الباب الثالث: رسـولُ الْأُميـِّينَ

الباب الثاني رسـولُ الْأُميـِّينَ

16- كيف نحتجُّ على مُلحِد بالبشارات للنبي صلى الله عليه وسلم في كتب السابقين؟

إذا كانت هناك بشارة صحيحة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في كتب السابقين المُقدَّسة، فهذا دليل على إثبات صدقه، وهذا الدليل مُلزٍم للجميع؛ إذ كيف يُبشَّر بنبيٍّ قبل مجيئه في كتبٍ مقدسةٍ لأمةٍ أخرى؟

فلو صحَّت هذه البشارات والنبوءات فهي بُرهان فعلي على أنه نبي حق.

فهذا استدلال على صحة الإسلام من خارجه!

ولو صحَّت هذه البشارات، فهي أيضًا دليل على أنَّ النبوَّة في أصلها حق... مفهوم النبوة مفهومٌ صحيحٌ؛ حيث أنَّ ما يُبشِّر به الأنبياء يقع كما هو!

وقد أورد القرآنُ الكريم آياتٍ كثيرةً على صحة إلزام هذا الاستدلال... الاستدلال بالنبوءات على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في الكتب المقدسة السابقة؛ فهذا استدلال مُلزِم عقلًا!

قال ربُّنا سبحانه: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} [يونس: 94].

اسأل أهل الكتاب ستجد عندهم خبرُ نبوتِك، وصدق الشرع الذي أتيت به.

وقال عزَّ مِن قائل: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [سورة الرعد: 43].

فالذين عندهم علم الكتاب يعرفونه جيدًا... يعرفونه معرفةً تامَّة.

بل يعرفونه معرفةً يقينيةً؛ لكثرة البِشارات بقدومه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 146].

{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [سورة الأعراف: 157].

فاستخدام باب البشارات في الاستدلال على صحة الإسلام، وعلى صدق النبي صلى الله عليه وسلم هو استخدامٌ لبابٍ عظيمٍ طالما تغافلنا عنه، ولم نُعطِهِ حقَّه من وجهة نظري!

وهذا الباب... باب البِشارات ملزمٌ كما قلت لكل أحد، وهو آية على مَن يريد أن يتأكَّد من نبوته: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [سورة الشعراء: 197].

فمعرفة علماء بني إسرائيل بمُحمد صلى الله عليه وسلم هي آية واضحة على أنَّه نبيٌّ!

17- لكن ألمْ يقع التحريف في التوراة والإنجيل، فكيف نستخدمهما في باب البِشارات؟

من المُسلَّمات أنَّ التحريف لم يقع في كل التوراة والإنجيل، وإنما في أجزاء منهما.

ولذلك حاكَمَ القرآنُ الكريم أهلَ الكتاب إلى كُتُبهم في أكثر من واقعة.

فقال تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [سورة آل عمران: 93].

وقال سبحانه: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} [سورة المائدة: 47].

والنبيُّ صلى الله عليه وسلم حاكَمَ أهلَ التوراة في واقعة الزنا الشهيرة إلى توراتهم؛ فقال صلى الله عليه وسلم : ما تجدون في التوراة على مَن زَنى إذا أُحصِن؟

بل وقد أجاز لنا صلى الله عليه وسلم الحديثَ عن بني إسرائيل، فقال: "حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"().

وهذه كلها دلائل على أنَّ كُتُب أهل الكتاب تحمل الحقَّ الكثيرَ، ويكفي أنْ يُثبِت القرآنُ الكريم في أكثر من موضع قَبول منهج الاستدلال بباب البشارات عند أهل الكتاب!

وحتى الساعة ما زال في نصوص كتبهم الشيءُ الكثيرُ من البشارات على أنَّ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم هو نبيُّ آخر الزمان.

18- هل لك بذِكْر أمثلة على ذلك؟

ورد مثلًا في سفر التثنية، وهو خامس أسفار التوراة، ورد قول الرب لموسى:

قَالَ لِيَ الرَّبُّ: أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ.

قال الرب لموسى في هذا النص: سيأتي نبيٌّ مثلك يا موسى من وسط إخوة بني إسرائيل!

لكن مَن هم إخوة بني إسرائيل؟

إخوة بني إسرائيل هم أبناء إسماعيل؛ فإسماعيل أخو إسحاق، وإسرائيل بن إسحاق، فأبناء إسماعيل هم إخوة أبناء إسرائيل.

وهذا ما تُقرره التوراة نفسها... تقول التوراة عن إسماعيل: وَأَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ.

إذَنْ يُبشِّر اللهُ موسى في هذا النص من سِفر التثنية أنَّه سيأتي نبيٌّ من بني إسماعيل، وهذه نبوءة لا علاقة لها بالمسيح عيسى عليه السلام ؛ لأن المسيح لم يكن من وسط إخوة بني إسرائيل بل هو منهم.

المسيح كان من بني إسرائيل، وتحديدًا مِن سبط يهوذا بن إسرائيل.

بينما النبيُّ الذي أتى من وسط إخوة بني إسرائيل، أي: من نسل إسماعيل هو فقط النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم .

ولو لم تتحقق هذه النبوءة في محمد صلى الله عليه وسلم ، فهي لم تتحقق حتى الآن!

أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ.

والنبي محمد صلى الله عليه وسلم مثل موسى عليه السلام .

فكلاهما أتى بشريعة جديدة، بينما المسيح لم يأتِ بشريعةٍ جديدةٍ!

بل إنَّ المسيح عليه السلام كان يرفض أن يُنظر له على أنَّه أتى بشريعة جديدة، لدرجة أنَّه رفض حتى تقسيم الميراث!

فقال: يَا إِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟

أيضًا موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، كلاهما جاهَدَ الكُفار والوثنيين؛ بينما المسيح عليه السلام بُعث إلى بني إسرائيل!

أضِف إلى ذلك أنَّ موسى ومحمدًا عليهما الصلاة والسلام، كلاهما وُلد ولادةً طبيعيةً، وتزوَّج وأنجب ومات موتًا طبيعيًّا، أمَّا المسيح فولادته ولادةً خاصَّةً؛ فقد وُلد بغير أبٍ، ولم يتزوَّجْ، ورُفع للسماء عليه السلام !

ومن دلائل التشابه الشديد بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام أن موسى أكثر الأنبياء ذِكرًا في القرآن الكريم، وما ذُكر بهذا التكرار إلا لتشابُه السيرة والمواقف التي تعرَّض لها بتلك التي تعرَّض لها النبي صلى الله عليه وسلم ، فيأتي ذِكر قصة موسى للتنبيه والعِظة وأخذ الدرس والعِبرة والربط على القلوب!

وكانت دائمًا قَصص موسى حاضرة في الصِّعاب التي يتعرَّض لها النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى، لقَدْ أُوذِيَ بأَكْثَرَ مِن هذا فَصَبَرَ"().

فكما حُورب موسى حُورب محمدٌ صلى الله عليه وسلم ، وكما أُخرج موسى من بلده أُخرج محمدٌ صلى الله عليه وسلم ، وكما جاهد موسى جاهد النبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم ، وكما انتصر موسى انتصر محمدٌ صلى الله عليه وسلم .

فالنبي الذي مثل موسى ومن نسل إخوة بني إسرائيل، هو وحده محمد صلى الله عليه وسلم !

بل إنَّ الكتاب المقدس يُقِرُّ أنَّه لم يقم نبيٌّ في بني إسرائيل مثل موسى عليه السلام !

وعندما نعود لتكملة النص في سفر التثنية، يقول النصُّ: وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ.

أَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ: كلام الله مباشرةً في فم النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنَّه أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب، فيكون كلام الله في فمه لا في ألواحٍ، ولا بكتاب ينزل مرةً واحدةً من السماء!

بل هو وحْي إلهيٌّ سيتنزَّل وينطق به هذا النبي القادم.

ولذلك ننظر لأسلوب القرآن الكريم: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [سورة الإخلاص: 1].

{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [سورة العلق: 1].

{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [سورة الكافرون: 1].

فكلام الله في فمه صلى الله عليه وسلم مباشرةً!

19- لكنَّ هناك أنبياءَ كذبةً كثيرين ظهروا في بلاد العرب بعد ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فكيف نُفرِّق بينهم وبين النبي الصادق؟

النصُّ في نفس السفر... سفر التثنية، يُجيب عن هذا السؤال!

ففي هذا النص فرقَانِ ظاهرَانِ نعرف من خلالهما النبيَّ الصادقَ من النبي الكاذب!

يقول النصُّ: وَأَمَّا النَّبِيُّ الَّذِي يُطْغِي، فَيَتَكَلَّمُ بِاسْمِي كَلَامًا لَمْ أُوصِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَيَمُوتُ ذلِكَ النَّبِيُّ.

النبيُّ الذي يفتري على الله، ويتكلم بما لم يُوحِ به اللهُ إليه يموت ذلك النبيُّ.

النبي الكاذب يهلك قبل إتمام رسالته!

وهذا بالمناسبة هو نفس التفريق القرآني بين النبي الصادق والنبي الكاذب، ففي أول بِعثة النبي صلى الله عليه وسلم أوحى الله إليه: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [سورة الحاقة: 44-46].

سورة الحاقة وهي سورة مكية تُقرر أنَّ النبي الكاذب سيهلك قبل إتمامه للرسالة!

فماذا حصل؟

لم يمُتِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن تمَّت الرسالة، ونزل قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [سورة المائدة: 3].

فالرسالة تمَّت، والشريعة كَمُلت، ومات صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية بأيامٍ.

هذا هو الفرق الأول بين النبي الصادق والنبي الكاذب... النبي الصادق تتمُّ رسالته!

هناك فرقٌ ثانٍ بين النبي الصادق والنبي الكاذب يذكره نفسُ النص في سفر التثنية:

يقول النصُّ:

وَإِنْ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: كَيْفَ نَعْرِفُ الْكَلَامَ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ؟ فَمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ وَلَمْ يَحْدُثْ وَلَمْ يَصِرْ: تنبَّأ ونبوءته لم تتحقق.

فَهُوَ الْكَلَامُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ، بَلْ بِطُغْيَانٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ: نبي كاذب فَلَا تَخَفْ مِنْهُ.

التفريق الثاني سهل جدًّا.

الله عز وجل يخبرنا أنَّ مَن قال أنا نبي، وتنبَّأ بأمورٍ ولم تحصل، فهو نبي كاذب!

والآن بالله عليكم؟

هل يستطيع أحدكم أن يُحصي ما تنبَّأ به النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ووقع كما تنبَّأ؟

هل يوجد نبيٌّ من الأنبياء؛ سواءً في العهد القديم أو الجديد أخبر بعدد النبوءات التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ووقعت كما أخبر؟

بل لو جمعنا جميع النبوءات التي تنبَّأ بها المسيح عليه السلام ، وأضفنا إليها جميع النبوءات التي تنبَّأ بها موسى عليه السلام ، وأضفْنا إليهما جميع النبوءات التي تنبَّأ بها جميع أنبياء العهد القديم؛ فهذه النبوءات في مجموعها أقل عددًا من النبوءات التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم وتحقَّقت كما هي!

20- مثل ماذا هذه النبوءات التي تنبَّأ بها النبي صلى الله عليه وسلم ووقعت كما أخبر؟

1- أخبر القرآن الكريم أنَّ الله عز وجل سيرُدُّ رسوله صلى الله عليه وسلم بعد أن خرج من مكة إلى المدينة... سوف يرده مرةً أخرى إلى مكة: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [سورة القصص: 85].

ومعاد الرجل بلده؛ لأنه ينصرف ثم يعود، وقد تمَّ كما أخبر.

2- وأخبر القرآنُ الكريم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سيدخل المسجد الحرام وصحابته محلقين رؤوسهم ومُقصرين بعد أنْ منعهم المشركون من دخوله: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [سورة الفتح: 27]، وقد تم كما تنبَّأ.

3- وأخبره أنَّه بعد دخول المسجد الحرام سيكون هنا فتحٌ: {فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [سورة الفتح: 27]، وقد تمَّ فتح خيبر بعد دخول المسجد الحرام.

4- وأخبره أنه سوف يُغني قريشًا: {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [سورة التوبة: 28]، وقد تم.

5- وأخبر أنَّ أبا لهب سوف يموت على الكفر، وقد تم.

{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} [سورة المسد: 1-3].

مع أنَّ أبا لهب ظل حيًّا بعد نزول هذه السورة لأكثر من أحد عشر عامًا، ومع ذلك لم يُسلم طوال هذه المدة!

نبوءات كثيرة أخبر بها القرآن الكريم ووقعت كما هي!

6- وأخبر القرآن الكريم أنَّ الوليد بن المغيرة... وهو أبو خالد بن الوليد، سوف يموت على الكفر: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [سورة المدثر: 26]، وقد كان.

والسؤال هنا: ما المانع أنْ يُسلم الوليد كما أسلم ابنه... خاصَّةً وأنه تأثر بالقرآن جدًّا؟

فهذا كان أمرًا واردًا في أيَّة لحظةٍ؟

ومع ذلك يضع القرآنُ نبوءة أنَّ الوليد بن المغيرة لن يُسلم، وسيموت كافرًا، وتتحقَّق النبوءة بحرفها!

بل وأخبر القرآن أنَّ الوليد بن المغيرة رُزق ببنين كُثر، وهو يطمع في الزيادة، لكن كلَّا... لن يرزق ببنين آخرين؛ وقد تم.

{وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} [سورة المدثر: 12-16].

فهو يتمنَّى الزيادة، لكن كلَّا لن يُرزق بآخرين، فوقع كما أخبر القرآن الكريم!

7- وتنبَّأ القرآن الكريم أنَّ الروم ستَهزِم الفُرس في بضع سنين مع أن هذا كان مستحيلًا بحساب موازين القوى في تلك الفترة، وقد تم.

(غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الروم: 2-6].

فهذا وعْد من الله، وقد وقع كما وَعَدَ سبحانه!

8- وتنبَّأ القرآن الكريم أنَّ اليهود لن يتمنَّوُا الموت حين تحدَّاهم النبي صلى الله عليه وسلم أنْ يقولوا فقط هذه الكلمة "نحن نتمنى الموت" فلم يجرؤوا على قولها: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [سورة الجمعة: 6-7].

فما تمنَّوُا الموت أبدًا؛ لأنهم يعلمون أنهم لو تمنَّوه أمام النبي لماتوا من ساعتهم، فما تمنَّوه مع المطالبة والإلزام!

حتى قال بعض العلماء: "لا يتمنون ذلك مع خفَّته وسهولته ومع علمه صلى الله عليه وسلم بشدة حرصهم على تكذيبه وفضيحته؛ تعَجَّبَ!

ولم يقل هذا من عندي، بل قال: هذا من عند ربي وإلهي وإلهِكم، وهذا مقام لا يُبديه النبي صلى الله عليه وسلم إلا مع اليقين.

وقد تحيَّرت الملاحدة وأعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم لماذا لم يتمنَّ اليهودُ الموتَ زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُكذبوه بذلك فيستريحون ويُريحون".

نبوءات لا حصر لها أخبر بها القرآنُ الكريم، ووقعتْ كما أخبر.

9- والنبيُّ صلى الله عليه وسلم تنبَّأ بقتل أُميَّة بن خلف، والحديث في البخاري وقُتل أُميَّة بن خلف.

10- وتنبَّأ صلى الله عليه وسلم بأنَّ أُمَّ حَرَامٍ بنْتَ مِلْحَانَ ستكون من غُزاة البحر، والحديث في صحيح مسلم().

وقد وقع كما تنبَّأ!

11- وتنبَّأ بأنَّ الحسن بن علي سيُصلح الله به بين فئتينِ عظيمتينِ من المسلمين، والحديث في البخاري().

ووقع كما تنبَّأ صلى الله عليه وسلم وسُمي العامُ الذي أصلح الله به بين المسلمين على يد الحسن بن علي، سُمي بـ: عام الجماعة.

تخيَّلْ لو مات الحسن بن علي طفلًا صغيرًا؟

12- وتنبَّأ صلى الله عليه وسلم أنَّ عمَّارًا ستقتله الفئةُ الباغية، والحديث في البخاري().

ووقع كما تنبَّأ صلى الله عليه وسلم .

13- وتنبَّأ بأنَّ عُمَر وعثمان وعلي وطلحة والزبير لن يموتوا على فُرُشهم كما يموت الناسُ، وإنما سيموتون شهداء ووقع كما تنبَّأ صلى الله عليه وسلم .

فماتوا شهداءَ!

14- وأخبر صلى الله عليه وسلم برسالة حاطب بن أبي بلتعة، والحديث في البخاري، ووجد الصحابةُ ما أخبر به صلى الله عليه وسلم بصورته!

15- وأخبر صلى الله عليه وسلم بمقتل القادة الثلاثة في غزوة مؤتة.

16- وأخبر بمقتل كِسرى في اليوم الذي مات فيه.

17- وأخبر بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وصلَّى عليه صلاة الغائب.

وتنبَّأ بأحداثٍ كثيرةٍ حصلت بعده، وكلها وردت بأسانيد على أعلى درجات الصحة!

مئات النبوءات التي فقط ذكرتُ طرفًا منها، وما زالت النبوءات التي أخبر بها صلى الله عليه وسلم تتحقَّق حتى الساعة.

إذَنْ النبي الصادق يتنبَّأ ويقع ما يتنبَّأ به، بينما النبي الكاذب يتنبَّأ ولا يقع ما يتنبَّأ به، بل يخذله الله!

21- هل هناك نصوص أخرى بالبشارات في التوراة؟

النصوصُ كثيرة... نعود للتوراة وتحديدًا لسفر التثنية:

لا تمضي فصولٌ قليلةٌ بعد البشارة بالنبي الذي سيخرج من وسط إخوة بني إسرائيل مثل موسى، لنُفاجأ بنصٍّ آخر يحدد نزول نور الرسالة على فاران التي سكنها إسماعيل عليه السلام !

يقول النصُّ: جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ، وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ رِبْوَاتِ الْقُدْسِ، وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لَهُمْ.

جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ: هذه شريعة موسى عليه السلام التي تلقَّاها في سيناء!

وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ: جبل فاران هو المكان الذي سكنه إسماعيل عليه السلام ، وهذا ما تُقرره التوراة بنفسها،

فنقرأ من سفر التكوين الإصحاح الحادي والعشرين: فَسَمِعَ اللهُ صَوْتَ الْغُلَامِ، وَنَادَى مَلَاكُ اللهِ هَاجَرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ يَا هَاجَرُ؟ لَا تَخَافِي؛ لأَنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ لِصَوْتِ الْغُلَامِ حَيْثُ هُوَ.

قُومِي احْمِلِي الْغُلَامَ، وَشُدِّي يَدَكِ بِهِ؛ لأَنِّي سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَةً.

وَفَتَحَ اللهُ عَيْنَيْهَا، فَأَبْصَرَتْ بِئْرَ مَاءٍ فَذَهَبَتْ وَمَلَأَتِ الْقِرْبَةَ مَاءً وَسَقَتِ الْغُلَامَ.

وَكَانَ اللهُ مَعَ الْغُلَامِ فَكَبِرَ، وَسَكَنَ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَكَانَ يَنْمُو رَامِيَ قَوْسٍ.

وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ، وَأَخَذَتْ لَهُ أُمُّهُ زَوْجَةً مِنْ أَرْضِ مِصْرَ.

