد كذلك ينكر بديهة الإتقان في كل شيء: في جسدك، وفي طعامك، وفي شرابك، وفي السماء، وفي الأرض، وفي كل ما حولك، إذنْ لا بد لهذا الإتقان من مُدبِّرٍ قيُّومٍ.

الإلحاد أيضًا يُنكر بديهة أنك موجود: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ} [الطور: 35- 36].

الإلحاد ينكر بديهة علمِك بأنك مُكلَّف: فأنت تعلم بفطرتك، وبضميرك الفطري أنه يجب أن تفعل كذا، ولا يجب أن تفعل كذا.

بديهيات عقلية كثيرة لا يستطيع الملحد أن يستمرَّ على إلحاده إلا بإنكارها، والتظاهر بأنه لا يهتمُّ.

فالإلحاد موقف عجيب.

الإلحاد يعتمد على القفز فوق البراهين على صحة النبوة، وهي براهين لا حصر لها.

تلك النبوة المتفقة مع فطرتك ومع حاجتك.

الملحد ينكر كل ذلك، معتمدًا على ماذا؟

هل توجد أدلَّة مستقلَّة على إلحاده مثلًا؟

ليس هناك ما يُسمَّى: أدلة على الإلحاد أصلًا.

فالإلحاد فقط يعتمد على أنَّ هناك شبهاتٍ في الدين، هذا هو مبتدأ الإلحاد ومنتهاهُ.

فالإلحاد ليس موقفًا فِطريًّا أو موقفًا عقليًّا مستقلًّا، بل هو ردة فعل.

فالإلحاد في كثيرٍ من أحواله هو: موقف نفسيٌّ، وردَّة فعلٍ نفسية تجاه مشكلة أُسرية أو مجتمعية.

فيتبنَّى الملحد جملةً من التخمينات العقلية، يُقدِّمُها على النص الشرعي، ويكفر بسببها برب العالمين وبأنبياء الله وكتبه واليوم الآخر.

فالإلحاد هو أغربُ وأعجبُ موقفٍ يمكن أن يتبنَّاه إنسان.

يقول الغزالي رحمه الله : "إننا نتصوَّر بغلًا يبني الأهرام، ولا نتصوَّر ما يقوله الملاحدة".

إن الشهادة والتسليم لله الخالق الرازق المنفرد بالملك والسلطان على جميع ما في الوجود، لا يحتاج إلى طويل كلام، بل هو قلب الفطرة، وعنوان البديهة، وما أطلْنا في هذا الكتاب إلا رغبةً في تطهير قلوب تعلَّقت بأدران الإلحاد، فأردنا غسلها مرةً بعد مرة، ونرجو أن نكون وُفِّقنا في ذلك.

إنَّ الإيمانَ بالله والخضوع والإذعان التام للمليك المقتدر لا يوجد إلا في دين محمد صلى الله عليه وسلم فلم يبقَ على وجه الأرض على كمال الإيمان، وتمام التسليم لله سوى الإسلام.

{قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 49- 51].

إنَّ محور حياة كل إنسانٍ؛ سواءً شاء أمْ أبي حول هذه الآية: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

فالكل يدور حول العبودية لله؛ إما استسلامًا، وإما كفرًا وتكذيبًا.

فالدين هو شُغل الإنسان الشاغل منذ بدء الخليقة، لا يستغني عن التفكير فيه، فالإنسان مفطور على العبودية لله، فإما أن يتعبَّد لباريه، وإما أن يَصنع في كل لحظة مبررات كفره بباريه... فكلهم مشغولٌ!

{بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} [القيامة: 14].

إنَّ الإيمان بالله هو المنزلة اللائقة بك أيها الإنسان الضعيف، فأنت لا يخرج من صدرك نَفَسٌ إلا كنت مفتقرًا إلى مَن يُمكِّنكَ مِن استنشاق غيره من بعده، ولا تدقُّ في قلبك دقَّة إلا كنت مفتقرًا لمن يمُنُّ عليك بالدقة التي تليها، فأنت مفتقر إلى خالقك افتقارًا ضروريًّا لازمًا().

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15].

والله سبحانه يُحبُّ أن يرى عبده المكلَّف المخاطَب بالرسالة عبدًا حقيقيًّا يزداد إيمانًا مع إيمانه.

أما منَ تكبَّر على باريه، فهو عبدٌ للدنيا، ومُنكرٌ لأعظم مطلوبٍ في الوجود.

وما رَجونا -والله رجاؤنا- بهذا الكتاب إلا محاولة يسيرة لمنع العابثين بسفينة البشرية من الغرق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "مَثَلُ القائِمِ علَى حُدُودِ اللَّهِ والواقِعِ فيها، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا علَى سَفِينَةٍ، فأصابَ بَعْضُهُمْ أعْلاها وبَعْضُهُمْ أسْفَلَها، فَكانَ الَّذِينَ في أسْفَلِها إذا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا علَى مَن فَوْقَهُمْ، فقالوا: لو أنَّا خَرَقْنا في نَصِيبِنا خَرْقًا ولَمْ نُؤْذِ مَن فَوْقَنا، فإنْ يَتْرُكُوهُمْ وما أرادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وإنْ أخَذُوا علَى أيْدِيهِمْ نَجَوْا، ونَجَوْا جَمِيعًا"().

وفي الأخير وكما بدأت مشروعي هذا بدعوة الناس إلى تدبُّر كتاب الله، فها أنا أختمُهُ بالدعوة نفسها، فأنْ تقوم بختمة تدبُّر لكتاب الله من الفاتحة للناس، تتدبَّر فيها كل آيةٍ وتتفكَّر فيها، خيرٌ من آلاف المطوَّلات، وأكداس الكتب في تعزيز اليقين، وزيادة الإيمان، وردِّ الشبهات.

فتدبُّر كتاب الله فيه وِقايةٌ ذاتيَّةٌ من العدمية والعبثية والخواء والزلل، وفيه جوابُ كلِّ شبهةٍ ووسوسةٍ، وفيه اطمئنان كل نفسٍ.

فهذا والله بابُ اليقين الأيسر، وحِصن الإنسانية الأُولى والأعظم: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174].


الفهرس