الباب الخامس: أعظمُ بُرهانٍ على صحَّةِ الإسلامِ

الباب الرابع أعظمُ بُرهانٍ على صحَّةِ الإسلامِ

62- ما أعظمُ بُرهانٍ على صحة الإسلام؟

أعظم معجزة في الإسلام على الإطلاق، وأعظم آية أُيد بها النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم ، وأعظم برهان على صحة هذا الدين، هو كتابُ الله عز وجل ... هو القرآنُ الكريمُ.

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: "ما مِنَ الأنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ ما مِثْلُهُ أُومِنَ، أَوْ آمَنَ، عليه البَشَرُ، وإنَّما كانَ الذي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فأرْجُو أَنِّي أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَومَ القِيَامَةِ"().

فهذا القرآنُ أعظم آيةٍ أُيد بها نبيٌّ؛ ولذلك رجا النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون أكثر الأنبياء تابعًا يوم القيامة.

والآن قارنْ بين هذينِ الموقفينِ، ثم انظر لحال العالم اليوم لتعرف هل رجاء النبي صلى الله عليه وسلم يتحقق أم لا!

الموقف الأول: ذات يومٍ خرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم على أصحابه قبل أن يصلوا العشاء فقال لهم: "إنَّه ليسَ أحَدٌ مِن أهْلِ الأرْضِ يُصَلِّي هذِه الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ"().

لا يوجد مَن يُصلي العشاء على وجه الأرض غير هؤلاء النفر الذين يقفون حول النبي صلى الله عليه وسلم .

والآن ننظُرُ للموقف الثاني: يُبشِّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه أنَّه لن يبقى بيتٌ على ظهر الأرض إلا وسوف تصله رسالة الإسلام: "لا يَبْقى على ظَهرِ الأرضِ بَيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلَّا أدْخَلَه اللهُ كَلِمةَ الإسلامِ"().

والآن لننظر لواقع العالم اليوم ونرى:

الإسلام اليوم هو أسرع ديانات الأرض انتشارًا وأثرًا على الإطلاق، بل ولا وَجْه للمقارنة أصلًا بينه وبين غيره.

فالإسلام بالفعل كاد أن يدخُلَ كل بيتٍ على وجه الأرض، وسيدخل اليوم أو غدًا كل بيت!

فهل رجاء النبي صلى الله عليه وسلم يتحقَّق أم لا؟

ما أخبر به صلى الله عليه وسلم يقع على الرَّغْم من ضعفنا!

وها هو كتاب الله محفوظٌ بيننا، وسيبقى إلى يوم القيامة: {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ} [سورة الروم: 56]، فالقرآنُ نزل ليبقى إلى يوم القيامة!

وسيظل هذا الكتابُ معجزةَ الإسلام الكبرى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [سورة العنكبوت: 51].

فهذا القرآن كافٍ لمن أراد الحقَّ من أهل الأرض: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [سورة الفرقان: 1].

فهو نذير للعالمين، وقد أوجد الله به من الهباء أُمةً ضخمةً، واستبقى على القرون جيلًا من الناس ما كانوا ليدخلوا التاريخ أبدًا لولا نهوض هذا الكتاب بهم!

وحين نزل القرآن أخبر اللهُ نبيَّه أنَّ في هذا القرآن شرفَ هذه الأمةِ ومجدَها، وأنهم بهذا القرآن سيدخلون التاريخ: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [سورة الزخرف: 44].

وإنه لشرفٌ لك ولقومك وسوف تُسألون عن أداء حقه!

{لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [سورة الأنبياء: 10].

فيه شرفُكم... فيه عزَّة هذه الأمة طالما تمسَّكت به.

أما إذا تَركته الأمة خلف ظهرها أصابها الضعفُ والهوانُ حتى تعود إليه!

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : "يا مَعْشَرَ المهاجرينَ! خِصالٌ خَمْسٌ إذا ابتُلِيتُمْ بهِنَّ، وأعوذُ باللهِ أن تُدْرِكُوهُنَّ: -وذكر منها- ولم يَنْقُضُوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلا سَلَّطَ اللهُ عليهم عَدُوَّهم من غيرِهم، فأَخَذوا بعضَ ما كان في أَيْدِيهِم، وما لم تَحْكُمْ أئمَّتُهم بكتابِ اللهِ عز وجل ويَتَخَيَّرُوا فيما أَنْزَلَ اللهُ إلا جعل اللهُ بأسَهم بينَهم"().

فلن تعود هذه الأمة لمجدِها حتى تعود لكتاب ربها!

فالقرآن هو حبلُ اللهِ المتينُ، وهوَ طريق صلاح هذه الأمة... مَن حَكمَ بِهِ عدَلَ، ومن دعا إليْهِ هُدِيَ إلى صراطٍ مستَقيمٍ.