قال الرب لهاجر احْمِلِي الْغُلَامَ: وهو إسماعيل عليه السلام سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَةً.

فَأَبْصَرَتْ بِئْرَ مَاءٍ: وهو بئر زمزم!

وَكَانَ يَنْمُو رَامِيَ قَوْسٍ: تذكرون حديث النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري: "ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ فإنَّ أبَاكُمْ كانَ رَامِيًا"().

فكيف عرف النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ جدَّه الأكبر كان راميًا؟

الشاهد أنَّ إسماعيل سكن في بريَّةِ فاران، وبشَّرت التوراة أنَّه سيأتي نور عظيم من فاران، وهو نور الشريعة!

بالمناسبة نفس هذا النص: الربط بين شريعة موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم بمكان بعثتهما موجود في القرآن الكريم؛ قال ربُّنا سبحانه: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [سورة التين: 1-3].

أقسم اللهُ بالرسالة التي جاءت في طور سينين -طور سَيناء- وهي رسالة موسى، والرسالة التي جاءت مرةً أخرى في هذا البلد الأمين وهي رسالة محمد عليهما الصلاة والسلام.

وقد تكرَّر خبر نزول نور الشريعة في بَرِّيَّةِ فَارَانَ أكثر من مرة عبْر أسفار التوراة!

ففي سفر حَبَقُّوق النبي، نجد هذا النص: اللهُ جَاءَ مِنْ تِيمَانَ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ سِلَاهْ.

جَلَالُهُ غَطَّى السَّمَاوَاتِ، وَالأَرْضُ امْتَلأَتْ مِنْ تَسْبِيحِهِ.

وَكَانَ لَمَعَانٌ كَالنُّور، لَهُ مِنْ يَدِهِ شُعَاعٌ، وَهُنَاكَ اسْتِتَارُ قُدْرَتِهِ.

قُدَّامَهُ ذَهَبَ الْوَبَأُ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْحُمَّى.

وَالأَرْضُ امْتَلأَتْ مِنْ تَسْبِيحِهِ: امتلاء الأرض بالتسابيح، وصوت الأذان!

وَكَانَ لَمَعَانٌ كَالنُّور: وصف النبوة بالنور هو وصْف قرآني وتوراتي أيضًا: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [سورة النساء: 174].

لَهُ مِنْ يَدِهِ شُعَاعٌ: شعاع الشريعة.

قُدَّامَهُ ذَهَبَ الْوَبَأُ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْحُمَّى: وهذا ما حصل حين دخل النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ، فخرجت حُمى المدينة من أمامه إلى الجُحفة، وذهب الوبأ... والحديث في البخاري().

لقد أشرق نورُ الرسالة من الموضع الذي سكنه إسماعيلُ عليه السلام ، حيث أنار ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم !

22- لكن هل تحدَّثت التوراةُ عن نسل إسماعيل الذين سكنوا مكة؟

طبقًا للتوراة، فإن إسماعيل عليه السلام كان له أبناء كُثر، ومنهم شخص يُدعى قيدار.

وقيدار هو الابن الثاني لإسماعيل.

تقول التوراة: وَهذِهِ أَسْمَاءُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ بِأَسْمَائِهِمْ حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ: نَبَايُوتُ بِكْرُ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيدَارُ.

وقيدار هذا عاش في مكة، وتربَّى فيها!

وقبيلة قيدار كانت تُعَدُّ من أكثر القبائل العربية تنظيمًا؛ فهي قبيلة عربية كبيرة من نسل إسماعيل عليه السلام .

وكما يَعرِف النسَّابة، فإن قيدار هو جدُّ عدنان؛ وعدنان بلا خلاف هو جدُّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يزل أبناء قيدار بمكة يتناسلون فهم أجداد قريش.

إذَنْ قيدار بن إسماعيل، ومن نسل قيدار جاء عدنان، وعدنان هو جدُّ النبي صلى الله عليه وسلم .

23- لكن هل تحدَّثت التوراةُ عن نسل قيدار، وعن مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم في ديار قيدار؟

العجيب أن التوراة بالفعل تحدَّثت عن نسل قيدار، وبشرَّت بشخصٍ عظيمٍ سيخرج من ديار قيدار، وهذا الشخص سيحارب الوثنيين، وسيرفع كلمة التوحيد في ديار قيدار، ولن يموتَ هذا الشخص حتى تتمَّ شريعته ويُسمع تمجيد الله... يُسمع الأذان في جبال قيدار: أي في جبال مكة، وجبال سالع بيثرب.

سنبدأ في قراءة ما قالته التوراةُ، وهذا النصُّ من أخطر وأعجب نصوص البشارات في التوراة بالنبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وهذا النص ورد تحديدًا في سفر إشَعْيَاء النبي الإصحاح الثاني والأربعين.

يقول النصُّ:

هُوَ ذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ: هو ذا عبدي الذي أؤيده... سيأتي عبد الله الذي سيؤيده الله!

مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي: المُصطفى المختار، مَن سيكون هذا الشخص؟

وهذه الكلمة "مختاري" تنفي تمامًا أن يكون الشخص المُبشَّر به في هذا الإصحاح هو المسيح عليه السلام ، كما يدَّعي النصارى، فالمسيح طبقًا لمعتقدهم مولود منذ أبد الدهور فهو الابن منذ الأزل؛ فكيف يكون مختارًا؟

وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلْأُمَمِ: يخرج الحقَّ للأمم، أي: ستكون شريعته للناس كافَّة.

ومن المعلوم أن الأنبياء كانوا يُبعثون إلى أقوامهم خاصةً، والمسيح عليه السلام أيضًا أُرسل إلى بني إسرائيل؛ ولذلك لما جاءته المرأة الكنعانية، وهي ليست من بني إسرائيل، قال لها المسيح: لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ.

لكن قد يزعُمُ النصارى أن دعوة المسيح صارت بعد ذلك عالميَّة – بعد الصَّلْب المزعوم- لكن النصَّ هنا يتحدَّث عن المصطفى المُختار الذي ستكون رسالته من البداية لجميع الأمم.

والوحيد الذي أتى ليُخرِج الحقَّ لجميع الأمم من أول دعوته هو محمدٌ صلى الله عليه وسلم : "وكانَ النبيُّ يُبعَث إلى قومه خاصَّةً، وبُعثتُ إلى الناس كافَّة".

فهو مبعوث للعالمين: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [سورة الأعراف: 158].

نُكمِل نصَّ إشَعْيَاء:

لَا يَصِيحُ وَلَا يَرْفَعُ وَلَا يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ: وهذا حال النبي صلى الله عليه وسلم : "كان كثير الصمت كما ورد في حديث جابر"().

فكان صلى الله عليه وسلم هادئًا لا يصيح، وَلَا يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ، بينما المسيح عليه السلام نُقل عنه في الإنجيل أنه لمَّا حُكم عليه بالصلب، صرخ صراخًا شَدِيدًا.

إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ، وَدُمُوعِ طَلَبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ للهِ الْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ.

وانتبهوا لكلمة: "وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ" اللهُ عز وجل سَمِع للمسيح، وأجاب دعاءه بعد أن حُكم عليه بالصَّلْب، فهل صُلب بعد أن أجاب الله دعاءه؟

على كلٍّ هذا ليس موضُوعَنا!

إذَنْ النصُّ لا يصيح، وَلَا يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ: هذا النصُّ لا ينطبق أبدًا على المسيح عليه السلام ، ومن المعلوم أيضًا أن المسيح كان كثيرًا ما ينهر الفريسيين ويصيح في المفسدين.

وذات يومٍ صنَعَ سوطًا وطرَدَ الجميع من الهيكل، وقال: لا تجعلوا بيتَ أبي بيتَ تجارةٍ.

نعود لسفر إشَعْيَاء:

قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لَا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لَا يُطْفِئُ: أي مُتبع للشريعة في كل كبيرةٍ وصغيرةٍ، فهو لا يفعل شيئًا ولو بسيطًا من تلقاء نفسه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [سورة النجم: 3-4].

لَا يَكِلُّ وَلَا يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ: يعني حتى يُتمَّ الشريعة، فهو لا يكلُّ ولا ينكسر، بل سيبقى حيًّا حتى يتمَّ الشريعة؛ والنبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم لم يمُتْ حتى أتمَّ الشريعة ونزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [سورة المائدة: 3].

ولاحظ كلمة "لا ينكسر"، أي: أنه معصوم من القتل حتى يُتمَّ الشريعة: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [سورة المائدة: 67].

وَتَنْتَظِرُ الْجَزَائِرُ شَرِيعَتَهُ: أهل الجُزُر والجزيرة العربية الكل ينتظر شريعته!

هكَذَا يَقُولُ اللهُ الرَّبُّ، خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَنَاشِرُهَا، بَاسِطُ الأَرْضِ وَنَتَائِجِهَا، مُعْطِي الشَّعْبِ عَلَيْهَا نَسَمَةً، وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا رُوحًا: يعطي الناس روحًا وهو الوحي: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [سورة الشورى: 52].

أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [سورة المائدة: 67].

وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلْأُمَمِ: شريعته نور للأمم: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [سورة النساء: 174].

وَنُورًا لِلْأُمَمِ، أي: لجميع الناس: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سورة سبأ: 28].

هل هذه البشارة تنطبق على شخصٍ غيره صلى الله عليه وسلم ؟

لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ، لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ: يفتحِ اللهُ به عيونًا عُميًا وآذانًا صُمًا... يُنجي اللهُ به الناسَ من النار: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [سورة آل عمران: 103].

بالمناسبة هناك نقطة طريفة في هذا الإصحاح من سفر إشَعْيَاء، وهي أنَّ أهل الكتاب منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم ينتبهون إلى أنَّ هذا الإصحاح يُشير بصورة واضحة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ؛ ولذلك نقل عبدُ الله بنُ عمروِ بنِ العاص رضي الله عنه : "واللَّهِ إنَّه لَمَوْصُوفٌ في التَّوْرَاةِ ببَعْضِ صِفَتِهِ في القُرْآنِ ليسَ بفَظٍّ ولَا غَلِيظٍ، ولَا سَخَّابٍ في الأسْوَاقِ، ولَا يَدْفَعُ بالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَغْفِرُ، ولَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حتَّى يُقِيمَ به المِلَّةَ العَوْجَاءَ، بأَنْ يقولوا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ويَفْتَحُ بهَا أعْيُنًا عُمْيًا، وآذَانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا".

هذه الصفاتُ في هذا الحديث بنفس هذه الألفاظ موجودةٌ في هذا الإصحاح:

نعود لنص إشَعْيَاء:

أَنَا الرَّبُّ هذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لَا أُعْطِيهِ لآخَرَ، وَلَا تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ: مَن هو النبي الذي أتى لعُباد المنحوتات... عُباد الأوثان؟

هل المسيحُ عليه السلام أتى لعُباد الأوثان أم لليهود؟

الذي أتى لعُباد المنحوتات هو النبيُّ محمدٌ صلى الله عليه وسلم .

فهو الذي دعا عُباد الأوثان للتوحيد: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [سورة الحج:30].

هُوَ ذَا الأَوَّلِيَّاتُ قَدْ أَتَتْ، وَالْحَدِيثَاتُ أَنَا مُخْبِرٌ بِهَا. قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ أُعْلِمُكُمْ بِهَا: يعني ها أنا أُخبركم بالذي سيحصُل.

غَنُّوا لِلرَّبِّ أُغْنِيَةً جَدِيدَةً: أغنية جديدة... تجويدًا جديدًا... تجويد القرآن!

هذه الصوت الجديد على أهل الأرض... صوت تجويد القرآن، وما فيه من غُنَّة وتجويد وتغنٍّ، وكما ورد في الحديث: ليس منَّا مَن لم يتغنَّ بالقرآن.

تَسْبِيحَهُ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ: هذا التسبيح الجديد سيظهر في كل مكان!

أَيُّهَا الْمُنْحَدِرُونَ فِي الْبَحْرِ وَمِلْؤُهُ وَالْجَزَائِرُ وَسُكَّانُهَا.

لِتَرْفَعِ الْبَرِّيَّةُ وَمُدُنُهَا صَوْتَهَا: صوت الأذان الذي سيُرفع في كل مكان على يد هذا النبي القادم!

لِتَرْفَعِ الْبَرِّيَّةُ وَمُدُنُهَا صَوْتَهَا. الدِّيَارُ الَّتِي سَكَنَهَا قِيدَارُ: وهنا لنا أن نتوقَّف وقفة انبهار!

الديار التي سكنها قيدار: قيدار تحدَّثْنا عنه قبل قليل، وقلنا إنَّه ابن إسماعيل وجدُّ عدنان، فنَسْل قيدار بمكة!

والديار التي سكنها قيدارُ هي ديار قريش؛ وديار قريش لم ترتفع فيها إلا تسبيحات الإسلام، ولم يُرفع فيها صوت إلا صوت الأذان التي ظهر بظهور نبي الإسلام.

فقوم قريشٍ ما أتاهم نبيٌّ قبل محمد صلى الله عليه وسلم : {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} [سورة يس: 6].

وقال ربُّنا سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ} [سورة سبأ: 44].

فمكة لم يدخلها نبيٌّ منذ سكنها قيدارُ، ولم يَعلُ فيها صوت التسابيح الجديدة، وصوت الأذان الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، إلا بمبعث نبي الإسلام... النبي الذي هدم المنحوتات، ورفع صوت التسابيح والأذان!

فهل تنطبق هذه النبوءة على غيره صلى الله عليه وسلم بأقل قدْر من التعقُّل؟

نُكمِل النصَّ في إشعياء:

لِتَتَرَنَّمْ سُكَّانُ سَالِعَ: أين يقع سالع؟

جبل سالع جبلٌ معروفٌ بالمدينة المنورة، وهو معروف بها حتى اليوم، يبعُدُ عند المسجد النبوي بحوالي خمسُمِائة متر.

لِتَتَرَنَّمْ سُكَّانُ سَالِعَ: لو وقَفت على جبل سالع اليوم ستستمع بنفسك لأذان المسجد النبوي... سترى بعينيك هذه النبوءة وقد تحققت، فقد سُمع صوت التسابيح... صوت الأذان على جبل سالع!

إنَّ الأذان الذي تسمعه عند جبل سالع اليوم هو تحقيق لنبوءةٍ أخبر الله بها بني إسرائيل قبل حوالي ثلاثة آلاف عامٍ على يد النبي إشعياء!

وهذا الجبل جبلُ سالع بالمناسبة هو الذي جرتْ عنده أحداث غزوة الخندق، حين اجتمعت الجيوش لغزو المدينة المنورة، فأرسل الله ريحًا عظيمةً أهلكت جيوشهم.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [سورة الأحزاب: 9].

وعلى سفح جبل سالع حتى الساعة توجد المساجد السبعة التي بناها الصحابةُ أثناء حفر الخندق؛ لتكون مواقع مراقبة أثناء الغزوة!

نُكمِل النصَّ في إشعياء:

مِنْ رُؤُوسِ الْجِبَالِ لِيَهْتِفُوا لِيُعْطُوا الرَّبَّ مَجْدًا: الهُتاف من رؤوس الجبال، تشتهر به أُمَّة محمد صلى الله عليه وسلم مثل: جبال الصفا والمروة، وجبل عرفات، وجبل الرحمة.

وَيُخْبِرُوا بِتَسْبِيحِهِ فِي الْجَزَائِرِ: يُبلغون رسالة ربهم إلى بلاد الأرض.

أي دليلٍ أكثر تحديدًا وتفصيلًا من هذا النص على أن النبيَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم مكتوبٌ عندهم في التوراة؟

24- لكنْ ما سرُّ انتقال النبوة عن بني إسرائيل للأمة الإسلامية؟

كانت بنو إسرائيل من خير الأمم، وكان فيهم أنبياءُ كُثر، وفيهم صالحون، وأئمَّة، وعُبَّاد لله؛ ولذلك قال ربُّنا سبحانه عنهم: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ * وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سورة الدخان: 30-32].

فقد كانوا أمَّةً فيهم صلاحٌ كثيرٌ، اختارهم الله بعلمه على العالمين.

لكن نتيجةً لارتباطهم بالوثنيين وتعلُّقِ كثيرين منهم بالدنيا بدأ يظهر فيهم الفسادُ، والتبرُّج، والشركياتُ، والوثنيات، ومن أجل ذلك تنبَّأ النبيُّ إشَعْيَاء بخراب أورشليم... خراب الهيكل؛ بسبب ذنوب بني إسرائيل وفسادِهم وفسادِ نسائهم.

ففي أول سفر إشَعْيَاء وفي أول إصحاحاته يُخبِر الربُّ أنَّ بني إسرائيل قد فسدوا وظهرت فيهم المعاصي والفواحش:

رُؤْيَا إِشَعْيَاءَ الرَّبَّ يَتَكَلَّمُ: الثَّوْرُ يَعْرِفُ قَانِيَهُ، وَالْحِمَارُ مِعْلَفَ صَاحِبِهِ، أَمَّا إِسْرَائِيلُ فَلَا يَعْرِفُ. شَعْبِي لَا يَفْهَمُ: ومعنى الكلام أنَّ الثور يعرف الشخص الذي يرعاه ويُطعمه، بينما شعب إسرائيل لا يعرف خالقه ورازقه!

وَيْلٌ لِلْأُمَّةِ الْخَاطِئَةِ، الشَّعْبِ الثَّقِيلِ الإِثْمِ، نَسْلِ فَاعِلِي الشَّرِّ، أَوْلَادِ مُفْسِدِينَ! تَرَكُوا الرَّبَّ، اسْتَهَانُوا بِقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ، بِلَادُكُمْ خَرِبَةٌ. مُدُنُكُمْ مُحْرَقَةٌ بِالنَّارِ. أَرْضُكُمْ تَأْكُلُهَا غُرَبَاءُ قُدَّامَكُمْ: وهذا فيه وعيد شديد على لسان نبيهم؛ نتيجةً لطغيانهم، فسوف تهلك بلادهم، وتخرَبُ على أيدي الأعداء.

يُكمِل إشَعْيَاء وحْي الرب قائلًا:

فَحِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلَاةَ لَا أَسْمَعُ. أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا: صِهْيَونُ أَصْبَحَتْ فَاسِدَةً، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ أَكْثَرُوا الشَّرَّ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَعُدِ اللهُ يَسْتَجِيبُ لِدُعَائِهِمْ!

اِغْتَسِلُوا. تَنَقَّوْا. اعْزِلُوا شَرَّ أَفْعَالِكُمْ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيَّ. كُفُّوا عَنْ فِعْلِ الشَّرِّ.

تَعَلَّمُوا فَعْلَ الْخَيْرِ. اطْلُبُوا الْحَقَّ. انْصِفُوا الْمَظْلُومَ. اقْضُوا لِلْيَتِيمِ. حَامُوا عَنِ الأَرْمَلَةِ: كلها وصايا بالعودة للعمل الصالح.

بَنَاتِ صِهْيَوْنَ يَتَشَامَخْنَ، وَيَمْشِينَ مَمْدُودَاتِ الأَعْنَاقِ: يعني يمشين مائلاتٍ مُميلاتٍ.

وَغَامِزَاتٍ بِعُيُونِهِنَّ، وَخَاطِرَاتٍ فِي مَشْيِهِنَّ، وَيُخَشْخِشْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ: يعني ويضربْن بأرجُلهنَّ ليفتنَّ الرجال.

لقد انتشر الفساد في الرجال، والخلاعة في النساء.

فكانت النتيجةُ الطبيعيةُ أنَّ موعد خراب أورشليم قد اقترب!

لأَنَّهُ شَعْبٌ مُتَمَرِّدٌ، أَوْلَادٌ كَذَبَةٌ، أَوْلَادٌ لَمْ يَسْمَعُوا شَرِيعَةَ الرَّبِّ.

يُكسرون ويُسحقون، وتهلكُ أورشليم ويهربُ رجالُها!

وبالفعل خَرِبت أورشليم، وهُدِّمت صهيون!

وحاول اليهودُ بعد ذلك بناءَها، لكنها لم تعد لسابق مجدها مرةً أخرى أبدًا!

وبعد قرون طويلة، وبعد ظهور المسيح عليه السلام ظنَّ الناسُ أنَّ مجد أورشليم سيعود على يد المسيح المُخلِّص، وسوف تعود صهيون مرةً أخرى، ويرتفع مجد الهيكل اليهودي كما كان!

لكن تحصل المفاجأة الكبرى!

المسيح لم يفعلْ شيئًا من ذلك، بل هو بشَّر بخراب أورشليم والهيكل، حتى إنَّه لن يبقى في أورشليم حجر على حجر.

وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ مِنَ الْهَيْكَلِ، قَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ تَلَامِيذِهِ: يَا مُعَلِّمُ، انْظُرْ! مَا هذِهِ الْحِجَارَةُ! وَهذِهِ الأَبْنِيَةُ أبنية أورشليم! فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: أَتَنْظُرُ هذِهِ الأَبْنِيَةَ الْعَظِيمَةَ؟ لَا يُتْرَكُ حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لَا يُنْقَضُ.

وبالفعل بعد رفع المسيحِ للسماء لم تمضِ أعوام قليلة حتى خَرِبَ الهيكل الخراب الأخير وخَرِبَت أورشليم!

حصل هذا الخراب الشهير في عام 70 ميلادية على يد الرومان، وحتى الساعة يقيم اليهودُ طقوسَ عزاءٍ سنويةً تذكيرًا بهذا الخراب الذي لم يُبنَ بعده الهيكل أبدًا.

لقد خَرِبَ الهيكلُ، ولم يُبنَ حتى الساعة، بل لم يَعُدْ يَعرف له اليهودُ مكانًا أصلًا!

وهذا دليل عملي وعقلي لبني إسرائيل على نَسْخ الشريعة... على نَسْخ الرسالة!

فالهيكل انتهى أمرُهُ!

إذا هُدم الهيكل رمز العبادة اليهودية، وأصل المرجعية الدينية اليهودية، ولم يُعرف حتى مكانه إلى الآن، فهذا دليل على أن الشريعة اليهودية ستُنسخ بشريعةٍ أخرى!

وأنَّ الرسالة قد تنتقل إلى أمةٍ أخرى تعمل بأثمار الشريعة الإلهية التي أهملها اليهود!

العجيب أنَّه بعد أربعين إصحاحًا من نبوءة إشَعْيَاء بخراب الهيكل، يبدأ إشَعْيَاء في البشارة بظهور أورشليم جديدة... ظهور صِهْيَون جديدة.

صهيون تعني: بيت الرب الآمن المنيع.

بشَّر إشَعْيَاء بصِهْيَون جديدة، ليست كصِهْيَون القديمة التي كثُرَ فيها الفساد والكُفر والتبرُّج، وإنما صِهْيَون جديدة!

لقد بشَّر ببيتٍ للرب في بلاد العرب!!!

25- كيف بشَّر إشَعيَاء ببيتٍ للرب في بلاد العرب؟

نَعَمْ، بيت للرب في بلاد العرب تُساق إليه كِباش وأغنام وجِمال مكة كأضاحٍ لتُذبح في موسم الحج!

سيُضيء نور هذا البيت في وسط أبناء إسماعيل؛ ليمحو الله به الظلمة التي غشيت العالم، وستُجبى إليه ثمرات كلِ شيء، وسيبقى بَهيًّا إلى الأبد، وفرَحًا لكل الأجيال!

وهذه البشارات في التوراة حتى الساعة، والتي لا يشكُّ إنسان مُنصِف اطَّلع عليها أنَّ المقصود هو بيت الله الحرام في مكة المكرمة.

فهي بشاراتٌ يعرفها كل مَن درس التوراة، لكنَّ أحبارهم يكتمون الحق!

أما عوامُّهم فجهلةٌ لا يعرفون من كتابهم إلا شيئًا يسيرًا: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [سورة البقرة: 78].

والآن لننظر في هذه البشارات العجيبة!

تنبَّأ إشَعْيَاء النبيُّ بخراب الهيكل بعد فساد بني إسرائيل كما قلنا!

ثم بشَّر بقدوم النبي الذي سيُخرِج الحق للأمم؛ والذي سيرفع صوت التسابيح والأذان في ديار قيدار وسالع، أي: في مكة والمدينة.

وبعد هذه البشارة التي ناقشناها بالتفصيل قبل قليل؛ بشَّر إشَعْيَاء ببيت الرب الجديد الذي سيكون في ديار قيدار!

يقول إشَعيَاء النبيُّ:

قُومِي اسْتَنِيرِي؛ لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ نُورُكِ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ عَلَيْكِ: أشرق على أيَّة بلدة؟ سنرى!

لأَنَّهُ هَا هِيَ الظُّلْمَةُ تُغَطِّي الأَرْضَ: ظلمة الكفر تغطي الأرض!

وَالظَّلَامُ الدَّامِسُ الْأُمَمَ. أَمَّا عَلَيْكِ فَيُشْرِقُ الرَّبُّ، وَمَجْدُهُ عَلَيْكِ يُرَى فَتَسِيرُ الْأُمَمُ فِي نُورِكِ، وَالْمُلُوكُ فِي ضِيَاءِ إِشْرَاقِكِ.

حِينَئِذٍ تَنْظُرِينَ وَتُنِيرِينَ وَيَخْفُقُ قَلْبُكِ وَيَتَّسِعُ؛ لأَنَّهُ تَتَحَوَّلُ إِلَيْكِ ثَرْوَةُ الْبَحْرِ، وَيَأْتِي إِلَيْكِ غِنَى الْأُمَمِ: تُجبى إليه ثمرات الأمم: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [سورة القصص: 57].

تُغَطِّيكِ كَثْرَةُ الْجِمَالِ: تنتشر في هذا البلد الذي سيكون فيه بيتُ الرب قوافلُ الجِمال.

بُكْرَانُ مِدْيَانَ وَعِيفَةَ كُلُّهَا تَأْتِي مِنْ شَبَا، تَحْمِلُ ذَهَبًا وَلُبَانًا: مديان وعيفة في مملكة الأنباط القديمة ببلاد الشام، وهي رحلة الصيف!

أما شبا فهي اليمن، وهي رحلة الشتاء.

{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} [سورة قريش: 1-2].

فكانت قوافلُ قريش في الصيف تأتي من بلاد الشام، وقوافل الشتاء تأتي من بلاد اليمن، تحمل البضائع لأهل قريش!

كُلُّ غَنَمِ قِيدَارَ تَجْتَمِعُ إِلَيْكِ: هذه الفقرة العجيبة لا يُمكن أن يُقصد بها إلا بيت الله الحرام في الحرم المكي!

كل غنم قيدار تجتمع إليكِ: قيدار كما قلنا هو ابن إسماعيل الثاني: وَهذِهِ أَسْمَاءُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ: نَبَايُوتُ بِكْرُ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيدَارُ.

قيدار عاش في مكة وتربَّى فيها، وهو كما قلنا جدُّ عدنان، وعدنان جدُّ النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يزل أبناء قيدار بمكة يتناسلون، فأبناء قيدار هم أبناء قريش.

كل غنم قيدار تجتمع إليكِ: أغنام قيدار تُساق إليكِ لتُذبح!

فهل ذُبحت أغنام مكة لبيتٍ سوى البيت الحرام؟

أضاحي قيدار لم تُقدَّم على مذبح كنيسة المسيح، ولا على مذبح أورشليم... هيكل اليهود، عبْر كل تاريخ العرب.

لم تُسق أغنام قيـدار إلا إلى الحرم المكي!

وكِبَاشُ نَبَايُوتَ تَخْدِمُكِ: وكذلك لم تُسق كباش نَبَايُـوتَ إلا إلى الحرم المكي!

ونبايوت هو الابن البِكْر لإسماعيل عليه السلام :

فهذه نبوءةٌ عن بيت الرب في بلاد العرب، نبوءة واضحة كالشمس عن البيت الحرام بمكة!

كُلُّ غَنَمِ قِيدَارَ تَجْتَمِعُ إِلَيْكِ. كِبَـاشُ نَبَايُوتَ تَخْدِمُكِ. تَصْعَـدُ مَقْبُولَةً عَلَى مَذْبَـحِي: تذُبح هديًا في الحج!

وَأُزَيِّنُ بَيْـتَ جَمَالِي: تزيين البيت الحرام وكسـوته.

نُكمِل النصَّ:

مَنْ هؤُلَاءِ الطَّائِرُونَ كَسَحَابٍ، وَكَالْحَمَامِ إِلَى بُيُوتِهَا: هذا نصٌّ عجيبٌ؛ انظـروا لمشهد الطـائرات التي تأتي لمكة في وقت الحج!

فهم بالفعل طائرون كسحابٍ إلى البيت الحرام!

إِنَّ الْجَزَائِرَ تَنْتَظِرُنِي، وَسُفُنَ تَرْشِيشَ فِي الأَوَّلِ، لِتَأْتِيَ بِبَنِيكِ مِنْ بَعِيدٍ: يأتون من كل مكان: {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [سورة الحج: 27].

لِتَأْتِيَ بِبَنِيكِ مِنْ بَعِيدٍ وَفِضَّتُهُمْ وَذَهَبُهُمْ مَعَهُمْ: هل تأتي هذه البلاد اليوم للحج، وبهذه الصورة في طائرات، وعلى سفن، ومن كل مكان، ومعهم الأموال، ويذبحون الأضاحي العربية، هل تحصل هذه الصورة لبيتٍ على وجه الأرض اليوم سوى للبيت الحرام بمكة؟

أكرر سؤالي لأهميَّته: هل تحصل هذه الصورة لبيتٍ على وجه الأرض اليوم سوى للبيت الحرام بمكة؟

وَبَنُو الْغَرِيبِ يَبْنُونَ أَسْوَارَكِ: شارك في بناء أسوار الحرم أُمَم وشعوب كثيرة عبر الزمن.

وَمُلُوكُهُمْ يَخْدِمُونَكِ: الملوك خُدَّام الحرم؛ حتى صار المَلِك يَشُرف بتسميته خادم الحرمين.

وهذه الصورة والله لا تنطبق في الأرض اليوم إلا على المسجد الحرام!

لأَنِّي بِغَضَبِي ضَرَبْتُكِ، وَبِرِضْوَانِي رَحِمْتُكِ: انظروا للفَرْق بين الحرم قبل تطهيره على يد النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعد أن طُهِّر من الأوثان وصار برضوان الله ورحمته مكان الحج لأمم الأرض.

وَتَنْفَتِحُ أَبْوَابُكِ دَائِمًا نَهَارًا وَلَيْلًا لَا تُغْلَقُ: أبواب الحرم مفتوحة ليل نهار.

لِيُؤْتَى إِلَيْكِ بِغِنَى الْأُمَمِ، وَتُقَادَ مُلُوكُهُمْ: جِيء للحرم بكنوز كسرى وقيصر، وفُتحت لِأُمَّة المسلمين ممالكُ الأرض!

لأَنَّ الْأُمَّةَ وَالْمَمْلَكَةَ الَّتِي لَا تَخْدِمُكِ تَبِيدُ، وَخَرَابًا تُخْرَبُ الْأُمَمُ: مَن يحاول الاقتراب من الحرم يهلكُ، {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [سورة الحج: 25].

هل يوجد مكان على الأرض تنطبق عليه هذه البشارات بهذا التفصيل المدهش سوى الحرم المكي؟

الهيكل اليهودي أو صهيون القديمة خَرِب بالكامل في عام 70 ميلادية، ولا يُعرف له مكان حتى الساعة!

مذابح الكنائس لا تُقدم عليها ذبائح أصلًا.

أضاحي بلاد العرب "قيدار ونبايوت" لم تُقدَّم لبيت من البيوت سوى للحرم المكي!

فهذه بشارة واضحة جليَّة ببكة المباركة التي أزال الله بها ظلمات الكفر؛ وأضاءت الأرض بنورها!

26- لكن بعض النصارى يقولون إن البشارات ببيت الرب الجديد هي بشارات ببيت سماوي؟

لا أحكي كمَّ الدهشة والحيرة التي انتابت أهلَ الكتاب بعد رفع المسيح عليه السلام !

فهم كانوا يتوقعون أنْ يأتي المسيحُ فاتحًا، ويعيد مجد أورشليم، لكن يأتي المسيح ويتنبَّأ بخراب الهيكل ودمار صهيون، ثم يُرفع من بينهم، هذا أمر أوقعهم في حيرة!

هذه الحيرة أدَّت بأهل الكتاب إلى تحريف فهم نصوص البشارات ببيت الرب الجديد، فقالوا إنَّ المقصود ببيت الرب الجديد هو هيكل سماوي، وأورشليم الجديدة هي أورشليم سماوية وليست أورشليم أرضية!

وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ: ياللعجب!

فجأةً أصبحت أورشليم سماويَّة وليست أرضيَّة.

ولا ندري كيف تُساق أضاحي بلاد العرب لأورشليم السماوية؟

الهَدْي الذي سيُهدى لبيت الرب الجديد من كباش وأغنام أبناء إسماعيل صار سماويًّا... كيف؟

البيت الذي ستأتيه السفن، ويأتيه الناس من كل فجٍ عميق أصبح سماويًّا... كيف؟

هذا التحريف المُتعمَّد للبشارات هو دليل على أنَّ هناك مشكلة حقيقية لا يريدون الاعتراف بها!

أنَّ بيت الرب الجديد باختصار لم يعد الهيكل اليهودي، وإنما أصبح البيت الحرام بمكة!

27- لكن هل يوجد في الإنجيل دليلٌ على انتقال الرسالة بسبب فساد بني إسرائيل؟

في إنجيل متَّى يضرب المسيحُ مَثلًا عجيبًا وهو المثل الشهير بمَثل الكرَّامين!

يقول المسيح عليه السلام فيما رُوي عنه في الإنجيل الذي بين أيدي النصارى حتى الساعة يقول:

اِسْمَعُوا مَثَلًا آخَرَ: كَانَ إِنْسَانٌ رَبُّ بَيْتٍ غَرَسَ كَرْمًا، وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَبَنَى بُرْجًا، وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ: يضرب مثلًا عن الله عز وجل أنَّه أعطى بني إسرائيل الأرض والخيرات ليعملوا فيها ويطيعوا الله.

وَلَمَّا قَرُبَ وَقْتُ الأَثْمَارِ أَرْسَلَ عَبِيدَهُ إِلَى الْكَرَّامِينَ لِيَأْخُذَ أَثْمَارَهُ.

فَأَخَذَ الْكَرَّامُونَ عَبِيدَهُ وَجَلَدُوا بَعْضًا وَقَتَلُوا بَعْضًا وَرَجَمُوا بَعْضًا: بنو إسرائيل بدلًا من أداء ما كُلفوا به أفسدوا في الأرض وطغوا: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} [سورة البقرة: 85].

فماذا ستكون عقوبة إفسادِهم في الأرض؟

نُكمل معًا لنرى الجواب...

لكن قبل أن نُكمِل بينما كان المسيح يُلقي عليهم هذا المثال كان كهنةُ اليهود جالسين، يسمعون الكلام، ويعرفون أنَّ المسيح يقصِدهم هم... وَلَمَّا سَمِعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ أَمْثَالَهُ، عَرَفُوا أَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَيْهِمْ.

والآن لننظر جواب سؤال: ما عقوبة إفساد بني إسرائيل في الأرض؟

مَتَى جَاءَ صَاحِبُ الْكَرْمِ، مَاذَا يَفْعَلُ بِأُولَئِكَ الْكَرَّامِينَ: الكرَّامون الذين أفسدوا بدلًا من أن يُصلحوا

قَالُوا لَهُ: أُولئِكَ الأَرْدِيَاءُ يُهْلِكُهُمْ هَلَاكًا رَدِيًّا، وَيُسَلِّمُ الْكَرْمَ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ يُعْطُونَهُ الأَثْمَارَ فِي أَوْقَاتِهَا: انتبهوا! يُسلِّم الكَرْمَ... يُسلِّم الأرضَ لغيرهم... يُسلِّم الرسالة والشريعة لأمةٍ أخرى!

فقَالَ المسيح عليه السلام تأكيدًا على كلامِهم: أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ؟

أكَّد المسيح على قولهم قائلًا: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ!

فيا تُرى مَن هو هذا الحجر الذي رفضه البنَّاؤون؟

الحجر الذي قد صار رأس الزاوية!

الشخص الذي سيظهر من أمةٍ أخرى، والذي سيرفضه بنو إسرائيل، وسيكون رأس الزاوية؟

فكِّروا في هذا الشخص مستحضرينَ حديث النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم ؛ الحديث المتفق على صحته في البخاري ومسلم:

إِنَّ مَثَلِي ومَثَلَ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فأحْسَنَهُ وأَجْمَلَهُ، إلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ: موضع لبنة من زاوية... موضع حجر من زاوية... الحجر الذي قد صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ!

فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ به، ويَعْجَبُونَ له، ويقولونَ: هَلّا وُضِعَتْ هذِه اللَّبِنَةُ؟ قالَ: فأنا اللَّبِنَةُ، أي: أنا الْحَجَرُ!

فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النبيِّينَ: صلى الله عليه وسلم .

الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ!

28- لكن لماذا لا يكون المقصودُ بالحجر في هذه البشارة في الإنجيل المسيح عليه السلام نفسه؟

المسيح ليس من خارج بني إسرائيل، بل هو من قَلْب بني إسرائيل، فهو من سبط يهوذا بن إسرائيل، بينما النبوءة تتحدَّث عن انتقال الكَرْم لأمةٍ أخرى تعمل بأثماره!

أمة أخرى تعمل بأثمار الشريعة التي خالفها بنو إسرائيل!

فالمسيح لم يأتِ إلا إلى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ:

أيضًا المسيح يتحدَّث في البشارة عن شخصٍ آخرَ غيره تمامًا.

يقول المسيح عليه السلام في البشارة:

الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا: عجيب في أعيننا!

عجيب في عين بني إسرائيل، وفي عين المسيح!

إذَنْ المُتنبَّأ به هو شخص آخر من أمةٍ أخرى، وهو غير المسيح عليه السلام ؛ ولذلك هو عجيب في عين المسيح نفسه، فلو كان المسيح هو المقصود بالبشارة لقال: وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِكم، لكنه قال: وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا!