ولذلك مِن أعظم ما أُوصي به كلَ مسلمٍ ومسلمة: تدبُّر هذا الكتاب كل يومٍ!

كل يوم يكون لك وِردٌ من القرآن بتدبُّر ولو نصف حزب!

تقرأ الآية بتأمُّل، ثم تقرأ تفسيرًا يسيرًا عليها يعينك على التدبُّر، مثل: التفسير الميسر.

أو تفسير الشيخ السعدي:

ثم تُعيد قراءة الآية مرةً أخرى، ثم تذهب إلى التي تليها وهكذا!

هذا والله بابُ اليقين الأيسر.

أيسرُ باب لتحصيل اليقين، وأيسرُ باب لنجاة أُمَّتِنا مما هي فيه هو: تدبُّر كتاب الله!

فعندما تقوم بتدبُّر القرآن، ويتحوَّل القرآن إلى حياةٍ، ساعتها والله ننجو وننهض.

فسوف تجد في كل آية حلًّا لمشكلةٍ، وتفريجًا لهَمٍّ، وزوالًا لشُبهةٍ، وطمأنينةً لنفسٍ، وسكينةً لقلبٍ.

فهذا خطاب ربك لك أيها الإنسان!

فالقرآن يشرح اللهُ به الصدرَ، ويغرس به الإيمانَ في القلب.

وللقرآن أسرارُه الخاصة؛ ولذلك كم من عدُوٍّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أراد اغتياله، فما أن سمع آياتِ القرآن حتى انفطر قلبه وتشدَّق الإيمان من عينيه!()

وقد نبَّهنا الله تعالى إلى هذه الحقيقة، وأخبرنا أن الكافر في قلب معمعة القتال واشتداد رحى السيوف قد يُرجى منه خيرٌ حين يستمع القرآن: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [سورة التوبة: 6].

كيف ينكسر كافرٌ في لحظة احتدام قتالٍ لصوت كتاب عدوه؟

إنها أسرار القرآن!

(فللقرآن سلطانٌ قاهرٌ على النفوس، ولا يزال غضًّا طريًّا على كثرة التَّرْداد مع ما فيه من قوانين وتشريعات، وهو الأنيس في الخلوات، وتهفو إليه النفوس في الأزمات، ويزيل الوحشة عن أي مكانٍ وُجد فيه.

{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [سورة الزمر: 23].

فكتابُ الله تفرح به النفس حتى إذا أخذت حظَّها منه عادت مُرتاعة تريد المزيد().

وانظر لحال النصارى الذي يبتغون الحقَّ ماذا يفعلون إذا سمعوا القرآن: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [سورة المائدة: 83].

أيُّ شخصٍ يقرأ هذه الآية يعلم أن هذا الذي فاض في عيونهم من الدموع حين سمعوا القرآن شيءٌ فاق قدرتهم على الاحتمال().

روى ابنُ إسحاق بسندٍ صحيحٍ عن كعب أنَّ عتبة بن ربيعة سيد قريش، عرَضَ على قومه أن يقوم إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها؛ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ، ورأى المشركون أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثرون ويزيدون، فقال المشركون لعتبة:‏ قُمْ إلى محمد فكلَّمْه، فقام إليه عُتبة.

فقال‏:‏ يابنَ أخي! إنك منا حيث قد علمتَ من السِّطَةِ في العشيرة، والمكان في النَّسبِ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرَّقت به جماعتهم، وسفَّهت به أحلامهم، فاسمعْ مني أعرض عليك أمُورًا لعلك تقبل منها بعضها‏.

فقال رسول صلى الله عليه وسلم ‏:‏‏ "‏قل يا أبا الوليد أسمع"‏‏.

حتى إذا فرغ عُتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمعُ منه، قال‏:‏‏"‏أقد فرغتَ يا أبا الوليد‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏"‏فاسمعْ مني"‏، قال‏: ‏أفعل، فقرأ عليه صدر سورة فُصلت.

فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض‏:‏ نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به‏.‏ قالوا‏:‏ ما وراءك يا أبا الوليد‏؟

قال‏:‏ ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثلَه قط!

والله ما هو بالشعر ولا بالسحر، ولا بالكَهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكوننَّ لقولِهِ الذي سمعتُ منه نبأ عظيم، قالوا‏:‏ سَحَرَكَ –والله- يا أبا الوليدِ بلسانه!

قال‏:‏ هذا رأيي فيه، فاصنعُوا ما بدا لكم‏.

ومن بين ما قاله عتبة للمشركين وهو يصف لهم أثر القرآن على قلبه؛ أنه لما سمِع قولَه تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [سورة فصلت: 13] من سورة فصلت، قال: أمسكت بفيه (أمسك بفم النبي صلى الله عليه وسلم ) وناشدته بالرَّحِم أن يَكُفَّ، وقد علمتم أنَّ محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذبْ، فخشيت أن ينـزل بكم العذاب.