لكن: لماذا النبيُّ القادم عجيب في أعينهم؟ لأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم سيظهر بين قومٍ أميين ليس فيهم كتاب ولا أنبياء ولا حضارة، ومع ذلك سيُقيم الله به من الهباء أمةً عظيمةً تُفتح لها ممالكُ الأرض، وسوف تَنشر هذه الأمة الوثنية سابقًا التوحيد في جنبات الأرض، وهذا ما لم يفعله اليهود عبر تاريخهم على ما كان فيهم من أنبياء وتوحيد!

مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا

لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ، وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ: ملكوت الله وهو: الوحي والرسالة والشريعة والأرض وبيت الرب... سيُنزعون من بني إسرائيل وينتقلون لأمةٍ أخرى تعمل بأثمار الشريعة التي أفسدها بنو إسرائيل: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [سورة الأنبياء: 105].

وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هذَا الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ: من سقط على هذا الحجر يعني مَن حارب هذا النبي القادم فإنه ينكسر، ومن حاربه النبيُّ فإنه سيسحقه، وهذه بشارة بنبيٍّ مجاهد!

وهذا الكلام لا ينطبق أبدًا على المسيح عليه السلام بأيَّة صورة من الصور، فالمسيح لم يجاهدْ بالسيف بل أتى في دولة رومانية، وحين قال له اليهود هل نعطي الجزية لقيصر أم لا؟

قال لهم: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

فالمبُشر به هو نبي عظيم من خارج بني إسرائيل، وهو الحَجَر الذي رفضه بنو إسرائيل!

لكن في هذه البشارة يقول المسيح: "أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ"، فما معنى: "أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ"؟

هذه الكلمة: "أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ" تعني أنَّ: هذه بشارة موجودة عندهم في كتبهم، وهم يعرفونها جيدًا من قبل أن يُولد المسيح، فالتوراة أخبرت بني إسرائيل قبل المسيح بقُرُونٍ أنَّ الرسالة ستنتقل لأمةٍ أخرى، ورأى أحدُ أنبيائهم وهو النبيُّ دانيال في منامه هذا الحجر الذي سيهدم الله به ممالك الأرض الكافرة!

فالمسيح يُذكِّرهم في هذا النص بهذه البشارة في كُتُبهم؛ لذلك قال لهم: "أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ".

فهم يعرفون أن نبيًّا سيأتي من خارج بني إسرائيل ويَلزمهم اتباعه!

{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [سورة الأعراف: 158].

29- لكن كيف رأى النبيُّ دانيال في منامه ذلك الحَجَر الذي سيَهدم اللهُ به ممالكَ الأرض الوثنية، وكيف فَهِم هذه البشارة؟

هذه البشارة التي بشَّر بها دانيال، والتي هي نفسُها أخبر بها المسيح تلاميذه بعد قرون من وفاة دنيال مُذكِّرًا إياهم بها، تُعَدُّ من أهم بشارات العهد القديم عن قدوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وعن قدوم الأمة الإسلامية، حتى قال قسيس إرميا السابق عبد الأحد داود عن هذه البشارة: "لعلها أروعُ وأوضحُ نبوءةٍ عن البَعثة النبوية لأعظم البشر وخاتم الرُّسُل"().

لقد رأى دانيال في منامه ممالك الأرض العظيمة... رآها بالتفصيل، ثم ظهر الحجر الذي سيَهدم الله به هذه الممالك الكافرة، ورأى دانيالُ الأمةَ العظيمةَ الموحدة التي ستأتي في منتصف القرن السابع الميلادي ( حوالي 640 م.) وتُفتح هذه الممالك... ومنتصف القرن السابع الميلادي هو تحديدًا زمن الخلافة الراشدة، تخيَّلْ يتحدث دانيال عن هذه البشارة قبل حصولها بأكثر من ألف عام!

والآن لنبدأ في شرح بشارة دانيال:

كانت القدسُ مدينةً عظيمةً حكمها أنبياءُ الله الكرام كداود وسليمان، وساد فيها التوحيد النقيُّ؛ لكن بعد زمن طويل بدأت تنتشر الوثنيات في بني إسرائيل وبدأ يظهر فيهم الفساد فأخبر اللهُ أنبياءه أنه سيُبدل نعمته على بني إسرائيل وسوف تسبيهم الأمم؛ وبالفعل في القرن الخامس قبل الميلاد حصل ما يُعرف بـ: "السبي البابلي" حيث تمَّ سبي بني إسرائيل إلى بابل على يد نَبُوخَذْنَصَّرَ.

وفي مدينة بابل... مدينة السبي كان هناك نبيٌّ عظيمٌ من أعظم أنبياء أهل الكتاب، يُدعى النبيُّ دانيال عليه السلام ، وهذا النبي وردت بعض الأحاديث بشأنه في سندها نظرٌ؛ منها ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من دلَّ على دانيالٍ فبشِّروه بالجنةِ".

والحديث في سنده نظرٌ، لكن الذي حدث بالفعل أنَّه عندما فتح الصحابةُ مدينة تُستَر وجدوا في بيت مال الهُرمُزان رجلًا عظيمًا على سريرٍ لم يتغيَّرْ منه شيء مع أنَّه قد مات منذ أكثر من ألف عام، فسألوا عنه وعلموا أنَّه النبيُّ دانيال، وكان أهل تُستَر إذا حُبس عنهم المطر برَزوا بسريرِ هذا النبي العظيم فيُمطَرون!

أرسل الصحابةُ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشأن هذا النبي ماذا يفعلون معه؟

فحفروا ثلاثةَ عشرَ قبرًا مُتفرِّقَةً، فلما كان بالليلِ دفنوه في أحدها حتى لا يَهتدي له الناس، ويُفتنون به، ويتعلَّقون به من دون الله عز وجل .

وكان الصحابة قد وجدوا عند رأس هذا النبي كتابًا فيه نبوءاتٌ بشأن ما سيأتي من الأيام، أخذ الصحابة الكتاب وأرسلوه لعُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه .

كتاب النبوءات هذا الذي وجدوه عند رأسه هو سِفرٌ كاملٌ من أسفار التوراة ما زال موجودًا بين أيدي اليهود والنصارى حتى الساعة ضمن الكتاب المُقدَّس وهو المعروف بـ"سفر دانيال"!

ومن عجيب أمر الدنيا أنَّ هذا السفر يتنبَّأ بزمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ... يتنبَّأ بفتح الله على يد الأمة الإسلامية لممالك الأرض، وربما دعا دنيال ربَّه أن تتولى هذه الأمة دفنه في ذاك الزمن!

والآن سنبدأ في سرد بشارة هذا السفر العجيبة:

يبتدئُ سفرُ دانيال برؤيا غريبة رآها الملك نَبُوخَذْنَصَّرَ ملك بابل، وكانت مملكة بابل في ذاك الوقت بمثابة أمريكا العالم القديم، وقد رأى هذا الملك تلك الرؤيا، وقد سيطرت على عقله وأفقدتْهُ النوم؛ إذ لم يعرف لهذه الرؤيا تفسيرًا ولم يفهم معناها، فأرسل إلى الحكماء من الأمم المختلفة، وأرسل إلى شيوخ اليهود، وأرسل إلى العرَّافين والسحرة؛ ليفسروا له هذه الرؤيا، لكنَّ الملك نَبُوخَذْنَصَّرَ اشترط على المفسر أن يخبره بالرؤيا أولًا، ثم يفسرها له حتى يتأكَّد أنَّ المفسر صادق في تفسيره.

فالمطلوب أنْ يعرف المفسِر ماذا رأى الملك في منامه، ثم يبدأ في تفسير الرؤيا له!

وبهذا الشرط العجيب لم يتقدَّمْ أحد من كل الحضور لتفسير الرؤيا، ولم يجرؤ أحد على الكلام!

وهنا طلب النبيَّ دانيالَ باعتباره أحد الأشخاص الذين أحضرهم نَبُوخَذْنَصَّرَ ليفسروا له الرؤيا، طلب بعض الوقت، فبدأ يصلي ويدعو الله عز وجل ، ثم عاد للملك وقال: أنا أخبرك بالرؤيا التي أنت رأيتَها:

أَجَابَ دَانِيالُ قُدَّامَ الْمَلِكِ وَقَالَ: السِّرُّ الَّذِي طَلَبَهُ الْمَلِكُ لَا تَقْدِرُ الْحُكَمَاءُ، وَلَا السَّحَرَةُ، وَلَا الْمَجُوسُ، وَلَا الْمُنَجِّمُونَ عَلَى أَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلْمَلِكِ: لا أحد يعرف رؤياك؛ لأنَّ هذا غيب، لا نعرف ماذا رأيتَ في منامك، لكن اللهَ أوحى لي بما رأيتَ أيها الملك!

فالله كَاشِفُ الأَسْرَارِ، وَقَدْ عَرَّفَ الْمَلِكَ نَبُوخَذْنَصَّرَ مَا يَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ: هذه الرؤيا التي أنت رأيتها هي نبوءة بقادم الأيام.

فقال دانيال للملك:

أنت حُلْمُكَ هكذا: ها هي الرؤيا التي أنت رأيتها...

أَنت رأيت في منامِك تِمْثَالًا عَظِيمًا. رأْسُ هذَا التِّمْثَالِ مِنْ ذَهَبٍ، صَدْرُهُ وَذِرَاعَاهُ مِنْ فِضَّةٍ. بَطْنُهُ وَفَخْذَاهُ مِنْ نُحَاسٍ، سَاقَاهُ مِنْ حَدِيدٍ. قَدَمَاهُ بَعْضُهُمَا مِنْ حَدِيدٍ، وَالْبَعْضُ مِنْ خَزَفٍ.

يُكمِل دانيالُ ويقول:

كُنْتَ تَنْظُرُ أيها الملك وفجأةً قُطِعَ حَجَرٌ بِغَيْرِ يَدَيْنِ: انتبهوا "قُطِعَ حَجَرٌ بِغَيْرِ يَدَيْنِ" هذا هو الحجر الذي تحدَّث عنه المسيح عليه السلام في البشارة السابقة، والتي فيها أخبرهم أنَّ اليهود يعرفون هذه البشارة جيدًا.

قُطِعَ حَجَرٌ بِغَيْرِ يَدَيْنِ: أي من قِبَل الله ظهر، وليس من عند البشر.

فَضَرَبَ التِّمْثَالَ عَلَى قَدَمَيْهِ اللَّتَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ وَخَزَفٍ فَسَحَقَهُمَا: هذا الحجر سيُحطم هذا التمثال العظيم.

فَانْسَحَقَ حِينَئِذٍ الْحَدِيدُ وَالْخَزَفُ وَالنُّحَاسُ وَالْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ مَعًا، أَمَّا الْحَجَرُ الَّذِي ضَرَبَ التِّمْثَالَ فَصَارَ جَبَلًا كَبِيرًا، وَمَلأَ الأَرْضَ كُلَّهَا: الحجر الذي دمَّر هذا التمثال ملأ الأرض... ملأت الأمةُ الإسلاميةُ الأرضَ، وانتشرت رسالة الإسلام في أصقاع المعمورة وما زالت تنتشر.

هذَا هُوَ الْحُلْمُ. فَنُخْبِرُ بِتَعْبِيرِهِ قُدَّامَ الْمَلِكِ: هنا انتهى حُلم الملك، وسيبدأ دانيال في تفسير هذا الحُلم.

سيبدأ دانيال في تأويل هذه الرؤيا، وهذه الرؤيا هي نبوءة بأربعِ ممالك ستظهر، ثم يأتي الحجر الذي سيسحق هذه الممالك الأربع!

يقول دانيال: أنْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ هذَا الرَّأْسُ مِنْ ذَهَبٍ: إذَنْ أول مملكة في هذه النبوءة هي مملكة الملك نبوخذ نصر ملك بابل، وهي رأس الذهب في الرؤيا التي رآها الملك.

وَبَعْدَكَ تَقُومُ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى أَصْغَرُ مِنْكَ: بعد مملكة بابل ستظهر مملكة أصغر منها، ثم تظهر بعدهما:

مَمْلَكَةٌ ثَالِثَةٌ أُخْرَى مِنْ نُحَاسٍ فَتَتَسَلَّطُ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ.

ثم تظهر مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ صُلْبَةٌ كَالْحَدِيدِ، لكنها تَكُونُ مُنْقَسِمَةً، بعضها كالْحَدِيدِ قويَّة، وبعضها كالخزف ضعيفٌ.

فماذا سيحصل بعد هذه الممالك الأربع؟

يخبر دانيال الملك قائلًا:

بعد هذه الأيام... بعد ظهور هذه الممالك الأربع:

يُقِيمُ إِلهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا: أُمة من قِبل الله!

وَمَلِكُهَا لَا يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ: لا يتسلَّط عليها عدوٌّ مِن سوى أنفسِهم فيَستبيحَ بَيْضَتَهم!

وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هذِهِ الْمَمَالِكِ: أُمَّة ستظهر وتقهر كل هذه الإمبراطوريات الأربع... ستحطم هذا التمثالَ العظيم.

وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ: سيبقى شرعُها إلى قيام الساعة!

لأَنَّكَ رَأَيْتَ أَنَّهُ قَدْ قُطِعَ حَجَرٌ مِنْ جَبَل لَا بِيَدَيْنِ: يعني حجرًا من قِبل الله، وليس بصُنع بشر، فمَن يَقوى على هذه الأمة؟

فَسَحَقَ الْحَدِيدَ وَالنُّحَاسَ وَالْخَزَفَ وَالْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ: سحق هذه الإمبراطوريات الأربع.

بعد أن سمِع نَبُوخَذْنَصَّرَ هذا الكلام خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ وَسَجَدَ لِدَانِيالَ، وَسَلَّطَهُ عَلَى كُلِّ وِلَايَةِ بَابِلَ، وَجَعَلَهُ رَئِيسًا عَلَى جَمِيعِ حُكَمَاءِ بَابِلَ: لقد تيقَّن نَبُوخَذْنَصَّرَ أنَّ هذا هو تفسير الرؤيا، فدانيال أخبره بما رأى بالضبط، فلم يتمالك نَبُوخَذْنَصَّرَ نفسه فخرَّ على وجهه ساجدًّا له، وكان هذا جائزًا قبل الإسلام.

والعجيب أنَّ هذه الرؤيا حصلت بحرفها!!!

لقد ظهرت أربعُ إمبراطوريات عملاقة حكمت الأرض، وبعدها ظهر الإسلام، وانتصر الإسلام على هذه الإمبراطوريات الأربع وأعادت التوحيد!

30- لكن تبقى رؤيا هذا الملك غامضةً تحتاج لتفاصيل أكثر؛ حتى نتأكَّد أنَّ المقصود بها في النهاية هو التبشير بظهور الإسلام وانتشارِه في الأرض... أليس كذلك؟

ستحصل مفاجأةٌ تجيب عن هذا السؤال، وهي أنَّ النبيَّ دانيال عليه السلام بعد سنواتٍ من رؤيا نَبُوخَذْنَصَّرَ سيرى هو بنفسه نفس الرؤيا التي رآها نَبُوخَذْنَصَّرَ لكن بتفاصيل أدقَّ، وملامحَ أوضح، وهذه الرؤيا ستفسرها له الملائكة؛ حتى نتأكَّد أنَّ المقصود بالفعل هو البشارة بظهور الإسلام، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم .

سيرى دانيال في رؤياه الممالك الأربع، وسيرى النبيُّ العظيم الذي سيأتي وتسود أمته، بل وسيعرف دانيالُ زمانَ بَعثة هذا النبي بالضبط؛ فدعونا نقرأ رؤيا دانيال عليه السلام التي رآها بنفسه:

رَأَى دَانِيالُ حُلْمًا؛ أَرْبَعَةَ وحوش عَظِيمَةٍ تصعد من البحر: الأمم الأربع.

الأَوَّلُ كَالأَسَدِ وَلَهُ جَنَاحَا نَسْرٍ. والثاني شَبِيهٌ بِالدُّبِّ، وَفِي فَمِهِ ثَلَاثَةُ أَضْلُعٍ، والثالثُ مِثْلُ النَّمِرِ وَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةِ طَائِرٍ. وَكَانَ لِلْوَحْشِ أَرْبَعَةُ رُؤُوسٍ، وَأُعْطِيَ سُلْطَانًا: المملكة الثالثة لها أربعةُ رؤوس انتبهوا.

بعد ذلك ماذا رأى؟

رأى: الوَحْش الرَّابعٍ: المملكة الرابعة.

فهو هَائِلٌ وَقَوِيٌّ وَشَدِيدٌ جِدًّا: مملكة باطشة قوية وللمملكة:

عَشَرَةُ قُرُونٍ: هذه مملكة لها عشرة قرون... أي عشرة ملوك، تنطح بهذه القرون!

كُنْتُ مُتَأَمِّلًا بِالْقُرُونِ، وَإِذَا بِقَرْنٍ آخَرَ صَغِيرٍ طَلَعَ بَيْنَهَا: إذَنْ أصبح لدينا أحد عشر قرنًا... أحد عشر مَلِكًا. القرن الحادي عشر هذا الذي ظهرَ قد سَقطَت من حوله ثلاثةُ قرون؛ وهذا القرن الحادي عشر سيكون أفسد هذه القرون؛ لأنه سينشر الكفر، ويُحرف الدين، ويتكلم بِعَظَائِمَ.

أَمَّا بَاقِي الوحوش الثلاثة السابقة: الممالك الثلاث نُزِعَ عَنْهُمْ سُلْطَانُهُمْ، وَلكِنْ أُعْطُوا طُولَ حَيَاةٍ إِلَى زَمَانٍ وَوَقْتٍ: حيث أصبحوا دولًا صغيرةً، ولم يعودوا إمبراطورياتٍ.

وبعد هذه الممالك الأربع ماذا رأى دانيال؟

وفجأةً، ومع سُحُب السماء يظهر ابْنُ إِنْسَانٍ: الحجر الذي سيأتي في آخر الزمان.

أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ: وهذه بشارة واضحة بالإسراء والمعراج؛ حيث سيُعرَج بهذا النبي القادم، ويصعد إلى السماء!

فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا؛ لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالْأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ: أُعطي حكمًا وتشريعًا ونبوَّةً؛ فهو سيكون نبيًّا مجاهدًا تخضع له الأممُ.

سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لَا يَنْقَرِضُ: ستبقى أُمَّتُهُ وتشريعُهُ إلى يوم القيامة.

دانيال عليه السلام تعجَّب من هذه الرؤيا ولم يفهمْها، فاقترب من أحد الملائكة راجيًا منه أن يُفسر له ما يرى!

فقال له الملَكُ: هؤُلَاءِ الْوحوش الْعَظِيمَةُ هِيَ أَرْبَعُ ممالك تقوم عَلَى الأَرْضِ.

وبعد هذه الممالك الأربع سيظهر قِدِّيسُو الْعَلِيِّ الذين سيَأْخُذُونَ الْمَمْلَكَةَ، وَيَمْتَلِكُونَ الْمَمْلَكَةَ إِلَى الأَبَدِ وَإِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ: سيكون فيهم الحُكم والتشريع من قِبَل الله إلى قيام الساعة... سيكونون أُمَّةً مجاهدةً!

وهنا دانيال استوقفه الوحش الرَّابعِ تلك الأمة الشرسة التي لها عشرة قرون: عشرة ملوك!

واستوقفه ذاك القرن الحادي عشر الذي سيتكلم بالكفر؛ أراد دانيال أنْ يفهَمَ مَن يكونون هؤلاء؟ وهذه نقطة جوهرية في رؤيا دانيال؛ لأنه لن تظهَرَ الأمة العظيمة... قِديسو العلي، الذين سيعيدون التوحيد إلا بعد ظهور هذا الملك الحادي عشر محارب الموحدين!

فما هي صفات هذا القرن الحادي عشر؟

وَهذَا القرن الحادي عشر الذي له فَمٌ مُتَكَلِّمٌ بِعَظَائِمَ، وَمَنْظَرُهُ أَشَدُّ مِنْ رُفَقَائِهِ. يُحَارِبُ الْقِدِّيسِينَ فَغَلَبَهُمْ: هذه صفاته... يُحارب الصالحين الموحدين.

وينشر عظائم: أي تحريفات عظيمة في الدين.حَتَّى جَاءَ الْقَدِيمُ الأَيَّامِ، وَأُعْطِيَ الدِّينُ لِقِدِّيسِيِ الْعَلِيِّ: أعطى التشريع والأرض للأمة المؤمنة الموحدة.

فَامْتَلَكَ الْقِدِّيسُونَ الْمَمْلَكَةَ: هزموا مملكة هذا القرن الحادي عشر؛ فقد فتح اللهُ لهم الأرض.

إذَنْ سيأتي عشرة ملوك "القرون العشرة" من المملكة الرابعة، ويقوم بعدهم الملك الحادي عشر، وسيهلكُ أمامه ثلاثة ملوك.

وهذا القرن الحادي عشر سيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ ضِدَّ الْعَلِيِّ، وسيُحرف الدين.

لكن كم يا تُرى سيبقى فساده في الأرض إلى أن يظهر قديسو العلي؟

نترك دانيال عليه السلام يُجيبُنا عن هذا السؤال:

وَيُسَلَّمُونَ لِيَدِهِ: يُسلِّمون لسلطانه.

إِلَى زَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ وَنِصْفِ زَمَانٍ: أي ستظل إمبراطوريته مسيطرةً على الأرض إلى زمانٍ وأزمنةٍ ونصفِ زمان.

أي: إلى قرن وقرنين ونصف قرن، أي: حوالي ثلاثمائة وخمسين عامًا.

لأنَّ الزمان بحسب الكتاب المقدس يعادل مائة عام().

بعد ثلاثمائة وخمسين عامًا ستأتي آخِرُ الأمم... قِدِّيسِو الْعَلِيِّ، الذين ستبقى شريعتُهم إلى قيام الساعة، ويملكون الممالك، بل ويملكون مملكة هذا الملك الحادي عشر نفسها.

هذه كانت نهاية النبوءة العجيبة من دانيال عليه السلام !

فماذا حصل في تاريخ الأمم بعد هذه النبوءة؟

العجيب أنَّ كل ما في هذه النبوءة حصل وبنفس الصورة في تلك الرؤيا!

31- قبل أن تقوم بتنزيل الأحداث في نبوءة دانيال على الواقع؛ كيف نتأكد أن سِفر دانيال مكتوب قبل الإسلام؟

سفر دانيال مكتوبٌ قبل الإسلام بحوالي ألف عامٍ، هذا أمرٌ لا خلاف عليه بين المؤرخين، وسفر دانيال هو ضمن الترجمة السبعينية؛ والترجمةُ السبعينيةُ بالاتفاق كانت قبل الميلاد بثلاثة قرون كاملة.

وحين تناول يوسيفوس المؤرخ الشهير في القرن الثاني الميلادي، أي: قبل الإسلام بأربعة قرون كاملة حين تناول نبوءة دانيال ذكر الممالك الأربع، وقال إنَّ الحجر الذي سيضرب الممالك الأربع لم يظهر بعدُ().

فالناس كانوا ينتظرون كيف ستتحقَّق نبوءة دانيال.

وكانوا يتساءلون: مَن هي الْأُمَّة التي ستعيد التوحيد، وتحارب الأمم الكافرة؟

والآن نبدأ في تنزيل نبوءة دانيال على الأحداث التاريخية:

ظهر دانيال في مملكة بابل؛ إذَنْ أول مملكة وأول وَحْش رآه النبي دانيال كانت المملكة البابلية الكلدانية، وهي الأسد المُجنَّح بأجنحة نَسْر.

وهذا الرمز الأسد المُجنَّح كان رمْزَ المملكة البابلية الكِلدانية، وتوجد صورُهُ على معابدها حتى اليوم.

وبعد هذا الوحش... بعد هذه المملكة البابلية الكلدانية، ظهرت المملكة الفارسية حين استولى كورش الفارسيُّ على بابل، وأسَّس واحدةً من أكبر إمبراطوريات العالم القديم: الإمبراطورية الفارسية.

والأضلاع الثلاثة في الرؤيا هي امتلاك الإمبراطورية الفارسية لأجزاءٍ كبيرةٍ من مشارق الأرض ومغاربها في القارات الثلاثة والله أعلمُ.

أما المملكة الثالثة في نبوءة دانيال، فهي مملكة الإسكندر الأكبر التي ظهرت بعد مملكة فارس، وقد رُمز لها في النبوءة برمز النمر ذي الأجنحة والرؤوس الأربعة.

صفة النمر لسرعة انتشار مملكة الإسكندر في الأرض.

والنمر كان مُبجَّلًا بالفعل في الثقافة اليونانية... ثقافة الإسكندر الأكبر، وكان الإسكندر الأكبر يرتدي في المعارك الكبرى خوذةً بوجه نمر.

والرؤوس الأربعة في رؤيا دانيال: ترمز لانقسام المملكة بعد وفاة الإسكندر الأكبر إلى أربع ممالك.

أما الوحش الرابع... الوحش الضخم في رؤيا دانيال فهو المملكة الرومانية... تلك الإمبراطورية الرومانية الجبَّارة.

والقرون العشرة التي ظهرت من هذا الوحش في النبوءة، والتي تعجَّبَ منها النبيُّ دانيال عليه السلام ، فهي نبوءة بعشرة أباطرة رومان سوف يَضطهدون النصارى الموحدين؛ وهذا بالضبط ما حصل في القرون الثلاثة الأولى بعد رفع المسيح عليه السلام .

ولذلك تُسمى الاضطهادات التي حصلت على يد هؤلاء الأباطرة الرومان... تسمى بالاضطهادات العشرة في تاريخ المسيحية.

فهم عشرة أباطرة رومان اضطهدوا النصارى الموحدين وحاربوهم وقاتلوهم:

وبعد هؤلاء الأباطرة العشرة الذين بطشوا بالمؤمنين ظَهر القرن الحادي عشر... الإمبراطور الحادي عشر... أخطر أباطرة الدولة الرومانية، وهذا الإمبراطور ستنهار أمامَهُ ثلاثةُ قرون: أي سيُقاتل ثلاثة ملوك أقوياء ويهزمهم ويستقر لإمبراطوريته الحكمُ، وسوف يروج للكفر "كَلَامٍ ضِدَّ الْعَلِيِّ"!

فمن هو يا تُرى هذا القرن؟

من المعلوم تاريخيًّا أنَّه بعد الأباطرة العشرة الرومان المشهورين باضطهاد النصارى الموحدين، ظهر الإمبراطور قسطنطين... قسطنطين الكبير!

إذَنْ القرن الحادي عشر هو قسطنطين الكبير!()

وهذا الإمبراطور بالفعل قد تغلَّب على منافسيه الثلاثة –القرون الثلاثة- كما هو معلوم تاريخيًّا.

هؤلاء المنافسون الثلاثة هم:

الإمبراطور ماكسِنتْيوُس Maxentius

والإمبراطور ماكسيمِينُوس الثاني Maximinus II

والإمبراطور ليِسينيوُس Licinius

كلهم قهرهم قسطنطين الكبير، واستقرَّ له الحكم!

لكن كيف ينطق هذا القرن "قسطنطين الكبير" بالكفر والعظائم، كما ورد في رؤيا دانيال؟

وَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ ضِدَّ الْعَلِيِّ: يتكلم بكلام كُفر.

وَيُبْلِي قِدِّيسِي الْعَلِيِّ: يحارب المؤمنين الموحدين ويضطهدهم.

وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالسُّنَّةَ: سيُغير الأيام المقدسة.

وَيُسَلَّمُونَ لِيَدِهِ إِلَى زَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ وَنِصْفِ زَمَان: سيبقى طُغيان إمبراطوريته في الأرض ثلاثة قرون ونصف القرن.

فماذا فعل الإمبراطورُ قسطنطين الكبير حتى يوصم بكل هذه الصفات البشعة؟

العجيب أنَّ قسطنطين الكبير بالفعل هو أخطر شخصيَّة في تاريخ المسيحية تقريبًا!

فقد دعا هذا الإمبراطور إلى أخطر مجمع في تاريخ الإنسانية... دعا إلى مجمع نيقية!

وهذا الأمر كان في عام ثلاثمائة وخمسةٍ وعشرين، وفي هذا المجمع تم إفساد التوحيد!

تمَّ إفساد التوحيد النقي الذي أتى به المسيحُ عليه السلام ، وألزَم قسطنطين الأمم بتأليه المسيح، وبدأ قسطنطين رحلة اضطهاد للمسيحيين الموحدين، وحارب قديسي العلي.

ربما لم يحصُلْ منذ آدم عليه السلام ، وحتى عصر قسطنطين؛ لم يحصل أنْ يتمَّ تحدي التوحيد... توحيد الله كما حصل في عهد قسطنطين().

وقسطنطين أيضًا هو الذي غيَّر الأوقات، كما في الرؤيا بالضبط، فهو الذي أحلَّ تقديس يوم الأحد مكان يوم السبت.

وظلَّ اضطهادُ الموحدين منهجًا للإمبراطورية الرومانية منذ عهد قسطنطين؛ ظل قرابة ثلاثة قرون ونصف القرن.

فماذا حصل بالضبط بعد ثلاثة قرون ونصف من ظهور قسطنطين؟

ثلاثةُ قرون ونصف بالتوقيت القمري -التوقيت القمري؛ لأن الشهور في اليهودية كما في الإسلام شهورٌ قمرية - بالتوقيت القمري ثلاثة قرون ونصف تعدل حوالي ثلاثِمائة وبضع وثلاثين عامًا.

نضيف لها ثلاثمائة وستة، وهو العام الذي تولَّى فيه قسطنطينُ الحكمَ؛ حيث تولى الحكم عام ثلاثمائة وستة ميلادية.

ونتيجة المجموع هي تقريبًا: ستمائة وأربعين ميلادية!

فماذا حصل في هذا التوقيت بالضبط؟

هذا التوقيت هو عصرُ مجدِ الأمة الإسلامية، ودخول المسلمين القدس، وعودة نشر التوحيد إلى أمم الأرض.

لقد انتصر التوحيدُ -لأول مرة- منذ عهد قسطنطين، وامتلكت الأمة الإسلامية ممالك الأرض!

وفي هذا نزل قول الله عز وجل : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [سورة الصف: 14].

{فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [سورة الصف: 14]: ظهروا ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم** ()**.

فببعثة محمد صلى الله عليه وسلم عاد التوحيد الذي جاء به المسيح، عاد وانتشر في الأمم مرةً أخرى!

ولأول مرة منذ عهد النبي دانيال تعود الأرض المُقدَّسة في فلسطين للتوحيد... توحيد الله عز وجل حكمًا وتشريعًا ومُلكًا، لقد ظلَّت القدسُ تنتقل من حكم مملكة وثنية إلى أخرى؛ من بابل للفرس للإسكندر للرومان حتى عام ستمائة وبضع وثلاثين ميلادية؛ ليدخل المسلمون القدس لأول مرة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

لأول مرة في التاريخ منذ عهد دانيال، يسود المؤمنون ويحكمون الأرض المقدسة؛ ويُعطَوا ممالك الأرض كما تنبَّأ دانيال النبي!

وتحرَّر الناس من بطش الإمبراطورية الرومانية، فمن شاء عاد للتوحيد!

تخيَّلْ ذاك الوقت الذي رأى فيه دانيال هذه الرؤيا، وهو في السبي مع اليهود في بابل، ويرى أنَّ خليفةً عظيمًا سيظهر بعد أكثر من ألف عام؛ ليفتح الله على يده القدس أرض الأنبياء ويعيد إليها التوحيد، ليس هذا فحسب، بل ويمتلك مملكة بابل نفسها التي كان فيها دانيال النبي مسبيًّا!

ربما من أجل ذلك دعا دانيال ربه ألَّا يُدفن إلا في هذا الزمن الذي يعود فيه التوحيد للأرض المقدسة، وتتحقق فيه رؤياه العجيبة، فيُدفن دانيال في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أكثر من ألف عامٍ من وفاته!

ولم يتنبَّأ دانيال بهذا فحسب!

بل تنبَّأ أنَّ المسلمين سيمتلكون أرض قسطنطين نفسها... القسطنطينية... عاصمة مُلك قسطنطين الكبير، والتي سُميت باسمه القسطنطينية... وهي: عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية... الإمبراطورية البيزنطية!

لقد تنبَّأ دانيال أنَّ مملكة هذا القرن الحادي عشر ستُعطى لقديسي العلي!

وبالفعل أصبحت القسطنطينية بلدًا إسلاميًّا!

لقد ملِك المسلمون المملكة... مملكة الإمبراطور الحادي عشر... القرن الحادي عشر، كما تنبَّأ دانيال النبيُّ عليه السلام :

أما قِدِّيسُو الْعَلِيِّ فيَأْخُذُونَ الْمَمْلَكَةَ، وَيَمْتَلِكُونَ الْمَمْلَكَةَ إِلَى الأَبَدِ وَإِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ!

لقد أخذوها والله!

لقد أُعطيت لقديسي العلي، وقد بشَّر النبي محمد صلى الله عليه وسلم بفتح القسطنطينية؛ وبشَّر أول جيشٍ يغزوها بأنهم مغفورٌ لهم:

لقد امتلكوا المملكة... مملكة القسطنطينية؛ ليس هذا فحسب، بل لم يَعُدْ أحدٌ يطالب بها أصلًا؛ لقد صارت القسطنطينية بلدًا مسلمًا، ولم تعد تطالب بها أمة من أمم الأرض؛ وَيَمْتَلِكُونَ الْمَمْلَكَةَ إِلَى الأَبَدِ وَإِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ!

فهُمْ سيمتلكوها إلى الأبد... إلى قيام الساعة!

لقد امتلك المسلمون الممالك الأربع التي رآها دانيال في رؤياه؛ وسيطرت الأمة الإسلامية، وفي خلال جيلٍ واحدٍ على ممالك الأرض؛ لقد فُتحت بابلُ بالعراق، وبلاد فارس والشام ومصر، وامتدَّ الإسلام من الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا، ولم يستطِعْ وحش واحد من الوحوش الأربعة أن يقف في وجه الأمة الإسلامية الموحدة!

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة النور: 55].

يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم والحديث متفقٌ على صحته: "وبيْنَما أنا نائِمٌ البارِحَةَ؛ إذْ أُتِيتُ بمَفاتِيحِ خَزائِنِ الأرْضِ حتَّى وُضِعَتْ في يَدِي، قالَ أبو هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأَنْتُمْ تَنْتَقِلُونَها"().

تَنْتَقِلُونَها: أي تستخرجون ما فيها.

رأى النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم في رؤيا رآها فتوحَ أُمَّتِهِ وسيادةَ دينِهِ، وأنَّ خزائن ممالك الأرض ستأتي للأمة الإسلامية، فكان كما رأى، وكما رأى قبله دانيال عليهما السلام.

مَلَكُوتُهُ مَلَكُوتٌ أَبَدِيٌّ: سيبقى التشريعُ الإلهيُّ إلى قيام الساعة في هذه الأمة: {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ} [سورة الروم: 56].

ولن يختفي الإسلام إلى قيام الساعة، وسيظلُّ التوحيد على الأرض، وسيدخل كلَّ قرية ومدينة، شاء مَن شاء وأبى مَن أبى؛ قال صلى الله عليه وسلم : "ليبلُغنَّ هذا الأمرُ مبلغَ اللَّيلِ والنَّهارِ، ولا يترُكُ اللَّهُ بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ إلَّا أدخلَهُ هذا الدِّينَ بعزِّ عزيزٍ أو بذُلِّ ذليلٍ".

يستحيل أن تنطبق نبوءة دانيال على أُمَّة غير الأمة الإسلامية، لا في التوقيت الزمني للنبوءة، ولا في وصف أحداث النبوءة، ولا في وصف ممالك الأرض، ولا في الأحداث التي جرت بعد النبوءة، ولا في حقيقة سقوط الممالك أمام الأمة الإسلامية، ولا في صفات الأمة الإسلامية، ولا في زمن ظهورها!

إنَّ ابن الإنسان لم يكن ولن يكون سوى محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وقديسو العلي لم يكونوا ولن يكونوا سوى الصالحين والمجاهدين من الأمة الإسلامية!

إنَّه صلى الله عليه وسلم هو الحجر الذي رآه نَبُوخَذْنَصَّرَ في رؤياه!

الحَجَر الذي سيهدم التمثال... الحجر الذي سيسحق الممالك الأربع الظالمة الوثنية.

وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه في الحديث المتفق عليه في البخاري ومسلم: "أنا اللَّبِنَةُ وأنا خاتِمُ النبيِّينَ"().

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ وعلى أصحاب محمدٍ وعلى كل مَن اتَّبع هديه إلى يوم الدين؛ آمين.

32- هل كان العربُ يتوقعون هذه الانتصارات على ممالك الأرض؟

عاش العرب قبل الإسلام كمجموعة من القبائل البسيطة على هامش الحضارات والإمبراطوريات العملاقة التي كانت تسودُ الأرض في ذاك الوقت كالحضارة الفارسية واليونانية والرومانية.

وكانت ممالك كالقسطنطينية مما لا يحلُم العرب أن يروها فضلًا عن أنْ تسود كلمتهم فيها!

في هذا الوقت ظهر الرسولُ محمدٌ صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام في بلاد العرب، وأخبره الله عز وجل بسيادة دينه وانتشاره في كل تلك الممالك والإمبراطوريات، ولم يكن حول النبي صلى الله عليه وسلم سوى بضع مئات من الصحابة يخافون أن يتخطفهم الناس!

فأخبرهم الله عز وجل أنَّ هذا الدين سيكون فيه شرف ومجد وعز كلِّ مَن اتبعه بحق!

{لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [سورة الأنبياء: 10].

لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه مجدكُم وشرفُكم أفلا تعقلون؟

وقال سبحانه: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [سورة الزخرف: 44].

هذا الدين فيه ذِكرٌ لك ولقومك... فيه شرف لك ولقومك، وسوف تُسألون عن تبليغه للناس والعمل بما فيه!

فقد جاء الإسلامُ لينتشر ويسود، وقد بشَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بفتح تلك الممالك كلها، وبشَّر بفتح الشام والعراق وبلاد فارس والقسطنطينية!

وبشَّر بوصول رسالة الإسلام إلى أصقاع الأرض شرقًا وغربًا، قال صلى الله عليه وسلم :

إنَّ اللَّهَ زَوَى لي الأرْضَ: أي جمعها.

فَرَأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها: وهذا فيه إشارة إلى أنَّ الفتوح الإسلامية في المشرق والمغرب ستكون أكثر من الفتوح في الشمال والجنوب!