خاف على المشركين من وعيد القرآن.

{فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [سورة فصلت: 13].

إن ظلوا على شركهم هلكوا!

لم يتمالكْ عتبة نفسه أمام قوارع القرآن، ففي الآيات التي تلاها عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم تحذير شديد لمشركي قريش أنهم سوف يفنَون كما فَنِيت عاد وثمود؛ ولذلك أمسك بفم النبي صلى الله عليه وسلم ، وناشده بالرحم، وخاف على أهله واختفى أيامًا في داره.

فالقرآن في هذه الآيات يخبرهم أنَّ الوثنية ستفنى في قريش.

وبالفعل هذا ما حصل، ولم يمُتِ النبي صلى الله عليه وسلم إلا وانتهت الوثنية من قريشٍ للأبد.

فللقرآن أثرُهُ العجيب؛ تُسلِّم له النفس سريعًا، ولو كانت نفسَ كافرٍ معادٍ للقرآن.

وأنت قد تعرضُ عليك شبهة، فتُورِد عليها الردود العلمية والعقلية وأقوال أهل العلم، لكن ما أن تأتي بآيةٍ قرآنية في موضع الشاهد حتى يزول الإشكال، ويطمئن السائل ولو كانت ملحدًا، وهذا من عجائب أسرار القرآن.

فللقرآن أثرٌ عجيبٌ في النفس.

يقول الجبير بن مطعم أنَّه حين كان كافرًا وذهب ليفاوض النبيَّ صلى الله عليه وسلم في أسْرى بدر يقول: "سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في المَغْرِبِ سورةَ الطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هذِه الآيَةَ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ} [سورة الطور: 35-37]، قالَ: كَادَ قَلْبِي أنْ يَطِيرَ"().

مع أن الجبير بن مطعم أتى متحفزًا ضد الإسلام، لكن ما أن سمع سورة الطور حتى خلبت أحاسيسَه سكينةُ القرآن.

فللقرآن أسرارُهُ الخاصة ومعارجُهُ الإيمانية!

63- ما أفضل طريق لتفنيد الأفكار المنحرفة؟

تدبُّر القرآن أيضًا هو أفضل طريق لتفنيد الأفكار الضالة والشُّبُهات والوساوس، فلو قرأ الشابُّ المسلمُ آياتِ القرآن في وسيلية الدنيا: أنَّ الدنيا مجرد وسيلة، ومركزية الآخرة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [سورة فاطر: 5].

وآيات أزلية الصراع بين الحق والباطل.

وآيات معنى التكليف.

وآيات ضرورة التمحيص والابتلاء: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [سورة العنكبوت: 2].

وآيات ضرورة التسليم للنص الشرعي: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ} [سورة يونس: 109].

وآيات عدم الاغترار بالبَهْرَج المادي: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [سورة الزخرف: 33].

إذا قرأ المسلمُ هذه الآيات بتدبُّر، بالله عليكم ماذا سيتبقَّى بعد ذلك من أطلال الانحرافات الفكرية المعاصرة؟!()

حين يقرأ المسلم آيات القرآن فإنه ليس أمام "خطابٍ فكريٍّ" يستطيع التخلُّص منه عبر مخرج "الاختلاف في وجهة النظر" بل هو أمام "خطاب الله" مباشرةً.

فإما الانصياعَ، وإما النفاقَ الفكريَّ.

ولا تسويات أو حلول وسط أمام أوامر مَلِك الملوك سبحانه وتعالى.

قراءة صادقة لكتاب الله تصنع في العقل المسلم ما لا تصنعه كلُّ المطولات الفكرية().

لذلك احْرصوا على كتاب ربكم بتدبُّر!

ففيه خيرا الدنيا والآخرة!

فيه مبتدأ ومنتهى تحصين العقل المسلم.

64- ما سمات القرآن البارزة؟

لا يوجد كتاب نزَّه الخالق وقدَّسه، وأمر بالتوحيد والتصديق بالرسل وتنزيههم عن كل نقيصةٍ، والحث على الصالحات الباقيات مثل القرآن؛ منذ كانت الدنيا.

فالقرآن منسوجٌ بالتوحيد، منسوج بتعظيم الأنبياء، منسوج بالأمر بالخيرات وترك المنكرات، كل هذا بحبكةٍ لغويةٍ ونسجٍ لم يعهدْه العرب().

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "فليس في التوراة ولا الإنجيل مماثل لمعاني القرآن:

لا في الحقيقة،

ولا في الكيفية،

بل يظهر التفاوتُ لكل مَن تدبَّر القرآن وتدبَّر الكتب"().

وإعجاز القرآن ليس في بلاغته فقط كما يظنُّ أغلب الملاحدة، ولا في لفظه فقط.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "فالإعجاز في معناه أعظم وأكثر من الإعجاز في لفظه، وجميع عقلاء الأمم عاجزون عن الإتيان بمثل معانيه أعظم من عجز العرب عن الإتيان بمثل لفظه"().

65- ما سمات إعجاز القرآن البلاغي؟

أما إعجاز القرآن البلاغي فلأنه:

جاء بأفصح الألفاظ.

في أحسن نظوم التأليف.

مُضمنًا أصحَّ المعاني.

واللفظة الواحدة من القرآن لو أخذتها وأدرت لغة العرب لتحصل على لفظةٍ أحسن منها ما استطعت().

ولو أردت أن تؤلف بكلماتٍ أخرى غير كلمات القرآن؛ لتوازي حسن تأليفه ورونقه لشهدت له بالنصر، وعلى نفسك بالعجز.

انظر إيجاز اللفظ مع دقة المعاني وكثرتها، وتلاؤم الكلام في قوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [سورة هود: 44].

وانظر إلى الإيجاز القرآني المعجز في قوله تعالى: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} [سورة يوسف: 80].

خَلَصُوا نَجِيًّا معناها: خلا بعضهم ببعضٍ يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرُهم.

أتحدَّى أيَّ ملحد أن يأتي بعبارةٍ أوجَزَ وتؤدي نفس هذا المعنى!

لو أخذت أيَّ كلمة من القرآن وأدرت لغة العرب لن تجد أدقَّ منها، ولا أولى منها في موضعها وسياقها.

وانظر لقوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [سورة الصافات: 103].

فَلَمَّا أَسْلَمَا: خضعا وانقادا لأمر الله تعالى.

وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ: وضعه على جبينه.

هل يستطيع بليغ أن يأتي بهذا المعنى المطلوب بنفس هذا العدد من الكلمات بنفس هذا السياق الجمالي، الذي لا يخرج عن سير الآيات التي قبلها والتي بعدها؟

ولذا عندما سمع العربُ الأقحاحُ كلامَ الله، قال بعضُهم قبل أنْ يُسلم من فرط انجذابه قال: "كَادَ قَلْبِي أنْ يَطِيرَ"().

66- لكنَّ بعض الملاحدة المعاصرين حاولوا أن يُحاكوا أسلوب القرآن؟

مشركو العرب كادت تطير قلوبهم من قوة القرآن، ويأتيك ملحد معاصر لا يجيد نطق العربية نطقًا صحيحًا، فيأتي لمحاكاة بعض نصوص القرآن مستخدمًا نفس العبارات القرآنية والأساليب القرآنية واللغة القرآنية.

فطاحل المشركين شعراء الجاهلية لو عرفوا أنَّ تحدي القرآن سيكون بهذه الطريقة لربما انتحروا كمدًا!

فالملحد يستخدم عبارات قرآنية خالصة وأساليب قرآنية حصرية.

فهل هذا تحدٍّ للقرآن؟

الذي يريد تحدي القرآن عليه أنْ يأتي بنسقٍ جديدٍ كالذي جاء به القرآن، وليس مجرد التقليد المضحك!

تخيل شخصًا يتحدَّى الموناليزا فيُحضر نفس الموناليزا ويصبِغ شعرها، ويقول لك: ها أنا تحدَّيتُ موناليزا دافنشي!

تخيَّلْ رد فعل دافنشي!

سيسخر دافنشي من هذا الأسلوب السمج.

إذا أردت تحدي القرآن، فأنت مُطالب بنسق ثوري جديد في اللغة كالنسق الثوري الذي أحدثه القرآن.

ولغة العرب شعر ونثر وقرآن.

ولذلك توقف كُفار العرب عن تحدي القرآن، ومن تقدَّم منهم كمسيلمة الكذَّاب صار أضحوكة.

فهذا الطرح السمج من بعض الملحدين المعاصرين دليلٌ مستقلٌّ على إعجاز القرآن.

ولم يزل القرآن يقرع المشركين البلغاء أشدَّ التقريع، ويُسفه أحلامهم، ويذمُّ آلهتهم، ويتحداهم أن يأتوا بمثله أو بسورةٍ من مثله، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، مُحجِمون عن مماثلته.

بل لقد قال الله عز وجل للمشركين: {لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [سورة البقرة: 24].

فما فعلوا، ولا قدروا.

وللإنسان أن يتساءل: كيف يجرؤ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يتحدى أناسًا في جنس ما يحسنون ويبدعون، ثم يتركهم وقد علاهم الخزي على مر السنين؟

يقول د. عبد الله دراز رحمه الله : "ألم يكن يخشى الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا التحدي أن يثير حميَّتهم الأدبية؟

فيهبُّوا لمنافسته، وماذا عساه يصنع لو أنَّ جماعةً من بلغائهم تعاقدوا على أنْ يضع أحدهم صيغة المعارضة، ثم يتناولها سائرهم بالإصلاح والتهذيب كما كانوا يصنعون في نقد الشعر، ثم لو طوعت له نفسه صلى الله عليه وسلم أن يُصدر هذا الحكم على أهل عصره أنهم يعجزون عن قبول تحدي القرآن، فكيف يُصدره على الأجيال القادمة؟

إنَّ هذه مغامرةٌ لا يتقدَّم إليها رجلٌ إلا وهو يعلم أن الجميع سيفشل على مر العصور"().