وإنَّ أُمَّتي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لي مِنْها: سيُفتح ما زُوي للنبي صلى الله عليه وسلم جزءًا جزءًا.

وأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأحْمَرَ والأبْيَضَ:

الكَنْزَيْنِ الأحْمَرَ والأبْيَضَ: الكنز الأحمر هو الذهب، والكنز الأبيض هو الفضة.

والمقصود أُعطيت كنزي كسرى وقيصر مَلِكَيِ العراق والشام!

تخيَّلِ الآن هذه الصورة:

العرب عندما أتاهم الإسلام خافوا على رحلاتهم... رحلتَي الشتاء والصيف في اليمن والشام؛ لئلَّا ترفضهم تلك البلاد التي يذهبون إليها للتجارة... وهنا أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ هذه البلاد التي تذهبون لها وتخافون على تجارتكم فيها ستخضع للإسلام؛ فأيُّ رحلاتٍ هذه التي تخافون عليها؟

وأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأحْمَرَ والأبْيَضَ.

وسيُنفقانِ في سبيل الله، كما ورد في حديثٍ آخر متفق على صحته!()

وفُتحت هذه البلاد في عهد الصحابة، وامتدَّت كلمة المسلمين من الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا، كما بشَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وأُنفقت كنوز كسرى وقيصر في العراق والشام في سبيل الله.

لقد تحقَّقت رؤيا النبي دانيال بحرفها، وهذا أمرٌ لم يتوقَّعْه العرب ولو في أحلامهم!

33- هل كان اليهودُ يعرفون أنَّ النبوَّة ستنتقل عنهم للأبد، ولن تعود إليهم مرةً أخرى؟

في وقت احتضار النبي يعقوب عليه السلام جمع بنيه الاثني عشر، وبدأ يوصيهم.

نقرأ معًا ماذا قال لهم:

وَدَعَا يَعْقُوبُ بَنِيهِ وَقَالَ: اجْتَمِعُوا لِأُنْبِئَكُمْ بِمَا يُصِيبُكُمْ فِي آخِرِ الأَيَّامِ.

اجْتَمِعُوا وَاسْمَعُوا يَا بَنِي يَعْقُوبَ، وَاصْغَوْا إِلَى إِسْرَائِيلَ أَبِيكُمْ: سيبدأ في وصيَّتهم وإخبارهم ببعض النبوءات!

وما أن وصل يعقوب إلى يهوذا... ويهوذا ابن يعقوب وهو جدُّ الأنبياء: داود وسليمان والمسيح عليهم جميعًا الصلاة والسلام.

ما أن وصل إلى يهوذا حتى قال له:

لَا يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ.

هذا النصُّ بلا خلاف بين أهل الكتاب بشارة عظيمة وهامة جدًّا!

فهو بشارة عن شخص سيأتي، وسوف تنتقل له النبوة، وينتقل له الحكم والتشريع.

فهم كانوا يعلمون أن النبوة ستنتقل عنهم وللأبد.

لَا يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا: القضيبُ هو صَوْلَجانُ الحُكم.

يعني سيكون في ذرية يهوذا الأنبياء الحُكام؛ وبالفعل كان داود وسليمان في نسل يهوذا.

لَا يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ: المشترع يعني الشريعة والتشريع.

سيبقى الحكم والتشريع في نسل يهوذا حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ!

فمن هو شيلون الذي تنبَّأ به يعقوب عليه السلام ، والذي ستخضع له الشعوب؟

مَن هو شيلون الذي سينتقل إليه الحكم والنبوة والتشريع والأرض؟

نحن نعرف أن آخر أنبياء بني إسرائيل هو المسيح عليه السلام وكان من نسل يهوذا!

ثم حصل توقف مفاجئ للأنبياء في بني إسرائيل!

توقَّفَ ظهور الأنبياء فجأةً في بني إسرائيل، بعد أن كانت فيهم النبوة والحكم والمُلك: {آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54].

وطبقًا لنبوءة يعقوب عليه السلام ، فالمفترض أنْ يكون قد حصل انتقال للحكم والنبوة والتشريع إلى شخصٍ آخر من خارج يهوذا بعد توقف الرسالة في بني إسرائيل!

ومن البديهي أنَّ هذا الشخص ليس هو المسيح؛ لأن المسيح كان من نسل يهوذا!

أيضًا المسيح لم تخضع له الشعوب كما في نبوءة يعقوب بشأن النبي القادم، فالمسيح كان هو تابعًا للإمبراطورية الرومانية.

وحين قال له اليهود هل نعطي الجزية لقيصر أم لا؟

قال لهم: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

إذَنْ هناك شخص آخر ستنتقل له الرسالة والنبوَّة والحكم، وسيكون من خارج بني إسرائيل!

وهذا الشخص ستستلم أُمَّتُهُ أرض يهوذا نفسها طبقًا لنبوءة يعقوب "لَا يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ" ستستلم أمة هذا النبي القادم الأرض... ستستلم فلسطين، وستخضع لأمته أكبر الإمبراطوريات!

لقد استلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته أرض يهوذا، ودانت بلاد الشام والعراق وفارس بالإسلام.

هذه حقيقة لا تحتاج إلي طول نظر أو تحرير!

فالتاريخ يقول لنا: إنَّ النبوءة التي في وصية يعقوب لبنيه قد تحقَّقت، ولم تنطبق على نبي غير محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم تحصل بتفاصيلها لأمة غير أمته!

34- لكن كيف نعرف أنَّ المقصود في النبوءة بالضبط هو الإسلام؟

جواب هذا السؤال يكمُن في تفسير معنى "شيلون".

حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ: هذه الكلمة تُعَدُّ من أشد الكلمات صعوبةً في التوراة.

لكن يخلص الباحثون من علماء التوراة وأحبار اليهود إلى أنَّ كلمة "شيلون" قد تكون بمعنى: "الذي له".

لَا يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ الذي له الحكم والتشريع وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ... هذا قول عددٍ من علماء التوراة.

لكنَّ عددًا آخر كبيرًا منهم يُقِّرون أنَّ كلمة شيلون هي نفس الجذر اللغوي لكلمة شالوم أي: سلام... شالوم عليخِم: السلام عليكم.

وبالتالي فـ: "شيلون" قريبة من شالوم... السلام؛ وهو نفس الجذر اللغوي لـ: "الإسلام" حتى يأتي شيلون حتى يأتي الإسلام().

لَا يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ (الإسلام) وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ.

وكل مسلم يقطع أنَّ الإسلام كان حاضرًا في وصية يعقوب لبنيه قبل موته؛ فهو عليه السلام أوصاهم بالإسلام بلفظ القرآن الكريم: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 133].

فسواءً كانت شيلون بهذا التوجيه اللغوي أو بتوجيه آخر سندركه بعد قليل إلا أنَّ دعوة يعقوب بنيه للإسلام كانت حاضرةً بلا جدال عند كل مؤمن بالقرآن.

وهناك فريق كبير من علماء اللغة يميل إلى أنَّ شيلون بحسب معناها في السياق تعني: مُعطي الراحة أو رافع الأغلال؛ وهذا هو المعنى الذي ذهبت له الكثير من مواقع الدراسات الكتابية المتخصصة في العهد القديم.

فيعقوب عليه السلام يُبشرهم بالشخص الذي سيرفع عنهم الأغلال التي كانت عليهم!

والأغلال التي كانت على بني إسرائيل كثيرةٌ؛ فهناك أغلال وقيود خاصة بالمأكولات، وأحكام الطهارة، وأغلال خاصة بالأحكام التشريعية التي فُرضت عليهم لظُلمهم وبغيهم وفسادهم.

{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [سورة النحل: 118].

فيعقوب يقول لأبنائه: سيأتي الرجل الذي يرفع عنكم هذه الأغلال!

والآن لنقرأ قولَهُ تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: ما صفة هذا النبي؟

وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ!

فمكتوب في كتابهم أنَّ هناك نبيًّا أُمِّيًّا سيأتي، وسيضع عنهم الأغلال التي كانت عليهم!

والآن لننظرْ لواحدة فقط من أحكام الطهارة في اليهودية، وكيف خُففت جدًّا في الإسلام... ننظر لحكم المرأة الحائض في سفر اللاويين:

وَكُلُّ مَا تَضْطَجِعُ عَلَيْهِ فِي طَمْثِهَا يَكُونُ نَجِسًا، وَكُلُّ مَا تَجْلِسُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا.

وَكُلُّ مَنْ مَسَّ فِرَاشَهَا يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ.

وَكُلُّ مَنْ مَسَّ مَتَاعًا تَجْلِسُ عَلَيْهِ، يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ.

وَإِنْ كَانَ عَلَى الْفِرَاشِ أَوْ عَلَى الْمَتَاعِ الَّذِي هِيَ جَالِسَةٌ عَلَيْهِ عِنْدَمَا يَمَسُّهُ، يَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ.

وَإِنِ اضْطَجَعَ مَعَهَا رَجُلٌ فَكَانَ طَمْثُهَا عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَكُلُّ فِرَاشٍ يَضْطَجِعُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا.

كل هذه الأحكام كانت لقساوة بني إسرائيل وغِلظة قلوبِهم؛ فأتي النبيُّ الذي رفع عنهم هذه الأغلال!

ونقرأ الآن خاتمة الآية الكريمة: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].

فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ: الله يأمرهم أن يؤمنوا به، وأن ينصروه ويعينوه، فهو سيكون نبيًّا مجاهدًا... ستخضع له شعوب "وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ".

والآن حاولوا أن تقرؤوا هاتين الآيتين بتدبُّر، وانظروا سياق الآية الثانية: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 133، 134].

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ: أمة بني إسرائيل وسبط يهوذا قد مضوا وانتقلت عنهم الرسالة والنبوة والأرض والتشريع... تلك أمة قد خلت لها ما كسبت؛ وجاء دوركم... فقد انتقلت لكم الرسالة والنبوة والحكم والتشريع.

لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ: ستُسألون أنتم عمَّا أدَّيتم لهذا الدين!

35- لكن هل ذُكِرَ النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم باسمه في التوراة "محمد"؟

بعد مُضيِّ أعوام طويلة من وفاة يعقوب عليه السلام ظهر شخصٌ عظيمٌ في بني إسرائيل، وهو النبي حِجي، وقد بشَّر هذا النبي ببشارةٍ من أهم بشارات العهد القديم!

تقول البشارةُ:

وَأُزَلْزِلُ كُلَّ الْأُمَمِ: وهذه كناية عن الجهاد الذي سيقوم به الشخص المُبشَّر به!

وَأُزَلْزِلُ كُلَّ الْأُمَمِ وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الْأُمَمِ: مَن يكون مشتهى كل الأمم؟

حتى نعرف جواب هذا السؤال سنحتاج للنظر في النص العبري لهذه الأعداد:

والآن سننظر لكلمة مُشتهى باللغة العبرية:

ثم نقوم بوضع هذه الكلمة العبرية في أي قاموس عبري إنجليزي مُوثَّق، وننظر ما ترجمة هذه الكلمة:

مُشتهى تترجم إلى: حِمدة!

سيأتي حِمدة كل الأمم.

"حِمدة" هي جذر "حَمِدَ" وهو نفس جذر محمد وأحمد!

والترجمة ترجمة لشخص؛ فالقاموس عندما ترجمها إلى الإنجليزية لم يترجمها إلى معنًى، بل هو ترجمها إلى شخصية حقيقية إلى شخص "حِمدَة".

سيأتي حِمدَة كل الأمم: مَن تحمده كل الأمم!

وهذا هو نفس التعريف العربي لاسم: محمد ومحمود وأحمد.

سيأتي محمد كل الأمم!

سبحان الله! نفس المعنى العربي بالضبط ونفس الجذر اللغوي للكلمة ونفس النطق!

هذا النصُّ في سفر حِجي الذي ما زال بين أيدي اليهود والنصارى حتى الساعة.

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 146].

فالنصُّ العبري يُحدثنا عن اسم مُحدَّد لشخص مُحدَّد "حمدة كل الأمم"... محمد كل الأمم!

فمَن غير محمد صلى الله عليه وسلم يكون مقصودًا في هذه البشارة، وهو الذي بُعث وجاهد في سبيل الله، وانتصر دينه؟

والآن لننظر في كلمة "كل الأمم".

وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الْأُمَمِ: كل الأمم... هذه الكلمة في النص العبري لسفر حجي:

لو ترجمْناها ترجمة صحيحة ودقيقة في قاموس عبري إنجليزي معتمد:

الترجمة الصحيحة لكلمة "كل الأمم" هي: All-Gentiles وتعني كلَّ الأميين أو كل الأمميين.

ويأتي محمد كل الأميين!

فمَن هُمُ الْأُمِّيُّونَ؟

الْأُمِّيُّونَ هم الأمم غير اليهودية؛ فكل مَن ليس يهوديًّا يسمى أُمِّيًّا Gentile.

وكان لدى كثير من اليهود عنصرية تُجاه هؤلاء الأميين، فكان اليهودي يجيز لنفسه ظلم غير اليهودي؛ ولذلك نزل قول الله عز وجل : {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [سورة آل عمران: 75].

فالأميون هم غير اليهود!

إذَنْ هذا النبي القادم المُبشَّر به في هذا النص من سفر حِجي ليس من بني إسرائيل!

سيأتي رسولًا ونبيًّا من الأميين!

وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الْأُمَمِ: سيأتي محمد الأميين!

{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} [سورة الأعراف: 157].

مكتوب عندهم في كتبهم أنَّ نبيًّا أُمِّيًّا من خارج بني إسرائيل سيأتي!

{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سورة الجمعة: 2].

فهو النبيُّ الْأُمِّيُّ "من خارج يهوذا" كما أخبر يعقوب قبل موته، وهو النبي الأمي محمد كما أخبر حجي، وهو النبي الذي سينتقل الكرْم لأمته بعد أن أفسد بنو إسرائيل كما أخبر المسيح عليه السلام .

36- طالما أن النبوءة والبشارة بهذا الوضوح الشديد، لماذا لم يؤمن أهل الكتاب على بَكْرة أبيهم؟ لماذا ما زالوا يكفرون بالإسلام... يكفرون بدين الله؟

الربِّيُّون علماء التوراة الذين درسوا التوراة بتمعُّنٍ يعترفون أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم نبيٌّ ورسولٌ من عند الله، وهو نبيُّ الأميين الذي بشَّرت به التوراة، لا يستطيعون إنكار ذلك، لكنهم يقولون: إنَّه نبي مبعوث إلى الأميين وليس نبيُّهم هم().

وهذا من عنادهم وكِبْرهم، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم نبيٌّ من الأميين للأميين ولكل البشر!

{وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [سورة آل عمران: 20].

فهو لكل البشر لأهل الكتاب وللأميين!

فاعتقادهم هذا اعتقادٌ كاذبٌ حتى يكفروا به ولا يتبعوه عنادًا واستكبارًا.

فالإسلام هو رسالة للعالمين والنبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم نبيٌّ لكل البشر: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [سورة الأعراف: 158].

وأنا أتساءل: إذا كانوا يعترفون بنبوَّته، فهل النبي يكذب حين قال: إنَّه بُعِث للناس جميعًا؟

هل النبي يكذب حين أخبرهم أنه يجب الإيمان به، ومَن لم يؤمن به فقد كفر؟

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [سورة النساء: 47].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم: مصدقًا للتوراة التي بين أيديكم؛ فهو بشارة التوراة التي معكم فآمنوا به!

ثم ألم تخبرْكم التوراة أنَّ الرسالة ستنتقل من أمتكم إلى أمةٍ أخرى، كما في وصية يعقوب قبل موته؟

ألم يخبرْكم المسيحُ أن ملكوت الله سينتقل لأمةٍ أخرى؟

للأسف تُضيعون نجاتَكم بأيديكم، فلا تلوموا إلا أنفسَكم!

ثم ألم يُهدم الهيكل اليهودي ولا تعرفون له مكانًا حتى الساعة؛ أليس هذا دليلًا على نسخ الشريعة... على نسخ الديانة؟

ثم ألم تتوقَّف النبوات فجأةً عندكم بعد محاولتِكم صلب المسيح عليه السلام ؟

أليست كل هذه أدلة على أنَّ الرسالة والشريعة والنبوة وميراث الأرض قد انتقلوا لأمةٍ أخرى؟

{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [سورة الفرقان: 1].

ليكون للعالمين نذيرًا، وليس للأميين فقط!

نعود لنُكمل النصَّ في سفر حِجي:

وَأُزَلْزِلُ كُلَّ الْأُمَمِ وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الْأُمَمِ

فَأَمْلَأُ هذَا الْبَيْتَ مَجْدًا: أيُّ بيت يا تُرى؟

قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: الحديث عن نبي مجاهد!

لِي الْفِضَّةُ وَلِي الذَّهَبُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: بشَّر النبيُّ محمدٌ صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته بأنه أُعطي كنزَي الذهب والفضة:

وأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأحْمَرَ والأبْيَضَ: الكنز الأحمر هو الذهب، والكنز الأبيض هو الفضة.

كنزا قيصر وكسرى بالشام والعراق، وهما المعروفانِ في التاريخ بكنزَي الفضة والذهب؛ لأن غالب معاملات الأول بالفضة، والثاني بالذهب؛ فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم أخبر بأنَّه أُعطي هذين الكنزين!

هذانِ الكنزانِ سينفقان في سبيل الله، كما ورد في الحديث المتفق عليه: "والذي نَفْسِي بيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُما في سَبيلِ اللَّهِ"().

وبالفعل فُتحت بلاد الشام والعراق، وأنفقت كنوزُ الفضة والذهب لقيصر وكسرى في سبيل الله، وتحقَّقت بشارة النبي حجي، ونبوءة النبي محمد صلى الله عليه وسلم !

لِي الْفِضَّةُ وَلِي الذَّهَبُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ!

فالحمد لله على نعمة التوفيق لدينه الحق الذي دعا له كلُّ الأنبياء!

وهنا يستوقفني حديث عجيب، كيف كانت بداية الإسلام، ثم كيف انتصر هذا الدين ومكَّن الله لنبيه!