لقد تحدَّى القرآنُ أهلَ البيان في عباراتٍ محرجةٍ، ولم يأتِ أحدٌ منهم بشيءٍ يستريح له الملاحدة!

يقول الألوسي رحمه الله : "فلم ينطق أحدٌ منهم إلى يومنا هذا ببِنْت شفةٍ، ولا أعرب عن موصوفٍ أو صفةٍ، وأظهر الكلُّ العجزَ عن المعارضة في كل وقتٍ وحينٍ"().

وقد رأى الكفار أنّ تجميع الجيوش وتحزيب الأحزاب لمحاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهونُ وأيسرُ من معارضة القرآن وقبول التحدي.

فهذا منتهى ما يملكون!

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [سورة فصلت: 26].

وعندما قدِمَ الطفيل بن عمرو الدوسي -رئيس قبيلة دوس في اليمن- وكان شاعرًا مُفوَّهًا، عندما قدم مكةَ استقبله كُفار مكة وكعادتهم حذَّروه من سماع قرآن محمد صلى الله عليه وسلم لئلَّا ينجذب لسحره، حتى حشا أذنه بالقطن لكنَّه شعر أنَّ هذا أسلوب سخيف، فقال في نفسه: "إني لبيبٌ وشاعرٌ، ولا يخفى عليَّ الحسن من القبيح، فأزال القطن عن أذنه وسمع شيئًا من القرآن فتملَّك عليه قلبَهُ وأسلَمَ"().

فأثَرُ القرآن في الفِطر والنفوس عجيبٌ، فالقرآن يُذيب جبال الغِلظة، ويشرح الصدر، ويخطف الألباب.

وكان أبو بكر حين يقرأ القرآن تصطفُّ نساء المشركين حول بيته من فرط انجذابهم وتأثرهم بالقرآن، حتى أفزع ذلك رجال قريش().

فللقرآن سطوة على القلوب عجيبة، فهو يزرع اليقين في القلب ويغرس الإيمان.

ولما سمع الوليد بن المغيرة وهو من أشد الناس كفرًا، لما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم بعض القرآن قال: "وماذا أقولُ فواللهِ ما فيكم رجلٌ أعلمَ بالشِّعرِ منِّي، واللهِ ما يُشبهُ الَّذي يقولُ شيئًا من هذا، واللهِ إنَّ لقولِه لحلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوةً، وإنَّه لمنيرٌ أعلاه، مشرقٌ أسفلُه، وإنَّه ليعلو وما يُعلَى عليه"().

أما النَّضر بن الحارث فكان يقول: وقلتم ، لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلَّها، يا معشر ، فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمرٌ عظيمٌ.

فالكل كان يُجمع على إعجاز هذا القرآن، ولم يمنع المشركين من الإسلام إلا الكِبْر والحقد!

{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [سورة النمل: 14].

67- هل من الممكن ذِكر معجزة قرآنية غير الإعجاز البلاغي؟

تدبَّرْ هذه المعجزة: القرآن نزل خلال ثلاثةٍ وعشرين عامًا، وكانت تنزل بعض الآيات في هذه المناسبة، وآيات أخرى في مناسبةٍ أخرى، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لكتبة الوحي ضعوا هذه الآيات بين آيات كذا، وآيات كذا، وتلك الآيات في سورة كذا بين كذا وكذا، وهكذا...

وإذا بك تُفاجأ بعد أنِ اكتمل نزول القرآن أنَّ كل سورةٍ عبارة عن وَحْدة مستقلة ومحتوى خاص!

وكأن القرآن كان بناءً متكاملًا، ثم تم تفكيك الآيات ونزلت بحسب المناسبات، ثم أعيد تجميع هذا البناء مرةً أخرى على الأرض على نفس هيئته السابقة، هذا لا يمكن أن يحصل إلا لو كان هذا القرآن وحيًا من الله().

68- والآن أريد برهانًا على صحة الإسلام بجانب القرآن الكريم؟

سيرة النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم هي بُرهان عظيم مستقل على صحة الإسلام!

إذا نظر أيُّ إنسانٍ يعقل من أي أُمَّة، أو من أية ديانة، إذا نظر في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فسيعلم أنه أمام نبيٍّ عظيمٍ.

فسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هي أكملُ وأوثقُ وأعظمُ سيرة لإنسان في تاريخ البشر!

أكمل سيرة من ناحية المعرفة بكل تفاصيلها، ودقائق حياته صلى الله عليه وسلم في حِله وترحاله وشبابه وشَيبته، ولا توجد سيرة منقولة أكمل من سيرته.

وأنت لا تذكر حالك قبل عشرين عامًا، ولا تذكر تفاصيل حياتك أنت التي بين جنبيك، في حين نقل ابن حزم في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم فقط مئات الصفحات!

تخيل أنَّ الصحابة نقلوا أنَّه صلى الله عليه وسلم سَعَلَ سَعْلة في صلاته: "أخَذَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سَعْلَةٌ فَرَكَعَ"().

نقلوا كل تفاصيل حياته صلى الله عليه وسلم ؛ فسيرته أكمل سيرة.

وسيرته أوثق سيرة، فهي أوثق سيرة من ناحية النقل، حيث نقلها أصدق الناس، وهم الصحابة... الصحابة الذين كانوا لا يجيزون الكذب فيما دقَّ!

وكانوا يعلمون أنَّ كذبًا عليه ليس ككذبٍ على أحد.

"إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى غَيْرِي، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار"().

فهؤلاء الصحابة نقلوا نقل الثقة عن الثقة كل كبيرة وصغيرة في حياته صلى الله عليه وسلم ، بل وحرصوا على ضبط كل حرفٍ قاله.

فمثلًا في حديث: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الدُّبَّاءِ والمُزفَّت أن يُنتبذ فيه، قيل لسفيان: أن يُنبذ فيه؟ قال: لا... ينتبذ فيه().

كانوا يحرصون على الحرف من فمه صلى الله عليه وسلم .

وسيرته أعظم سيرة؛ لأنها سيرة أعظم إنسان مشى على الأرض:

أعظم قائد، أعظم زوج، أعظم أبٍ، أعظم مربٍّ، أعظم قدوة، أعظم معلم، أعظم ملهم، أعظم تقي، أعظم عابد، وكل عاقل نظر في سيرته بغضِّ النظر عن دينه سيقطع أنه أمام أعظم شخصية ظهرت في التاريخ!

يقول مايكل هارْت الفيزيائي اليهودي: "اختياري لمحمد صلى الله عليه وسلم على رأس قائمة الأشخاص الأكثر تأثيرًا في العالم قد يفاجئ بعض القُرَّاء، ولكنه بالفعل أكثر شخصية مؤثرة في التاريخ".

فمَن نظر في سيرته صلى الله عليه وسلم ، علِمَ أنَّه أمام أعظم إنسانٍ ظهر في التاريخ!

ومن أول أيامه صلى الله عليه وسلم في الدنيا تلوَّنت عليه الأحوال؛ من يُتم وفقرٍ وخوفٍ ثم قتلٍ لأحبائه وأوليائه بين يديه، وأذى الكفار له بالحبس والتجويع، فقد حبسوه في شِعب أبي طالبٍ ثلاث سنواتٍ وأغروه بالمال والرياسة، وحاولوا قتله مراتٍ، وكان يقرأ في مجامعهم القرآن وفيه ذمُّ آلهتهم.

فظلوا يمكرون به ويحاولون اغتياله، وحاصروا داره، ومكروا به كل مكرٍ().

{وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [سورة إبراهيم: 46].

وتضرَّع أهلُه إليه أن يلين لقومه من قريش، وأن يتوقف عن تسفيه أحلامهم فلا يزدادُ إلا إبطالًا للباطل.

وعرض عليه المشركون العروض السخية: المال والرياسة، ليس من أجل أن يتوقف عن دعوته؛ لا... وإنما فقط ليتركهم وآلهتهم، لكن دعوته كانت وحيًا يُوحى ليست مِن قِبل نفسه حتى يتركها لأفضل العروض المتاحة!

فدعا إلى الله بصبرٍ وثباتٍ، وكانوا يتمنون فقط أن يُهادن دينهم ولو لمرة: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [سورة القلم: 9].

كانوا يتمنَّون منه مهادنةً على باطلِهم، فلم يزدد إلا تسفيهًا لكفرهم.

لقد أقام بقلةٍ قليلةٍ من أصحابه ثلاثة عشر عامًا بين قومٍ يريدون قتله هو وأتباعه بأي ثمن.

فهو صلى الله عليه وسلم في مجموع التعذيب والأذى، لم يُعذب نبيٌّ ولم يُؤذَ نبيٌّ مثل ما أُوذي صلى الله عليه وسلم** ()**.

وبعد هذا الصبر والثبات على الحق وعلى الدعوة إلى الله أيقظ اللهُ بدعوته أُمَّة عظيمة فُتحت لها ممالك الأرض، وسادت العالم بالتوحيد.

لقد كان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس خُلُقًا وأمانةً وصدقًا، وهذا باعتراف كفار مكة قبل غيرهم، قالوا له في أول يومٍ دعاهم فيه للإسلام: "قالوا: نَعَمْ، ما جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إلَّا صِدْقًا"().