في حديث قصة إسلام عمرو بن عَبَسَة؛ قال عَمرُو بنُ عَبَسَةَ السُّلَميُّ: كُنتُ وأنا في الجاهليَّةِ أَظُنُّ أنَّ النَّاسَ على ضَلالةٍ، وأنَّهُم ليسوا على شَيءٍ، وهُم يَعبُدون الأَوثانَ، قال: فسَمِعْتُ برَجُلٍ بمكَّةَ يُخبِرُ أَخبارًا، فقَعَدْتُ على راحِلَتي، فقَدِمْتُ إليه، فإذا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُستَخفيًا، جُرَءاءُ عليه قَومُه، فتَلطَّفْتُ حتَّى دَخَلْتُ عليه بمكَّةَ، فقُلْتُ له: ما أنتَ؟ قال: أنا نبيٌّ، فقُلْتُ: وما نبيٌّ؟ قال: أَرسَلَني اللهُ، فقُلْتُ: بأيِّ شَيءٍ أَرسَلَكَ؟ قال: أَرسَلَني بصِلَةِ الأَرحامِ، وكَسْرِ الأَوثانِ، وأنْ يوَحَّدَ اللهُ لا يُشرَكُ به شَيءٌ. فقُلْتُ له: مَن معكَ على هذا؟ قال: حُرٌّ وعبْدٌ، قال: ومعه يَومئذٍ أبو بكرٍ وبِلالٌ ممَّن آمَنَ به، فقُلْتُ: إنِّي مُتَّبِعُكَ، قال: إنَّكَ لا تَستَطيعُ ذلكَ يَومَكَ هذا، ألَا تَرى حالي وحالَ النَّاسِ؟ ولكنِ ارجِعْ إلى أهْلِكَ، فإذا سَمِعْتَ بي قد ظَهَرْتُ فأْتِني. فذَهَبْتُ إلى أهْلي، فقَدِمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المَدينةَ، وكنتُ في أهْلي، فجَعَلْتُ أَتَخبَّرُ الأَخبارَ، وأَسألُ كلَّ مَن قَدِمَ مِنَ النَّاسِ، حتَّى قَدِمَ عليَّ نَفَرٌ مِن أهلِ يَثرِبَ مِن أهلِ المَدينةِ، فقُلْتُ: ما فَعَلَ هذا الرَّجُلُ الَّذي قَدِمَ المَدينةَ؟ فقالوا: النَّاسُ إليه سِراعٌ، وقد أَرادَ قَومُه قتْلَه فلمْ يَستَطيعوا ذلكَ. قال: فقَدِمْتُ المَدينةَ، فدَخَلْتُ عليه، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، أَتَعْرِفُني؟ قال: نعَمْ، أَلَسْتَ الَّذي أَتَيْتَني بمكَّةَ؟()

انظر لبداية الإسلام: ألَا تَرى حالي وحالَ النَّاسِ!

ثم انظر بعدها بسنوات: النَّاسُ إليه سِراعٌ.

نكمل قراءة سفر حجي:

لِي الْفِضَّةُ وَلِي الذَّهَبُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ.

مَجْدُ هذَا الْبَيْتِ الأَخِيرِ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ مَجْدِ الأَوَّلِ: هنا النصُّ يتحدَّث عن بيت جديد للرب!

بيت الرب الجديد الذي تحدثنا عنه قبل قليل بالتفصيل؛ البيت الذي ستُساق له أضاحي بلاد العرب!

مَجْدُ هذَا الْبَيْتِ الأَخِيرِ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ مَجْدِ الأَوَّلِ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ.

وَفِي هذَا الْمَكَانِ أُعْطِي السَّلَامَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: وفي هذا المكان أعطي السلام: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [سورة آل عمران: 97].

هل تنطبق هذه الصفات صفات البيت الجديد على بيت غير البيت الحرام اليوم؟

هل تنطبق على الهيكل اليهودي الذي اختفى من الوجود أصلًا؟

هل تنطبق على مذبح الكنيسة الذي لا تُقدَّم عليه أضاحي أصلًا؟

37- لكن هل وَرَدَ مكان البيت الحرام في "مكة" في التوراة؟

يقول داود عليه السلام عن بيت الرب الجديد في المزامير:

طُوبَى لِلسَّاكِنِينَ فِي بَيْتِكَ، أَبَدًا يُسَبِّحُونَكَ. سِلَاهْ: يُسبحون الله، ويُصلون له أبدًا في بيته هذا!

أين مكان هذا البيت؟ هل هو في الهيكل اليهودي الذي انتهى من الوجود؟ أم في مذابح النصارى التي دخلتها الشركيات؟

نُكمل قراءة لنعرف مكان هذا البيت:

طُوبَى لِأُنَاسٍ عِزُّهُمْ بِكَ. طُرُقُ بَيْتِكَ فِي قُلُوبِهِمْ: تهوي إليه قلوبهم: {أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [سورة إبراهيم: 37].

عَابِرِينَ فِي وَادِي بكَّة: البيت في وادي بكة!

إذَنْ مكان البيت في وادي بكة!!!

{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [سورة آل عمران: 96].

هذا النصُّ وحده كفيل للباحث عن الحق بإنصاف من أهل الكتاب أن يتبع هذا الدين "الإسلام" بلا تردُّد!

فبيت الرب سيكون في وادي بكة.

يُصَيِّرُونَهُ يَنْبُوعًا: ينبوع ماء زمزم.

وكلمة يُصَيِّرُونَهُ: تعني سيصبح به ينبوعٌ بعد أنْ لم يكن به ماء... كان واديًا غير ذي زرع: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ( [سورة إبراهيم: 37].

وطبعًا للأسف كلمة "وادي بكة" في الترجمة العربية هي: وادي البكاء.

ولا أدري أين على وجه الأرض كلِها مكان بهذا الاسم: "وادي البكاء"!

لا وجود لكلمة "وادي البكاء" لا على الخريطة في كل الأرض، ولا في أية نسخة معتمدة من التوراة.

كل النسخ المعتمدة من التوراة في العالم تقول: "وادي بكة" وليس وادي البكاء!

لكن للأسف في الترجمة العربية جعلوها: وادي البكاء.

انظر مثلًا لأكثر نسختين معتمدتين من التوراة في العالم نسخة: New International Version ونسخة King James Version:

كلاهما فيهما:Valley of Baca وادي بكة، وليس وادي البكاء.

والـ B كابيتال: اسم مكان وادي بكة.

لن تجد كلمة وادي البكاء غالبًا إلا في نُسَخ الشرق الأوسط من التوراة؛ سواءً النسخ العربية أو النسخ الآرامية، أما كل النصوص المعتمدة في كل المراجع الكتابية في العالم فهي مطبِقة على أنها وادي بكة وليس وادي البكاء!

فبيت الرب سيكون في وادي بكة!

لَلَّذِي بِبَكَّةَ!

للأسف أهل الكتاب يُخفون الحق!

طالما أنَّ الكتاب المُقدَّس سيكون في الشرق الأوسط وسيطلِّع عليه المسلمون ويحتجُّون به علينا؛ إذَنْ يغيرون الكلمة من وادي بكة إلى وادي البكاء بكل بساطة!

ولذلك توعَّد اللهُ عز وجل أهلَ الكتاب بالعذاب الشديد؛ لما يقومون به حتى يومنا هذا من إخفاءٍ للحق!

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [سورة البقرة: 159].

إن الذين يُخْفون ما أنزلنا من الآيات الواضحات الدالَّة على نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، أولئك يطردهم الله من رحمته، ويدعو عليهم باللعنة جميعُ الخليقة.

وقال ربُّنا سبحانه:

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} [سورة البقرة: 174].

إن الذين يُخْفون ما أنزل الله في كُتُبه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وغير ذلك من الحق: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175].

ما أشدَّ جُرأَتَهُم على النار!

يكتمون محمد كل الأمميين، فيجعلونها: مُشتهى كل الأمم!

يكتمون البيت الحرام في وادي بكة، فيجعلونها: وادي البكاء!

{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [سورة البقرة: 75-76].

نعود لتكملة مزمور داود عليه السلام :

عَابِرِينَ فِي وَادِي بكة، يُصَيِّرُونَهُ يَنْبُوعًا: كان واديًا جافًّا، وقد ورد بالفعل وادي بكة الجاف في لفظ التوراة:

dry valley of Baca: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [سورة إبراهيم: 37].

فماذا حصل بعد سُكناهم؟

يُصَيِّرُونَهُ يَنْبُوعًا: كما قلنا سيظهر عين زمزم!

أيُّ ملحد يستمع لهذه البشارات، ويكتم الحقَّ ويتجاهله، ويجحد ما أنزل الله، فلا يقلُّ جرمًا عن اليهودي والنصراني الذي جحد الحق بعدما ظهر له!

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [البقرة: 161].

إن الذين جحدوا الإيمان وكتموا الحق، واستمرُّوا على ذلك حتى ماتوا، أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، مطرودون من رحمة الله.

فاحذرْ من عقاب الله، ولا تستخفَّ بما أنت عليه من جحود!

فمَن ينكر حقيقة نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم بعدما تبيَّن له الحقُّ، فعليه لعنة الله والملائكةِ والناس أجمعين لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا.

فهل تنطبق هذه البشارات كما تنطبق على محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وعلى دينه، وعلى أمته، وعلى البيت الحرام بمكة؟

فمحمدٌ صلى الله عليه وسلم هو الذي بشَّر اللهُ به موسى قائلًا لموسى: "أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ" سيأتي نبيٌّ مثلك يا موسى من وسط إخوة بني إسرائيل!

أي: من أبناء إسماعيل!

ومَن لا يتبع هذا النبيَّ سيُحاسب: "وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ لِكَلَامِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ".

أيضًا بشَّر حَبَقُّوقُ النَّبِيُّ بنور الوحي الذي سيتلألأ في نسل إسماعيل: "اللهُ جَاءَ مِنْ تِيمَانَ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ".

ومن المعلوم أن بريَّة فاران هي التي سكنها إسماعيلُ!

أيضًا بشَّر اللهُ النبيَّ إشعياء بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم قائلًا له: "هُوَ ذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلْأُمَمِ".

وبشَّره بأنَّ هذا النبي القادم سيرفع صوت الأذان عاليًا: "لِتَرْفَعِ الْبَرِّيَّةُ وَمُدُنُهَا صَوْتَهَا".

سيرفع صوت الأذان في الدِّيَارُ الَّتِي سَكَنَهَا قِيدَارُ: أي في مكة!

لِتَتَرَنَّمْ سُكَّانُ سَالِعَ: وفي المدينة المنورة!

سيعلو صوت الأذان في مكة والمدينة على يد هذا النبي القادم.

وأيضًا بشَّر المسيح عليه السلام بهذا النبي القادم قائلًا: "الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ" الحجر: اللبنة الذي رفضه البنَّاؤون سيصير رأس الزاوية!

وهل غيره صلى الله عليه وسلم عُرف بهذه الصفة أنَّه الحجر رأس الزاوية أو اللبنة؟

والنبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي بشَّر به النبيُّ يعقوبُ عليه السلام بنيه قبل موته قائلًا لهم: "يَأْتِيَ شِيلُونُ".

وهو الذي بشَّر اللهُ به النبيَّ حِجِّي قائلًا له: "وَأُزَلْزِلُ كُلَّ الْأُمَمِ. وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الْأُمَمِ".

وأزلزل كل الأمم، ويأتي محمد الأميين!

وهو الذي بشَّر اللهُ به النبيَّ دانيال عليه السلام في رؤياه، بشَّره به وبأمته، وبشَّره بزمان بعثته، وبشَّره أنَّه على يدَي أمته ستهلك ممالك الكفر الأربع على الأرض، وستمتلك أمته مملكة القرن الحادي عشر... القسطنطينية!

فهل يتوهَّم إنسان باحث بصدق اطلع على شيءٍ من هذه النبوءات والبشارات، هل يتوهم نبيًّا غيره صلى الله عليه وسلم ، وهل يتوهَّم أمةً غير أمتِه؟

العجيب أنَّ هذا مجردُ جزءٍ يسيرٍ من البشارات؛ وأنا أعترف بقِصر جهدي عن تتبُّع كل البشارات، لعل الله يهيئ لهذه الأمة مَن يوقِف نفسه لهذا الباب حتى يعطِيَه حقه...

حيث توجد الكثير والكثير من البشارات في التوراة والإنجيل!

والأعجب أنَّ هذه البشارات التي ذكرتُها هي فقط في الأسفار التي ضمن الكتاب المقدس، فما بالُنا بالأسفار غير القانونية، والتي فيها بشارات أخرى كثيرة؟

فما بالنا بالكتب المقدسة لديانات شرق آسيا وغيرها من الملل التي تحمل الكثير والكثير من البشارات؟

لتبقى حُجَّة الله باقية إلى قيام الساعة على أهل الأرض، فهذا باب من أعظم الأبواب لمن تفرَّغ له وأعطاه حقه!

فهو باب مُلزم لكل أهل الأرض، فكيف توضع نبوءات باسمه محمد صلى الله عليه وسلم وبصفته وبمكان خروجه، بل وبزمان خروجه قبل مبعثه بمئات السنين؟

ولذلك ربنا سبحانه: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [سورة الشعراء: 197].

وقال سبحانه: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [سورة الرعد: 43].

وقال سبحانه: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى} [سورة طه: 133].

فبيِّنة ما في الصحف الأولى هي: الآيات الدالة على نبوته في الكتب المتقدمة، وهي آية من الله على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم** ()**.

38- لكن ما الأسفار غير القانونية؟

الأسفار غير القانونية كُتبت قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بمئات السنين، وهي تٌنسب لبعض الأنبياء مثل: صحف موسى، ورؤيا إبراهيم، وصحف آدم، وهي وإن كانت ليست ضمن الكتاب المقدس إلا أنهم يُعتمدون عليها كثيرًا.

ومازالت بعض نُسخ الكتاب المقدس تضم شيئًا من هذه الأسفار حتى الساعة؛ فمثلًا تعترف الكنيسة الإثيوبية ببعض هذه الأسفار كوحي إلهي!

وهذه الأسفار عددُها أضعاف أسفار الكتاب المقدس؛ وبها الشيء الكثير من البشارات.

وهذا الموقع: http://www.pseudepigrapha.com/

يجمع عددًا كبيرًا من هذه الأسفار غير القانونية!

والقيام على دراسة باب البشارات في مثل هذه الأسفار أمرٌ يرجى فيه خيرٌ كبيرٌ!

39- هل من الممكن إعطاء بعض الأمثلة على البشارات في هذه الأسفار غير القانونية؟

من البشارات التي وردت:

البشارة التي وردت في سِفر رؤيا إبراهيم:

في هذا السفر نجد بشارة واضحة بزمن ظهور النبي الذي دعا به إبراهيم عليه السلام ربَّه: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة البقرة: 129].

النبيُّ الذي سينقل الناس من الوثنية إلى التوحيد!

وردت في هذا السِفر البشارةُ بزمان مبعث هذا النبي.

فقد رُوي عن إبراهيم عليه السلام في هذا السفر أنَّ الله أخبره أنَّ هذا النبي سيُبعث بعد اثني عشر قرنًا من خراب الهيكل، وقد خَرِبَ الهيكلُ في القرن السادس قبل الميلاد، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم بُعث في القرن السادس بعد الميلاد، أي: بالضبط بعد اثني عشر قرنًا، هذه نبوءة موجودة حتى الساعة!

نقرأ في رؤيا إبراهيم الإصحاح التاسع والعشرين ما يلي:

In the last days, in this twelfth period of the age of my fulfill’ment, I will set up this man from your tribe. في آخر الأيام، وبعد المدة الثانية عشرة من عهدي سأقيم هذا الرجل من قبيلتك!

والمدة بحسب نفس السفر في الإصحاح الثامن والعشرين، المدة تعدل قرنًا من الزمان... تعدل مائة عامٍ!

بعد اثني عشر قرنًا من خراب الهيكل سيبعث اللهُ سبحانه مَن يعيد الناس للتوحيد!

وتبدأ البشارة في هذا السفر برؤية إبراهيم عليه السلام في رؤيا له لبعض نسلِه وهم يعبدون الأصنام داخل هيكل عجيب handsome temple وهو الهيكل السليماني... الهيكل العظيم الذي بناه سليمان عليه السلام بعد مئات الأعوام من هذه الرؤيا.

ونتيجةً لهذا الكفر داخل الهيكل أخبر اللهُ إبراهيمَ أنه سيتم سبْي هؤلاء الذين أفسدوا الهيكل بكفرهم، وسوف يُهدم الهيكل، وتُنهب محتوياته!

وهذا ما حدث بالفعل!

ففي القرن السادس قبل الميلاد تم سبْي اليهود على يد نَبُوخَذْنَصَّرَ

بَعْدَ أَنْ أَسْخَطَ آبَاؤُنَا إِلهَ السَّمَاءِ: أسخطوه بالكفريات!

دَفَعَهُمْ لِيَدِ نَبُوخَذْنَصَّرَ مَلِكِ بَابِلَ الْكَلْدَانِيِّ، الَّذِي هَدَمَ هذَا الْبَيْتَ وَسَبَى الشَّعْبَ إِلَى بَابِلَ.

ونهب محتويات الهيكل مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ!

وقد بشَّر اللهُ عز وجل إبراهيمَ عليه السلام أنَّه بعد اثني عشر قرنًا من خراب هذا الهيكل، سيُخرِج شخصًا عظيمًا من نسل إبراهيم، وهذا النبيُّ العظيم سوف يأتي من قلْب ديار الوثنية، وسيُحارَب ويُؤذَى في البداية من هؤلاء الوثنيين، لكنَّه بعد ذلك سينتصر ويتَّبِعُهُ كثيرون ويطيعونه ويعظمونه!

وبينما كان إبراهيم عليه السلام ينظر لهذا النبي في رؤياه؛ خاطبه اللهُ قائلًا: "يا إبراهيمُ، هذا الشخص سيُحرر الناس من الوثنيات، وسينشر التوحيد بعد مُضيِّ اثني عشر قرنًا من خراب الهيكل!".

هذه كانت البشارة!

ولم يخرج بعد خراب الهيكل باثني عشر قرنًا سوى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو الذي خرج من قلب ديار الوثنية، وحُورب في البداية من الوثنيين، لكنه انتصر ونَشَرَ التوحيد!

بالمناسبة الهيكل خَرِب مرتين: مرةً نتيجة عبادة اليهود للأصنام في القرن السادس قبل الميلاد على يد نبوخذ نصر، وهي المرة المقصودة في هذه الرؤيا، ومرةً عام 70 ميلادية على يد الرومان، لكن لم يكن اليهود يعبدون الأصنام في ذلك الوقت، وبالتالي فالخراب المقصود هو الخراب الأول.

وبعد الخراب الثاني انتهى أمر الهيكل، ولم يُعثر له على أثر حتى الساعة!

بالمناسبة نفس هذا التوقيت الزمني لظهور رسالة الإسلام، ذكره أيضًا النبيُّ دانيال في رؤياه كما ذكرنا قبل ذلك!

40- هل البشارة بزمان مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم تُفسر لنا قول اليهود والنصارى زمن البعثة: "هذا زمان نبي"؟

بالفعل!

وأنا كنت أتساءل قبل ذلك: كيف كان أهل الكتاب يعرفون زمن مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم ؟

فمثلًا في حديث الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه ، وفي أثناء رحلة بحثه عن الحقيقة، وبعد أنْ تنقَّل بين الديانات المختلفة، التقى براهب عموريَّة، فقال له راهب عمورية: "قد أظلك زمانُ نبيٍّ هو مبعوثٌ بدينِ إبراهيمَ".

فالسؤال كيف عرَف راهب عمورية أن ذاك الزمان هو زمان ظهور نبي؟

أيضًا نتساءل: كيف كان يهود المدينة ينتظرون بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وكانوا يقولون للوثنيين مِن أهل المدينة هذا زمان ظهور النبي؟

لدرجة أن معرفة اليهود لزمان بعثته صلى الله عليه وسلم هو الذي كان سببًا في إسلام أهل المدينة من الأنصار: "إنَّ مِمَّا دعانَا إلى الإسلامِ أن اليهود كانوا يقولون: قَدْ تَقاربَ زمانُ نبيٍّ يُبعَثُ الآنَ، فكُنَّا كثيرًا ما نسمعُ ذلكَ منهمْ. فلمَّا بَعث اللهُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آلهِ وسلم أجَبْناهُ حينَ دعانا إلى اللهِ تعالى، وَعَرفنَا ما كانُوا يَتَوَعَّدونَا بهِ، فبادرناهُمْ إليهِ فآمَنَّا بهِ".

فكيف عرف اليهودُ زمانَ بعثته صلى الله عليه وسلم إلَّا من هذه البشارات وأمثالها؟

بل إن هرقل عظيم الروم في حواره الشهير مع أبي سفيان قبل أن يسلم والحديث متفق على صحته، قال لأبي سفيان:

قد كنتُ أعلَمُ أنَّه خارجٌ: يعرف وقت خروجه.

ويُوشِكُ أنْ يملِكَ موضِعَ قدَمَيَّ هاتينِ: يعلم أن سيكون نبيًّا مجاهدًا.

ولو كنتُ عندَه، لغسَلتُ عن قدَمَيْه: يريد أن يتشرَّف بغسل قدميه.

فكيف عرَفوا زمن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ؟

هذا كان يُثير تعجُّبي لكن بعد أنْ اطلعت على هذه البشارات، عرفتُ السرَّ!

41- هل هناك بشارات أخرى بزمان بعثته صلى الله عليه وسلم ؟

هناك نصٌّ اطلعت عليه مؤخرًا، وهذا النصُّ ورد في سفر "صعود موسى"؛ وهو أيضًا من ضمن الأسفار غير القانونية!

في هذا السفر يُخبِر موسى فتاه أنَّه بعد دفنه بـ 1750 عامًا سوف تأتي مملكة النبي القادم!

أخبر موسى عليه السلام فتاه يوشع بن نون في هذا السفر، بمملكة النبي القادم، وأنَّ رسالة هذا النبي ستكون للناس كافةً، وأنَّ الله سوف ينتقم من الْأُميِّينَ عُباد الأوثان بهذا النبي؛ حيث سيقوم هذا النبي بمعاقبة الْأُميين وهدم أوثانهم: And He will destroy all their idols.

وفي حديث عمرو بن عَبَسَة في صحيح مسلم؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الله: "أَرْسَلَنِي بصِلَةِ الأرْحَامِ، وَكَسْرِ الأوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لا يُشْرَكُ به شيءٌ"().

فهو صلى الله عليه وسلم الذي كسر الأوثان، وما امتنَّ اللهُ على أهل الأرض بنبيٍّ أعاد التوحيد، وحارب الوثنية وكل صور الشرك ما امتنَّ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم !

{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [سورة التوبة: 33].

يُحدد موسى عليه السلام زمن ظهور هذا النبي القادم، فيقول إنه سيأتي بعد أن أدفن بـ 1750 عامًا!

دُفن موسى عليه السلام تقريبًا في عام 1200 ق.م. أو أقل قليلًا؛ لأن موسى عليه السلام طبقًا لأهل الكتاب كان في زمن الأسرة الفرعونية التاسعة عشرة!

فلو أضفْنا هذا الزمن 1200 ق.م. إلى ألفٍ وسبعمائة وخمسين، فستكون النتيجةُ بالضبط خمسَمائةٍ وخمسين أو ستين أو سبعين ميلادية؛ وهذا هو الزمن الذي وُلد فيه النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم وهو الزمن الذي كان ينتظر فيه أهل الكتاب ظهور النبي القادم!

هذه بشارة من البشارات ما زالت حتى الساعة في كتبهم!

فالنظر في باب البشارات يحتاج لجهود وبحثٍ حتى يُنتفع به في باب الدعوة إلى الله.

42- هل من بشارات أخرى في هذه الأسفار غير القانونية؟

لو نظرنا إلى إنجيل جيمس سنجد وصف صحابة النبي صلى الله عليه وسلم : {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [سورة الفتح: 29].

سنجد هذا الوصف تقريبًا بحَرْفِهِ في إنجيل جيمس:

أتباع مملكة النبي القادم سيكونون مثل: نخلة خرج منها بُرعم (شطأ) ثم تدلَّى من هذا البرعم ثمارٌ من حوله، وأخرجت هذه الثمار ورقًا، وحين شبَّت استغلظت هذه الثمار، وتسببت في جفاف منبعها، وأصبحت هذه الثمار (الخارجة من البرعم) جميلة المنظر تُعجب الزُّرَّاع().

هذه بعض ما في كتب القوم مما للأسف لا يطلع عليه أغلبنا ويتجاهله أهل الكتاب!

فدراسة باب البشارات مشروعٌ عظيمٌ فيه من دلائل صحة هذا الدين ما يُطمئن الباحثين عن الحق في الغرب، وفي أهل الكتاب، وفي الملحدين!

{يَا أَهْل الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} [سورة المائدة: 15].

43- لكن ما معنى هيمنة القرآن الكريم على الكتب السابقة "وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ"؟

قال الله عز وجل : {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [سورة المائدة: 48].

ومهيمنًا عليه: القرآن يُبين ويصحح إشكالاتٍ كثيرةً في هذه الأسفار، ويكشف ما أخفَوْهُ من بشارات، ويعيد الناس للتوحيد، ويبين لهم ما خفي وأشكل عليهم، ويصحح ما دسُّوه من أخطاء وتحريفات في هذه الأسفار!

فمثلًا تقول التوراة خطأً وزورًا وتحريفًا أنَّ: سليمان عليه السلام كفر!

فيأتي القرآنُ الكريم مهيمنًا ومصححًا: فيقول الله عز وجل : {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} [سورة البقرة: 102].

ويقول أهل الكتاب إن المسيح عليه السلام قال لأمه: ما لي ولكِ يا امرأة:

وهي كلمة غريبة... كيف تصدُر من نبي عظيم كالمسيح عليه السلام ؟

حتى إنَّ التفسير التطبيقي للكتاب المقدس يقول إنَّ هذا الردَّ من المسيح عليه السلام على أمه عسيرُ الفهم!

فيأتي القرآن الكريم ليخبرنا بأنَّ المسيح عليه السلام كان برًّا بأمه، فلا ينطق بما يُسيء إليها أبدًا: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي} [سورة مريم: 32].

أيضًا تنسب هذه الأسفار للمسيح عليه السلام أنَّه بُصق في وجهه، ومُزقت ثيابه:

فَعَرَّوْهُ: عرَّوْا المسيح عليه السلام !

وَضَفَرُوا إِكْلِيلًا مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَصَبَةً فِي يَمِينِهِ وَبَصَقُوا عَلَيْهِ: بصقوا على المسيح!

وَأَخَذُوا الْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ وَبَعْدَ مَا اسْتَهْزَأُوا بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ الرِّدَاءَ.

فيأتي القرآن الكريم ليُصحح كل هذا الفهم!

فشخصٌ آخر هو الذي أُهين.

أما المسيح، فكان وجيهًا عليه السلام لم يُمسَّ بإهانة.

{الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [سورة آل عمران: 45].

كان وجيهًا عليه السلام .

ومن المفارقات العجيبة في هذه النقطة أنَّه بعد الحرب العالمية الثانية اُكتشفت في مدينة نجع حمادي بصعيد مصر مخطوطاتٌ تعود للقرن الثالث الميلادي، ومن بين هذه المخطوطات وجدوا سفر سيت الكبير، وفي هذا السفر رُوي عن المسيح عليه السلام أنه قال: كان شخص آخر، هو الذي شرِب المرارة والخلَّ، لم أكن أنا... كان آخر هو الذي وضعوا تاج الشوك على رأسه... وكنت أنا مبتهجًا في العُلا أضحك!

فهو عليه السلام كان وجيهًا ولم يُهَنْ.

هذا السفر المكتشف حديثًا يُبين صورة أكَّد عليها القرآن الكريم، وهي أن المسيح عليه السلام لم يُهَنْ!

أيضًا تنسب التوراةُ لله سبحانه وحاشاه أنَّه بعد أنْ خلق السماوات والأرض استراح من عمله!

فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ اسْتَرَاحَ وَتَنَفَّسَ.

فيأتي القرآن الكريم مهيمنًا ومصححًا، فيقول ربُّنا سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [سورة ق: 38].

ما مسنَّا من نصبٍ ولا تعبٍ.

فالقرآن مُهمين ومُصحح: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ} [سورة النحل: 64].

يقول الطبري في تفسيره: "وما أنـزلنا عليك كتابنا إلا لتبين لهم ما اختلفوا، فتعرِّفهم الصواب منه، والحقَّ من الباطل، وتقيم عليهم بالصواب منه حُجة الله الذي بعثك بها".

فالقرآن يقصُّ على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [سورة النمل: 76].

أيضًا نقرأ في التوراة نصًّا عجيبًا، وهو أنَّ إبراهيم عليه السلام سيكون مباركًا، وأنَّ هناك أُمَّة سوف تباركه، وهذه الأمة التي ستبارك إبراهيم سوف يباركها الله سبحانه!

قال اللهُ لإبراهيم عليه السلام : وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلَاعِنَكَ أَلْعَنُهُ.

فمن يبارك إبراهيم عليه السلام اليوم سوى أمة المسلمين؟

اللهم باركْ على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ.

نقولها كل يوم سبع عشرة مرة يوميًّا كحدٍ أدنى؛ في كل تشهُّد!

فمَن يبارك إبراهيم عليه السلام اليوم غيرُنا؟

في المقابل جعل النصارى إبراهيم عليه السلام تحت اللعنة!

اعتبروه ملعونًا، ولن ينجوا إلا بفداء يسوع على الصليب!

فصدق ربُّنا: "وَلَاعِنَكَ أَلْعَنُهُ".

فانظروا في الأمم واحكموا: مَن بارك إبراهيم، ومَن حكم عليه أنه تحت اللعنة؟

44- هل من ألغاز عند أهل الكتاب يجيب عنها القرآن الكريم؟

القرآن الكريم يفسر لنا لغزًا عجيبًا، ألَا وهو: توقُّف النبوات فجأة في بني إسرائيل!

ما المبرر لانقطاع النبوة فجأًة في بني إسرائيل؟

منذ قرابة ألفَيْ عام توقفت النبوة فجأةً.

وبنو إسرائيل كانوا كلما مات فيهم نبيٌّ خلفه نبيٌّ، ولم يمُرَّ يوم من أيام بني إسرائيل إلا وفيهم نبيٌّ؛ ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأنْبِياءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ"().

وفجأةً تتوقف النبوة!!

لا يبرر هذا الانقطاع المفاجئ للنبوة سوى ظهور الإسلام، فقد انتقلت النبوة والحكم والتشريع والخيرية، انتقلوا للأمة المحمدية.

فالحكم والتشريع والنبوة انتقلوا عن بني إسرائيل إلى أمة المسلمين، وهذا يفسر توقف النبوة فجأةً في بني إسرائيل.

وبنو إسرائيل كانوا يعلمون أنَّ هذا سيحصل كما فصَّلْنا؛ وأنَّ النبوة والحكم والتشريع سينتقلون عنهم!

{أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [سورة الأنعام: 89].

45- هل من أمثلة على أمور غامضة في التوراة يُبيِّنها القرآن الكريم؟

القرآن الكريم يُقدم تفسيرًا لكثيرٍ من الأمور الغامضة في التوراة، ولعل من أعجب الأمثلة على ذلك في نظري هو ذلك السر العجيب في التوراة: سر اختفاء النبي عزرا عليه السلام فجأةً من مسرح الأحداث.

ففي القرن الخامس قبل الميلاد ظهر شخص عظيم، وهو النبي عزرا أو عزير عليه السلام .

كان عزرا عارفًا بالكتاب المقدس الذي أحرقه الملك البابلي نَبُوخَذْنَصَّرَ؛ فنَبُوخَذْنَصَّرَ سبى اليهود إلى مدينة بابل، وخرَّب بلادهم، وأحرق كتابهم المُقدَّس، وبعد السبي عاش اليهود في بابل لسنواتٍ طويلةٍ إلى أن ظهر عزرا عليه السلام .

وبعد ظهور عزرا وانتشار دعوته قرَّر أنْ يقود جماعة المؤمنين معه من بابل إلى القدس "أورشليم"، وأنْ يعيد كتابة الأسفار المقدسة التي ضاعت!

وقبل أن يدخل قرية القدس إذا به يكتشف أن القرية خاويةٌ على عروشها، قد خَرِبت وفسد مَن بقي مِن أهلها، فقد انتشرت الوثنيَّات هناك بشدة.

وهنا تحدُث المفاجأة العجيبة التي لا يجد لها اليهود حلًّا حتى الساعة!

المفترض أنَّ عزرا تحرَّك من بابل، وبعده بثلاثة عشر عامًا تحرَّك شخص آخر اسمه نَحَمْيا:

فعزرا تحرَّك في السنة السابعة من حُكم الملك أرتَحْشَشتا:

ونَحَمْيا بدأ يتحرَّك في السنة العشرين من حكم الملك أرتَحْشَشتا:

وهنا تحدث المفاجأة: يختفي عزرا تمامًا مِن على مسرح الأحداث، ثم يظهر بعد ذلك بزمنٍ طويلٍ جدًّا... يظهر في جيل أحفاد نحميا!

هذا الأمر لا يعرف له اليهودُ تفسيرًا.

حيث لا يوجد في الكتاب المقدس تبريرٌ لهذا الاختفاء المفاجئ لعزرا من على مسرح الأحداث، وظهوره مرةً أخرى بعد زمن طويل.

عزرا أتى قبل نَحميَا كما قلنا بثلاث عشرة سنة، وكانت القدس قريةً خاويةً على عروشها، وكانت الطائفة المؤمنة في القدس قليلة جدًّا، لكن عزرا يظهر فجأةً بعد أجيالٍ طويلةٍ، ليدخل القرية مرةً أخرى وإذا بها ممتلئة بالمؤمنين!

بينما على العكس نحميا الذي أتى بعده يجد الأعدادَ قليلةً، والبيوت لم تُبنَ بعدُ:

والأعجب من كل ذلك أن نَحميَا كان في عصر رئيس الكهنة أَلِياشِيب:

بينما عزرا كان في عصر حفيد ألياشيب: يهوحانان بن ألياشيب:

هذا الموقف العجيب أوقع اليهود في ورطة تاريخية لا يعرفون لها حلًّا.

حيث يختفي عزرا لثلاثة أجيال متعاقبة، ثم يظهر فجأةً في زمن حفيد رئيس الكهنة؟

والجيل من 30 -40 عامًا، فهذا يعني أنَّ عزرا اختفى حوالي مائة عامٍ!

ورطة لا يعرفون منها مخرجًا.

يُقرر موقع تكلاهيمانوت أننا بحاجةٍ للخروج من ورطة التسلسل الزمني للأحداث، فبدأ يضع افتراضات كثيرة تخالف تسلسل النص؛ لأن تسلسل ترتيب الأحداث التاريخية بهذه الصورة مُشكِلٌ؛ فكيف يأتي عزرا قبل نحميا بثلاثة عشر عامًا ثم يدخل القدس في زمن الأحفاد؟

أيضًا طبقًا للمفسر ديريك كيدنر، فهناك حاجة ماسَّة لإعادة ترتيب الأحداث.

أما موقع جامعة القديس أندرو فيعترف أنَّ هذه مشكلة مُحيرة ومربكة... التسلسل الزمني لأحداث عزرا مُرْبِكٌ.

ورُبَّما جواب كل هذا الإشكال وهذه الورطة بأنَّ الشخص الذي أماته الله مائة عامٍ ثم بعثه في سورة البقرة هو عزرا عليه السلام ، وأنَّ القرية هي القُدس، وهذا قول كبار الصحابة وذهب إليه أئمة التفسير.

فهو قول ابن عباس وقتادة وعكرمة والضحَّاك والسُّدِّي وجماعة من جماهير أهل العلم.

{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259].

فبعد أن بعث اللهُ عزرا ودخل القرية بعد مائة عامٍ وجدها قد امتلأت بالناس، بل وبُنيَ السور حول المدينة!

فالسور حول القدس بناه نحميا، ولم يظهر عزرا في المشهد إطلاقًا، وهناك سِفر كامل في الكتاب المقدس "سفر نحميا" يتناول بناء السور، فأين كان عزرا؟

عزرا لم يظهر إلا في زمن أحفاد هذا الجيل، والمدينة قد كبرت والسور تم بناؤه؛ فبدأ يُعلم الناس دينهم، وأعاد جمع أسفار الكتاب المُقدَّس التي ضاعت.

فهنا القرآن الكريم مهيمنٌ على الكتب السابقة، ويحل هذه الورطة التي تواجهها التوراةُ، ويخبر أنَّ عزرا أماته الله مائة عام ثم بعثه؛ لذلك اختفى من مسرح الأحداث طوال هذه المدة!

سبحان الله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [سورة النمل: 76].

46- بالمناسبة هناك سؤال متكرر: أين قالت اليهود: إن عزيرًا ابن الله؟

قال ربُّنا سبحانه: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [سورة التوبة: 30].

عزرا كان من أعظم شخصيات بني إسرائيل كما قلنا، ونظرًا لعظيم أعماله، وجمعه للأسفار المقدسة التي ضاعت، قام اليهود بتقديسه وتنزيله منزلة الإله.

وقد ورد هذا الأمر في كتبهم، واعتقدوه زمانًا طويلًا، فنقرأ في سفر إسدراس الثاني 2 Esdras أو سفر النبي عزرا كما كان يُسمى نقرأ فيه تأليه عزرا ورفعه لمرتبة الألوهية.

وهذا السفر إسدراس الثاني ظل لزمنٍ طويلٍ أحد الأسفار اليهودية المقدسة، وكان ملحقًا بسفر عزرا.

فسفر عزرا الموجود حاليًّا ضمن الكتاب المقدس كان ملحقًا به هذا السفر "سفر إسدراس الثاني".

ولذلك اقتبس كبار المراجع الدينية من أهل الكتاب اقتباساتٍ كثيرةً من هذا السفر، كما يقول موقع تكلاهيمانوت:

فهذا السفر كان يومًا ما سفرًا قانونيًّا معترفًا به بين أهل الكتاب.

وفي جزء "عزرا الرابع" من هذا السفر The Book of 4 Ezra يظهر بصورة جليَّة تأليه عزرا، ورفعه لمرتبة الألوهية.

وطبقًا لموقع جامعة القديس أندرو، فإنَّه في هذا الجزء ورد أنه تمَّ تأليه عزرا apotheosis of Ezra.

apotheosis of Ezra تعني: تأليه عزرا.

فكلمةapotheosis معناها: تأليه أو جعل الشخص بمنزلة الإله godlike.

وبالمناسبة هناك جماعات من أهل الكتاب تُؤمن حتى الساعة أنَّ جزء عزرا الرابع كتابٌ قانونيٌّ مُقدَّس.

وما زال هذا السفر موجودًا ضمن الكتاب المقدس عندهم مثل: الكنيسة الإثيوبية.

فالكتاب المقدس في إثيوبيا يحتوي على هذا السفر "سفر عزرا الرابع" حتى الساعة.

إذَنْ دراسة كتب أهل الكتاب؛ سواءً القانونية أو غير القانونية... دراسة هذه الكتب من قِبل متخصصين تفتح بابًا عظيمًا للدعوة إلى الله!

وفيها من أدلة صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم الشيء الكثير، وهي تجيب عن كثير من التساؤلات عند أهل الكتاب وتكشف الكثير من الإشكالات لديهم!

فالنظر في باب البشارات في ديانات وشرائع أهل الأرض يحتاج لجهود وجهود ودراسات متخصصة، بل ومراكز بحثية كاملة، وحتى الآن لم يُبذل بعد الجهد المطلوب في هذا الباب!