ولذلك آمن كبار الصحابة قبل أنْ يروا المعجزات، وقبل أن يَنشق القمر، وقبل الإخبار بالمغيَّبات.

آمنوا وصبروا على شدة ما لقَوا من بأس كفار قريش؛ لأنهم يعلمون أنَّ هذا وحي الله إلى العالم!

وآمن في أول يومٍ مِن دَعْوته أعرفُ الناس بخبرِه... آمنتْ زوجته، والتي هي أكثرُ الناس اطلاعًا على سره وعلنه، وآمن صاحبه والعارف بدقيق حاله أبو بكر، وآمن مولاه زيد بن حارثة، وآمن من يُربيه في كنفه علي بن أبي طالب، وكلهم يعرفُ ويبصرُ سيرتَه ويشهد إرهاصاتِ نبوتِه.

ولذلك قال ربُّنا سبحانه على لسان نبيه لمن كفر من قومه قال: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [سورة يونس: 16].

ألَا تعرفون الرجل؟

ألَا تعرفون خُلُق الرجل، وأمانة الرجل، وصدق الرجل، وسيرة الرجل، وعقل الرجل؟

{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سورة سبأ: 46].

أعِظُكُم أن تقوموا للنظر والتفكُّر في حاله.

فمن نظر في حاله وسيرته سيعلم تمامًا أنه أمام نبي، وهذا وحده برهانٌ مستقلٌّ على صحة الإسلام!

وكان صلى الله عليه وسلم ترجمةً عمليةً لأوامر القرآن، فقد كان خُلُقه القرآن كما قالت عائشة رضي الله عنها** ()**.

69- لكن كيف كان حال البيئة التي بُعث فيها النبي صلى الله عليه وسلم من الناحية الأخلاقية؟

يكفيك في هذا أن تقرأ قولَه تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [سورة الأنعام: 140].

تكفيك هذه الآيةُ لتعرف شكل البيئة التي بُعث فيها النبي صلى الله عليه وسلم .

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ: كانوا يقتلون أولادهم!

وكانت الحروب الطويلة الأمد تُقام لأتفه الأسباب!

وكان فيهم شُرب الخمر حتى إنَّ مطلِع أشعارهم كان في مديح الخمر، بل معنى التجارة عند العرب في الجاهلية هو: تجارة الخمر.

واشتهر بينهم الميسِر –المقامرة- في كل شيءٍ، قال قتادة: كان الرجل في الجاهلية يُقامر على أهله وماله فيقعد حريبًا سليبًا().

حَرِيبًا: أي مُفلسًا.

أما الربا، فكان تجارةً متأصلةً، وكانوا يزيدونه أضعافًا مضاعفةً مع كل تأجيلٍ في سداد الدَّيْن.

والزنا كان منتشرًا جدًّا!

وكان الوأد للأطفال في كل قبائل العرب، كما ذكر الهيثم بن عَدِي، وكان بعضهم يئِد السوداء تشاؤمًا، وكان الآخر يئد خشية لحوق العار.

وفي هذا نزل قوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [سورة النحل: 58-59].

يقول صَعصَعة بن نَاجية: "جاء الإسلام، وقد فديت ثلاثمِائة موءودة"().

وكانوا يقتلون أولادهم خشية الإنفاق وخوف الفقر، وكان بعضهم ينذُر إذا بلغ عدد أولاده عشرًا نحر واحدًا منهم، كما حصل مع عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم .

في هذه البيئة أتى الإسلام!

في هذا الجو ظهر النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم .

قال المقداد بن الأسود: "واللهِ لقد بُعِثَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على أشدِّ حالٍ بُعِث عليها نبيٌّ مِن الأنبياءِ وفترةٍ وجاهليَّةٍ، ما يرَوْنَ أنَّ دِينًا أفضلُ مِن عبادةِ الأوثانِ، فجاء بفُرقانٍ فرَّق بيْنَ الحقِّ والباطلِ"().

وانظر لقول رَجَاءٍ العُطَارِدِيَّ في حال العرب في ذاك الوقت والحديث في البخاري قال: "كُنَّا نَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإِذَا وجَدْنَا حَجَرًا هو أخْيَرُ منه ألْقَيْنَاهُ، وأَخَذْنَا الآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جُثْوَةً مِن تُرَابٍ، ثُمَّ جِئْنَا بالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عليه، ثُمَّ طُفْنَا به"().

وكان يجتمع الرهط فَيَدْخُلُونَ علَى المَرْأَةِ، كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا والحديث في البخاري().

وكانت المرأة تُورَث كما يُورَث المتاع، وكانت بعض الأطعمة تُمنع النساء من أكلها، ويختصُّ بأكلها الرجال فقط: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} [سورة الأنعام: 139].

حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحديث المتفق على صحته: "واللَّهِ إنْ كُنَّا في الجَاهِلِيَّةِ ما نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أمْرًا، حتَّى أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ ما أنْزَلَ، وقَسَمَ لهنَّ ما قَسَمَ"().

في هذا العالم الحالك السواد جاء نورُ الإسلام، وأنزل الله كتابه؛ ليصحح كل هذا الفساد والظلم والفجور!

قال ربُّنا سبحانه: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 151-153].

عشر وصايا جمعت خصال الخير!

وقال سبحانه: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} [النور: 33].

وقال عزَّ مِن قائل: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228].

وقال: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7].

للمرأة نصيب من التركة، وللرجل نصيب من التركة!

وقال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].

وقال: {لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 195].

فهُمْ متساوون في التكليف، وفي الأجر من الله!

وقال صلى الله عليه وسلم : "إنما النساء شقائقُ الرجال"().

وكانت اليتيمة تُورَّث بمالها لمن يُربيها، ويتزوجُها الرجل ولا يدفع لها مهرًا؛ لأنها يتيمة، فنزل قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3].

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ: إن خفت أن تظلم هذه اليتيمة ولا تعطيها حقَّها، فانكح غيرها كما تحبُّ، مثنى وثلاث ورباع، واترك هذه لمن يعطيها حقها كاملًا... اتركها لمن يُكرمها.

جاء الإسلام بإصلاح عقيدة الناس، وبإصلاح سلوكهم وأخلاقهم ومعاملاتهم... جاء بإكرام المرأة واليتيم والطفل، بل وحِفظ حقوق الدواب والشجر... الإسلام جاء بإصلاح العالم بما فيه.

استمِعْ لما قال جعفر بن أبي طالب الصحابي الجليل حين تكلَّم بين يدي النجاشي ملك الحبشة، وهو يصف له الإسلام ويخبره لماذا ضحَّوْا كل هذه التضحيات من أجل هذا الدين، ولماذا تركوا الأهل والبلد وهاجروا في الله، قال جعفر رضي الله عنه : "أيُّها الملِكُ، كُنَّا قَومًا أهلَ جاهليَّةٍ، نَعبُدُ الأصنامَ، ونَأكُلُ المَيْتةَ، ونَأتي الفواحشَ، ونَقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجِوارَ، يَأكُلُ القَويُّ منَّا الضَّعيفَ، فكنَّا على ذلكَ حتَّى بَعَث اللهُ إلينا رسولًا منَّا نَعرِفُ نسبَه وصِدْقَه، وأمانتَه وعَفافَه، فدَعانا إلى اللهِ لِنوحِّدَه ونَعبُدَه ونَخلَعَ ما كنَّا نَعبُدُ نحنُ وآباؤُنا مِن دُونِه مِنَ الحجارةِ والأوثانِ، وأَمَرَنا بصِدْقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصِلَةِ الرَّحمِ، وحُسْنِ الجِوارِ، والكفِّ عنِ المَحارمِ والدِّماءِ، ونَهانا عنِ الفَواحشِ، وقولِ الزُّورِ، وأكْلِ مالِ اليتيمِ، وقذْفِ المُحْصنةِ، وأَمَرَنا أنْ نَعبُدَ اللهَ وحْدَه لا نُشرِكُ به شيئًا، وأَمَرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ - قالتْ: فعَدَّدَ عليه أُمورَ الإسلامِ -، فصدَّقْناه وآمَنَّا به، واتَّبَعْناه على ما جاءَ به، فعَبَدْنا اللهَ وحْدَه فلمْ نُشرِكْ به شيئًا، وحرَّمْنا ما حَرَّم علينا، وأَحْلَلْنا ما أَحَلَّ لنا، فعَدَا علينا قومُنا فعَذَّبونا، وفَتَنونا عن دِينِنا؛ لِيَرُدُّونا إلى عبادةِ الأوثانِ مِن عبادةِ اللهِ، وأنْ نَستحِلَّ ما كنَّا نَستحِلُّ مِنَ الخبائثِ، فلمَّا قَهَرونا وظَلَمونا وشَقُّوا علينا وحالوا بيْننا وبيْن دِينِنا، خرَجْنا إلى بلدِكَ"().

بهذا جاء الإسلامُ... وبهذا ساد الإسلامُ!

وقد أخبر اللهُ عز وجل بنصر نبيه، وكان العرب يسخرون حين يسمعون أنَّ هذا الرجل سينتصر ويُبطل الباطل في شرق الأرض وغربها، فجاء الإسلامُ وفتح اللهُ للمسلمين ممالك الأرض، وسادت كلمة التوحيد في مشارق الأرض ومغاربها.

فلم يطرق العالمَ ناموسٌ أفضلُ ولا أعظمُ من هذا الناموس.